الدقيقة التي لم تكن خطأ, في صباح بارد يشبه صفحة بيضاء لم تُكتب بعد، وقف علي أمام المرآة يربط ربطة عنقه كما يربط المهندس جسراً فوق نهر متقلب؛ بدقة لا تسمح لارتعاشة إصبع أن تمر دون حساب.
كان كل شيء في حياته مضبوطاً القهوة عند السابعة واثنتي عشرة دقيقة، المصعد عند السابعة وسبع عشرة، وخطواته إلى محطة المترو بعدد لا يزيد ولا ينقص.
لكن الساعة القديمة التي تركها له والده لم تكن تؤمن بهذا النظام الصارم.
كانت تتأخر دقيقة واحدة كل صباح، كأنها تهمس له من معصمه ليس كل تأخير خراباً، يا علي.
الرجل الذي كان يعيش داخل عقرب الساعة
كان علي مهندساً في شركة كبرى، رجلاً يعرف لغة الأرقام كما يعرف المرء ملامح وجهه في الظلام.
مكتبه مرتب كأنه نموذج مصغر لعقله؛ الملفات مصطفة، الأقلام متوازية، والتقويم على الحائط لا يحمل فراغاً واحداً بلا معنى.
لم يكن يحب المفاجآت.
المفاجأة في رأيه ثقب صغير في جدار السيطرة، والصدفة كلمة يستخدمها الكسالى حين يعجزون عن شرح الأسباب.
حتى ضحكته كانت تأتي في موعدها، خفيفة محسوبة، لا تطيل البقاء في الغرفة.
في ذلك الصباح، وجد صندوقاً خشبياً صغيراً فوق طاولة المطبخ، وقد بدا غريباً بين الأكواب النظيفة ودفتر الملاحظات.
كان الصندوق من خشب داكن تفوح منه رائحة قديمة، رائحة خزائن البيوت التي تحفظ أسرار العائلة أكثر مما تحفظ الملابس.
هدية من رجل غائب
فتح علي الصندوق ببطء، فظهرت ساعة يد قديمة بسوار جلدي متشقق وزجاج مخدوش عند الحافة.
تحتها ورقة صغيرة بخط أمه وجدتها بين أشياء أبيك.
كان يريد أن تصلك يوماً.
تجمدت أصابعه فوق الورقة.
مات والده منذ سبع سنوات، لكن اسمه كان لا يزال قادراً على تحريك هواء الغرفة.
تذكر يده الخشنة وهي تربت على كتفه، وصوته الهادئ حين كان يقول لا تجعل الوقت سيدك يا علي، اجعله رفيقاً.
ارتدى الساعة لا حباً في القديم، بل احتراماً لرجل لم يعد قادراً على تقديم الهدايا.
كانت تشير إلى السابعة تماماً، بينما ساعة الحائط تشير إلى السابعة ودقيقة.
ابتسم علي بسخرية خفيفة، وقال لنفسه معطوبة.
ككل الأشياء التي ترفض الانضباط.
الدقيقة الناقصة التي أنقذت صباحه
قرر علي أن يخرج متأخراً دقيقة واحدة فقط حتى لا يضبط الساعة فوراً، كأنه يمنحها فرصة أخيرة قبل أن يأخذها إلى محل التصليح.
أغلق الباب، نزل الدرج، وفي الخارج كان الهواء مبللاً برائحة المطر والإسفلت الساخن.
عند نهاية الشارع، سمع صوت فرامل حاداً مزق الصباح كصرخة معدنية.
سيارة مسرعة انزلقت عند المنعطف واصطدمت بعمود إنارة في اللحظة نفسها التي كان يعبر فيها عادة كل يوم.
وقف علي مكانه، والبرد يصعد في ظهره كيد خفية.
نظر إلى ساعته القديمة، ثم إلى العمود المحطم، ثم إلى موضع خطواته المعتادة.
دقيقة واحدة فقط كانت تفصل بينه وبين الزجاج المتناثر على الرصيف.
صدفة أم رسالة؟
في العمل، ظل يحدق في الساعة كلما ظن أن أحداً لا يراه.
كان عقرب الثواني يتحرك بثقة متعبة، كشيخ يعرف الطريق ولا يهتم بمن يستعجله.
حاول علي أن يقنع نفسه أن الأمر مصادفة، وأن المصادفات لا تستحق بناء نظرية حولها.
لكن في اليوم التالي، تكررت الدقيقة.
تأخرت الساعة بالقدر نفسه، وخرج علي متأخراً دون قصد.
في محطة المترو، أغلق القطار أبوابه قبل أن يصل، فاشتعل غضبه في صدره كعود ثقاب.
وبينما ينتظر القطار التالي، سمع اسمه من خلفه.
التفت، فإذا بسامر، صديقه القديم الذي انقطعت أخباره منذ الجامعة، يقف مبتسماً وقد ترك الزمن على وجهه خطوطاً دافئة.
كان لقاءً قصيراً، لكنه أعاد إلى صدر علي شيئاً يشبه النافذة.
قاعدة الدقيقة المؤجلة
لم يعد علي يضحك على الساعة.
صار يراقبها كما يراقب العلماء ظاهرة غامضة في مختبر صامت.
كل صباح، كانت تتأخر دقيقة واحدة بالضبط، لا أقل ولا أكثر، كأن قلبها الصغير يعصي الزمن بقدر محسوب.
في اليوم الثالث، تأخر دقيقة عن اجتماع مهم، فوجد المدير قد تأخر أيضاً، ونجا من عرض غير مكتمل كان قد نسي تعديله.
في اليوم الرابع، عاد إلى شقته بعد أن نزل منها بدقيقة، فوجد محفظته على الطاولة قبل أن يتركها خلفه يوماً كاملاً.
شيئاً فشيئاً، بدأ يسمي الأمر في سره قاعدة الدقيقة المؤجلة.
لم يخبر أحداً بها، فقد كانت تبدو سخيفة حين تُقال بصوت عالٍ، لكنها على معصمه كانت تبدو كقانون كوني صغير لا يعرفه إلا هو.
حين اتسعت الدقيقة
صار علي يؤخر رده على الرسائل دقيقة، فيختار كلمات ألطف.
يؤخر عبوره للشارع دقيقة، فيرى وجهاً محتاجاً لمساعدة.
يؤخر شرب قهوته دقيقة، فيشم رائحتها كأنها أول قهوة في حياته.
لم يكن التأخير يفسد يومه كما كان يظن.
بل كان يضع بينه وبين اندفاعه ستين ثانية من الهواء النقي، ستين ثانية تتسلل فيها الحياة من الشقوق التي طالما سدها بالجدول والمواعيد.
في إحدى الأمسيات، جلس في مقهى صغير لأنه أخّر عودته إلى البيت دقيقة.
كانت السماء تمطر، وكانت امرأة عجوز تبحث عن كرسي بعيد عن النافذة.
نهض علي ومنحها مكانه، فابتسمت وقالت أحياناً يصل الإنسان متأخراً كي يكون في المكان الصحيح.
لغز الأب الذي لم ينتهِ
في تلك الليلة، عاد علي إلى صندوق الساعة وفتشه بعناية أكبر.
تحت القماش الأسود، وجد ورقة أخرى، أقدم من الأولى، مطوية كأنها خافت من الضوء طويلاً.
كان خط والده واضحاً رغم اصفرار الورق يا علي، حين تكبر ستظن أن الدقة وحدها تنقذ الإنسان.
ستتعلم متأخراً أن بعض النجاة تأتي من فسحة صغيرة نتركها للمجهول.
قرأ الجملة مرات كثيرة.
لم تكن الساعة معطوبة إذن، أو ربما كانت معطوبة بالطريقة التي تجعلها أكثر حكمة من كل الساعات الصحيحة.
أحس علي أن والده لم يترك له آلة تقيس الوقت، بل باباً صغيراً يفتح على معنى لم يفهمه في حياته السابقة.
آخر موعد مع النظام القديم
في صباح اليوم التالي، وقف علي أمام المرآة كعادته، لكنه لم يربط ربطة عنقه فوراً.
تركها معلقة حول رقبته، ونظر إلى وجهه طويلاً، كأنه يرى رجلاً كان يعرفه ثم بدأ يبتعد عنه.
كانت الساعة تشير إلى السابعة إلا دقيقة، بينما العالم يصر على السابعة تماماً.
مد يده نحو زر ضبط الوقت، ثم توقف.
لم يعد يريد إصلاحها، ولم يعد يريد أن تعود مطيعة مثل باقي الأشياء.
بدلاً من ذلك، أدار العقرب إلى وقت مختلف؛ ليس دقيقاً تماماً، وليس خاطئاً تماماً.
وقت يشبهه في تلك اللحظة بين السيطرة والتسليم، بين الخوف والثقة، بين الطريق المرسوم والشارع الذي يظهر فجأة بعد منعطف المطر.
رقصة مع إيقاع غير منتظم
خرج علي إلى الشارع دون أن يراجع جدول يومه للمرة العاشرة.
كان يمشي أبطأ قليلاً، يسمع وقع حذائه، ورذاذ الماء تحت العجلات، وبائع الخبز ينادي بصوت دافئ كأن الصباح خبزٌ طازج.
لم يعد ينتظر من الدقيقة أن تنقذه كل يوم.
فهم أخيراً أن المعجزة لم تكن في الساعة وحدها، بل في المسافة التي منحتها له بين الفعل ورد الفعل، بين العجلة والبصيرة، بين أن يسبق الحياة وأن يمشي إلى جوارها.
ومنذ ذلك اليوم، صار يضبط ساعته على وقت مختلف كل صباح.
لا ليخدع الزمن، بل ليذكر نفسه أن الحياة ليست سباقاً محموماً نحو نهاية لا نراها، وإنما رقصة طويلة مع إيقاع ناقص، لا تكتمل موسيقاه إلا حين نكف عن عدّ الخطوات ونبدأ في الإصغاء.
ما تتركه لنا دقيقة واحدة
ليست كل الدقائق المتأخرة خسارة، وليست كل الطرق المستقيمة أقصر الطرق إلى النجاة.
أحياناً، تمنحنا الحياة هامشاً صغيراً لا ننتبه إليه، فنظنه عطلاً أو خللاً أو تعطيلاً قاسياً، بينما يكون في حقيقته مقعداً شاغراً للصدفة، ونافذة مفتوحة لرحمة لم تكن في الحسبان.
تعلم علي أن الزمن لا يُهزم بالدقة، ولا يُمتلك بالجداول، ولا يُطاع كما تُطاع الآلات.
الزمن يُرافق، يُصغى إليه، ويُترك له أحياناً أن يتنفس دقيقة واحدة قبل أن نمضي, رسائل لم ترسل إلى بحيرة منسية قصة أروى وأثير بين الثلج والسر من هنا.
