مدينة بلا روائح، في مدينة نسي سكانها معنى الياسمين ورائحة المطر بعد العاصفة، لم تعد الروائح سوى كلمات مبهمة محفوظة بين صفحات الكتب القديمة، لم يعرف أحد كيف كان عبير البحر، أو كيف كانت رائحة الخبز الطازج عند الفجر، وكأن جزءا كاملا من التجربة الإنسانية قد اختفى دون أن يترك وراءه سوى أسماء لا تثير في النفوس أي إحساس.
وسط ذلك العالم البارد، ظل اسم غامض يتردد بين قلة ما زالت تؤمن بأن الماضي لم يدفن بالكامل، كان ذلك الاسم هو أرشيف الروائح المنسية، المكان الذي قيل إنه يحتفظ بآخر بقايا الذاكرة البشرية خلف أبواب مغلقة وسجلات لا يسمح لأحد بالاطلاع عليها.
ولم يكن أحد يتوقع أن يتغير كل شيء في ليلة واحدة، حين يعثر رجل كفيف على زجاجة لم يكن ينبغي فتحها، لتقوده رائحة واحدة إلى حقيقة أشد خطورة مما يمكن لأي إنسان أن يتخيل.
حارس الأرشيف الذي لا يرى
هبط الليل على المدينة كستارة كثيفة من الضباب الرمادي، وانعكست الأضواء الشاحبة على الأبراج المعدنية العملاقة التي حاصرت الأفق من كل اتجاه، وفي الأسفل، غرقت الشوارع في هدوء مثير للقلق، ولم يكن يسمع فيها سوى أزيز الطائرات الآلية التي تدور بلا توقف بين المباني.
في الطابق السفلي من مبنى مجهول بلا اسم، جلس سامح وسط آلاف الرفوف الممتدة في صمت مهيب، لم يكن يرى شيئا، فقد ولد كفيفا، لكن غياب البصر لم يمنعه من معرفة الأرشيف بصورة تفوق معرفة أي شخص آخر يعمل فيه.
كانت أصابعه تحفظ تفاصيل المكان كما تحفظ الأم ملامح طفلها، عرف كل زاوية وممر ورف، وحفظ مواقع الزجاجات واحدة تلو الأخرى، حتى تحول الأرشيف في ذاكرته إلى خريطة دقيقة يستطيع التنقل فيها دون تردد.
خزائن تحفظ ذاكرة العالم
مرر سامح يده فوق صفوف الزجاجات الصغيرة المصطفة داخل خزائن محكمة الإغلاق، كانت كل زجاجة تحمل بطاقة معدنية توثق رائحة اندثرت منذ زمن، ومن بينها رائحة ياسمين دمشق، ورائحة مكتبة قديمة، ورائحة أمواج البحر المتوسط قبل التلوث.
لم تكن تلك الزجاجات مجرد عينات محفوظة، بل شظايا من ذاكرة عالم فقد حاسة الشم منذ أكثر من خمسين عاما، بقيت الروائح سجينة الزجاج، بينما تعاقبت أجيال كاملة لا تعرف عنها سوى ما تقرؤه في السجلات.
تنهد سامح وتمتم بأن من الغريب أن يقضي حياته في حراسة شيء لم يعد أحد قادرا على الشعور به، وفي اللحظة نفسها، قطع رنين جهاز الاتصال الصمت الذي ألفه طوال سنوات عمله.
جاءه صوت المدير جافا ومقتضبا، وأمره بإنهاء الجرد في تلك الليلة لأن لجنة التفتيش ستصل صباحا، أجابه سامح بهدوء بأنه فهم التعليمات، ثم انقطع الاتصال وعاد السكون ليغلف الأرشيف من جديد.
الصندوق الغائب عن السجلات
استأنف سامح جولته المعتادة بين الرفوف، وراحت أصابعه تتحرك وفق الخريطة الراسخة في ذاكرته، لكنه توقف فجأة عندما اصطدمت يده بجسم معدني صغير لم يسبق له أن لمسه من قبل.
بقي ساكنا للحظات، فقد كان وجود شيء مجهول في هذا المكان أمرا شبه مستحيل بالنسبة إليه، كان يعرف ترتيب الأرشيف بأكمله، ويحفظ مواقع محتوياته دون استثناء، ولذلك لم يستطع تفسير وجود ذلك الجسم أمامه.
انحنى بحذر وتحسسه بأصابعه، فاكتشف صندوقا معدنيا غطته طبقة كثيفة من الغبار، كان واضحا أنه بقي في مكانه زمنا طويلا، مع أنه لا يحمل في ذاكرة سامح أي أثر سابق.
زجاجة تحمل ذكرى شخصية
فتح سامح القفل الصدئ بصعوبة، فانبعث من الصندوق صوت خافت بدا كأنه زفرة خرجت بعد سنوات طويلة من الصمت، مد يده إلى الداخل فلم يجد سوى زجاجة واحدة، وكانت باردة بصورة غير طبيعية.
أمسك بها بحذر ومرر أصابعه على البطاقة المعدنية المثبتة عليها، قارئا الحروف المنقوشة بطريقته المعتادة، وما إن اكتملت الكلمات في ذهنه حتى تجمد في مكانه، فقد كتب عليها أنها تحفظ رائحة المطر على الطوب الساخن عام 1998.
ارتسمت الحيرة على وجهه، فالأرشيف لا يحتفظ بذكريات شخصية من هذا النوع، وإنما بروائح تاريخية معروفة وموثقة، أما هذه العينة فبدت مختلفة تماما، كأن شخصا ما حاول أن يحبس لحظة بعينها من حياته داخل زجاجة ويحفظها بعيدا عن العالم.
أول رائحة في حياة سامح
ظل سامح ممسكا بالزجاجة وقتا طويلا، بينما كان الحذر يتصارع مع فضوله، شعر بانجذاب غريب إليها، كما لو أنها ظلت سنوات في ذلك الصندوق تنتظر اللحظة التي تصل فيها إلى يديه.
غلبه الفضول أخيرا، فأدار الغطاء ببطء حتى صدرت طقطقة خافتة، وفي اللحظة التالية اندفع نحو وجهه هواء دافئ يحمل شيئا لم يعرفه قط ولم يختبره طوال حياته، ومع ذلك أدرك على الفور ما الذي وصل إليه.
لقد كانت رائحة حقيقية.
اجتاحت جسده قشعريرة عنيفة، وشعر كأن آلاف الشرارات اندفعت عبر أعصابه في اللحظة نفسها، وفجأة انفجر الظلام الساكن داخل رأسه، فتلاشى الأرشيف من حوله واختفت الأصوات وكل ما يعرفه عن العالم.
ولأول مرة في حياته، رأى سامح.
الرؤية المحظورة
ظهرت أمامه سماء مثقلة بالغيوم، وكانت قطرات المطر ترتطم بأرض من الطوب الأحمر الساخن، ارتفع البخار من السطح المبتل في دوامات شفافة، بينما تدفقت الألوان أمام عينيه بعنف أربكه، فهو لم يعرفها من قبل إلا بوصفها كلمات مجردة.
لم تكن الصور أشبه بحلم أو خيال عابر، بل بدت حقيقية إلى حد يصعب وصفه، شعر سامح أن ما يحدث ليس مجرد مشاهدة لذكرى قديمة، وإنما عودة كاملة إليها، كأنه يعيش اللحظة بنفسه بكل تفاصيلها.
الاجتماع الذي غير مصير البشرية
تبدل المشهد أمام سامح، فظهر رجل يرتدي بدلة سوداء داخل قاعة اجتماعات ضخمة، يقف أمام مجموعة من المسؤولين الذين بدت عليهم علامات التوتر، لم يفهم سامح كيف يسمع ويرى تفاصيل تلك اللحظة بهذا الوضوح، لكنه أصغى عندما بدأ الرجل يتحدث.
قال الرجل إن فقدان الناس لحاسة الشم سيجعل من الممكن تمرير المرحلة الثانية دون مقاومة، ساد الصمت للحظة، ثم اعترض أحد الحاضرين بقلق محذرا من أن التأثير سيطال البشرية كلها.
لم يتراجع الرجل، بل ابتسم ابتسامة باردة وأجاب بأن هذا بالضبط ما يريدونه، ارتجف سامح عند سماع الكلمات، وشعر بأن وراء ذلك الاجتماع سرا بالغ الظلمة يتجاوز بكثير مسألة اختفاء حاسة الشم.
وجه يستحيل وجوده
اهتزت الرؤية فجأة، ثم ظهرت أمام سامح شاشة تحمل شعارا حكوميا قديما اختفى من جميع السجلات الرسمية، كان ظهور الشعار غريبا، لكن الصدمة الأكبر لم تأت إلا بعد لحظات.
بين وجوه الحاضرين لمح سامح وجها يعرفه جميع سكان المدينة، وجها ما زال يظهر يوميا على الشاشات الرسمية، كان ذلك وجه رئيس المجلس الأعلى نفسه.
استحال على سامح فهم ما يراه، فالرجل الذي ظهر داخل الذكرى يفترض، وفق التاريخ الرسمي، أنه لم يكن قد ولد أصلا عندما سجلت تلك اللحظة، ومع ذلك كان موجودا هناك بين المسؤولين، كما لو أن التاريخ الذي يعرفه الناس يخفي حقيقة أخرى تماما.
العينة المحظورة رقم صفر
انزلقت الزجاجة من يد سامح وارتطمت بالأرض، فانقطعت الرؤية فجأة، عاد الظلام إلى عينيه، وعاد الأرشيف بأصواته الخافتة ومساحاته المألوفة، لكن شيئا في داخله تغير إلى الأبد.
حاول أن يفهم ما شاهده، تساءل إن كانت تلك ذكرى حقيقية، أو هلوسة أحدثتها العينة، أو أثرا من الماضي استطاعت الرائحة بطريقة مجهولة أن تحفظه وتنقله إلى من يستنشقها.
وقبل أن يصل إلى أي إجابة، دوى إنذار إلكتروني حاد في أنحاء القاعة، اشتغلت أجهزة التحذير كلها في اللحظة نفسها، ثم انطلق عبر مكبرات الصوت إعلان آلي بارد يفيد بحدوث اختراق أمني نتيجة فتح العينة المحظورة رقم صفر، وأن موقع المخالف قد تحدد وأن فرق الاسترداد في طريقها إليه.
تجمد الدم في عروق سامح، عندها فقط أدرك الحقيقة المرعبة التي غابت عنه عندما عثر على الصندوق.
لم تكن الزجاجة منسية، ولم تضع بين رفوف الأرشيف كما ظن، كانت مخفية ومراقبة طوال الوقت، وكان هناك من ينتظر اللحظة التي يجرؤ فيها شخص على فتحها.
خطوات تقترب في الظلام
مزقت صفارات الإنذار صمت الأرشيف، ثم التقطت أذنا سامح صوتا أكثر رعبا قادما من ناحية الممر الرئيسي، كانت خطوات ثقيلة تتقدم ببطء وانتظام، وكل خطوة منها كانت تؤكد أن فرق الاسترداد أصبحت أقرب.
أدرك سامح أن القادمين لا يريدون استعادة الزجاجة وحدها، فما شاهده داخل الذكرى كان أخطر من أن يسمحوا له بالاحتفاظ به، ومن عرف حقيقة العينة رقم صفر أصبح هو الآخر جزءا من السر الذي ينبغي إخفاؤه.
في تلك اللحظة فهم أن حياته السابقة قد انتهت إلى الأبد، وأن الرائحة الوحيدة التي اختبرها منذ ولادته لم تمنحه حاسة افتقدها العالم فحسب، بل فتحت أمامه بابا إلى سر قد يكون أخطر ما عرفته البشرية في تاريخها.
وبينما واصلت الخطوات اقترابها، بقيت أسئلة أكثر خطورة بلا إجابة، من تكون المرأة الغامضة التي ستقود سامح إلى الممرات السرية تحت المدينة، وما العلاقة بين اسمه والمشروع الذي سلب حاسة الشم من العالم كله، وما الحقيقة التي حاول أصحاب العينة رقم صفر دفنها طوال تلك السنوات.
لم تكن رحلة سامح في أرشيف الروائح المنسية قد انتهت، بل كانت قد بدأت للتو، وما كشفته له تلك الرائحة أصبح قادرا على تغيير تاريخ البشرية بأكمله.
