عندما انشقّ أول خيط من الضوء فوق الغابة، كانت جميع البوم قد أغلقت نوافذ أعشاشها، ودسّت رؤوسها تحت أجنحتها، هرباً من الصباح الذي تراه عدواً أبيض لا يرحم.
لكن عينين واسعتين ظلّتا مفتوحتين داخل جذع شجرة بلوط عتيقة، تراقبان شعاعاً ذهبياً يتسلّل من ثقب صغير، فيرسم فوق الأرض دائرة متوهجة ترتجف فيها ذرات الغبار كأنها نجوم ضلّت طريقها إلى السماء.
اقتربت البومة الصغيرة لُمى من الدائرة، ومدّت طرف جناحها نحوها بحذر، فلامس الريش الدافئ ذلك الضوء الغريب.
سحبت جناحها سريعاً، ثم حدّقت فيه بدهشة؛ لم يحترق، ولم يذب، ولم يتحول إلى رماد كما كانت تحذرها بومات الغابة.
في تلك اللحظة، وصل إلى سمعها صوت لم تعرفه من قبل؛ لحن رقيق يتصاعد من بين الأشجار، يتبعه صفير مرح ورفرفة أجنحة كثيرة.
كان النهار، الذي طالما تخيلته صامتاً ومخيفاً، يغني خارج عشها.
وحين أدارت رأسها نحو الصندوق الخشبي القديم في زاوية الجذع، لمحت شيئاً يلمع تحت طبقة كثيفة من الغبار، نظارتين سوداويين، دائريتين، تشبهان عينين صغيرتين من ليل مصقول.
لم تكن لُمى تعرف أن ارتداءهما سيقودها إلى سر أخفته الغابة منذ أعوام، وأن أول صباح تراه في حياتها لن يكون مجرد نزهة تحت الشمس، بل امتحاناً للشجاعة والصداقة واكتشاف الذات.
النظارتان المختبئتان في صندوق الجد
دفعت لُمى غطاء الصندوق بمنقارها، فصدر عنه أنين خشبي طويل أيقظ أباها النائم في الجهة الأخرى من العش.
توقفت مكانها، وضمت جناحيها إلى جسدها، بينما علا شخير أبيها من جديد كهدير ريح بعيدة.
كان الصندوق يخص جدها الراحل، البومة حكيم، الذي اشتهر بين سكان الغابة بحكاياته الغريبة عن أماكن لم يرها أحد.
قيل إنه طار ذات مرة فوق الجبل عند الظهيرة، لكن البوم الكبار كانوا يضحكون كلما ذُكرت قصته، ويقولون إن الشيخ اختلط عليه الحلم بالواقع.
رفعت لُمى النظارتين، ومسحت عدستيهما بطرف جناحها، فظهر على أحد الذراعين نقش دقيق يشبه الشمس، بينما حُفرت على الآخر كلمات صغيرة، لا يُرى العالم كاملاً بعين واحدة من الزمن.
شعرت بقشعريرة تسري تحت ريشها.
أعادت قراءة العبارة، ثم التفتت نحو فتحة العش التي بدأ الضوء يتسع فيها، كأن الصباح نفسه ينتظر قرارها.
السؤال الذي لم يجرؤ أحد على طرحه
منذ كانت فرخاً صغيراً، كانت لُمى تسأل أمها عن النهار، وعن لون السماء عندما تختفي النجوم، وعن الطيور التي تستيقظ حين ينام البوم.
وكانت أمها تجيب دائماً بصوت حنون، لكنه حاسم:
النهار ليس لنا يا صغيرتي.
عيوننا تحب الظلمة، وأجنحتنا تعرف طرق الليل.
لم تكن الإجابة تكفيها.
فقد كانت تسمع قبيل نومها تغريدات مجهولة تتشابك فوق الأغصان، وتشم رائحة الزهور وهي تتفتح، وترى ألواناً سريعة تختفي قبل أن تتمكن من تمييزها.
وضعت النظارتين فوق عينيها، فصار الضوء أقل حدّة، وتحول البياض المزعج إلى دفء ذهبي هادئ.
رمشت مرات عدة، ثم انفرج منقارها في دهشة صامتة؛ كانت ترى تفاصيل لم تتخيل وجودها.
لم تكن أوراق الأشجار رمادية كما تبدو في ضوء القمر، بل كانت خضراء بدرجات لا تنتهي.
بعضها بلون الزمرد، وبعضها يميل إلى الأصفر، وأخرى تتلألأ عند أطرافها بحبات ندى شفافة.
قالت لُمى لنفسها وهي تخطو نحو فتحة العش، سأطير قليلاً فقط، ثم أعود قبل أن يستيقظ أحد.
لكن الفضول، حين يفتح باباً، نادراً ما يكتفي بخطوة واحدة.
أول جناح يلامس الصباح
خرجت لُمى من الجذع، فاستقبلها الهواء برائحة التراب الرطب والعشب الدافئ.
كانت أشعة الشمس تمر بين الأغصان في أعمدة طويلة، كأن السماء أنزلت سلالم من نور لتصل إلى أرض الغابة.
رفرفت بجناحيها، ثم اندفعت في الهواء.
في البداية، طارت منخفضة ومرتبكة، تصطدم أطراف ريشها بأوراق الشجيرات، بينما كانت النظارتان تنزلقان فوق منقارها كلما التفتت.
توقفت فوق غصن عريض لتلتقط أنفاسها، فسمعت صوتاً حاداً خلفها يقول، منذ متى تطير قطع الليل في الصباح؟
استدارت بسرعة، فرأت عصفوراً أصفر الصدر، يقفز فوق الغصن بخفة، ويحمل في منقاره خيطاً من العشب.
كان صغيراً، سريع الحركة، وعيناه تلمعان بفضول لا يقل عن فضولها.
قالت لُمى محاولة أن تبدو شجاعة، أنا لست قطعة من الليل.
اسمي لُمى.
ترك العصفور خيط العشب، واقترب خطوة.
وأنا اسمي زقزوق.
لكنك بومة، والبوم ينام الآن.
أجابت وهي تعدّل نظارتيها، ليس كل البوم.
لقاء على غصن التفاح البري
دار زقزوق حولها، يتفحص النظارتين السوداوين والجناحين الرماديين والمخالب المنحنية.
ثم مال برأسه وقال، هل ترينني حقاً من خلف هاتين الدائرتين؟
قالت لُمى، أراك، وأرى أن على ذيلك ريشة مائلة لا تشبه البقية.
قفز العصفور مذعوراً، وأدار رأسه محاولاً رؤية ذيله.
ضحكت لُمى للمرة الأولى تحت ضوء الشمس، فجاء صوت ضحكتها ناعماً عميقاً، وجعل زقزوق يضحك بدوره حتى كاد يسقط من الغصن.
لم يطل الأمر حتى انضمت إليهما حمامة بيضاء تدعى سُكّرة، ثم هبط هدهد مزهوّ بتاجه اسمه مرجان.
أحاطت الطيور بلُمى، وسألتها عشرات الأسئلة عن النجوم والقمر والأصوات التي تسكن الغابة بعد الغروب.
قالت سُكّرة وهي تنفض جناحيها، نحن نظن أن الليل مجرد ظلام طويل.
ردت لُمى، والبوم يظن أن النهار مجرد ضوء مؤلم.
تبادل الجميع نظرات صامتة، ثم ضحكوا؛ فقد بدا لهم أن كل فريق عاش سنوات يخاف عالماً لم يحاول أن يفهمه.
ألوان لم تكن موجودة في الحكايات
قاد زقزوق لُمى إلى مرج واسع خلف أشجار الصنوبر، حيث كانت الزهور تتمايل كأمواج ملونة.
اندفعت الفراشات فوقها، حمراء وزرقاء وبرتقالية، بينما راحت النحلات تنتقل بين الكؤوس العطرية بطنين منتظم.
هبطت لُمى وسط العشب، وغاصت قدماها في نداوته الباردة.
انحنت نحو زهرة بنفسجية، فداعبت رائحتها منقارها، وشعرت كأن نسمة حلوة مرّت داخل صدرها.
قال مرجان بفخر، هذا المرج أجمل مكان في الغابة عند الصباح.
أجابت لُمى وهي تدور ببطء، لم يخبرني أحد أن الضوء يصنع كل هذه الألوان.
قال زقزوق، ولم يخبرنا أحد أن النجوم كثيرة كما وصفتِها.
رفعت لُمى رأسها إلى السماء الزرقاء، وأدركت أن لكل وقت كنوزه؛ فالليل يفتح أبواب البعيد، والنهار يكشف أسرار القريب.
الظل الذي تحرك بين الأشجار
وبينما كانت الطيور تلعب حول جدول صغير، لاحظت لُمى حركة سوداء عند حافة المرج.
لم تكن الحركة سريعة، لكنها كانت ثقيلة، تنزلق خلف جذوع الأشجار ثم تختفي.
ثبتت لُمى عينيها في اتجاه الظل، فانعكس الضوء فوق عدستي نظارتها.
رأت غصناً يهتز من دون ريح، ثم لمحت طرف ذيل كثيف ينسحب خلف شجرة سرو.
قالت بصوت منخفض، هل يعيش ثعلب قرب هذا المرج؟
توقف زقزوق عن الشرب، وتيبّس جسده الصغير.
أما سُكّرة فرفعت جناحيها بتوتر وقالت، الثعلب رمّاد لا يخرج عادة إلا عند الغروب.
ردت لُمى، إنه هنا الآن.
قبل أن يكمل أحدهم كلامه، دوّى بين الأشجار صوت فرقعة غصن، ثم ارتفع سرب من العصافير مذعوراً.
اندفع الثعلب رمّاد من بين الشجيرات، بلون التراب المحروق وعينين ضيقتين تلمعان بالجوع.
صرخ مرجان، إلى الأشجار!
حين سقطت الشمس عن عيني لُمى
حلقت الطيور في كل اتجاه، غير أن سُكّرة علقت قدمها بين ساقين ملتفتين من نبات العليق.
خفقت بجناحيها بقوة، فزاد الشوك التفافاً حولها، بينما كان الثعلب يقترب بخطوات بطيئة واثقة.
اندفعت لُمى نحو صديقتها، وغرست مخالبها في الأغصان الشائكة.
جذبتها بكل قوتها، لكن شوكة حادة تعلقت بطرف نظارتها، فطارت النظارتان من فوق عينيها وسقطتا بين العشب.
انفجر الضوء أمامها كبحر أبيض.
أغمضت عينيها، وشعرت بحرارة الشمس تخترق جفنيها، بينما وصل إلى أذنيها صوت أنفاس الثعلب القريبة.
صرخ زقزوق من فوق شجرة، لُمى، النظارتان خلفك!
لكنها لم تستطع رؤيتهما.
كان كل شيء حولها كتلة مشتعلة بلا حدود، وكانت سُكّرة لا تزال تصارع الشوك إلى جوارها.
الشجاعة لا تحتاج إلى رؤية كاملة
تنفست لُمى ببطء، وأصغت.
سمعت خرير الجدول عن يمينها، وارتجاف أوراق العليق تحت جناح سُكّرة، وخطوات رمّاد وهي تضغط فوق العشب اليابس.
لم تكن عيناها قادرتين على مساعدتها، لكن أذنيها كانتا ابنتي الليل، تعرفان المسافات من أضعف الهمسات.
أدارت رأسها نحو الثعلب، وحددت موقعه من صوت زفيره الخشن.
قال رمّاد ساخراً، بومة عمياء في وضح النهار.
يا لها من وجبة ضلّت طريقها.
فتحت لُمى جناحيها حتى بدت أكبر من حجمها، ثم أطلقت صيحة حادة عميقة ارتج لها المرج.
فوجئ الثعلب وتراجع خطوة، وفي اللحظة نفسها هبط مرجان بمنقاره الطويل وضربه فوق أنفه.
انقض زقزوق وسرب من العصافير على رأس رمّاد، يصفقون بأجنحتهم قرب عينيه ويطلقون صيحات متتابعة.
أما سُكّرة، فجمعت ما بقي من قوتها، ودفعت بجسدها بعيداً حتى انقطع أحد أغصان العليق.
غضب الثعلب، وقفز في الهواء محاولاً الإمساك بالعصافير، لكنه فقد توازنه عند حافة الجدول.
انزلقت قائمته فوق الطين، وسقط في الماء بصوت عظيم تناثرت معه القطرات فوق الصخور.
خرج رمّاد من الجدول مبتلاً، وقد التصقت فراؤه بجسده حتى بدا أصغر مما كان.
ألقى نظرة غاضبة على الطيور، ثم فرّ بين الأشجار، تاركاً وراءه آثار أقدام موحلة ورائحة هزيمة ثقيلة.
سر الجد حكيم
هبط زقزوق قرب لُمى، والتقط النظارتين من العشب، ثم وضعهما أمامها.
ارتدتهما بسرعة، فعادت الأشجار والألوان والوجوه إلى الظهور، وإن ظلت عيناها تدمعان قليلاً.
احتضنتها سُكّرة بجناحيها وقالت، كان يمكنك أن تهربي، لكنك بقيت.
أجابت لُمى وهي تلتقط أنفاسها، لو هربت، لما استطعت النظر إلى النجوم مرة أخرى من دون أن أتذكر أنني تركت صديقة خلفي.
وبينما كانت تنظف العدستين، لاحظ مرجان النقش المحفور على ذراع النظارة.
اتسعت عيناه، واقترب منها حتى كاد تاجه يلمس منقارها.
قال بدهشة، لقد رأيت هذه العلامة من قبل.
قادهم مرجان إلى شجرة ضخمة عند الطرف الآخر من الغابة.
خلف جذورها، كان هناك حجر مسطح محفور عليه شكل شمس تتوسطها عينان دائريتان، وهو الشكل نفسه الموجود على نظارتي لُمى.
حكاية البومة التي عبرت الزمنين
قال مرجان، تحكي الطيور القديمة أن بومة اسمها حكيم أنقذت أعشاشنا ذات ظهيرة من حريق كبير.
كانت ترتدي نظارتين سوداويين، وتمكنت من رؤية الدخان قبل أن يصل إلينا.
شعرت لُمى أن الهواء توقف حولها.
مررت جناحها فوق النقش، وسألت، لماذا لم يخبرني أحد؟
أجابت سُكّرة، ربما لأن البوم لم يصدقوا طيور النهار، وطيور النهار ظنت أن البومة لن تعود أبداً.
تأملت لُمى الحجر.
لم يكن جدها حالماً غريب الأطوار كما وصفه الآخرون، بل كان أول بومة تحاول مد جسر بين الليل والنهار.
وفجأة، جاء من بعيد نداء منخفض مألوف، تكرر بين الأشجار بقوة وقلق، لُمى! لُمى!
كان أبوها يبحث عنها.
مواجهة عند حافة الضوء
ظهر الأب فوق غصن قريب، يتبعه عدد من بومات الغابة.
كانوا يطيرون تحت ظلال الأشجار الكثيفة، ويتجنبون المساحات التي تضربها الشمس مباشرة.
عندما رأى ابنته وسط طيور النهار، تصلّب وجهه، وقال بصوت جمع بين الخوف والغضب، ماذا تفعلين هنا؟ لقد بحثنا عنك في كل مكان.
خفضت لُمى رأسها لحظة، ثم رفعته بثبات.
أردت أن أعرف كيف يبدو الصباح.
أشار الأب إلى النظارتين.
أخذتِ ما ليس لك، وخرجتِ وحدك، وعرّضتِ نفسك للخطر.
قال زقزوق متقدماً، لقد أنقذتنا من الثعلب رمّاد.
تحركت البومات بقلق، وراح بعضها يحدق في الطيور النهارية بريبة.
أما الأب، فنظر إلى النقش الحجري ثم إلى النظارتين، وقد بدأ شيء من الذهول يتسلل إلى عينيه.
الحقيقة التي ظلت نائمة سنوات
روت لُمى ما حدث منذ خروجها من العش، وكيف وجدت المرج، وكيف واجهوا الثعلب معاً.
لم تتباهَ بشجاعتها، بل تحدثت عن الأصوات التي ساعدتها حين عجزت عيناها، وعن أجنحة العصافير التي غطتها حين كانت مكشوفة للشمس.
مرر الأب جناحه فوق نقش الشمس، ثم قال بهدوء، كان جدك يختفي أحياناً قبل الفجر، ويعود بعد الظهر.
لم يخبرنا أين يذهب، وعندما تحدث عن أصدقاء يعيشون في الضوء، ظننا أن الشيخ بدأ يفقد ذاكرته.
اقتربت لُمى منه وسألته، هل أنت غاضب مني؟
تنهد الأب، وانخفض جناحاه قليلاً.
أنا غاضب لأنك خرجت من دون أن تخبرينا، لكنني أكثر خوفاً من أن أكون قد علمتك الخوف من شيء لم أفهمه بنفسي.
نظر إلى زقزوق وسُكّرة ومرجان، ثم انحنى لهم انحناءة قصيرة.
كانت حركة بسيطة، لكنها بدت في ذلك الصباح كأن جذعاً ضخماً تحرك من مكانه بعد مئة عام.
عيد الشروق الأول
في اليوم التالي، لم تنم الغابة كلها عند الفجر.
علقت طيور النهار أوراقاً عريضة فوق الأغصان لتصنع ظلالاً مريحة للبوم، بينما أحضرت البومات ثمار الليل اللامعة وبذوراً لا تنفتح إلا تحت ضوء القمر.
وقف الجميع عند حافة المرج، يشاهدون الشمس وهي تصعد ببطء من خلف الجبل.
كان الضوء ينتشر فوق الأشجار كحبر ذهبي، يلون الغيوم الوردية ويوقظ قطرات الندى.
وزع مرجان نظارات صنعتها الطيور من قشور داكنة وأوراق شفافة، فلم تكن بجودة نظارتي الجد حكيم، لكنها سمحت لبعض البوم برؤية الصباح من دون ألم.
أما لُمى، فجلست بين أبيها وزقزوق، تراقب النهار وهو يفتح عينيه.
لم تعد تشعر بأنها تنتمي إلى زمن واحد؛ كان قلبها يعرف أغاني الصباح، كما يعرف همسات النجوم.
هدية على شكل نافذتين
بعد انتهاء الاحتفال، أعطاها أبوها صندوق الجد القديم.
قال، أظن أنه كان ينتظر من يفهم رسالته.
فتحت لُمى الصندوق مرة أخرى، فوجدت في قاعه ورقة مخفية تحت قطعة من القماش.
كانت الكلمات باهتة، لكنها استطاعت قراءتها:
سيأتي يوم تخرج فيه بومة صغيرة إلى الشمس، لا لأنها تكره الليل، بل لأنها تحبه بما يكفي لتعرف أن العالم أوسع منه.
ضمّت لُمى الورقة إلى صدرها، ثم رفعت بصرها نحو السماء.
فوقها كانت الشمس تميل إلى الغرب، وفي الجهة الأخرى بدأ قمر شاحب يظهر قبل حلول المساء.
للحظة نادرة، وقف النوران معاً في السماء؛ الشمس لم تغب تماماً، والقمر لم يكتمل ظهوره بعد.
ابتسمت لُمى، فقد بدا العالم كأنه يرتدي نظارتين واسعتين، واحدة للنهار وأخرى لليل.
النافذة التي لا تُغلق
منذ ذلك اليوم، صنع البوم في شجرة البلوط نافذتين؛ نافذة شرقية يدخل منها ضوء الصباح، ونافذة غربية يطل منها القمر.
لم يُجبر أحد على الاستيقاظ في وقت لا يحبه، لكن لم يعد أحد يصف النهار بالعدو أو الليل بالفراغ.
كانت لُمى تخرج في بعض الصباحات مرتدية نظارتي جدها، فتساعد طيور النهار على اكتشاف آثار الثعالب المختبئة في الظلال.
وفي بعض الليالي، يأتي زقزوق وسُكّرة ومرجان إلى عشها، فيتعلمون منها أسماء النجوم وطرق الطيران تحت ضوء القمر.
أما النظارتان، فلم تعودا مجرد وسيلة تحمي عينيها من الشمس، بل صارتا رمزاً لكل من يملك الشجاعة ليرى العالم من زاوية لم يعتدها.
وفي صباح هادئ، وقفت لُمى على أعلى غصن في الغابة، ونزعت النظارتين للحظة قصيرة.
أغمضت عينيها أمام دفء الشمس، ثم فتحتهما قليلاً، لا لتتحدى طبيعتها، بل لتتذكر أن الخوف يضعف كلما اقتربنا منه بخطوات حكيمة.
ليست الحدود دائماً أسواراً من حجر؛ أحياناً تكون حكايات قديمة نكررها حتى نظنها حقائق، أو مخاوف ورثناها ممن أحبونا وخافوا علينا.
وحين نمد جناحاً واحداً خارج المألوف، قد لا نجد الوحش الذي حذرونا منه، بل نجد لوناً جديداً، وصديقاً ينتظر، وجزءاً من أنفسنا ظل طويلاً مختبئاً وراء الظلام, قصة الحذاء القديم حكاية يوم واحد غير حياتة إلى الأبد من هنا.
