مطعم لا يشبه المطاعم، حين تفقد السماء قدرتها على النوم، لم يكن ذلك المطعم معلقا في الفضاء كما تعلق المصابيح في سقف بيت، بل كان طافيا فوق الغيوم كفكرة نسيها العالم ولم تستطع السقوط، كانت نوافذه المستديرة تشرب ضوء القمر، وأرضيته الزجاجية تكشف المدن البعيدة وكأنها حفنة نجوم مقلوبة.
هناك، حيث لا تصل ضوضاء الأرض إلا همسا مكسورا، كان الطاهي غيث يشعل مواقده الزرقاء عند منتصف الليل، لا ليطهو لحما ولا خبزا، بل ليطهو أحلام الذين جفت في صدورهم ينابيع النوم.
أطباق لا تقدم في أي مكان آخر
كان الزبائن يصعدون إلى المطعم في مصعد من ضباب، وجوههم شاحبة كأوراق قديمة، وعيونهم مطفأة كبيوت هجرها أهلها منذ زمن، لم يكونوا جائعين إلى الطعام، بل إلى صورة واحدة تزورهم في النوم وتقول لهم إن الحياة لم تنته بعد.
كان غيث يستقبلهم بثوب أبيض تفوح منه رائحة القرفة والمطر، وفي يده ملعقة فضية تبدو كأنها انتزعت من ضوء الهلال، لم يسأل أحدا عما يريد، لأن الوجبات في ذلك المكان لا تطلب باللسان، بل تستخرج من الوجع.
القطرة التي تحمل حزن العمر
كان على كل زبون أن يمنح غيث قطرة من ذاكرته الحزينة، يغمض عينيه فيسقط من رموشه لمعان صغير، لا هو دمع ولا هو ماء، بل خلاصة يوم لم يبرأ منه القلب.
يلتقط غيث القطرة في كأس بلوري، ثم يرفعها نحو المصباح، فيرى داخلها وجوها غائبة، ورسائل لم ترسل، وأبوابا أغلقت بعنف، وطرقات عاد منها أصحابها وحدهم، عندها فقط يبدأ الطبخ.
سر تحويل الأحزان إلى وجبات فاخرة
كان غيث يضع القطرة في قدر من النحاس، فيرتفع بخار تفوح منه رائحة الذكريات، مرة كرائحة ثوب أم قديم، ومرة كرائحة بحر لم يعد ينتظر أحدا، يضيف إليها زعفران الصبر، وملح الاعتراف، وقليلا من عسل الغفران.
ثم يهمس فوق القدر بكلمات لا يعرفها أحد، فتتغير الألوان أمام عينيه، الأسود يصير بنفسجيا، والرمادي يذوب في ذهب ناعم، والحزن يتكثف حتى يصبح صلصة لامعة تسكب فوق طبق لا يشبه شيئا من طعام الأرض.
حين يعود الحلم بنهاية سعيدة
كانت امرأة فقدت طفلها تأكل طبقا من أرز يلمع كحبات القمر، فتغفو على الطاولة لحظة، ثم تستيقظ مبتسمة، رأت طفلها في حلم جديد، لا يبتعد عنها في الزحام، بل يركض نحوها حاملا زهرة بيضاء.
وكان رجل خذلته المدن يشرب حساء من بخار أزرق، فيحلم بأنه يعود إلى بيته القديم، لكنه لا يجد الباب مغلقا كما اعتاد، بل مفتوحا، ومن الداخل تأتيه أصوات تناديه باسمه بمحبة لم يذقها من قبل.
زائر غريب بلا ظل
في ليلة انطفأت فيها النجوم دفعة واحدة، فتح باب المطعم دون أن يلمسه أحد، دخل رجل غريب، طويل القامة، هادئ الخطوات، لا يجر خلفه ظلا، ولا يحمل في عينيه حزنا واضحا أو فرحا خافتا.
توقف غيث عن تقطيع شرائح الضوء، ونظر إليه طويلا، كان الزبائن يأتون مثقلين بذكرياتهم، أما هذا الرجل فكان فارغا ككأس لم يعرف الماء، وكغرفة لم يسكنها صوت قط.
رجل بلا ذاكرة ولا اسم
قال غيث بصوت خفيض أعطني قطرة من ذاكرتك، وسأعيد إليك حلما ضائعا، رفع الرجل عينيه، وكان فيهما فراغ أبيض مخيف، ثم أجاب لا أملك ذاكرة، لا حزن، لا طفولة، لا وجه ينتظرني، ولا اسم أعرف أنه اسمي.
ساد الصمت حتى سمعت الغيوم وهي تحتك بأسفل المطعم، لأول مرة، لم يجد غيث مادة يطهو منها، ولم يجد وجعا يحوله إلى حلم.
وصفة من الهواء والياسمين
بدلا من أن يعتذر، أطفأ غيث جميع المواقد إلا موقدا واحدا صغيرا، فتح نافذة المطعم، فدخل هواء الليل محملا بعطر حدائق بعيدة لا يعرفها أحد، فجمعه بيديه كما يجمع المرء ماء من نهر خفي.
وضع الهواء في طبق شفاف، ورش عليه رائحة الياسمين، ودفء شمس قديمة، وظلا خفيفا من أغنية بلا كلمات، ثم دفع الطبق نحو الرجل وقال كل، هذه المرة لن نعيد حلما مفقودا، بل سنرى إن كان الفراغ قادرا على الولادة.
طعم الحنين إلى ما لا نعرفه
أكل الرجل اللقمة الأولى، فتغير وجهه كما تتغير السماء قبل المطر، ارتجفت أصابعه، وانحنى فوق الطبق، ثم بكى بكاء صامتا، لا كمن فقد شيئا، بل كمن اكتشف أنه كان ينتظر شيئا دون أن يعرفه.
قال بصعوبة ما هذا الطعم؟ فأجابه غيث هذا حنين، فقال الرجل والدموع تلمع على خديه لكنني لا أعرف إلى ماذا أحن، ابتسم غيث لأول مرة منذ سنوات وقال ربما لا يحتاج الحنين دائما إلى ماض، ربما يكفيه قلب فارغ ليصنع بدايته.
اكتشاف مربك حول حقيقة المطعم
منذ تلك الليلة، بقي الرجل الغريب في المطعم، يساعد غيث في غسل الأطباق المصنوعة من ضوء، وترتيب الكؤوس التي تحفظ الذكريات، لم يكن يعرف اسمه، فسماه غيث نور، لأنه جاء فارغا وأضاء السؤال.
ومع مرور الليالي، اكتشفا أمرا أربك قلب غيث، فالزبائن الذين أكلوا من أطباقه لم يعودوا فقط إلى أحلامهم القديمة بنهايات سعيدة، بل بدأوا يحلمون بأشياء لم تحدث قط، بحيوات جديدة لم يمنحهم إياها الماضي.
حين فهم غيث أنه يخلق الأحلام لا يرممها
وقف غيث أمام مواقده ذات فجر، والسماء تحت المطعم وردية كخد طفل نائم، وقال لنور كنت أظنني أرمم ما كسر، فأجابه نور وهو ينظر إلى القدور اللامعة بل كنت تفتح بابا لما لم يولد بعد.
عندها فهم غيث أن الذاكرة لم تكن هي الوصفة، بل كانت العذر، وأن الحزن لم يكن المادة الوحيدة لصناعة الحلم، بل إن الحلم يستطيع أن ينبت حتى من الفراغ، إذا وجد من يؤمن بطعمه.
إغلاق المطعم وبداية الوصفة الكبرى
في الليلة الأخيرة، لم يشعل غيث المواقد، ترك الطاولات فارغة، وفتح النوافذ كلها، فدخلت الغيوم إلى المطعم كضيوف بيض، ثم علق على الباب لافتة صغيرة كتب عليها مغلق لأن الأحلام لم تعد تحتاج إلى طاه واحد.
نظر نور إليه بدهشة، فقال غيث سأهبط إلى العالم، سأعلم الناس أن يخلطوا وجعهم بالرحمة، وخوفهم بالخيال، وخساراتهم ببذرة أمل، سأخبرهم أن الوصفة لم تكن في قدوري، بل في صدورهم.
عودة الطاهي إلى الأرض
هبط غيث من المطعم مع أول خيط من الفجر، لا يحمل سوى ملعقته الفضية وكتاب وصفات فارغ الصفحات، أما نور، فسار إلى جانبه يبتسم كمن صار له ماض لأنه اختار مستقبلا.
ومنذ ذلك اليوم، صار الناس يقولون إن رائحة غريبة تهب أحيانا في المدن عند منتصف الليل، رائحة خبز لم يخبز، وزهور لم تقطف، وأحلام بدأت تنضج في قلوب أصحابها.
الوصفة التي كانت مخبأة في القلب طوال الوقت
لم يكن غيث ساحرا، ولم تكن مواقده إلا مرايا مضيئة، كان الناس يظنون أنهم يأتونه ليعيد إليهم ما ضاع، بينما كانوا في الحقيقة يتركون بين يديه ما أثقلهم، فيكتشفون أن الخيال لا يموت حين ينكسر الحلم، بل ينتظر يدا شجاعة تعجنه من جديد.
فالإنسان لا يحتاج دائما إلى ذاكرة كاملة كي يحلم، ولا إلى ماض سعيد كي يبدأ، أحيانا يكفي أن يتذوق القلب شيئا من الحنين، حتى يعرف أن داخله مطبخا صغيرا، وأن الوصفة كانت دائما هناك، تنتظر أن تشعل نارها الأولى.
