رواية ذاكرتي اسمك حب يتحدى فقدان الذاكرة

الراوي
0

الاسم الوحيد في ذاكرته، كان أول صوت سمعه أشبه بارتطام قطرات المطر بزجاج غرفة معقمة، وكان أول ضوء وقعت عليه عيناه أبيض ناصعا، حتى بدت له الحياة كصفحة فارغة لم يكتب عليها شيء بعد.

فتح عينيه ببطء، وبحث في أعماقه عن شيء يعرفه، فلم يجد اسما يخصه، ولا وجها مألوفا، ولا ذكرى تخبره من يكون أو كم يبلغ من العمر، بدا الأمر كما لو أن يدا خفية اقتلعت سنوات حياته كلها، وتركت مكانها فراغا باردا يسكن رأسه.

ومع ذلك، بقي وسط ذلك البياض شيء واحد يقاوم النسيان، كان اسما وحيدا يطفو فوق كل ذلك الفراغ، واضحا وثابتا على نحو لم يستطع تفسيره: نور.

لم يعرف إن كانت نور امرأة أحبها، أم وعدا قطعه يوما، أم خطأ ارتكبه وظل يطارده، لكنه كان واثقا من أمر واحد، أن هذا الاسم لم يكن ذكرى عابرة، بل آخر خيط يصل حياته الجديدة بماض لا يستطيع الوصول إليه.

رواية ذاكرتي اسمك حب يتحدى فقدان الذاكرة


رجل يستيقظ بلا ماض

جلس آدم على سرير المستشفى، يحدق في انعكاس وجهه على النافذة الزجاجية كأنه يرى رجلا غريبا للمرة الأولى، كانت عيناه تحملان إرهاق سنوات لا يعرف عنها شيئا، وعلى جبينه استقر أثر جرح حديث، بينما واصلت الأجهزة الطبية من حوله إصدار أصواتها المنتظمة الباردة.

دخل الطبيب وهو يحمل ملفا إلكترونيا، ثم نظر إليه وقال بهدوء إن اسمه آدم، وإنه تعرض لحادث قبل أسبوعين تسبب في فقدانه معظم ذاكرته.

ظل آدم صامتا للحظات، يحاول أن يعثر بين كلمات الطبيب على شيء مألوف، لكن عقله لم يستجب، وفجأة خرجت من فمه كلمة واحدة دون أن يخطط لقولها: نور.

رفع الطبيب رأسه بسرعة وسأله إن كان يعرفها، إلا أن آدم هز رأسه ببطء، لم يكن يعرف من تكون، لكنه أخبر الطبيب بأنه يعرف شيئا واحدا فقط، وهو أنه لن يستطيع أن يعيش بسلام قبل أن يجدها.

اختراع غير حياة الآخرين

بعد خروجه من المستشفى، عاد آدم إلى المختبر الذي كان يعمل فيه، وبين الملفات والوثائق المحفوظة هناك، بدأت ملامح حياته القديمة تتكشف أمامه، وكانت الحقيقة أكبر مما توقع.

لم يكن آدم عالما عاديا، بل كان صاحب واحد من أشهر المشروعات العلمية في العقد الأخير، فقد اخترع جهازا قادرا على حذف الذكريات المؤلمة من الدماغ من دون المساس بالشخصية أو المهارات أو اللغة، حتى أصبحت العيادات تستخدم اختراعه في علاج حالات الصدمات النفسية المستعصية.

قرأ آدم التقارير التي تتحدث عن إنجازاته، وشاهد صورا له وهو يتلقى الجوائز ويقف أمام الحشود، غير أنه لم يشعر بالفخر الذي توقع أن يشعر به، كان يقرأ سيرة حياته كما لو أنها سيرة رجل آخر لا تربطه به سوى الملامح والاسم.

ظل سؤال واحد يطارده كلما تعمق في ملفات الماضي، كيف استطاع الرجل الذي كانه يوما أن يغير ذاكرة الآخرين، بينما عجز عن حماية ذاكرته هو.

رسالة من آدم القديم

بينما كان يفتش درج مكتبه، عثر على مسجل صوتي صغير يحمل تاريخا يعود إلى اليوم السابق للحادث، أمسكه بشيء من التردد، ثم ضغط زر التشغيل، فانطلق صوت يعرف أنه صوته، رغم أنه بدا قادما من حياة بعيدة.

قال آدم في التسجيل إنه إذا كان يستمع إلى تلك الرسالة، فهذا يعني أن أسوأ الاحتمالات قد وقع بالفعل، ارتجفت يد آدم وهو يصغي، ثم سمع صوته القديم يخبره بأنه ربما نسي كل شيء، لكن عليه أن يتذكر جملة واحدة.

ساد صمت قصير في التسجيل، قبل أن يعود صوته أكثر دفئا وهدوءا ليقول إن نور ليست في الماضي، وإنما هي المستقبل الذي سيبنيه.

انتهى التسجيل عند تلك الكلمات، إلا أن الأسئلة داخل آدم كانت قد بدأت للتو، صار اسم نور أكثر غموضا من ذي قبل، لكنه أصبح أيضا أكثر أهمية، وكأن الرجل الذي كانه ترك له مفتاحا من دون أن يخبره أي باب سيفتح.

البحث عن نور

بدأ آدم رحلة طويلة للعثور عليها، تنقل بين سجلات الجامعات وقواعد البيانات وأرشيفات الشركات، وراجع أماكن عديدة في المدينة التقطت كاميراتها صورا له في حياته السابقة.

كان يجد كل يوم أثرا جديدا يقوده نحو نور، لكنه لم يكن يصل إليها، عثر مرة على رسالة بريد إلكتروني محذوفة يبدأ عنوانها باسمها، وفي مرة أخرى وجد عقدا لمشروع هندسي يحمل توقيع مهندسة تدعى نور.

كانت الخيوط تتكاثر أمامه، ومع ذلك ظلت الحقيقة بعيدة، وكلما شعر بأنه أصبح على مسافة خطوة واحدة منها، وجد أمامه بابا جديدا مغلقا.

لقاء أعاد للقلب ما نسيه العقل

في أحد الأيام، كان الغروب يصبغ المدينة بلون نحاسي عندما دخل آدم معرضا معماريا يعرض تصورات مستقبلية لمدن خضراء، أخذ يتنقل بين النماذج حتى توقف أمام مجسم ضخم لمدينة بدت مبانيها وكأنها تنبت من بين الأشجار بدلا من الإسمنت.

وبينما كان يتأمل تفاصيل المجسم، سمع خلفه صوتا هادئا يخبره بأنه على الأرجح الشخص الوحيد الذي وقف أمام ذلك النموذج لأكثر من خمس دقائق.

استدار آدم نحو صاحبة الصوت، وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها، بدا له أن الزمن توقف، لم تكن لديه ذكرى واحدة تثبت أنه يعرف تلك المرأة، ولم يستطع تفسير اليقين المفاجئ الذي اجتاحه، لكن قلبه تعرف إليها قبل ذاكرته.

خرج اسمها من بين شفتيه بصوت مبحوح: نور.

ابتسمت المرأة بأدب يخالطه الاستغراب، وقالت إنه يبدو عارفا باسمها، ثم مدت يدها وقدمت نفسها باعتبارها نور، مهندسة معمارية.

صافحها آدم، وحين لامست يده يدها شعر بدفء مألوف إلى درجة موجعة، غير أن عيني نور كانتا تنظران إليه كما ينظر الإنسان إلى شخص يلتقيه للمرة الأولى.

حب يبدأ من الصفر

تكررت لقاءاتهما بعد ذلك بصورة بدت عفوية، جمعتهما قهوة في الصباح، ومناقشات حول تصميم أحد المباني، ونزهة فوق جسر يطل على النهر، ومع كل لقاء كان آدم يشعر بأن المسافة الغامضة بينهما تتقلص.

كانت نور تضحك بطريقة تجعل المدينة في عينيه أقل صخبا، وكان وجودها يوقظ داخله شعورا لا يحتاج إلى ذاكرة كي يصدقه، بدا له أحيانا أن روحه تعرفها، حتى وإن عجز عقله عن استعادة يوم واحد جمعهما في الماضي.

وفي إحدى الأمسيات، كانت نور تنظر إلى الأفق حين اعترفت له بأنها تشعر براحة غريبة معه، كأنهما التقيا من قبل.

ابتسم آدم بحزن، وقال لها إنه يشعر بشيء أكبر من ذلك، فهو يحس كما لو أنهما لم يفترقا أصلا.

التسجيل الذي كشف الحقيقة

بعد أسابيع من لقائه نور، عاد آدم إلى مختبره، وهناك اكتشف ملفا مشفرا لم يسبق له أن فتحه، أمضى ساعات طويلة محاولا فك تشفيره، حتى استطاع أخيرا الوصول إلى محتواه.

ظهر أمامه تسجيل مصور كان هو نفسه يتحدث فيه، لكن ملامحه بدت أكثر إنهاكا، كأنه يحمل عبئا أثقل من أن يخفيه.

بدأ آدم القديم حديثه بتحذير واضح، مطالبا نفسه المستقبلية بألا تستعيد ذاكرتها إذا وصلت إلى ذلك التسجيل، اتسعت عينا آدم أمام الشاشة، بينما واصل الرجل في الفيديو كلامه، مؤكدا أنه يعرف أن نسخته التي فقدت الذاكرة ستبحث عن الحقيقة، لكن الحقيقة ليست دائما رحمة.

توقف التسجيل للحظة قصيرة قبل أن يكشف أن نور لم تكن السبب في الحادث، شعر آدم بشيء من الارتياح، لكنه لم يدم طويلا، إذ جاءت الجملة التالية لتسلبه أنفاسه.

اعترف آدم القديم بأنه هو من تسبب في الحادث، ثم كشف أنه كان على وشك تشغيل نسخة مطورة من جهازه، لم يعد المشروع مقتصرا على محو الذكريات، بل أصبح قادرا على إعادة تشكيلها.

ظهرت صورة نور خلفه على الشاشة، بينما أوضح أن حقيقة التجارب كشفت احتمالا مرعبا، كان من الممكن أن تسمح التقنية مستقبلا بإعادة كتابة البشر كما تعاد كتابة البرامج.

ثم كشف التسجيل أن نور اكتشفت خطورة المشروع، وعندما حاولت إيقافه، حاولوا إسكات آدم.

بين الماضي والمستقبل

جلس آدم طوال الليل أمام ملف استعادة ذاكرته، كانت ضغطة واحدة فقط تفصله عن كل شيء فقده، عن طفولته واختراعه والحادث، وعن الألم الذي دفنه النسيان في مكان لم يعد قادرا على الوصول إليه.

لكن استعادة الماضي لم تكن بالنسبة إليه مجرد استرجاع للصور والأسماء، كان يخشى أن تعيده تلك الذكريات إلى الرجل الذي كانه، إلى نسخة من نفسه لم يعد يعرف إن كان يريد أن يصبحها من جديد.

نظر إلى هاتفه، فوجد رسالة من نور تسأله فيها إن كان لا يزال يرغب في رؤيتها في اليوم التالي.

ابتسم آدم لأول مرة منذ استيقاظه في المستشفى، ثم أغلق ملف استعادة الذاكرة واختار ألا يفتحه، أمسك هاتفه وأجابها بأنه يريد رؤيتها أكثر من أي وقت مضى.

اختيار حياة جديدة

في صباح اليوم التالي، التقى آدم بنور عند مبنى كانت تشرف على تصميمه، انعكست أشعة الشمس على واجهاته الزجاجية، حتى بدت المدينة من حولهما كأنها تولد من الضوء.

نظرت نور إليه ولاحظت أن شيئا ما تغير في ملامحه، فقالت إنها تشعر بأن لديه شيئا يريد قوله.

ابتسم آدم بهدوء، وأخبرها بأنه كان يعتقد أن الإنسان يعيش بما يتذكره، صمت قليلا، ثم أمسك يدها وأكمل أنه اكتشف أن الإنسان يعيش بما يختاره.

نظرت إليه نور في صمت، بينما أخبرها بأنه حتى لو عاد الماضي إليه يوما، فإنه سيختارها من جديد.

ابتسمت نور، وكأن قلبها هو الآخر سبق ذاكرتها، وفي تلك اللحظة لم يعد آدم رجلا يطارد ماضيه، ولم يعد الاسم الذي نجا من النسيان مجرد لغز يبحث عن تفسير، بل أصبح جزءا من المستقبل الذي قرر أن يبنيه.

قد تحمل الذاكرة أسماءنا ووجوهنا وكل ما عشناه، لكنها ليست دائما الشيء الوحيد الذي يصنع حقيقتنا، فثمة لحظات يختار فيها القلب طريقه من دون أن يستأذن الماضي، ويصبح الحب فعلا يتجدد كل يوم، لا صفحة قديمة نخشى ضياعها.

وربما تكون أعظم الذكريات هي تلك التي نصنعها الآن، لا تلك التي نمضي حياتنا محاولين استعادتها من الأمس.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.