خوارزمية الندم حكاية حذف اللحظة التي كشفت سرا غامضا

الراوي
0

المدينة التي تخلصت من الندم، عند الثانية تماما بعد منتصف الليل، وقع في المدينة أمر عجزت عن تفسيره، لم تسمع صفارات إنذار، ولم تعلن أي شركة تقنية عن منتج جديد، ومع ذلك أضاءت شاشات الهواتف في الشقق والمقاهي ومحطات الوقود في اللحظة نفسها، وكأن قوة خفية ضغطت زرا واحدا فوق العالم كله.

ظهرت رسالة قصيرة لا تتجاوز سطرا واحدا، لكنها كانت كافية لتغيير مصير آلاف البشر، أعلنت الرسالة تفعيل ميزة جديدة تحمل اسم حذف اللحظة، تتيح لصاحبها أن يمحو آخر عشر دقائق غير مرغوب فيها من حياته الواقعية، بدا الأمر أشبه بخدعة رقمية متقنة، إلا أن الفضول الذي يسكن النفس البشرية كان أسرع من الحذر، وهكذا بدأت الكارثة دون أن يشعر أحد.

في صباح اليوم التالي، بدا المشهد أقرب إلى معجزة جماعية، انتشرت المقاطع المصورة كالنار في الهشيم، وكل مقطع يحمل دليلا جديدا على أن المستحيل أصبح ممكنا، رجل حذف شجارا عنيفا مع مديره فعاد الحديث بينهما هادئا كأن الغضب لم يولد أصلا، وامرأة أزالت لحظة سقوطها أمام حشد كبير فعادت خطواتها ثابتة وكرامتها سليمة.

قصة خوارزمية الندم حكاية حذف اللحظة التي كشفت سرا غامضا


عالم يعيد كتابة نفسه

لم يقتصر التغيير على الذكريات وحدها، بل امتد إلى الواقع نفسه، أكواب مكسورة استعادت شكلها الأول، وكلمات جارحة اختفت من أفواه أصحابها، وحتى المواقف المحرجة تلاشت من الزمن كأنها لم تحدث قط، بدت المدينة أخف وزنا، وكأن أهلها ألقوا على الأرصفة أكياسا ثقيلة من الذنب والخجل والخسارة.

كنت أراقب كل ذلك من شرفة شقتي المرتفعة، كان الهواء الليلي باردا على غير العادة، وبدت الأنوار المتناثرة بين المباني وكأنها عيون تراقب من بعيد، بينما كان الجميع يحتفلون بالهدية الجديدة، شعرت أنا بأن شيئا مجهولا يتحرك خلف الستار، شيئا باردا لا يحمل نوايا طيبة.

الحادث الذي لم يقع

مر أسبوع كامل قبل أن أجد نفسي مضطرا لتجربة الميزة، كنت أقود سيارتي تحت أمطار كثيفة جعلت الطرق تبدو كأنها أنهار سوداء تعكس أضواء الإشارات الحمراء وكأنها جروح طويلة فوق الإسفلت المبتل.

عشر دقائق اختفت من الوجود

ظهرت سيارة فجأة أمامي، وانزلقت بعنف قبل أن أرتطم بها بقوة هائلة، دوى صوت المعدن المتحطم في الهواء، وارتفعت أبواق السيارات وصراخ المارة من حولي، للحظة شعرت بأن الزمن توقف وسط المطر والدخان والخوف.

ثم ظهر إشعار على شاشة الهاتف المثبت قرب المقود يسألني إن كنت أرغب في حذف آخر عشر دقائق، كانت أصابعي ترتجف، لكن الذعر كان أقوى من التفكير، فضغطت زر الموافقة، في اللحظة التالية كنت أقود في شارع مختلف تماما، والسيارة سليمة، والطريق هادئ، وكأن الحادث لم يقع أبدا، غير أن رأسي انفجر بصداع حاد جعل الرؤية تهتز أمام عيني، وكأن قوة غريبة تحاول أن تغرس شيئا داخل ذاكرتي بالقوة.

الكوابيس التي لا تخصني

في تلك الليلة لم أعرف معنى النوم الحقيقي، كلما أغمضت عيني، انفتحت أمامي مشاهد لم أعشها يوما، غرفة ضيقة ذات جدران رمادية متسخة، ومصباح أصفر يتأرجح ببطء فوق السقف، ورائحة معدنية ثقيلة تكاد تخرج من الحلم إلى الواقع.

ذكريات رجل مجهول

استيقظت مذعورا وأنا ألهث كمن نجا من الغرق، حاولت إقناع نفسي بأنها مجرد كوابيس عابرة، لكن المشاهد تكررت في الليالي التالية، رجل يركض داخل زقاق مظلم، ويد ترتجف وهي تمسح بقعا حمراء عن معطف أسود، وصوت امرأة يصرخ برجاء يائس قبل أن يبتلعه الصمت.

كانت كل ذكرى جديدة أكثر وضوحا من سابقتها، لم أعد أشاهد الحوادث من بعيد، بل كنت أعيشها كما لو أنني صاحبها الحقيقي، أشعر ببرودة المطر على الجلد، وبالاختناق داخل الصدر، وبالخوف الذي يسري في عروق شخص لا أعرف اسمه.

اكتشاف خوارزمية الندم المستعار

لم أكن الوحيد الذي يعاني، بعد أسابيع من البحث وجدت منتديات سرية مليئة بشهادات متشابهة، أشخاص يتذكرون طفولات لم يعيشوها، وعلاقات لم يمروا بها، وأحداثا لا تنتمي إلى حياتهم إطلاقا.

الحقيقة التي كان يجب ألا تكشف

وسط تلك الشهادات ظهر اسم غامض يتكرر باستمرار، خوارزمية الندم المستعار، كان منشورا تقنيا مجهول المصدر يشرح آلية مرعبة تقف خلف ميزة حذف اللحظة، لم تكن التقنية تمحو الزمن كما اعتقد الجميع، لأن الزمن لا يمكن محوه، بل كانت تنقل التجربة غير المرغوبة إلى عقل إنسان آخر بشكل عشوائي، فتسحب الذكرى من صاحبها ثم تزرع داخل وعي شخص غريب على هيئة ذكرى دخيلة.

شعرت ببرودة تسري في أطرافي وأنا أقرأ السطور الأخيرة، أدركت فجأة أن حادث السيارة الذي حذفته أصبح جزءا من ذاكرة شخص مجهول، وأن المشاهد الدموية التي تطاردني ليست سوى بقايا ذنوب شخص آخر.

الوجه الذي خرج من الظلام

في إحدى الأمسيات، بينما كنت أقف أمام المرآة أحلق ذقني، ضربتني موجة جديدة من الذكريات، لم تكن ذكرى عابرة هذه المرة، بل مشهد كامل التفاصيل، حادا كحد السكين.

القاتل الذي يسكن المبنى

رأيت امرأة تحاول الهرب داخل غرفة ضيقة، ورجلا طويلا يرتدي معطفا أسود وقفازات جلدية، لمع نصل السكين تحت الضوء الأصفر، ثم هبط مرة تلو الأخرى وسط صرخات تمزق السكون، لكن الرعب الحقيقي لم يكن الجريمة نفسها، بل وجه القاتل الذي انعكس على نافذة الغرفة، وجه واضح لا يقبل الشك، وجه أعرفه جيدا وأراه كل يوم تقريبا، كان ياسر، جار الطابق الرابع، الرجل الهادئ الذي يحيي الجميع بابتسامة خفيفة ويطعم القطط الضالة في الصباح.

الاعتراف داخل المستودع المهجور

راقبته أياما طويلة، وكان طبيعيا بصورة تدعو للريبة، لم أجد عليه خطأ واحدا، لكن الذكريات واصلت التدفق حتى اكتملت الصورة كاملة أمامي.

الحقيقة التي أخفاها العالم

في ليلة ماطرة، تبعته حتى مستودع قديم قرب الميناء، كانت الرياح تعصف بالأبواب المعدنية الصدئة، بينما غطى الضباب المكان بطبقة شبحية من اللون الأزرق الباهت، حين فتحت الباب وجدته ينتظرني في الداخل، دون أن يبدو متفاجئا، فاكتفى بابتسامة صغيرة وقال بصوت هادئ إن الأمر استغرق وقتا أطول مما توقع.

سألته كيف عرف أنني سأصل إليه، فأجاب وهو يثبت نظره في عيني بأنني الشخص الثالث الذي تصله هذه الذكريات، ثم كشف الحقيقة كاملة، فقد كان أحد مطوري المشروع الأصلي، بدأ الأمر كتقنية لعلاج الصدمات النفسية، لكنه تحول مع الوقت إلى شبكة سوداء يتخلص عبرها المجرمون والأثرياء من ذكرياتهم القذرة، بينما تتحول عقول الأبرياء إلى مقابر سرية للذنوب المنفية.

الطوفان الأخير

حين أخبرته أنه سيدفع ثمن ما فعل، ضحك بهدوء وأخرج هاتفه، واثقا أن الحذف سينقذه كما أنقذه عشرات المرات من قبل.

حين عادت الذكريات إلى أصحابها

ضغط الزر، لكن شيئا لم يجر كما توقع، على مدار شهور طويلة امتلأت الشبكة بملايين الذكريات المنقولة، ولم يعد هناك مستقبلون جدد تستطيع الخوارزمية تحميلهم مزيدا من الأعباء، وللمرة الأولى فشلت عملية النقل، في ثانية واحدة فقط عادت جميع الذكريات إلى مصدرها الأصلي.

اتسعت عينا ياسر بصورة مرعبة، وسقط على ركبتيه وهو يطلق صرخات متقطعة كأن آلاف الأشخاص يتحدثون عبر حنجرته، كانت وجوه الضحايا تتدفق إلى وعيه، والدماء التي حاول محوها تعود أكثر وضوحا وقسوة، والندم الذي هرب منه سنوات كاملة يتحول إلى إعصار يسحقه من الداخل، ظل يصرخ حتى انطفأت مقاومته تماما، وحين حل الصمت أخيرا لم يبق من ذلك الرجل الهادئ سوى حطام إنسان واجه الحقيقة التي فر منها طويلا.

وبعد أيام قليلة اختفى التحديث من جميع الهواتف كما ظهر تماما، لم تعترف أي شركة بوجوده، ولم تصدر أي جهة بيانا يفسر ما حدث، وبدا الأمر وكأن المدينة عاشت كابوسا جماعيا ثم استيقظت منه فجأة.

أما أنا، فكنت أعلم أن الحقيقة لم تختف، لقد رأيت بعيني كيف يمكن للإنسان أن يهرب من الخطأ، وكيف يظن أن التكنولوجيا قادرة على دفن الذنب إلى الأبد، وفي النهاية أدركت أن بعض الآلام ليست لعنة، بل بوصلة خفية تحفظ إنسانيتنا، فالندم الحقيقي لا يوجد ليعذبنا فقط، بل ليمنعنا من أن نصبح غرباء عن أنفسنا، وكل خطأ نحاول دفنه في الظلام سيجد طريقه يوما إلى الضوء، لأن الذكريات قد تنتقل من عقل إلى آخر، لكن مسؤولية أفعالنا لا تنتقل أبدا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.