شجرة الأمنيات المنسية حكاية الغابة التي منحت الذهب وسرقت القلوب

الراوي
0

لم تكن الغابة صامتة كما ظن سليمان حين دخلها عند انكسار الغروب؛ كانت تتنفس بين جذوع البلوط العتيق، وتئن تحت وطأة ضباب بارد يزحف كالأصابع فوق العشب الرطب.

كل خطوة كان يخطوها تُوقظ تحت قدميه أوراقاً ميتة، كأن الأرض نفسها تهمس له بتحذير قديم لا تطلب ما لا تستطيع دفع ثمنه.

كان رحالة شاباً لا يملك سوى عباءة مهترئة، ودفتر جلدٍ أسود، وقلقٍ لا يهدأ في صدره.

بحث عن مأوى، فإذا به يعثر على قرى غنية البيوت، لامعة النوافذ، لكنها خالية من الضحك كالمقابر المزينة بالذهب.

قصة شجرة الأمنيات المنسية حكاية الغابة التي منحت الذهب وسرقت القلوب

القرية التي ابتلعت ضحكاتها

كانت أول قرية بلغها سليمان تُدعى فالنبروك، وقد بدت من بعيد كحلم تاجر جائع؛ أسقفها مكسوة بالنحاس، وأبوابها مطعّمة بالعاج، وروائح الخبز والزبدة تتصاعد من المداخن.

غير أن الشوارع، رغم جمالها، كانت باردة على نحو لا يشبه الشتاء، بل يشبه قلباً نسي كيف يخفق.

رأى عجوزاً يجلس أمام متجر عامر بالحرير، يحدق في يديه كما لو كانتا غريبتين عنه.

سأله سليمان عن نُزُلٍ يبيت فيه، فرفع الرجل عينيه ببطء، وكانت فيهما ثروة العالم كلها، وفراغ العالم كله.

قال العجوز بصوت جاف النزل آخر الشارع، لكن لا تسأل أحداً عن أغنية المساء.

اقترب سليمان، وقد شدّه الاسم الغريب.

وما أغنية المساء؟

ارتجفت شفتا العجوز، ثم قال كمن يفتش في بئر لا قرار لها لا أدري, لكنني كلما سمعت الأطفال يضحكون، أشعر أن شيئاً كان لي قد ضاع.

ذهب كثير وقلوب قليلة

في النزل، وجد سليمان موائد عامرة، وكؤوساً فضية، ووجوهاً لا تعرف الدهشة.

كان الناس يتحدثون عن الحقول التي امتلأت قمحاً في ليلة، وعن الخزائن التي فاضت بالعملات، وعن الثياب التي جاءت من لا مكان، لكن أحداً لم يذكر أماً، أو صديقاً، أو حباً قديماً.

جلست النادلة أمامه تضع الحساء، فسألها لماذا لا يغني أحد هنا؟

نظرت إليه نظرة طويلة، ثم همست لأن الأغاني تحتاج إلى ذكريات، والذكريات, دفعتها القرية ثمناً.

تجمدت الملعقة في يد سليمان.

وفي تلك اللحظة، سمع من خارج النافذة حفيفاً غريباً، كأن شجرة بعيدة تناديه باسمه.

الطريق إلى الشجرة الأسطورية

قادته النادلة، واسمها مارينا، إلى حافة الغابة قبل الفجر.

كان الضباب يتدلى بين الأغصان كستائر ممزقة، والقمر عالقاً فوق الأشجار كعملة قديمة فقدت بريقها.

قالت وهي تشير إلى ممر ضيق هناك، خلف التلال السوداء، تقف شجرة الأمنيات.

كل من طلب منها شيئاً ناله، وكل من نال شيئاً ترك عند جذورها ذكرى سعيدة.

سألها سليمان وهل طلبتِ أنتِ أمنية؟

أطرقت مارينا، ومسحت على خاتم ذهبي في إصبعها.

طلبت أن أجد أبي المفقود.

عاد إليّ رجلاً حياً, لكنني نسيت صوته حين كان يضحك، ومنذ ذلك اليوم لا أعرف إن كنت قد استعدته حقاً أم فقدته مرتين.

دخل سليمان الغابة، وكلما توغل فيها، خفتت أصوات العالم خلفه.

لم يعد يسمع إلا نقر قطرات الماء على الحجارة، وصرير الغصون، وخفقان قلبه حين لمح نوراً أخضر يتوهج بين الجذوع.

النداء تحت الجذور

وصل إلى فسحة مستديرة تتوسطها شجرة هائلة، لا تشبه أشجار الأرض.

كان جذعها أوسع من بيت، ولحاؤها محفور بوجوه باكية، أما أوراقها فكانت فضية، ترتجف رغم سكون الهواء.

عند جذورها، تناثرت أشياء صغيرة شريط طفلة، ملعقة خشبية، خصلة شعر، حجر أملس، ودموع متحجرة كحبات الكهرمان.

عرف سليمان أنها ليست أشياء عادية، بل بقايا لحظات بشرية دافئة تُركت هنا مقابل الذهب والمجد.

انفتح شق في الجذع، وخرج منه صوت ناعم وعميق يا سليمان، أنت تحمل أمنية قديمة.

قلها، أعطك ما تريد.

ارتعش صدره، فقد كانت له أمنية دفنها منذ أعوام أن يرى أمه الراحلة مرة واحدة، أن يسمع منها كلمة واحدة، أن يضع رأسه على ركبتها كما كان يفعل صغيراً.

الثمن الذي لا يُرى

قالت الشجرة اطلب، ولن يأخذ الأمر منك إلا ذكرى سعيدة واحدة.

سألها سليمان بصوت مبحوح أي ذكرى؟

ضحكت الأوراق فضياً، وانحدر البرد فوق كتفيه.

لا يختار الإنسان ما يفقده.

السعادة لا تُباع بالقياس، ولا تُسترد بالبكاء.

في تلك اللحظة، رأى سليمان مشاهد كأنها تنعكس على سطح ماء تاجر طلب قصراً، ففقد ذكرى أول قبلة من زوجته؛ أم طلبت الشفاء لابنها، فنسيت يوم ولادته؛ فلاح طلب حقلاً لا يجف، فخسر ذكرى يد أبيه وهي تعلمه زرع البذور.

أمنية سليمان الأولى والأخيرة

مدت الشجرة غصناً رقيقاً كإصبع ساحرة، وتدلى منه نور ذهبي على هيئة باب.

خلف الباب، سمع سليمان صوت أمه يناديه كما كانت تناديه عند المساء.

كاد يندفع، غير أن صدى ضحكة بعيدة شق قلبه؛ ضحكة رجل عجوز لا يتذكر أغنيته، وضحكة مارينا التي فُقدت قبل أن تكتمل، وضحكات قرى كاملة تحولت إلى صمت مذهب.

تراجع سليمان، ثم قال لا أريد أمنية لنفسي.

اهتزت الشجرة حتى تساقطت أوراق فضية على الأرض.

كل من جاء إلى هنا أراد شيئاً.

لا تكذب على جذوري.

رفع سليمان رأسه، وعيناه تلمعان بالألم لا بالخوف.

أريد أن أعيد إليهم ما أخذتِه.

معركة بلا سيف

لم تصرخ الشجرة، لكن الغابة كلها فعلت.

انحنت الأغصان كالرماح، وانفتحت الوجوه المحفورة في الجذع عن أفواه سوداء، وارتفعت من الأرض رائحة مطر قديم ممزوجة برماد المواقد المنطفئة.

قالت الشجرة الذكريات لا تعود مجاناً.

إن أردت استعادتها، فاترك أمنياتك كلها هنا.

سأل سليمان وما أمنياتي كلها؟

أجابته الشجرة ألا تجوع، ألا تتيه، ألا تحزن، ألا تكون وحيداً، وأن ترى أمك مرة أخرى.

كان الصمت بعدها أعمق من الموت.

وضع سليمان يده على صدره، حيث كان حنينه يشتعل منذ سنوات، ثم أغمض عينيه وهمس خذِيها.

حين بكى اللحاء

انفجر الضوء من جذور الشجرة كالفجر، وارتفعت من التراب آلاف الومضات الصغيرة؛ ضحكات أطفال، رائحة خبز في بيت فقير، دفء يدين متشابكتين، أغنيات حصاد، دموع فرح، ونظرات وداع كانت ثمينة لأنها حدثت مرة واحدة.

اندفعت الومضات عبر الغابة كأسراب اليراعات، عائدة إلى القرى التي نسيت نفسها.

وفي فالنبروك، سقط العجوز على ركبتيه حين تذكر أغنية المساء، وغنتها شفتاه المرتجفتان قبل أن يعرف الكلمات كاملة.

أما مارينا، فقد كانت تمسح طاولة النزل حين توقفت فجأة، وضغطت يديها على فمها، ثم بكت كما يبكي من يسمع أباه يضحك لأول مرة بعد موت طويل.

عودة القرى إلى أرواحها

مع طلوع الشمس، عاد سليمان إلى القرية، لكنه كان يمشي ببطء كمن ترك وراءه ظلاً عزيزاً.

لم يعد يتذكر شكل أمنياته القديمة بوضوح، غير أنه شعر بخفة غريبة، كأن القلب حين يتنازل عن بعض ما يريد، يتسع لما هو أبقى.

وجد الناس في الساحات يبكون ويضحكون في وقت واحد.

تاجر القصر خلع خاتماً ثقيلاً وأعطاه لطفلة كانت تبحث عن شريطها، وفلاح الأرض الذهبية عاد يزرع بيديه، لا لأنه محتاج، بل لأنه تذكر أباه.

اقتربت مارينا من سليمان وسألته ماذا طلبت من الشجرة؟

نظر إلى الغابة البعيدة، حيث كانت الأوراق الفضية تفقد لمعانها شيئاً فشيئاً.

قال مبتسماً طلبت ألا ينسى الناس لماذا تمنّوا الحياة أصلاً.

آخر ورقة على الشجرة

بعد أيام، عاد سليمان وحده إلى الفسحة.

وجد الشجرة أصغر، وأكثر إنسانية؛ لم تعد وجوه اللحاء تصرخ، بل بدت نائمة في سلام.

بقيت ورقة واحدة على غصن عالٍ، خضراء لا فضية، كأنها ولدت بعد اعتذار طويل.

همس الجذع بصوت واهن لقد خسرت أمنيتك الأعز.

قال سليمان ربما.

لكنني ربحت أن أرى قرية تتذكر كيف تضحك.

سقطت الورقة الأخيرة في كفه، وحين لمسها، لم يرَ أمه ولم يسمع صوتها، لكنه تذكر دفء يدها على جبينه في ليلة مرض قديمة.

لم تكن الأمنية قد تحققت، بل عادت الذكرى، وكانت أصدق من كل معجزة.

ما لا تشتريه الأمنيات

منذ ذلك الزمن، لم يعد أهل فالنبروك يطلبون من الغابة ذهباً ولا قصوراً، بل صاروا يعلّقون على أغصان الأشجار شرائط صغيرة تحمل أسماء من يحبون، حتى لا ينسى القلب أن ثروته الحقيقية ليست فيما يملكه، بل فيما عاشه واحتفظ بنوره داخله.

فالأمنيات السهلة قد تملأ اليدين، لكنها قد تترك الروح عارية؛ أما الذكريات، ولو كانت بسيطة كرائحة خبز أو ضحكة عابرة عند المساء، فهي الخيط الدافئ الذي يثبت الإنسان في إنسانيته حين تغريه الدنيا بأن يبيع قلبه بثمن لامع,قصة الصياد ولغة الرياح وحكاية السمكة الذهبية التي أنقذت قرية من الغرق من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد