هناك أسطورة نادرة تتردد بين النجوم البعيدة، تتحدث عن حياكة السلحفاة الكونية الزرقاء وسرها الذي لا يعرفه أحد.
كيف يمكن لصوت بسيط ومتكرر أن يبتلع ضجيج النهار كله؟ وكيف استطاعت سلحفاة عملاقة أن تنسج السلام نفسه بخيوط من الضوء؟
حين بدأ صوت الإبر يهمس داخل الفراغ الأبدي
في أقصى بقعة من الفضاء الساكن، حيث لا توجد رياح ولا أمواج ولا ساعات، كانت سلحفاة زرقاء هائلة تسبح ببطء يكاد لا يُرى.
كان لون صدفتها يشبه أعماق المحيط في ليلة بلا قمر.
بين قدميها الأماميتين استقرت إبرتا حياكة طويلتان، مصنوعتان من معدن فضي يلمع بخفوت.
طَقْ... حَرير... طَقْ... حَرير...
تردد الصوت في الفراغ كما لو أنه نبض قديم سبق ولادة النجوم.
أخرجت السلحفاة خيطاً غريباً من سحابة ضوء باهتة.
لم يكن صوفاً عادياً.
كان خيطاً من ضوء النجوم الخافت، ذلك الضوء الذي يبقى بعد أن تنام المجرات وتغلق الشمس عينيها.
البطانية التي كانت تبتلع ضوضاء النهار
مع كل غرزة جديدة، كانت البطانية تكبر ببطء.
كبرت بمقدار حلم صغير.
ثم بمقدار تنهيدة طويلة.
ثم بمقدار سكون كامل.
طَقْ... حَرير... طَقْ... حَرير...
وكلما امتد النسيج الأزرق، بدأ لون داكن وهادئ ينتشر حوله.
لم يكن ظلاماً مخيفاً.
كان أشبه بماء دافئ يغمر العقل برفق.
في البداية اختفت أصوات الخطوات البعيدة.
ثم تلاشت أصوات الأبواب.
ثم ذابت ضوضاء النهار كلها كقطعة ثلج في بحر هادئ.
ولم يبقَ سوى صوت الإبر.
طَقْ... حَرير... طَقْ... حَرير...
اللحظة التي بدأت فيها النجوم تغفو واحدة تلو الأخرى
راقبت النجوم الصغيرة السلحفاة من بعيد.
كانت تلمع بفضول طفولي.
إحدى النجوم اقتربت وسألت بصوت خافت:
— ماذا تحيكين أيّتها السلحفاة؟
ابتسمت السلحفاة دون أن تتوقف.
طَقْ... حَرير...
ثم قالت:
— أحوك غطاءً للأفكار المتعبة.
سكتت النجمة قليلاً.
— وهل تنام الأفكار أيضاً؟
أجابت السلحفاة:
— عندما تجد مكاناً آمناً، نعم.
واصلت الإبر رقصتها البطيئة.
وبعد دقائق طويلة، بدأت النجمة تومض ببطء.
ثم أغلقت نورها شيئاً فشيئاً.
وكأنها استسلمت لراحة لم تعرفها من قبل.
بحر أزرق جعل العقل يطفو بلا وزن
امتدت البطانية أكثر.
وأكثر.
وأكثر.
حتى بدت كأنها محيط أزرق هائل يسبح داخل الفضاء.
لم تعد هناك حدود واضحة بين النجوم والظلال.
كل شيء أصبح ناعماً.
كل شيء أصبح أخف.
حتى الزمن نفسه بدا وكأنه يتثاءب.
طَقْ... حَرير... طَقْ... حَرير...
كانت الغرز تتوالى بإيقاع ثابت لا يتغير.
لا استعجال.
لا مفاجآت صاخبة.
لا أحداث تقتحم السكون.
فقط تكرار هادئ يشبه أمواجاً بعيدة تلامس الشاطئ ثم تعود.
في ذلك الفضاء الأزرق، بدأت الأفكار الثقيلة تتفكك ببطء.
الذكريات المزعجة فقدت حدتها.
والهموم التي كانت تطرق الأبواب بعنف أصبحت مجرد ظلال بعيدة تذوب في الأفق.
السر الذي أخفته السلحفاة داخل آخر غرزة
بعد رحلة طويلة من الحياكة الهادئة، رفعت السلحفاة رأسها نحو الكون.
كانت البطانية قد أصبحت واسعة بما يكفي لتغطية آلاف المجرات.
وضعت آخر غرزة.
طَقْ... حَرير...
ثم ساد صمت عميق.
صمت لطيف.
صمت يشبه حضن الليل.
عندها انكشف السر.
لم تكن السلحفاة تحيك بطانية للنجوم.
ولم تكن تنسج غطاءً للمجرات.
بل كانت تحيك مساحة من السلام لكل عقل متعب يبحث عن مكان يهدأ فيه.
ابتسمت السلحفاة الكونية الزرقاء.
وأغلقت عينيها ببطء.
بينما استمر اللون الأزرق الناعم في الانتشار، حاملاً معه السكينة إلى أبعد نقطة في الكون.
وهكذا تذكرنا حكاية حياكة السلحفاة الكونية الزرقاء أن الراحة لا تأتي دائماً من تغيير العالم من حولنا، بل من إيجاد إيقاع هادئ يسمح لأفكارنا بأن تستقر، تماماً كما تستقر النجوم فوق بطانية من الضوء والسكون.
ما رأيك في هذه الحكاية؟ شاركنا انطباعك في التعليقات، وأخبرنا أي مشهد بقي عالقاً في خيالك أكثر من غيره وممكن تعرف حكاية زين من هنا.
