قصة وسادة السحاب حكاية رحلة عمر الساحرة فوق مدينة النيام

الراوي
0

عند منتصف الليل، حين خفتت آخر نافذة مضيئة في الحي، سمع عمر صوتًا غريبًا ينبعث من تحت رأسه؛ لم يكن صرير السرير ولا صفير الريح، بل همسًا رقيقًا يشبه اصطدام قطرة مطر بورقة ياسمين.

رفع رأسه عن الوسادة، فوجدها ترتجف ببطء، ثم انتفخت حوافها البيضاء كأنها تتنفس.

وحين مد أصابعه ليلمسها، غاصت يده في برودة ناعمة، وعلقت بين أنامله رائحة المطر الذي يسبق العاصفة.

تراجع عمر حتى التصق بلوح السرير، وحدق في وسادته التي أخذت تطلق خيوطًا فضية من الضباب.

وبعد لحظات، ارتفعت عن الفراش مقدار شبر، ثم استدارت نحوه كأنها تدعوه إلى ركوبها.

لم يعرف عمر يومها أن تلك الليلة لن تنتهي كما بدأت، ولا أن المدينة التي يراها كل صباح تخفي وجهًا آخر لا يظهر إلا حين ينام الجميع.

قصة وسادة السحاب حكاية رحلة عمر الساحرة فوق مدينة النيام قصة قبل النوم

الوسادة التي رفضت النوم

ظل عمر يراقب الوسادة بعينين متسعتين، بينما كانت تتحرك فوق الغطاء بخفة طائر صغير.

كلما اقترب منها، انكمشت قليلًا، ثم عادت فانتفخت كقطعة سحاب انفصلت لتوها عن السماء.

قال عمر بصوت خافت:

هل أنتِ حقيقية؟

اهتزت الوسادة، فتناثرت منها قطرات دقيقة لم تبلل الفراش، بل تحولت إلى نقاط ضوء زرقاء راحت تطوف في الغرفة.

كانت النقاط تدور حول المصباح، ثم ترسم في الهواء سهمًا يشير إلى النافذة.

اقترب عمر منها ببطء، ووضع كفه فوق سطحها الناعم.

لم يشعر بالقماش أو الريش، بل أحس بتيار بارد يسري في جلده، كأنه يغمس يده في ضباب الفجر.

العلامة المخفية تحت الغطاء

رفع عمر غطاء الوسادة، فظهر على جانبها رمز لم يره من قبل؛ هلال صغير تحيط به سبع نجوم، وفي وسطه حرف واحد مضيء يشبه أول حرف من اسمه.

ما إن مرر إصبعه فوق الرمز حتى انفتح شق رفيع في الوسادة، وخرج منه صوت عميق، لكنه لطيف:

تأخرت كثيرًا يا عمر.

شهق الطفل وسحب يده بسرعة، ثم قال:

من أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟

أجاب الصوت من بين طبقات الضباب:

أنا وسادة السحاب، وأعرف أسماء الأطفال الذين يستطيعون سماع المدينة وهي تحلم.

لم يفهم عمر المقصود، إلا أن قلبه كان يخفق بعنف، بينما كان الفضول يلمع في عينيه أقوى من الخوف.

التفت إلى باب غرفته ليتأكد أن والديه نائمان، ثم عاد ينظر إلى الوسادة.

قالت وسادة السحاب:

اركب، فالليلة قصيرة، وهناك حلم ضائع يجب أن نجده قبل الفجر.

الإقلاع من النافذة

جلس عمر فوق الوسادة بحذر، فغاص جسده فيها قليلًا ثم ارتفع، كأن ذراعين غير مرئيتين حملتاه برفق.

تحركت الوسادة نحو النافذة، فانفتح زجاجها وحده دون صوت.

اندفع هواء الليل إلى الغرفة، باردًا ومحمّلًا بروائح الحدائق والأرصفة الرطبة.

ارتجفت ستائر النافذة، ورفرفت ملابس عمر، بينما بدأت الوسادة تتقدم نحو الخارج.

تشبث عمر بحافتيها وقال:

انتظري! نحن في الطابق الرابع!

ضحكت الوسادة، وكان ضحكها يشبه خرير ماء بعيد:

السحب لا تعرف الطوابق.

ثم قفزت به في الفراغ.

اللحظة التي اختفى فيها الخوف

سقط عمر للحظة قصيرة، ورأى الأرض تندفع نحوه، فاختنق صوته في حلقه وأغمض عينيه.

لكنه شعر فجأة بالوسادة تنتفخ تحته، ثم حمله تيار دافئ إلى أعلى.

فتح عينيه، فوجد نفسه يطفو فوق سطح العمارة، بينما تقلصت السيارات في الشارع حتى بدت كألعاب صغيرة.

كان القمر قريبًا، أبيض وباردًا، يسكب نوره فوق الأسطح والشرفات.

مد عمر يده في الهواء، فمرت بين أصابعه أسراب من الضباب اللامع.

لم يعد يشعر بالخوف؛ صار قلبه خفيفًا، كأنه ترك كل مخاوفه معلقة عند نافذة غرفته.

قالت الوسادة:

تمسك جيدًا، فنحن ندخل الآن مدينة النيام.

المدينة التي تتنفس في الظلام

من الأعلى، لم تبدُ المدينة صامتة كما تصور عمر دائمًا.

كانت الأسطح ترتفع وتنخفض ببطء، كصدور نائمة، فيما تنبعث من المداخن خيوط دخان ملونة تحمل أحلام السكان.

خرج من إحدى النوافذ حلم على هيئة سفينة ذهبية، ومن أخرى طار حصان أزرق بأجنحة واسعة.

أما فوق بيت قديم في طرف الحي، فقد دار سرب من الفراشات المصنوعة من صفحات الكتب.

قال عمر مدهوشًا:

هل هذه أحلام الناس؟

أجابت الوسادة:

نعم، لكنها لا تبقى طويلًا.

مع أول ضوء، تعود إلى أصحابها أو تتلاشى في السماء.

ثم انعطفت فجأة بين برجين، وانخفضت حتى لامست أطراف الأشجار.

كانت أوراقها تهمس بأسماء النائمين، بينما تتسلل من الشرفات أغانٍ خافتة لا يسمعها إلا من يطير فوق المدينة.

نافذة بلا حلم

توقفت وسادة السحاب أمام بناية رمادية لا يخرج من نوافذها أي ضوء أو لون.

كانت كل البيوت من حولها محاطة بالأحلام، إلا نافذة صغيرة في الطابق الأخير بقيت مظلمة كعين مغلقة بقوة.

قالت الوسادة:

هناك يعيش سامر.

فقد حلمه منذ ثلاث ليالٍ، ومنذ ذلك الحين لم يعد يبتسم.

اقترب عمر من النافذة، فرأى طفلًا أصغر منه يتقلب في فراشه، وقد عقد حاجبيه كأنه يواجه كابوسًا لا ينتهي.

بجوار سريره كان صندوق خشبي مفتوح، تتناثر حوله رسومات ممزقة لنجوم وطائرات.

سأل عمر:

كيف يضيع الحلم؟

ارتجفت الوسادة تحت قدميه وقالت:

لا تضيع الأحلام وحدها.

هناك من يسرقها.

وفي اللحظة نفسها، مر فوقهما ظل طويل، حجب ضوء القمر وألقى فوق الزجاج برودة جعلت أنفاس عمر تتحول إلى بخار.

لص الأحلام في زقاق القمر

انطلقت وسادة السحاب خلف الظل، وشقت طريقها بين المآذن والقباب وأعمدة الدخان الملون.

كان عمر يلمح في الأمام مخلوقًا أسود نحيلًا يحمل كيسًا ضخمًا ينتفخ بأضواء متحركة.

كلما أسرع المخلوق، تساقطت من الكيس شظايا أحلام؛ سمكة من زجاج، وضحكة طفل، ووردة تتفتح في الهواء ثم تختفي.

كانت وسادة السحاب تجمع الشظايا خلفها كي لا تضيع.

صرخ عمر:

توقف! أعد حلم سامر!

التفت المخلوق، فكشف عن وجه بلا ملامح سوى عينين صفراوين ضيقتين.

أطلق صفيرًا حادًا، ثم هبط نحو زقاق ضيق تتشابك فوقه أسلاك الغسيل كشبكة سوداء.

المطاردة بين المداخن

انخفضت الوسادة بسرعة، ومرّت بين الحبال والشرفات حتى كاد عمر يصطدم بجدار حجري.

كانت رائحة الفحم والرطوبة تملأ المكان، بينما يجر الظل كيسه خلفه ويقفز من سطح إلى آخر.

أمسك عمر بإحدى زوايا الوسادة وقال:

اقتربي منه أكثر!

ردت الوسادة:

إن أمسك بنا، فسيسرق حلمك أنت أيضًا.

ابتلع عمر ريقه، لكنه تذكر وجه سامر المنقبض ونافذته المظلمة.

مد يده نحو الكيس حين اقتربا، فلامست أصابعه خيطًا أزرق يتسرب من فتحة صغيرة فيه.

في اللحظة التي قبض فيها على الخيط، رأى صورة واضحة داخل رأسه، سامر يقف فوق تل أخضر، يطلق طائرة ورقية حمراء نحو الشمس.

عرف عمر فورًا أنه أمسك بالحلم المسروق.

شد الخيط بكل قوته، لكن لص الأحلام استدار وأمسك بذراعه.

كانت أصابعه باردة كالجليد، وصوته كحفيف أوراق يابسة:

اترك ما ليس لك.

قال عمر وهو يقاوم ارتجافه:

الحلم ليس لك أيضًا.

سر اللص الذي لا يحلم

توقفت المطاردة فوق برج ساعة قديم، حيث كانت العقارب تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل.

ثبت لص الأحلام قدميه فوق الحافة، وبقي ممسكًا بذراع عمر، بينما طافت وسادة السحاب إلى جانبهما.

هبت الريح، فتحرك معطف اللص، وانكشف صدره عن فجوة مظلمة لا قلب فيها ولا ضوء.

ومن داخل تلك الفجوة جاء صوت بكاء خافت، كأنه صدى بعيد لطفل ضائع.

قال عمر:

لماذا تسرق الأحلام؟

أجاب اللص بعد صمت طويل:

لأنني لم أحلم منذ مئة عام.

وحين أنظر إلى أحلام الآخرين، أشعر بالدفء للحظة.

ارتخت قبضته قليلًا، واهتز الكيس على كتفه.

عندها أدرك عمر أن المخلوق لم يكن غاضبًا بقدر ما كان وحيدًا، وأن عينيه الصفراوين تخفيان خوفًا قديمًا.

هدية لم يتوقعها أحد

أخرج عمر من جيب ثوبه قصاصة ورق صغيرة كان قد رسم عليها قبل النوم قاربًا يبحر بين النجوم.

كان يحتفظ بها ليكملها في الصباح، لكنه مدها نحو اللص دون تردد.

قال:

لا تستطيع سرقة حلم لم يكتمل، لكنك تستطيع أن تساعدني في إكماله.

نظر اللص إلى القصاصة، فتبدلت عيناه من الأصفر الحاد إلى لون العسل.

تردد لحظة، ثم أمسك الورقة بين أصابعه، فانبثق منها ضوء أبيض امتد داخل الفجوة في صدره.

ظهرت هناك نقطة صغيرة من النور، ثم بدأت تنبض ببطء.

اهتز جسد اللص، وسقط الكيس عن كتفه، فانفتح في الهواء وانطلقت منه مئات الأحلام كأسراب الطيور.

امتلأت السماء بقلاع زجاجية، وقطارات تطير فوق البحار، وحدائق تنبت فيها النجوم بدل الأزهار.

ضحكت المدينة في نومها، وتحركت وجوه الأطفال خلف النوافذ بابتسامات هادئة.

قال اللص بصوت تغيرت خشونته:

لقد نسيت أن الحلم لا يؤخذ، بل يُصنع.

عودة الحلم إلى صاحبه

أمسك عمر بالخيط الأزرق، وقاد وسادة السحاب عائدًا إلى البناية الرمادية.

كان الفجر قد بدأ يلوّن أطراف السماء بلون بنفسجي باهت، ولم يبق أمامهما وقت طويل.

وصل إلى نافذة سامر، فاقترب الخيط من الزجاج وانساب عبره كنسمة.

دار فوق سرير الطفل، ثم دخل صدره، فهدأت ملامحه وانفرجت يداه بعد أن كانتا منقبضتين.

فوق رأسه، ظهر التل الأخضر والطائرة الورقية الحمراء، ثم ارتفعت الطائرة حتى ملأت الغرفة بضوء ذهبي.

ابتسم سامر في نومه وهمس باسم لا يسمعه سواه.

قالت وسادة السحاب:

اكتملت المهمة.

لكن عمر ظل ينظر إلى الطفل النائم، وشعر بدفء هادئ يسري في قلبه.

لم يكن يعرف سامر، ومع ذلك بدا له أن إنقاذ حلمه جعل المدينة كلها أقل ظلمة.

الوداع قبل شروق الشمس

حلقت الوسادة بعمر نحو بيته، بينما كانت الأحلام تعود إلى النوافذ كطيور تعرف أعشاشها.

اختفت الألوان شيئًا فشيئًا، واستعادت الشوارع صمتها المعتاد.

عندما اقتربا من نافذة غرفته، كانت أول خيوط الشمس تتسلل بين المباني.

هبطت الوسادة فوق السرير، وعادت صغيرة ساكنة، كما لو أنها لم تغادر مكانها قط.

قال عمر:

هل سنطير مرة أخرى؟

لم تجبه الوسادة مباشرة، بل ارتجفت حافتها وظهرت عليها قطرة ماء صافية.

داخل القطرة انعكس قارب صغير يبحر بين النجوم، وفي مقدمته وقف ظل طويل بعينين بلون العسل.

سمع عمر صوتها للمرة الأخيرة:

حين تسمع المدينة تناديك، ستعرف أن الوقت قد حان.

الصباح الذي احتفظ بسر الليل

استيقظ عمر على صوت أمه وهي تفتح الستائر، فاندفع ضوء الصباح إلى الغرفة.

نظر بسرعة إلى وسادته، فوجدها ساكنة داخل غطائها الأبيض، دون ضباب أو نجوم.

قالت أمه وهي ترتب الغطاء:

يبدو أنك نمت بعمق.

كنت تبتسم طوال الليل.

لم يجب عمر، بل وضع يده تحت الوسادة، فوجد قصاصة الورق التي رسم عليها القارب.

وحين أخرجها، اكتشف أن شخصًا ما أضاف إلى الرسم شراعًا فضيًا وطفلًا يقف فوق سطح القارب.

وفي أسفل الورقة، كُتبت جملة بحبر لامع:

شكرًا لأنك أعدت إليّ حلمي.

اقترب عمر من النافذة، فرأى في المبنى البعيد طفلًا يلوح بطائرة ورقية حمراء من الشرفة.

رفع عمر يده ولوح له، رغم أنه لم يكن متأكدًا إن كان سامر يستطيع رؤيته.

خلف الغيوم، تحركت قطعة سحاب صغيرة عكس اتجاه الريح، ثم توقفت لحظة فوق منزل عمر قبل أن تواصل رحلتها في السماء.

لم يخبر عمر أحدًا بما حدث، لأن بعض الأسرار تفقد سحرها حين تُروى لمن لا يؤمن بها.

لكنه منذ تلك الليلة صار يترك إلى جوار وسادته ورقة وقلمًا، لعل حلمًا ضائعًا يحتاج يومًا إلى بداية جديدة.

وقد أدرك أن الأحلام لا تعيش لأنها جميلة فقط، بل لأنها تجد من يحميها حين يهددها الخوف، ومن يشارك نورها مع الذين نسوا كيف يرفعون أعينهم نحو السماء.

ففي كل مدينة نائمة، قد توجد نافذة بلا حلم، وقد يكون إنقاذها في يد طفل يملك من الشجاعة ما يكفي ليمنح الآخرين جزءًا من ضوئه، حكاية همسات الأشباح وكيف استعادت الأميرة عرشها بحكمة الملوك الموتى؟ من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد