أرشيف الروائح المنسية الفصل الثاني وسر مشروع الصمت الحسي

الراوي
0

الهروب عبر ممرات الذاكرة المحظورة، قبل دقائق قليلة، كان سامح مجرد حارس أرشيف كفيف يعيش حياة هادئة بين رفوف الزجاجات المنسية، لم يكن يتوقع أن تنقلب حياته بهذه السرعة، وأن يصبح مطاردا من جهة غامضة تملك من النفوذ والقوة ما يكفي لإخفاء الحقيقة عن العالم طوال عقود.

فالزجاجة التي فتحها لم تكن مجرد عينة قديمة حفظت ونسيها الزمن، بل كانت مفتاحا لذاكرة محظورة ونافذة قادته إلى مؤامرة دفنت بعناية خلف جدران السلطة، ومع ذلك، لم تكن الرؤية التي شاهدها سوى بداية لما ينتظره.

وبينما كانت فرق الاسترداد تتقدم نحو موقعه، كانت أسرار أشد خطورة تستيقظ في أعماق المدينة، وكأنها ظلت طوال تلك السنوات تنتظر اللحظة التي يجرؤ فيها أحد على إخراجها إلى النور.

أرشيف الروائح المنسية الفصل الثاني وسر مشروع الصمت الحسي


بداية المطاردة

ارتفعت صفارات الإنذار في جميع أنحاء الأرشيف، واختفت الأجواء الهادئة التي اعتادها سامح، تحولت الأضواء البيضاء إلى ومضات حمراء متلاحقة، فيما غرق المكان في حالة طوارئ لم يشهد مثلها من قبل.

وقف سامح وسط القاعة يحاول استيعاب ما حدث، بينما تردد الإعلان الأمني عبر الجدران المعدنية السميكة، وفي الخارج، كانت وقع خطوات ثقيلة يقترب منه بسرعة، خطوات منتظمة لأشخاص مدربين على تنفيذ الأوامر من دون تردد.

دوى صوت آلي بارد عبر مكبرات الصوت ليعلن أن جميع المخارج قد أغلقت، وأن على الموجودين انتظار فرق الاسترداد، عندها شعر سامح بأن الفخ يضيق حوله مع مرور كل ثانية.

لم يكن يحمل سلاحا، ولم تكن لديه خطة للهروب، كل ما امتلكه في تلك اللحظة كان زجاجة غامضة ورؤية هزت كل ما آمن به طوال حياته، وفي الوقت نفسه، راحت أبواب الأمان الثقيلة تغلق واحدا تلو الآخر، حتى بدا له أن المبنى نفسه يستعد لابتلاعه.

الصوت القادم من الظلام

وسط ضجيج صفارات الإنذار والتشويش الإلكتروني، انبعث فجأة صوت هادئ من سماعة الاتصال المثبتة قرب أذنه، لم يكن صوت مدير الأرشيف، ولم يكن تابعا للنظام الأمني، بل كان صوت امرأة تتحدث بهدوء يثير الريبة.

طلبت منه المرأة أن يتحرك فورا نحو الرف السابع عشر إن كان يريد النجاة، تجمد سامح لوهلة، فهو لا يعرف صاحبة الصوت ولا يدري كيف تمكنت من اختراق شبكة اتصال يفترض أنها مغلقة ومؤمنة.

وقبل أن يتمكن من طرح أي سؤال، أخبرته أنه لا وقت لديهما، وأن وقوعه في أيديهم الآن سيحرمه من معرفة الحقيقة كاملة، كان في نبرة صوتها شيء دفعه إلى الإصغاء إليها، فقد شعر بأنها لا تخشى على نفسها بقدر ما تخشى عليه.

ابتلع سامح ريقه وانطلق مسرعا نحو الرف السابع عشر، معتمدا على ذاكرته الدقيقة التي حفظت كل زاوية وممر ورف داخل الأرشيف خلال سنوات عمله الطويلة.

الباب الذي لم يكن موجودا

وصل إلى الرف المطلوب خلال لحظات ومد يده فوق سطحه المعدني البارد يتحسس تفاصيله، في البداية لم يعثر على شيء غير مألوف، لكن أصابعه سرعان ما توقفت عند بروز صغير مخفي خلف أحد الألواح.

ضغط عليه فورا، فصدر من داخل الجدار صوت احتكاك عميق، بدأ جزء من الحائط يتحرك ببطء، ليكشف أمامه ممرا ضيقا لم يسبق أن عرف بوجوده، ولم يكن مسجلا في أي خريطة من خرائط الأرشيف.

اندفع من الممر هواء بارد يحمل أثرا خافتا لرائحة غريبة، توقف سامح للحظة وقد اجتاحت جسده قشعريرة مفاجئة، لأنها لم تكن ذكرى محفوظة داخل زجاجة، بل رائحة حقيقية، ضعيفة للغاية، لكنها موجودة بالفعل.

للمرة الأولى أدرك سامح أن هناك أماكن في المدينة لا تزال تحتفظ بروائح حقيقية لم تصل إليها يد الحكومة، لم يكن لديه وقت للتفكير أكثر، فدخل الممر سريعا، وما إن تجاوز العتبة حتى تحرك الجدار خلفه وعاد إلى موضعه.

وبعد ثوان معدودة، دوى صوت اقتحام عنيف في الأرشيف، كانت فرق الاسترداد قد وصلت أخيرا، لكنها وصلت بعد فوات الأوان.

مدينة مدفونة تحت الأرض

أخذ الممر ينحدر إلى الأسفل لمسافة طويلة، وكانت كل خطوة يحملها سامح تقوده أعمق في قلب المدينة، من حوله اختلط هدير محركات ضخمة باهتزازات بعيدة، كأن آلات عملاقة ظلت تعمل في الأعماق طوال عشرات السنين.

تابع طريقه حتى انتهى الممر فجأة، فتوقف في مكانه، وفي اللحظة نفسها، عاد ذلك الوميض البصري الغريب الذي بدأ يقتحم عالمه منذ فتح الزجاجة.

رأى أمامه منشأة هائلة مدفونة تحت الأرض، تنتشر فيها خزانات زجاجية عملاقة، وتتصل بها شبكات من الأنابيب تمتد إلى مسافات يصعب إدراك نهايتها، وعلى الجدران، أضاءت شاشات قديمة تعرض خرائط للعالم.

لكن شيئا واحدا استولى على انتباه سامح أكثر من كل ما حوله، كانت هناك عبارة ضخمة محفورة على أحد الجدران المعدنية، تحمل اسما يعرفه من قبل.

مشروع الصمت الحسي

قرأ سامح العبارة التي ظهرت أمامه في الرؤية، وكان مضمونها مشروع الصمت الحسي، المرحلة الثانية، ارتجف جسده عندما أدرك أنه سبق أن واجه هذه الكلمات نفسها داخل الرؤية التي اجتاحته بعد فتح الزجاجة.

لم يعد في استطاعته اعتبار ما شاهده وهما أو أثرا غريبا للزجاجة، المكان الموجود أمامه كان حقيقيا، وكذلك المشروع الذي حاولت جهة ما دفن آثاره ومنع العالم من معرفة وجوده.

المرأة التي يفترض أنها ماتت

بينما كان سامح يحاول استيعاب حجم ما اكتشفه، تناهى إلى سمعه وقع خطوات هادئة آتية من أعماق الظلام، أخذ شخص مجهول يقترب ببطء حتى توقف أمامه مباشرة.

جاءه صوت المرأة نفسها، تخبره بهدوء أنه تأخر كثيرا، عقد سامح حاجبيه في حيرة، فالأمر لم يعد متعلقا فقط بمعرفتها طريق الهروب السري، بل بمعرفتها اسمه وانتظارها لوصوله إلى هذا المكان.

سألها بحذر عن هويتها، وبعد لحظة قصيرة من الصمت، أخبرته أن اسمها ليان، عند سماع الاسم، شعر سامح بأن قلبه توقف للحظة.

كان يعرف اسم ليان، بل إن الجميع يعرفونه من السجلات الحكومية القديمة، فبحسب الرواية الرسمية، كانت ليان واحدة من الشخصيات التي ماتت قبل أكثر من عشرين عاما.

لكن المرأة التي تقف أمامه الآن لم تكن اسما في سجل قديم ولا ذكرى من الماضي، كانت حية تتنفس، والأخطر من ذلك أنها تعرف أسرارا لا يفترض أن يعرفها أحد.

الحقيقة التي تهدم التاريخ

أخرجت ليان جهازا صغيرا من جيبها وضغطت زرا فيه، فأضاءت إحدى الشاشات القديمة وسط القاعة، ظهرت عليها صور لعالم بدا بعيدا تماما عن العالم الذي عرفه سامح.

كانت هناك سماء زرقاء وأشجار خضراء وأطفال يركضون تحت المطر، فيما ظهر أشخاص يبتسمون دون خوف، لم تكن الصور مجرد مشاهد من زمن مضى، بل أدلة على حياة حاول أحدهم محو حقيقتها من ذاكرة البشر.

قالت ليان بنبرة متوترة إن كل ما تعلمه سامح طوال حياته لم يكن سوى كذبة، ثم كشفت له الحقيقة التي قلبت معرفته بالعالم رأسا على عقب، فالبشر لم يفقدوا حاسة الشم بسبب التلوث كما قيل لهم.

شعر سامح بأن أنفاسه تضيق، فهذا الكلام يناقض كل ما تعلمه في المدارس وكل ما بثته الحكومة وكررته على مدى عقود.

سر فقدان حاسة الشم

أخبرته ليان أن قصة التلوث لم تكن سوى ستار لإخفاء الحقيقة، وأن حاسة الشم لم تختف بصورة طبيعية، بل سرقت من البشر عمدا.

استقرت كلماتها في ذهنه بثقل هائل، غير أن الصدمة الأكبر جاءت عندما أضافت أن الشخص الذي أصدر الأمر بتنفيذ ذلك لا يزال يحكم المدينة حتى يومهم هذا.

في لحظة واحدة، أصبحت الرواية الرسمية التي عاش سامح مؤمنا بها موضع شك كامل، لم يعد الأمر مجرد سر مخفي داخل أرشيف، بل مؤامرة امتدت آثارها إلى حياة كل إنسان في المدينة.

الملف الذي يحمل اسم سامح

فتحت ليان ملفا إلكترونيا قديما يحتوي على كمية هائلة من البيانات السرية، بدأت الأسماء والأرقام تتدفق سريعا على الشاشة، قبل أن يتوقف العرض عند صفحة بعينها.

لم يكن سامح قادرا على رؤية الشاشة بعينيه، لكنه أدرك من الصمت الذي خيم على ليان أنها عثرت على شيء بالغ الخطورة، طلبت منه أن ينتبه إلى الاسم الظاهر أمامها، ثم قرأته بنفسها.

كان الاسم هو سامح.

شعر كأن الأرض اهتزت تحت قدميه، لم يكن الاسم يعود إلى مسؤول حكومي أو عالم مشهور أو فرد من أفراد المقاومة، بل كان اسمه هو شخصيا.

تراجع خطوة وسأل بصوت مرتجف عن سبب وجود ملف يحمل اسمه بين تلك البيانات السرية، رفعت ليان رأسها نحوه، وللمرة الأولى منذ ظهورها شعر بالخوف واضحا في نبرة صوتها.

السر المرتبط بولادته

أخبرته ليان أن وصوله إلى الأرشيف لم يكن مصادفة، حبس سامح أنفاسه، منتظرا بقية الحقيقة التي شعر بأنها ستغير حياته إلى الأبد.

ثم قالت ليان الكلمات التي حطمت كل ما يعرفه عن نفسه، فقد كان سامح جزءا من مشروع الصمت الحسي منذ يوم ولادته.

ساد صمت ثقيل، حتى بدا أن الزمن نفسه توقف عن الحركة، لم يستطع سامح أن يستوعب كيف يمكن أن تكون حياته مرتبطة بمشروع سري سبق وجوده في الأرشيف بسنوات طويلة.

وفي أعماق المنشأة، بدأت صفارات إنذار جديدة تتعالى وتقترب شيئا فشيئا، لم تحتج ليان إلى تفسير ما يحدث، فقد تمكنت فرق الاسترداد من العثور عليهما مجددا.

الحقيقة الأخطر تقترب

هذه المرة، لم يعد الخطر الحقيقي بالنسبة إلى سامح محصورا في الجنود الذين يقتربون عبر الممرات، فقد أصبح ما عرفه عن نفسه أكثر رعبا من المطاردة ذاتها.

وبينما ترددت أصوات الجنود في الممرات القريبة، ظل واقفا عاجزا عن استيعاب كلمات ليان، إذا كان جزءا من مشروع الصمت الحسي منذ ولادته، فمن يكون في الحقيقة، ومن كانت والدته، وما السر الذي أخفته الحكومة عنه طوال هذه السنوات.

لم تعد الأسئلة مرتبطة بماضي المدينة وحده، بل بماضي سامح نفسه وبالسر الذي ربما حمل داخله منذ طفولته، ومع اقتراب فرق الاسترداد، بدا أن السباق الحقيقي بين الذاكرة والحقيقة قد بدأ.

في الفصل الثالث والأخير، ستنكشف الحقيقة الكاملة وراء مشروع الصمت الحسي، وسيكتشف سامح السر الذي زرع داخل عقله منذ طفولته، قبل أن يجد نفسه أمام قرار سيحدد مصير البشرية كلها، فبعض الأسرار لا تغير حياة إنسان واحد فحسب، بل تستطيع أن تغير العالم بأسره.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.