صديق الطريق قصة لقاء عابر ترك أثرا لا ينسى

الراوي
0

لقاء صنعه القدر، هناك لقاءات يولدها القدر ثم يطويها الزمن، كما تطوي الريح آثار الأقدام فوق الرمال، لا تبدأ تلك اللقاءات بسلام طويل، ولا تنتهي بوداع مكتمل، لكنها تترك في القلب فجوة صغيرة وذكرى يصعب أن يملأ مكانها شيء.

في إحدى ليالي الشتاء، كان قطار يشق طريقه وسط الضباب، فيما يتردد صوت عجلاته على القضبان كأنين الحديد، وفي إحدى عرباته جلس غريبان متقابلين، لا يعرف أحدهما الآخر، ولم يكن أي منهما يدرك أن الساعات المقبلة ستشهد اعترافات لم يقولاها من قبل، وأن محطة الوصول ستضع نهاية لصداقة لم تحمل اسما قط.

صديق الطريق قصة لقاء عابر ترك أثرا لا ينسى


حين بدأ الصمت يتكلم

أطلق القطار صفيره الطويل، فارتجفت النوافذ، ثم بدأت المدن تنساب خلف الزجاج كأنها لوحات مبتلة بمطر الشتاء، كانت العربة شبه خالية، ويغمرها ضوء أصفر خافت أضفى على وجوه المسافرين مسحة من الحنين.

جلس رجل في منتصف الأربعينيات يحمل حقيبة جلدية قديمة، وفي المقعد المقابل جلست امرأة يلتف حول عنقها وشاح رمادي، ظلت تحدق في الظلام الممتد خلف النافذة، وكأنها تبحث بين الظلال عن شيء ضاع منها منذ زمن بعيد.

لم يتبادلا في البداية سوى ابتسامة عابرة، كانت من تلك الابتسامات التي لا تعني شيئا في العادة، غير أنها تصبح أحيانا، في الرحلات الطويلة، أول سطر في حكاية لا يتوقعها أحد.

سؤال فتح باب الاعتراف

قطع الرجل الصمت وسألها بهدوء إن كانت تسافر إلى مكان بعيد، ابتسمت المرأة من دون أن تحول عينيها عن النافذة، وأجابته بأنها تسافر إلى مكان أبعد مما يتصور، ولكن ليس بالمسافة.

توقفت الكلمات بينهما لوهلة، وكأن جوابها فتح بابا ظل مغلقا في نفسيهما، سرعان ما بدأ الحديث عن المدن والطرق، ثم تجاوز خرائط السفر ليصل إلى محطات الحياة التي لا تظهر على أي خريطة.

كلما ابتعد القطار عن أضواء المدن، اقترب الغريبان أكثر من أعماق نفسيهما، اختفت أحاديث الطقس والسفر، وحلت مكانها حكايات الندم والخسارات والأحلام التي ماتت قبل أن ترى النور.

كان الليل ينسج حولهما ستارا من العزلة، حتى بدا كأن بقية الركاب قد اختفوا من العربة، ولم يبق فيها سوى قلبين يبحث كل منهما عن إنسان يسمعه من دون أن يصدر حكما عليه.

اعتراف الرجل بعد عشرين عاما

تنهد الرجل طويلا، ثم أخبرها بصوت خافت أنه ترك ابنه قبل عشرين عاما، حين كان الطفل في الخامسة من عمره، لم يكن، كما قال، يهرب من مسؤوليته بقدر ما كان يهرب من نفسه، وكان يظن يومها أنه سيعود بعد بضعة أشهر، لكن السنوات كانت أسرع منه.

صمت لحظة وأخذ يتأمل يديه المرتجفتين، قبل أن يعترف بأن ابنه ربما لا يعرف حتى إن كان والده ما يزال حيا.

لم تقاطعه المرأة، ولم تقدم له كلمات مواساة جاهزة، اكتفت بالنظر إلى النافذة في صمت، وكأنها أدركت أنه لا يحتاج إلى إجابة بقدر حاجته إلى مساحة يستطيع فيها إخراج ما ظل عالقا في صدره طوال تلك السنوات.

سر المرأة الذي غير الحديث

مرت دقائق طويلة قبل أن تتكلم المرأة، أخبرته أنها عاشت أربعين عاما إلى جانب رجل لم تحبه، ثم ارتجف صوتها عندما أوضحت أن زوجها لم يكن إنسانا سيئا، لكنه ببساطة لم يكن الرجل الذي تمنته يوما.

قالت إنها دفنت أحلامها واحدا تلو الآخر، حتى مر عليها من الزمن ما جعلها تصدق أن تلك الأحلام لم تكن موجودة أصلا.

انسابت دمعة صغيرة واستقرت عند طرف وشاحها الرمادي، سارعت إلى مسحها، كأنها تخشى أن تفسد الدموع شجاعة الاعتراف الذي احتاج إلى سنوات طويلة حتى يجد طريقه إلى الكلمات.

ليلة جعلت الغريب أقرب من الجميع

مضت الساعات كما تمتد قضبان السكة الحديدية في الظلام، بلا نهاية ظاهرة، تحدث الغريبان عن طفولتهما، وعن الخوف والأحلام المؤجلة، وعن رسائل كتبت في القلب ولم ترسل، وعن أشخاص رحلوا قبل أن يسمعوا كلمة سامحني.

اكتشف كل منهما أنه يخبر شخصا غريبا بأمور لم يعرفها أقرب الناس إليه، كان في الغربة بينهما نوع غريب من الأمان، فالغريب لا يحمل ماضيا يستطيع أن يحاكمك من خلاله، ولا مستقبلا يستطيع أن يثقل به ذكرياتك.

ابتسم الرجل وقال إن الغريب يكون أحيانا أكثر أمانا من الصديق، وافقته المرأة، وأضافت أن السبب ربما يعود إلى أنه لا يعرف كيف كان الإنسان في الماضي، ولن يعرف كيف سيصبح في المستقبل.

ضحكا معا للمرة الأولى منذ بداية الرحلة، وكأن العربة القديمة شاركتهما ضحكتهما بصوت عجلاتها المتكرر، وفي تلك اللحظة، بدا برد الليل أقل قسوة مما كان عليه عندما التقيا.

اقتراب المحطة الأخيرة

شيئا فشيئا، بدأت أولى خيوط الفجر تظهر عند الأفق، وأخذ القطار يخفف سرعته معلنا اقتراب المحطة الأخيرة.

بدأ الركاب يستيقظون من غفوتهم ويرتبون حقائبهم، وعادت الأصوات المعتادة إلى العربة، فانكسرت العزلة التي صنعتها ساعات الليل حول الغريبين.

وقف الرجل وأمسك بحقيبته الجلدية القديمة، بينما ارتدت المرأة معطفها وأعادت ترتيب وشاحها الرمادي، تبادلا نظرة وابتسامة هادئة، وكأن كليهما أدرك في اللحظة نفسها أن ما حدث في تلك الليلة لن يتكرر.

وداع بلا أسماء

قبل أن يفترقا، أخبرها الرجل بأنه نسي أن يسألها عن اسمها، ابتسمت المرأة وأجابته بأنهما لو عرفا اسميهما، لتحولت تلك الليلة إلى مجرد ذكرى عادية.

ابتسم الرجل بدوره، واقترح أن يظلا صديقي طريق، أومأت المرأة موافقة، ولم يحتجا بعدها إلى مزيد من الكلمات.

نزل كل واحد منهما من باب مختلف، ثم مضى كل منهما في اتجاهه واختفى وسط زحام المحطة، لم تكن هناك مصافحة أخيرة، ولا عنوان، ولا وسيلة اتصال، ولا وعد بلقاء جديد.

صداقة عاشت ساعات وبقيت في القلب

غادر القطار المحطة، لكنه بدا كأنه حمل معه شيئا لم يكن موجودا داخل حقائب المسافرين، حمل اعترافات ثقيلة أصبحت أخف بعدما خرجت أخيرا إلى النور، وحمل ذكرى صداقة قصيرة لم تعش سوى ساعات، لكنها بدت أكثر صدقا من علاقات امتدت سنوات.

وبعد مرور أشهر، كان الرجل يعبر محطة أخرى عندما لمح وشاحا رماديا على أحد المقاعد، كان يشبه الوشاح الذي ارتدته رفيقة رحلته في تلك الليلة الشتوية.

توقف وابتسم، لكنه لم يحاول التأكد إن كان الوشاح لها أم لامرأة أخرى، كان قد أدرك أن بعض الذكريات تظل أجمل عندما تبقى ناقصة، وأن بعض الوجوه خلقت لترافق الإنسان في قلبه، لا في بقية حياته.

فليست كل الصداقات بحاجة إلى أسماء، ولا تحتاج جميع اللقاءات إلى التكرار حتى تصبح خالدة، أحيانا يضع القدر في طريق الإنسان شخصا يرافقه لمسافة قصيرة، فيترك عنده بعض أثقال روحه، ثم يواصل طريقه بخفة لم يعرفها من قبل.

وما يبقى عالقا في الذاكرة ليس طول الرحلة، بل صدق الكلمات التي قيلت خلالها، لأن بعض الغرباء يستطيعون أن يتركوا في أرواحنا أثرا تعجز عن تركه أحيانا وجوه عاشت بالقرب منا سنوات طويلة.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.