رسائل في دفاتر الكتب حب ولد بين الرفوف قبل أن يجرؤ على اللقاء

الراوي
0

لم تكن مريم تؤمن أن الكتب تُخطئ، كانت تظن أن لكل كتاب قارئه الموعود، وأن الرفوف لا تسلّم أسرارها إلا لمن يعرف كيف يصغي لصمت الورق.

لكن في مساء خريفي خافت، حين تساقط المطر على زجاج المكتبة العامة كأن السماء تكتب بحبر مائي، امتدت يدها إلى كتاب لم يكن كتابها، فبدأت حكاية لم تكن في أي فهرس.

كان المكان هادئاً إلى حدّ يسمع فيه المرء خشخشة الصفحات كأنها أنفاس نائمة، وكانت المصابيح الصفراء ترسم دوائر ضوء على الطاولات الخشبية القديمة.

وبين رائحة الورق المعتّق والقهوة البعيدة، وقع الخطأ الصغير الذي سيغيّر قلبين لم يلتقيا بعد.

قصة رسائل في دفاتر الكتب حب ولد بين الرفوف قبل أن يجرؤ على اللقاء

الكتاب الذي حمل قلباً لا يعرف صاحبه

خرجت مريم من المكتبة وهي تضم الكتاب إلى صدرها، لا لشيء إلا لأن المطر كان بارداً، ولأنها اعتادت أن تحمل كتبها كما يحمل المرء رسالة مؤجلة من الحياة.

لم تنتبه إلى أن الغلاف يشبه غلاف كتابها الأصلي، وأن يد شخص آخر ربما أمسكت بالنسخة التي تخصها في اللحظة نفسها.

في غرفتها، أشعلت مصباحاً صغيراً قرب النافذة، وجلست تفتح الكتاب على مهل.

كانت تحب أن تبدأ القراءة بلمس الصفحة الأولى، كأنها تصافح روح الكاتب قبل الدخول إلى عالمه، لكن شيئاً غريباً انزلق من بين الدفاتر الداخلية وسقط على حجرها.

كانت ورقة مطوية بعناية، مكتوباً عليها بخط واضح يميل قليلاً إلى اليمين إلى من سيقرأ هذا الكتاب بعدي، لا تسرع.

بعض الصفحات لا تُفهم إلا إذا تركناها تستريح فينا.

توقيع غامض باسم يوسف

توقفت مريم طويلاً أمام الجملة، وشعرت بأن الورقة لا تخصها، لكنها تخص لحظةً كانت تنتظرها دون علم.

قلبتها فرأت في الأسفل اسماً صغيراً يوسف.

لم يكن في الرسالة اعتراف ولا طلب ولا حتى عنوان، لكنها بدت كنافذة مفتوحة في جدار يوم عادي.

قرأتها مرة ثانية، ثم ثالثة، وكل مرة كانت الجملة تتغير قليلاً في داخلها، كأنها كُتبت لها وحدها.

ابتسمت رغم وحدتها، وأخرجت من درج مكتبها ورقة بلون عاجي، وكتبت إلى يوسف، وصلت رسالتك إلى قارئة لم تكن تنتظرها، لكنها احتاجتها.

وربما بعض الأخطاء ليست أخطاء تماماً.

مكتبة تعرف أكثر مما تقول

في اليوم التالي، أعادت مريم الكتاب إلى المكتبة، لكنها لم تضعه على عربة الإرجاع كما يفعل الآخرون.

دسّت رسالتها بين الصفحات نفسها، وتركت الكتاب على الطاولة القريبة من النافذة، حيث كان الضوء يسقط رقيقاً كغبار ذهب.

لم تكن تعرف إن كان يوسف سيعود، ولا إن كان سيجد الورقة، لكنها خرجت وفي قلبها ارتباك لطيف يشبه ارتباك من ألقى حجراً صغيراً في بئر عميقة وينتظر الصدى.

بعد يومين، عادت إلى المكتبة بحجة استعارة كتاب جديد، لكنها كانت تعرف أن قدميها تقودانها نحو الطاولة ذاتها.

كان الكتاب هناك، كأنه لم يغادر مكانه، وحين فتحته وجدت ورقة جديدة.

صوت بين السطور

كتب يوسف إلى القارئة التي صححت الخطأ برسالة، أظن أن الكتب لا تصل دائماً إلى أصحابها الحقيقيين من أول مرة.

أخبريني، ما الذي تبحثين عنه حين تقرئين؟

قرأت مريم السؤال وكأن أحداً لمس مكاناً سرياً في روحها.

لم يسألها عن اسمها، ولا عن عمرها، ولا عن وجهها، بل سألها عن بحثها؛ وهذا وحده جعلها تشعر أنه يراها أكثر من كثيرين جلسوا أمامها سنوات.

كتبت له في المساء أبحث عن نسخة أهدأ من العالم.

أبحث عن جملة تُنقذني حين لا أجد أحداً.

وأحياناً أبحث عن نفسي، ثم أخاف أن أجدها.

رسائل تنمو كزهور بين الورق

توالت الرسائل ببطء جميل، لا استعجال فيه ولا وعد صريح.

كانا يتركان الأوراق داخل الكتب، مرة في رواية قديمة، ومرة في ديوان شعر، ومرة في كتاب فلسفة بدا جافاً حتى بللته كلماتهما.

حكت مريم عن بيتها المطل على شارع ضيق، وعن أمها التي كانت تضع الياسمين في كوب زجاجي قرب المطبخ، وعن خوفها من أن تعيش حياة مرتبة أكثر مما ينبغي.

وحكى يوسف عن عمله في ترميم المخطوطات، وعن أبيه الذي علمه أن الحبر لا يموت، بل يختبئ حتى يجد عيناً تقرؤه.

لم تكن بينهما صورة، ولم يكن بينهما صوت، ومع ذلك صار لكل واحد منهما حضور واضح في أيام الآخر.

كانت مريم تسمع يوسف في صمت المكتبة، وكان يوسف يرى مريم في الهوامش البيضاء التي تستدرج الاعتراف.

حب بلا ملامح

كبر الحب بينهما دون أن يطلب اسماً كاملاً أو وجهاً أو موعداً.

كان نقياً على نحو مخيف، لأنه لم يتكئ على جمال عابر ولا على مصادفة جسدية، بل على ما يبقى حين تُغلق الأبواب وتُطفأ الأضواء.

لكن النقاء نفسه صار امتحاناً.

بدأت مريم تخاف اللقاء، لا لأنها لا تريده، بل لأنها تريده أكثر مما ينبغي.

كانت تخشى أن يهزم الواقع تلك الصورة الشفافة التي نسجتها الكلمات.

أما يوسف، فكان يكتب أقل في الأسابيع الأخيرة، لا عن فتور، بل عن تردد ثقيل.

وفي رسالته الأخيرة كتب أخاف أن تريني بعينيك، فلا تجدي الرجل الذي أحببته بين السطور.

الموعد الذي ارتجفت له الرفوف

كتبت مريم جوابها بيد ثابتة وقلب مرتبك ربما لا نحب الناس لأنهم يشبهون خيالنا، بل لأنهم يمنحون خيالنا فرصة أن يصبح أرحم.

فلنلتقِ.

اتفقا أن يكون اللقاء يوم الخميس، عند الطاولة القريبة من النافذة، في الخامسة مساءً.

لم تكن الخطة معقدة، ومع ذلك شعرت مريم أن المدينة كلها علمت بها؛ الأرصفة، إشارات المرور، أكواب القهوة، وحتى المطر الذي قرر أن يعود في ذلك اليوم.

دخلت المكتبة قبل الموعد بعشر دقائق، ترتدي معطفاً كحلياً وتحمل في يدها كتابهما الأول.

جلست وراحت تراقب الباب، وكلما دخل رجل رفعت عينيها ثم أنزلتهما، كأن قلبها يتعلم الصبر للمرة الأولى.

رجل بعصا خشبية ورسالة أخيرة

عند الخامسة تماماً، دخل رجل شاب بخطوات بطيئة، يستند إلى عصا خشبية أنيقة.

كان وجهه هادئاً، وفي عينيه تعب نبيل لا يطلب شفقة.

توقف عند الباب لحظة، ثم نظر نحو الطاولة كمن يعرف الطريق منذ زمن.

عرفته مريم قبل أن يقول شيئاً.

لم تعرفه من ملامحه، بل من تلك السكينة التي تشبه رسائله، ومن الطريقة التي كان يحمل بها الكتاب، كما لو أنه يحمل اعتذاراً ووردة في الوقت نفسه.

قال بصوت منخفض مريم؟

ارتجفت ابتسامتها، لكنها لم تهرب.

قالت يوسف.

جلس أمامها، ووضع بينهما الورقة الأخيرة، ثم قال كنت أخاف هذه اللحظة.

حادث قديم ترك في جسدي أثراً، وكنت أظن أن الحب حين يخرج من الورق سيصطدم بالحقيقة.

نظرت مريم إلى يده القابضة على العصا، ثم إلى عينيه، وقالت بهدوء أدهشه الحقيقة ليست ما ينقصنا يا يوسف، الحقيقة هي ما يبقى بعد أن يتوقف الخيال عن المبالغة.

النهاية حين صار الكتاب بيتاً

لم يكن اللقاء مثالياً كما في الروايات السهلة؛ ساد بينهما صمت طويل، وتعثرت بعض الجمل، وضحكا من ارتباكهما كما يضحك الناجون بعد عبور جسر ضيق.

لكن شيئاً عميقاً كان يستقر بينهما، شيئاً أثبت أن الكلمات لم تكن خدعة، بل طريقاً.

بعد أشهر، صارت الطاولة القريبة من النافذة مكانهما المفضل.

لم يعودا يتركان رسائل مجهولة، لكنهما احتفظا بالعادة نفسها؛ يكتبان لبعضهما داخل الكتب، لا لأنهما عاجزان عن الكلام، بل لأن بعض المشاعر تظل أجمل حين تمر عبر الورق.

وفي ركن صغير من المكتبة، وُضع صندوق خشبي كتب عليه بخط يوسف رسائل القراء.

كانت مريم أول من وضع فيه ورقة قالت فيها قد يخطئ كتاب طريقه، لكنه أحياناً يصل إلى القلب الصحيح.

وليست المصادفات دائماً ضحكة عابرة من القدر؛ أحياناً تكون باباً صغيراً يفتح على حياة كاملة.

وما بين مريم ويوسف لم يكن حباً صنعته الرسائل وحدها، بل صنعه الإصغاء، ذلك الفن النادر الذي يجعل الإنسان يرى روحاً قبل أن يرى وجهاً، ويؤمن أن أجمل اللقاءات هي التي تبدأ حين نقرأ بعضنا بصدق, حكاية عازفة أعادت الطبيعة قلبها إلى الموسيقى لحن الغروب والأمل من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد