حين أغلقت الغابة عينيها، واختفت آخر خيوط الشمس خلف الجبال البعيدة، بدأ الظلام ينساب بين الأشجار مثل حبر أسود بارد، يملأ الممرات ويبتلع الألوان والأصوات، حتى بدا كأنه مخلوق هائل يقترب ببطء من جحر الدب الصغير.
كان بندق مستلقياً قرب أمه، يحاول أن يبدو نائماً، لكن أذنيه كانتا ترتجفان مع كل خشخشة غصن، وكل صفير ريح، وكل ظل يتلوى على جدار الجحر، بينما ظل سؤال واحد يطرق قلبه بقوة، ماذا يخفي الظلام في الخارج؟
الدب الذي كان يغلق عينيه قبل غروب الشمس
كان بندق أصغر دب في عائلته، بفراء بني ناعم، وأنف أسود لامع، وعينين واسعتين تشبهان حبتين من البندق المبللتين بالمطر، وقد عرفته حيوانات الغابة بفضوله وحبه للركض والتسلق واللعب قرب النهر.
غير أن شجاعته كانت تتلاشى كلما اقترب المساء، فحين تتلون السماء بالبرتقالي، كان يعود مسرعاً إلى الجحر، وحين يبهت الضوء، كان يندس تحت غطائه المصنوع من أوراق الشجر الجافة، كأن العتمة وحش يتربص به خلف المدخل.
أصوات تتحول إلى وحوش
في النهار، كان صوت البومة مجرد نداء بعيد يأتي من شجرة السنديان، أما في الليل، فكان يتحول في خيال بندق إلى صرخة مخلوق ذي جناحين أسودين يبحث عنه بين الأشجار.
وكان احتكاك الأغصان فوق الجحر يبدو له مثل أظافر طويلة تخدش الصخور، بينما تتحول حركة القنافذ بين الأوراق إلى خطوات لصوص صغار يتسللون في الظلام.
ضم بندق ركبتيه إلى صدره وقال بصوت مرتجف:
أمي، لماذا يأتي الظلام كل ليلة؟ لماذا لا تبقى الشمس معنا دائماً؟
فتحت أمه عينيها، ومسحت بكفها الكبير فوق رأسه، ثم قالت بهدوء:
لأن بعض الأشياء الجميلة لا تستطيع الظهور إلا حين تغيب الشمس.
حدق بندق فيها غير مقتنع، ثم ألقى نظرة سريعة نحو مدخل الجحر، حيث كانت العتمة ترقد في الخارج كبحر بلا شاطئ.
لا أظن أن شيئاً جميلاً يعيش هناك.
ابتسمت أمه ولم تجادله، ثم قالت:
ربما لأنك لم تنظر إلى الظلام يوماً، بل كنت تنظر دائماً إلى خوفك منه.
الهمسة القادمة من بين الأشجار
في الليلة التالية، هبت عاصفة قوية فوق الغابة، فاهتزت الأشجار، وتدحرجت قطرات المطر فوق الصخور، وانطفأ ضوء القمر خلف سحب كثيفة، حتى صار الليل أشد سواداً من كل ليلة عرفها بندق.
كان الدب الصغير مستيقظاً حين سمع صوتاً خافتاً يأتي من الخارج، صوتاً يشبه بكاء صغيراً يختلط بحفيف المطر، فتوقف قلبه لحظة، ثم مد رأسه من تحت الغطاء.
استغاثة في قلب العتمة
عاد الصوت مرة أخرى:
ساعدوني، أرجوكم.
رفع بندق رأسه، ونظر إلى أمه، لكنه وجدها نائمة بعمق، فاقترب ببطء من مدخل الجحر، وكل خطوة يخطوها كانت تجعل ساقيه أضعف، والظلال أمامه أطول.
وصل إلى الحافة، وأطل بعين واحدة، فرأى شيئاً صغيراً يرتجف تحت شجيرة قريبة، ولم يستطع تمييزه بسبب الظلام والمطر.
تراجع بندق فوراً، وهمس لنفسه:
لن أخرج، قد يكون ذلك فخاً، أو ربما يكون الظلام نفسه يناديني.
لكن الصوت عاد أكثر ضعفاً:
لا أستطيع العودة إلى عشي.
شعر بندق بشيء دافئ يتحرك في صدره، شيء كان أكبر قليلاً من خوفه، فتذكر أنه رأى نهاراً فرخ بومة صغيراً يتعلم الطيران قرب الشجرة العتيقة، فأدرك أن العاصفة ربما أسقطته من عشه.
نظر إلى أمه مرة أخرى، ثم التقط عصاً صغيرة، وأخذ نفساً عميقاً، قبل أن يخطو خارج الجحر للمرة الأولى بعد حلول الليل.
أول خطوة في مملكة الظلام
لامست قدما بندق الأرض المبللة، فشعر ببرودتها تتسرب بين مخالبه، بينما كان المطر يرسم خطوطاً فضية أمام عينيه، وكانت رائحة التراب الرطب والصنوبر تنتشر حوله بقوة.
تلفت في خوف، لكنه لم ير وحوشاً ولا عيوناً حمراء، بل رأى أشجاراً ساكنة يعرفها جيداً، إلا أنها بدت أطول وأكثر غموضاً تحت عباءة الليل.
الظل الذي تحرك خلفه
اقترب بندق من الشجيرة، فانزلقت قدمه فوق ورقة مبللة، وسقط على ركبتيه، وفي اللحظة نفسها لمح ظلاً ضخماً يتحرك خلفه.
تجمد مكانه، وشعر بأنفاسه تحترق في صدره، ثم رفع العصا المرتجفة وصاح:
من هناك؟
تحرك الظل مرة أخرى، وامتد فوق الأرض حتى وصل إلى قدميه، فاستدار بندق بسرعة، ليكتشف أن الظل لم يكن سوى ظله هو، وقد كبر بسبب ومضة برق بعيدة.
ظل صامتاً لحظات، ثم ضحك ضحكة قصيرة خجولة، وقال:
لقد أخفت نفسي بنفسي.
ومن أسفل الشجيرة جاء صوت ضعيف:
وأنا كنت أظن أن الدببة لا تخاف من شيء.
انحنى بندق، فوجد فرخ البومة عالقاً بين غصنين، وريشه الرمادي مبتل بالمطر، وعيناه الصفراوان ترتجفان من البرد.
قال بندق وهو يبعد الأغصان:
كلنا نخاف من شيء، لكن لا تخبر أحداً أنني خفت من ظلي.
الطريق إلى الشجرة العتيقة
حمل بندق فرخ البومة فوق ظهره، وبدأ يسير نحو الشجرة العتيقة التي تقع في الطرف الآخر من الغابة، حيث كان العش مرتفعاً بين الأغصان الكثيفة.
ومع ابتعاده عن الجحر، أخذت أصوات الليل تلتف حوله؛ نقيق الضفادع من جهة المستنقع، وصفير الريح بين الصنوبر، ووقع قطرات الماء المتساقطة من ورقة إلى أخرى.
حين تحدث الظلام
بعد مسافة قصيرة، توقفت العاصفة فجأة، وسكنت الريح، واختفى صوت المطر، حتى أصبحت الغابة هادئة على نحو جعل بندق يسمع دقات قلبه.
عندئذ شعر كأن صوتاً عميقاً يخرج من بين الأشجار ومن تحت الصخور ومن أعماق السماء:
لماذا تخاف مني يا بندق؟
توقف الدب الصغير، والتفت حوله، لكنه لم ير أحداً.
قال بصوت مرتجف:
من يتحدث؟
أجابه الصوت:
أنا الذي تهرب منه كل مساء، أنا الظلام.
تشبث فرخ البومة بفراء بندق، بينما رفع الدب الصغير العصا أمامه وقال:
ماذا تريد مني؟
اهتزت الأغصان برفق، وانزلق نسيم بارد فوق وجهه، ثم قال الظلام:
لا أريد منك شيئاً، أنت الذي خرجت إلى عالمي.
ابتلع بندق ريقه وقال:
عالمك مخيف، فأنت تخفي الطرق والأشجار وكل الأشياء التي نعرفها.
رد الظلام:
أنا لا أخفيها، بل أجعلها أكثر هدوءاً، كي تستريح من ضجيج النهار.
أسرار لا تظهر تحت الشمس
تابع بندق سيره، بينما ظل صوت الظلام يرافقه من مكان إلى آخر، تارة يأتي من فوق الأغصان، وتارة من بين الأعشاب، وتارة كأنه ينبع من داخل قلبه.
ومع كل خطوة، بدأ بندق يلاحظ أشياء لم يرها من قبل، فقد ظهرت بين الأعشاب نقاط خضراء صغيرة، تتحرك مثل فوانيس دقيقة معلقة في الهواء.
مصابيح الغابة الصغيرة
اقترب بندق منها، فاكتشف أنها يراعات تتراقص فوق الزهور المبللة، ترسل أضواءها في تناوب جميل، كأنها تنظم حفلاً سرياً لا يبدأ إلا بعد نوم الشمس.
قال فرخ البومة:
لو لم يكن هناك ظلام، لما رأيت ضوءها.
واصل بندق السير، فسمع خرير الجدول أوضح من النهار، ورأى انعكاس القمر وقد خرج من بين السحب، يتكسر فوق الماء مثل قطع فضية متناثرة.
قال الظلام:
في النهار تنشغل عيناك بالألوان، أما عندي، فتتعلم أذناك أن تريا، ويتعلم قلبك أن يصغي.
لم يفهم بندق العبارة تماماً، لكنه أحس أن الغابة لم تعد مغلقة ومخيفة، بل أصبحت كتاباً سرياً تُقرأ صفحاته بالأصوات والروائح واللمسات.
الممر الذي لا يعرفه أحد
وصل بندق إلى ملتقى طريقين، فتوقف متردداً، إذ كان الطريق المعتاد إلى شجرة البومة مسدوداً بجذع ضخم أسقطته العاصفة.
قال فرخ البومة بقلق:
لن نستطيع الوصول إلى العش.
لكن الظلام همس:
هناك طريق آخر.
ظهر بين الشجيرات ممر ضيق لم ينتبه إليه بندق من قبل، وكانت الصخور على جانبيه مغطاة بطبقة من الطحالب اللامعة.
عينان خلف الصخور
دخل بندق الممر بحذر، وما إن تقدم بضع خطوات حتى لمح عينين تلمعان خلف صخرة كبيرة.
توقف فوراً، وشعر بالخوف يعود إلى أطرافه، لكنه هذه المرة لم يهرب، بل ثبت قدميه وقال:
اخرج، لقد رأيتك.
تحركت العينان، وخرج ثعلب صغير يحمل في فمه غصناً من التوت، ثم نظر إلى بندق بدهشة وقال:
ولماذا تصرخ؟ أنا أجمع طعامي فحسب.
تنفس بندق براحة، وأدرك أن كل عينين لامعتين في الظلام لا تنتميان إلى وحش، وأن الخيال حين يخاف، يرسم أنياباً لأشياء بريئة.
تابع طريقه حتى وصل إلى جسر خشبي صغير فوق جدول عميق، لكن بعض ألواحه كانت مكسورة بسبب العاصفة، وكانت المياه تحته تضرب الصخور بصوت قوي.
الاختبار الأصعب فوق الماء
وضع بندق مخلبه على أول لوح، فصدر عنه صرير حاد، فتراجع فوراً، وشعر بفرخ البومة يرتجف فوق ظهره.
قال الفرخ:
يمكننا العودة.
نظر بندق خلفه، فرأى الممر الأسود الطويل، ثم نظر أمامه، فرأى الشجرة العتيقة ترتفع على الجانب الآخر، وقد ظهر بين أغصانها طائران كبيران يطلقان نداءات قلقة بحثاً عن صغيرهما.
خطوة تصنع الشجاعة
قال بندق وهو يشد مخالبه فوق الخشب:
العودة لن تعيدك إلى عشك.
خطا خطوة أولى، ثم ثانية، وكان الجسر يتأرجح تحت وزنه، بينما تتطاير قطرات الماء الباردة إلى وجهه، وتدفعه الريح من جانب إلى آخر.
في منتصف الجسر انكسر لوح تحت قدمه، فانزلقت ساقه بين الفجوات، وكاد فرخ البومة يسقط عن ظهره، إلا أن بندق أمسك بالحبل الجانبي بقوة، وغرس مخالبه فيه حتى آلمته كفوفه.
صرخ الظلام من حوله مع هدير الماء:
هل ستعود الآن؟
ضغط بندق أسنانه، وسحب قدمه، ثم قال:
لا، لقد وصلت إلى منتصف الطريق، ولن أسمح لخوفي أن يقرر النهاية.
تحرك ببطء حتى بلغ الضفة الأخرى، وهناك سقط فوق العشب وهو يلهث، بينما قفز فرخ البومة من فوق ظهره وقال بسعادة:
أنت أشجع دب رأيته في حياتي.
ابتسم بندق وقال:
كنت خائفاً طوال الوقت.
أجابه الفرخ:
لهذا كنت شجاعاً، فالشجاعة لا تحتاج إلى غياب الخوف، بل تحتاج إلى خطوة رغم وجوده.
أعلى الشجرة وتحت السماء
وصل بندق إلى جذع الشجرة العتيقة، فوجد عائلة البومة تنتظره، وقد هبط الأب إلى غصن منخفض، وحمل صغيره بمنقاره برفق، ثم أعاده إلى العش.
شكرته الأم، ووضعت أمامه ثمرة توت زرقاء كبيرة كانت تخبئها لصغيرها، لكن بندق لم يكن ينظر إلى الثمرة، بل إلى السماء التي بدأت السحب تنسحب عنها في صمت.
الهدية التي أخفاها الظلام
رفع بندق رأسه، فتوقفت أنفاسه، فقد ظهرت فوقه آلاف النجوم، بعضها صغير كحبات الملح، وبعضها لامع كعيون من ذهب، وبعضها يمتد في خطوط باهتة ترسم أشكالاً عجيبة في الفضاء.
لم ير بندق السماء بهذا الاتساع من قبل، ولم يعرف أن فوق سقف الجحر عالماً كاملاً من الضوء، وأن العتمة لم تكن جداراً أسود، بل ستارة هائلة تُفتح كل ليلة لتكشف تلك المصابيح البعيدة.
قال الظلام بصوته الهادئ:
هذه هي الأشياء الجميلة التي لا تستطيع الظهور في ضوء الشمس.
جلس بندق فوق العشب، وترك العصا تسقط من يده، ثم قال:
هل كنت تخفي النجوم كل هذا الوقت؟
أجاب الظلام:
لم أكن أخفيها، بل كنت أحملها لك، لكنك كنت تغلق عينيك قبل أن تراها.
ظل بندق يتأمل السماء، وشعر أن الخوف الذي عاش طويلاً في صدره قد صار أصغر، كحجر ذاب نصفه في ماء دافئ.
العنصر الأخير صداقة عند حافة الفجر
حين بدأ الفجر يصبغ أطراف السماء بلون رمادي خفيف، عاد بندق إلى الجحر عبر الطريق نفسه، لكنه لم يعد يراه مخيفاً، فقد عرف الآن اليراعات والثعلب والجسر وأصوات الجدول.
عند مدخل الجحر، توقف والتفت إلى الأشجار التي بدأت ظلالها تتراجع، ثم قال:
هل سترحل الآن؟
جاءه صوت الظلام خافتاً من آخر بقعة سوداء بين الأغصان:
سأعود في المساء، كما أفعل كل ليلة.
ابتسم بندق، ولوح بمخلبه قائلاً:
سأنتظرك، لكن هذه المرة لن أختبئ منك.
دخل الجحر، فوجد أمه مستيقظة تنتظره، وحين رأته مبتلاً ومتعباً، ضمته إلى صدرها وسألته أين كان.
حكى لها عن فرخ البومة والجسر واليراعات والنجوم، ثم قال وهو يتثاءب:
كنت أظن أن الظلام وحش، لكنه كان مجرد صديق لم أتعرف إليه بعد.
وضعت أمه الغطاء فوقه، وقبل أن يغفو، تسلل آخر شعاع من نجمة باهتة إلى الجحر، فانعكس فوق عينيه المغمضتين كأنه وعد صغير بليلة جديدة.
في بعض الأحيان، لا تكون الأشياء التي نخشاها مخيفة حقاً، لكننا نمنحها في خيالنا وجوهاً وأنياباً وأصواتاً لا تملكها، ثم نهرب منها قبل أن نقترب بما يكفي لنراها على حقيقتها.
وقد تعلّم بندق أن النور لا يعيش في النهار وحده، وأن بعض النجوم تحتاج إلى عتمة كي تُرى، كما تحتاج الشجاعة أحياناً إلى قلب خائف يقرر، رغم ارتجافه، أن يخطو خطوته الأولى, حكاية اللوحة الناقصة سر اللون الذي عجز الرسام عن رؤيته من هنا.
