الجزيرة التي كانت ترقص مع الغيوم، لم يكن أحد من سكان الجزيرة الخضراء يلاحظ أن الريح التي تداعب قمم الأشجار أصبحت أثقل، وأن الغيوم التي طالما احتضنت موطنهم أخذت تبتعد عنهم شيئا فشيئا، وكأن تغيرا خفيا كان يحدث دون أن ينتبه إليه أحد.
وفي صباح غريب يملؤه الصمت، استيقظت الحيوانات على اهتزاز خفيف جعل قطرات الندى ترتجف فوق أوراق الزهور، ثم اكتشف الجميع أن الجزيرة الطائرة تهبط ببطء نحو الأرض، وكأن السماء بدأت تتخلى عنها في صمت.
ساد الذهول في أرجاء الجزيرة، وتبادلت الحيوانات نظرات امتزج فيها الخوف بالحيرة، فلم يكن هناك وحش يهاجمها، ولا عاصفة تقتلع الأشجار والمساكن، بل كان الخطر ينشأ من داخل الجزيرة نفسها، بصمت لا يدركه إلا من يصغي إلى أنين الأشجار وعطش الينابيع.
كانت الجزيرة الخضراء أشبه بحديقة معلقة بين السماء والنجوم، تتدلى من أطرافها كروم مزهرة، وتنساب في قلبها جداول رقراقة تعكس زرقة الأفق، بينما تعيش الحيوانات وسط طبيعة آسرة اعتادت أن تراها جميلة كل يوم.
وكانت الطيور تستيقظ في الصباح على عزف النسيم بين الأغصان، فيما تملأ الفراشات المكان بألوانها التي تبدو كأنها شظايا متناثرة من قوس قزح، غير أن ذلك الجمال لم يكن قادرا على البقاء إلى الأبد من دون عناية.
بمرور الوقت، انشغلت الحيوانات باللعب والراحة، ونسيت أن الأشجار تحتاج إلى الرعاية، وأن الأزهار تذبل إن لم تجد من يسقيها، وأن نبع الماء الذي يمنح الجزيرة الحياة لا يستطيع البقاء نقيا وسط الأوراق اليابسة والمخلفات وبقايا الطعام التي أخذت تتجمع في مياهه الصافية.
العلامات الأولى لهبوط الجزيرة
اقترب الأرنب سمسم من حافة الجزيرة، وأخذ يتأمل العالم الممتد تحتها، فلاحظ أن السحب لم تعد تحيط بهم كما اعتاد، وأن قمم الجبال البعيدة في الأسفل أصبحت أقرب من ذي قبل.
اتسعت عينا سمسم من الدهشة، وركض مسرعا نحو السلحفاة سوسو وهو يلهث، ثم سألها بقلق إن كانت تشعر بأن الجزيرة تنخفض نحو الأرض.
رفعت سوسو رأسها ببطء، وأمعنت النظر في الأشجار التي انحنت أغصانها وكأنها تحمل هما ثقيلا، ثم أجابت بهدوء أن الأرض لا تقترب منهم، بل هم الذين يقتربون منها.
سر الجزيرة الخضراء
اجتمعت الحيوانات حول النبع بحثا عن تفسير لما يحدث، وكان النبع في الماضي يشبه مرآة صافية تعكس السماء، لكنه أصبح الآن عكرا، تملؤه الأوراق الذابلة وبقايا الطعام والمخلفات التي ألقيت فيه دون اكتراث.
ولم يكن النبع وحده قد تغير، فقد النسيم عطره الذي اشتهرت به الجزيرة، وراحت الأزهار تنحني نحو الأرض كأنها تستغيث بمن حولها، فيما ظهرت آثار الإهمال في كل مكان.
ساد صمت ثقيل بين الحيوانات حتى بدا كأنه امتد ليملأ السماء، قبل أن تتحدث البومة الحكيمة بصوت عميق يشبه حفيف الأشجار العتيقة، فأخبرتهم أن الرياح ليست وحدها ما يحمل الجزيرة في السماء، بل إن الحياة التي تنبض في أرضها هي التي تمنحها قدرتها على التحليق.
وأوضحت البومة أن كل شجرة تهمل، وكل زهرة تذبل، وكل قطرة ماء تتلوث، تجعل الجزيرة تفقد جزءا من قوتها وتسحبها خطوة أخرى نحو الأرض، وعندها فهم الجميع أن ما يحدث لم يكن لغزا، بل نتيجة لما فعلوه بموطنهم.
قرار ينقذ الجزيرة
تقدم سمسم بخطوات ثابتة، وقد تحول خوفه إلى رغبة في العمل، وقال إنه إذا كان الإهمال هو الذي جعل الجزيرة تهبط، فلا بد أن تكون العناية بها هي الطريق الذي سيعيدها إلى مكانها في السماء.
ابتسمت سوسو، وعلى الرغم من بطء حركتها، حملت كلماتها ثباتا يشبه جذور الأشجار، وأكدت أن فردا واحدا لن يستطيع إنقاذ الجزيرة بمفرده، لكن الجميع يستطيعون إنقاذها إذا تعاونوا.
تبادلت الحيوانات النظرات، ثم أخذت رؤوسها تهتز بالموافقة واحدة تلو الأخرى، وكأن الأمل الذي غاب طويلا قد استيقظ فجأة في قلوبها، وأصبح لكل واحد منها هدف واضح وهو إعادة الحياة إلى الجزيرة قبل فوات الأوان.
حملة لإعادة الحياة إلى الجزيرة
مع شروق شمس اليوم التالي، امتلأت الجزيرة بحركة لم تشهدها منذ زمن طويل، وانطلقت الحيوانات في أنحاء موطنها، يعمل كل منها بما يستطيع لإصلاح آثار الإهمال.
راحت السناجب تجمع الأغصان اليابسة، وحملت الطيور البذور إلى الأماكن الخالية لتزرع فيها حياة جديدة، وأخذت الغزلان تسقي الشتلات الصغيرة بعناية، بينما تعاونت القنادس على تنظيف مجرى النبع وإزالة ما تراكم فيه حتى عاد الماء يتدفق صافيا كالبلور.
أما سمسم، فكان يقفز بين الحيوانات بابتسامته المشرقة، يشجع بعضها ويساعد بعضها الآخر، في حين كانت سوسو تتحرك بين أرجاء الجزيرة وتتأكد من أن كل غرسة وجدت مكانا مناسبا، وأن كل زهرة حصلت على قطرات الماء التي تحتاج إليها.
لم يعد العمل مهمة تخص حيوانا واحدا، فقد أصبح مسؤولية يشترك فيها الجميع، وكلما نظفوا بقعة أو زرعوا بذرة أو سقوا شجرة، بدأت الجزيرة تستعيد شيئا من جمالها القديم.
حين ابتسمت الطبيعة من جديد
مرت الأيام، وتحولت البقع اليابسة تدريجيا إلى بساط أخضر، وعادت الفراشات تحلق بين الأزهار وترسم دوائرها الملونة في الهواء، بينما استأنفت الطيور غناء ألحان لم يسمعها سكان الجزيرة منذ زمن طويل.
وبينما كانت الحيوانات تواصل عملها، شعر الجميع فجأة باهتزاز يسري في الجزيرة، فتوقفت للحظات وهي تراقب ما يحدث، إلا أن ذلك الاهتزاز لم يكن يشبه الهبوط المخيف الذي شعرت به سابقا.
كان هذه المرة أشبه بخفة لطيفة تسري في أرجاء الجزيرة، وكأنها أخذت نفسا عميقا بعد اختناق طويل، ثم بدأت ترتفع قليلا وسط دهشة جميع الحيوانات وفرحتها.
ومع كل زهرة جديدة تتفتح، وكل شجرة تستعيد عافيتها، وكل قطرة ماء نظيفة تجري في النبع، أخذت الجزيرة تصعد أكثر فأكثر، حتى اقتربت الغيوم منها وعادت تعانق أطرافها كما كانت تفعل في الماضي.
عودة الجزيرة إلى موطنها بين السحاب
وفي صباح تلألأت فيه أشعة الشمس فوق قطرات الندى، ارتفعت الجزيرة الخضراء بثبات وهدوء، وكأنها تستجيب لنبض الحياة الذي عاد يجري في كل جزء منها.
صفقت الطيور بأجنحتها في فرح، وقفزت الأرانب احتفالا، وامتلأت السماء بزقزقة سعيدة أعلنت عودة الجزيرة إلى موطنها الطبيعي بين السحب البيضاء.
وقف سمسم وسوسو عند أعلى التلة يتأملان الأشجار التي استعادت خضرتها، والنبع الذي عاد يهمس بمائه النقي، والزهور التي أخذت تتمايل برفق مع النسيم، وكأن الطبيعة كلها تشكر كل من شارك في رعايتها.
وأدركت الحيوانات عندها أن الجزيرة لم تكن بحاجة إلى معجزة حتى تنجو، بل كانت تحتاج إلى قلوب تدرك قيمة ما تملكه قبل أن تفقده، وإلى أيد تتعاون من أجل حمايته.
درس لم ينسه سكان الجزيرة
منذ ذلك اليوم، لم تعد الحيوانات تؤجل تنظيف النبع، ولم تترك زهرة عطشى أو شجرة من دون رعاية، وأصبح الاهتمام بالجزيرة جزءا من حياتها اليومية بعدما أدركت أن جمال موطنها واستمراره مسؤولية يشتركون فيها جميعا.
صار لكل حيوان دور صغير يؤديه، لكن تلك الأدوار الصغيرة اجتمعت لتصنع نتيجة كبيرة، فأصبحت الجزيرة الخضراء تحلق بثقة في السماء، وتنثر ظلها الأخضر فوق السحاب، وتحمل معها حكاية المكان الذي أنقذته المحبة والمسؤولية والعمل المشترك.
ومن ينظر إلى السماء من الأرض في الأيام الصافية قد يلمح جزيرة خضراء تسبح بين الغيوم، وربما يظن أنها مجرد حلم بعيد، لكنه لو عرف حكايتها لأدرك السر الذي أبقاها محلقة هناك.
فأجمل الأحلام لا تبقى في السماء إلا حين تجد من يحسن رعايتها، والطبيعة تمنح جمالها بسخاء، لكنها لا تحتفظ به إلا لمن يعرف قيمته ويصونه بالمحبة والمسؤولية.
