سرير الغيوم المعلقة قصة منال التي خلعت أفكارها قبل النوم

الراوي
0

حين صار السرير أخف من الخوف, لم تكن الغرفة مظلمة تماماً، بل كانت ترتدي عتمة زرقاء خفيفة، كتلك التي تسبق الفجر ولا تنتمي إليه.

استلقت منال على سريرها، ورأسها مكتظّ بأصوات متراكمة كأوراق الخريف حين تدهسها الريح في زوايا الطرقات؛ صوت موعد مؤجل، وصوت رسالة لم تُجب عنها، وصوت جملة قالها أحدهم وبقيت عالقة في صدرها كشوكة صغيرة.

أغلقت عينيها، لكنها لم تجد النوم.

كان الوساد بارداً تحت خدها، والبطانية فوقها ثقيلة كأنها مساء كامل، أما قلبها فكان يطرق في الداخل طرقات ناعمة متقطعة، كزائر لا يعرف هل يُسمح له بالدخول أم عليه أن ينتظر خلف الباب.

حكاية سرير الغيوم المعلقة قصة منال التي خلعت أفكارها قبل النوم

بداية الارتفاع الغامض

في البداية، ظنت منال أن الدوار تسلل إليها من شدة التعب.

شعرت بأن جسدها ينفصل عن الأرض بمقدار نفس واحد فقط، ثم بمقدار تنهيدة، ثم بمقدار صمت طويل.

لم يتحرك شيء في الغرفة؛ المصباح ظل ساكناً، والستائر معلقة، والكرسي في زاويته كحارس نعسان، لكن السرير كان يرتفع.

فتحت عينيها ببطء، فرأت سقف غرفتها يبتعد عنها كما تبتعد صفحة كتاب تُغلقها يد غير مرئية.

لم تصرخ، لأن الدهشة كانت أوسع من الخوف، ولأن الهواء حولها صار ناعماً على نحو لا يسمح للصوت أن يكون حاداً.

كان السرير يطفو بلا اهتزاز، كزورق صغير صعد من بحر خفي.

وكلما ارتفع، خفّ صوت العالم في الأسفل، حتى غدا ضجيج رأسها أوضح من كل شيء، كأن الأصوات التي ظنتها داخلها صارت تجلس حولها وتتنفس.

سقف يبتعد وسماء تولد

لم يعد فوقها سقف، بل طبقة رقيقة من الغيوم، بيضاء باهتة تشبه القطن حين يبتلّ بالهدوء.

تسللت الرطوبة اللطيفة إلى أطراف أصابعها، ولمست جبهتها برفق، كأن السماء نفسها تمسح عنها آثار يوم طويل.

نظرت منال حولها، فرأت غرفتها تتلاشى في الأسفل، لا تختفي دفعة واحدة، بل تنسحب خيطاً خيطاً من نسيج الرؤية.

بقي السرير وحده، عائماً بين غيوم شفافة، وتحتها عالم بعيد لا يُرى منه إلا صمت عميق.

الصوت الذي جاء من بين الغيوم

عند حافة السرير، تحرك الهواء كستارة خفيفة، ثم سمعت صوتاً هادئاً، لا يشبه أصوات البشر تماماً، ولا يشبه الريح.

كان قريباً من أذنها وبعيداً في الوقت نفسه، كأنه صادر من داخل الغيمة ومن داخلها معاً.

قال الصوت اخلعي أفكارك وعلقيها على الخطافات.

تجمدت منال.

لم تفهم أول الأمر، لكنها رأت إلى جانبها خطافات فضية معلقة في الهواء، تلمع بخفوت كأنها مصنوعة من ضوء القمر.

لم تكن مثبتة في جدار أو سقف، بل واقفة في الفراغ بثقة عجيبة، وكل خطاف يحمل اسماً محفوراً عليه بخط ناعم.

خطاف القلق

اقترب منها أول خطاف، أو ربما اقتربت هي منه دون أن تتحرك.

كان مكتوباً عليه القلق.

وحين قرأت الكلمة، شعرت بشيء ثقيل على كتفيها، كمعطف مبتلّ بالمطر ظلت ترتديه طوال اليوم دون أن تنتبه.

مدت يدها إلى كتفها، فإذا بالقلق ينخلع فعلاً.

لم يكن فكرة مجردة، بل معطف رمادي، بارد الأطراف، تنبعث منه رائحة انتظار طويل.

علقته على الخطاف، فارتجف الفضاء حولها لحظة، ثم هدأ.

شعرت منال بأن صدرها اتسع قليلاً، كنافذة فُتحت في غرفة مغلقة.

خطاف التفكير الزائد

كان الخطاف الثاني يحمل عبارة التفكير الزائد.

وحين قرأتها، انفتح في رأسها ممر طويل من الأسئلة؛ لماذا قالت ذلك؟ ماذا لو حدث هذا؟ ماذا سيظنون؟ ماذا لو أخطأت؟ كانت الأسئلة تلتف حول عنقها كوشاح ضيق.

خلعت الوشاح ببطء، وكان طويلاً على نحو مخيف، يتدلى من بين أصابعها كخيط لا نهاية له.

كلما سحبته، خرجت معه صورة، واحتمال، وخوف صغير متنكر في هيئة منطق.

علقته على الخطاف، فانكمش الوشاح حتى صار شريطاً خفيفاً من ضباب.

عندها ارتفع السرير مقدار غيمة كاملة، ومنال معه، كأن السماء كافأتها على أول استسلام حقيقي.

قائمة الغد وماذا قال فلان

لم تكن الخطافات كلها مخيفة.

بعضها كان مألوفاً بشكل مؤلم، كالأشياء التي نراها كل يوم حتى نظنها جزءاً من أجسادنا.

رأت خطافاً كُتب عليه قائمة الغد، وآخر يحمل ماذا قال فلان.

ابتسمت منال ابتسامة صغيرة، متعبة، حين رأت الاسمين.

كم مرة نامت وهي ترتب صباحاً لم يأت بعد؟ وكم مرة منحت جملة عابرة سلطة أن تجلس فوق قلبها حتى الفجر؟

حين تتحول المهام إلى حجارة

اقتربت من قائمة الغد، فظهر بين يديها دفتر صغير بأوراق كثيرة، لكن أوراقه لم تكن من ورق، بل من حجارة رقيقة.

كان كل بند محفوراً عليها اتصال، عمل، اعتذار، ترتيب، رد، موعد، شراء شيء نسيته مرتين.

حملته بصعوبة، ثم وضعته على الخطاف.

لم يسقط، بل بقي معلقاً في الهواء كأنه يعرف مكانه أخيراً.

حين تركته، أحست بأن ذراعيها لم تعودا مطالبتين بحمل يوم لم يبدأ.

الجملة التي كبرت في الظلام

أما ماذا قال فلان، فكان أغربها.

خرجت من صدرها كرة صغيرة من صدى، فيها ضحكة ناقصة ونبرة غامضة وكلمة لم تكن جارحة تماماً، لكنها ظلت تكبر في الليل حتى صارت وحشاً من تأويل.

نظرت إليها منال طويلاً، ثم همست لن أعرف الآن، ولا يلزمني أن أعرف الآن.

علقتها على الخطاف الفضي، فانطفأت الكرة برفق، كما تنطفئ شمعة حين يضع أحدهم حولها كفه بحنان.

الغيمة التي صارت بطانية

ما إن انتهت منال من تعليق أفكارها، حتى جاءت غيمة بيضاء من جهة لا تعرفها.

لم تكن كسائر الغيوم؛ كانت أكثر قرباً، وأكثر دفئاً، ناعمة كالحرير حين يمر فوق الجلد في ليلة شتوية.

التفت الغيمة حولها ببطء، لا كقيد، بل كبطانية تفهم التعب.

غطت كتفيها، ولامست قدميها، ثم انحنت قرب أذنها وهمست هنا، الأفكار معلقة بالخارج، وأنتِ هنا فقط لتتنفسي.

أخذت منال نفساً عميقاً.

دخل الهواء إلى رئتيها بارداً ونظيفاً، كأنه لم يمر على المدن ولا النوافذ ولا الأخبار.

وحين أخرجته، شعرت بأن شيئاً قديماً يغادرها دون ضجيج.

سرير بلا أرض وقلب بلا عجلة

استلقت في الهواء، والسرير تحتها لم يعد قطعة أثاث، بل جزيرة ناعمة في بحر من بياض.

لم يكن هناك وقت، ولا ساعة، ولا شاشة تضيء فجأة، ولا رسالة تنتظر جواباً.

كل ما حولها كان يتحرك ببطء الغيوم، أنفاسها، نبضها، وحتى الخوف صار بعيداً، معلقاً على خطاف فضي لا يستطيع الوصول إليها.

عدّ الغيوم حتى الغياب

مرت أول غيمة أمامها مثل خروف أبيض نائم.

تابعتها منال بعينين نصف مفتوحتين وهمست في داخلها غيمة.

ومع اكتمال الكلمة، ثقلت جفونها قليلاً، كأن حرف الميم وضع فوقها قطرة من نعاس.

ثم جاءت الثانية، أكبر وأبطأ، تميل على جانبها كوسادة ضخمة.

قالت منال غيمتان.

ولم تعد الأصوات في رأسها أصواتاً، بل ظلالاً بعيدة خلف زجاج كثيف.

الثالثة والرابعة والخامسة

عبرت الثالثة كأنها تحمل حلماً لم يولد بعد، ناعمة الأطراف، شفافة الوسط.

عندها شعرت منال بأن يدها استرخت فوق البطانية الغيمية، وأن أصابعها لم تعد تبحث عن شيء تمسكه.

أما الرابعة، فكانت تشبه قارباً من حليب بارد، ينساب بلا مجداف.

ومعها نزل الصمت على صدر منال، لا صمت الفراغ، بل صمت الغرف الآمنة حين ينام أهلها مطمئنين.

وحين مرت الخامسة، لم تعد منال تميز أين ينتهي جسدها وأين تبدأ الغيمة.

كان كل شيء يتحول إلى نعومة واحدة، إلى بياض واحد، إلى تنفس عميق لا يستعجل الوصول.

السادسة والسابعة

اقتربت السادسة ببطء شديد، حتى بدت كأنها تفكر قبل أن تمر.

همست منال ست.

لم تقلها بصوت واضح، بل تركتها تسقط في داخلها مثل حصاة صغيرة في بئر بعيد.

ثم جاءت السابعة.

كانت السابعة أهدأ من كل ما سبقها، غيمة واسعة لا شكل لها، كأنها آخر صفحة في كتاب الليل.

توقفت فوق منال لحظة، ثم انحنت عليها، فغمر الضوء الأبيض حواف السرير، والخطافات، والأفكار المعلقة في الخارج.

لم تعد منال تسمع الصوت، ولا ترى الغرفة، ولا تحصي ما تبقى.

أغلقت عينيها أخيراً، وغاب وعيها في نوم عميق وبطيء، كحركة المدّ البعيد حين يعود إلى البحر دون أن يوقظ الشاطئ.

حيث تبقى الأفكار خارج الباب

في تلك الليلة، لم تنتصر منال على أفكارها بالصراع، ولم تطرد قلقها بقوة، ولم تغلق أبواب رأسها بالمفاتيح.

كل ما فعلته أنها خلعت ما لا يلزم حمله وقت النوم، وعلّقته بعيداً بما يكفي كي يستريح قلبها.

فبعض الأثقال لا تحتاج إلى حلّ فوري، بل إلى مكان مؤقت خارج الروح.

وبعض الليالي لا تطلب منا أن نفهم كل شيء، بل أن نتنفس فقط، ونترك للغيمة السابعة أن تعرف الطريق, حكاية مطعم عائم يعيد للأرواح ما فقدته والطاهي الذي كان يطبخ الأحلام من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد