سحابة الحروف المبعثرة قصة القرية التي أمطرت كلمات مضيئة

الراوي
0

في تلك القرية الصغيرة، لم تكن الكلمات أصواتاً عابرة تموت عند الشفاه، بل كانت تخرج من الأفواه كأشرطة حرير ملونة، لها ملمس الندى، ورائحة الخبز الطازج، وبريق الفوانيس حين تشتعل في أول المساء.

كان الناس إذا قالوا صباح الخير، رأى السامع أمامه خيطاً ذهبياً يلتف في الهواء مثل شمس صغيرة.

لكن مازن، الطفل ذو العينين الواسعتين كنافذتين على حلم مؤجل، كان كلما فتح فمه خرجت منه حروف متفرقة، ترتجف كفراشات ضائعة، ثم تطير بعيداً قبل أن تمسك يد المعنى بأجنحتها.

قصة اطفال سحابة الحروف المبعثرة قصة القرية التي أمطرت كلمات مضيئة

القرية التي كانت كلماتها تُلمس باليد

في الصباح، كانت الأمهات ينادين أبناءهن، فتتدلى أسماؤهم من النوافذ كعناقيد زرقاء ناعمة، وكان الباعة يرفعون أصواتهم في السوق، فتتناثر عباراتهم فوق السلال كحبات رمان من الضوء.

أما ضحكات الأطفال، فكانت تنطلق ككرات زجاجية ملونة، تقفز فوق الطرقات المرصوفة بالحجر.

كان لكل كلمة شكلها الخاص؛ فكلمة حب تأتي دافئة كقطعة صوف قرب المدفأة، وكلمة ماء تنساب شفافة بين الأصابع، وكلمة بيت تظهر مربعة صغيرة لها باب أحمر وسقف من دخان مطمئن.

الطفل الذي هربت منه الكلمات

كان مازن يقف بين الأطفال في ساحة المدرسة، يراقب كلماتهم وهي ترتفع منظمة، متشابكة، جميلة، بينما كانت حروفه هو تخرج منفردة ميم تهبط على كتفه، ألف تدور حول أنفه، زاي تقفز إلى أعلى كسمكة فضية، ونون تختبئ تحت المقعد.

ضحك بعض الصغار مرة، لا لأنهم قساة تماماً، بل لأنهم لم يفهموا وجع الحرف حين يفقد طريقه إلى الكلمة.

ومنذ ذلك اليوم، أغلق مازن فمه كما تُغلق نافذة في وجه عاصفة، وصار يجيب بالإيماء، ويبتسم ابتسامة صغيرة لا تصل إلى عينيه.

صمت مازن والسر الذي نام في صدره

مرّت الأيام، وصار صمت مازن ثقيلاً كحقيبة مملوءة بالحجارة.

كان يسمع أمه تقول له عند المساء تكلم يا صغيري، صوتك ليس عيباً، فتخرج كلماتها وردية ناعمة وتحط فوق يديه، لكنه كان يخفي أصابعه في جيبه خوفاً من أن يردّ فتتبعثر الحروف أمامها.

وفي الليل، حين ينام الجميع، كان مازن يفتح فمه قليلاً أمام المرآة، يحاول أن يقول اسمه، فلا يخرج إلا سرب صغير من الحروف المرتبكة، يضرب الزجاج بأجنحة شفافة، ثم يختفي في زوايا الغرفة.

همسة وردية عند حافة النافذة

في ليلة كان القمر فيها نحيفاً كظفر من فضة، سمع مازن صوتاً خفيفاً يشبه احتكاك الريش بالهواء.

نظر إلى النافذة، فرأى سحابة صغيرة وردية اللون، لا أكبر من وسادة، تطفو خارج الغرفة وتلمع من الداخل كما لو أن نجمة نائمة اختبأت في قلبها.

اقتربت السحابة من الزجاج، ثم عبرته دون أن تكسره، وتوقفت أمام مازن.

كانت رائحتها مثل حلوى القطن، وصوتها مثل سرّ لطيف حين قالت أنا سحابة الحروف، كل حرف تنطقه يضيع مني، تعال نلعب لعبة.

لعبة الحروف التي بدأت بالخوف

تراجع مازن خطوة، وأحس بقلبه يطرق صدره كعصفور محبوس، لكن السحابة ابتسمت ابتسامة من ضوء وردي وقالت لن نطارد الكلمات الكبيرة أولاً، سنمسك الحروف الصغيرة.

كل حرف له بيت، وكل بيت ينتظر أن يعود إليه صاحبه.

فتحت السحابة بطنها الناعم، فإذا بداخله فضاء صغير تدور فيه حروف كثيرة، بعضها يلمع، وبعضها يئن كأنه بردان، وبعضها يضحك وهو يهرب من يد غير مرئية.

أول كلمة تضيء

همس مازن بحذر مـ، ا، ء، فخرجت الحروف الثلاثة مرتجفة، وكادت الميم تهرب نحو السقف، لكن السحابة نفخت نسمة رقيقة، فأبطأ الحرف، ومدّ مازن يده والتقطه.

ثم أمسك الألف، وأخيراً ضم الهمزة الصغيرة كحبة مطر.

حين رتّب الحروف، ظهرت كلمة ماء شفافة بين كفيه، باردة ورقيقة، وانسكب منها خرير ناعم ملأ الغرفة.

اتسعت عينا مازن، أما السحابة فكبرت قليلاً، وصارت أكثر امتلاءً، كأنها شربت فرحته.

الكلمات تعود من منفاها

في الليالي التالية، صارت السحابة تزور مازن كلما نامت القرية، فيجلسان قرب النافذة يلعبان لعبة الحروف.

يقول قمر، فتخرج القاف مترددة، والميم مستديرة، والراء لامعة كذيل مذنب، ثم تتجمع الكلمة وتضيء الغرفة بنور لبني هادئ.

وقال أمي، فخرجت الكلمة دافئة حتى إن الستائر تحركت كأنها تتنفس، وشعر مازن بأن شيئاً عالقاً في صدره منذ زمن بدأ يذوب، قطرة بعد قطرة، دون أن يؤلمه.

جملة كاملة لأول مرة

في صباح جديد، وقفت أمه عند الباب تناديه إلى الفطور، فرفع مازن رأسه، وشعر بالسحابة الورديّة تختبئ خلف كتفه مثل صديقة لا يراها أحد.

بلع خوفه، وفتح فمه ببطء، ثم قال أمي، أنا أحب صوتي.

خرجت الجملة من بين شفتيه مثل عقد من مصابيح صغيرة، كل كلمة فيه تمسك بيد الأخرى، لا حروف هاربة، ولا فراشات ضائعة.

توقفت أمه في مكانها، وارتجفت عيناها، ثم ضمته إلى صدرها حتى اختلط دفء قلبها ببريق الكلمات.

حين أمطرت السماء حروفاً مضيئة

انتشر الخبر في القرية كما تنتشر رائحة الخبز عند الفجر.

جاء الأطفال إلى الساحة، وجاء الكبار من السوق والنوافذ والحقول، ووقف مازن في الوسط، لا مختبئاً خلف أحد، ولا مطأطئ الرأس كما كان يفعل من قبل.

ظهرت السحابة فوقه، وقد صارت كبيرة كقبة وردية، تدور في داخلها آلاف الحروف.

همست له قل ما في قلبك، فالحروف لا تحب السجون.

رفع مازن وجهه، وقال بصوت واضح كل حرف يحتاج صبراً حتى يجد كلمته.

عندها انفتحت السحابة، وهطل منها مطر عجيب من الحروف المضيئة؛ لم تكن تبلل الثياب، بل تلمس الجباه بخفة، وتدخل الضحكات، وتستقر على ألسنة الأطفال مثل شرارات سعيدة.

صار كل طفل ينطق كلماته، فتتفجر في الهواء كألعاب نارية من نور، لا تؤذي أحداً، بل توقظ الدهشة في العيون.

نهاية الحكاية صوت مازن يصير عيداً

منذ ذلك اليوم، لم تعد القرية تضحك من الحروف المبعثرة، بل كانت تنحني لها برفق، كمن يستقبل طائراً صغيراً يحتاج إلى راحة اليد قبل أن يتعلم الطيران.

أما مازن، فصار إذا أخطأ في كلمة، يبتسم، يلتقط حروفها، ويعيد ترتيبها كما يعيد طفل بناء قصر من مكعبات ملونة.

كبرت السحابة الوردية حتى صارت تسكن أعلى برج المدرسة، تظهر كلما تعثر طفل في نطق كلمة، وتهبط كظل من سكر وضوء، تهمس له بأن اللسان لا يولد عارفاً كل الطرق، وأن الكلمات الجميلة قد تبدأ أحياناً كفوضى صغيرة.

وفي آخر مساء من تلك الحكاية، وقف مازن تحت المطر اللامع، وقال جملة طويلة عن القمر والبحر والبيوت التي تحب أسماء أصحابها، فصعدت كلماته إلى السماء في قوس ملوّن.

عندها أدرك أهل القرية أن الصوت لا يُقاس بسرعة خروجه، بل بالشجاعة التي تحمله إلى النور.

فالطفل الذي تفرّ منه الحروف ليس ناقصاً، بل يحمل في داخله أبجدية تبحث عن بابها.

وما من قلب يصبر على فوضاه، ويصغي إليها بحنان، إلا رأى منها يوماً سحابة تمطر على العالم معنىً جميلاً, قصة ساعة اليد التي كانت تتأخر دقيقة واحدة وتغير الحياة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد