حكاية عطر الذكريات قصة صانع العطور الذي أعاد طفولة الجميع وعجز عن استعادة طفولته

الراوي
0

حين فتح فريد الزجاجة للمرة الأولى، لم تنبعث منها رائحة الورد ولا العنبر ولا أخشاب الصندل، بل خرج منها صوت ضحكة بعيدة، ودفء كف صغيرة، ومذاق قطعة حلوى ذابت قبل أعوام طويلة في فم طفل لم يعد يتذكر وجه أمه.

ارتجف اللهب تحت دورق التقطير، وامتلأت الغرفة بضباب شفيف يشبه بخار صباح شتوي على زجاج نافذة قديمة، ثم انحنى مساعده الشاب فوق الطاولة، وأطلق شهقة قصيرة قبل أن تنهمر دموعه دون مقاومة.

قال المساعد وهو يضحك ويبكي في آن واحد:

رأيت أبي يا سيدي، كان يحملني فوق كتفي، وشممت رائحة قميصه بعد عودته من الحقل.

ظل فريد واقفاً أمامه في صمت، يراقب تلك السعادة التي بعثها من قارورة زجاجية صغيرة، بينما لم يتحرك في أعماقه شيء سوى فراغ بارد، شديد السكون، كغرفة أغلقت أبوابها منذ زمن ونسي الجميع مفتاحها.

حكاية عطر الذكريات قصة صانع العطور الذي أعاد طفولة الجميع وعجز عن استعادة طفولته

شارع العطارين الذي يحتفظ بروائح الموتى

كان متجر فريد يقع في نهاية شارع ضيق تتدلى فوقه شرفات خشبية أكل المطر حوافها، ويزدحم نهاراً بأصوات الباعة وصرير العربات، ثم يغدو ليلاً ممراً مظلماً لا تسمع فيه إلا وقع القطط فوق الأسطح.

فوق باب المتجر عُلقت لافتة نحاسية كتب عليها، دار فريد للعطور النادرة، إلا أن سكان المدينة كانوا يسمونه بيت الذكريات، لأن صاحبه لم يكن يبيع العطر بقدر ما كان يبيع ما يوقظه العطر في القلوب.

كانت رفوفه تمتد من الأرض حتى السقف، تحمل قوارير بألوان العسل والزمرد والدخان، وعلى كل قارورة بطاقة صغيرة بخط يده، رائحة المطر الأول، رائحة رسالة حب قديمة، رائحة بيت مهجور، ورائحة وداع لم يكتمل.

لم يكن فريد رجلاً مسناً، غير أن وجهه بدا كصفحة تعرضت للمحو مراراً، فقد كانت عيناه واسعتين بلا بريق، وشعره أسود تتخلله خيوط فضية ظهرت مبكراً، أما أصابعه فكانت دقيقة وحذرة كأصابع جراح يخشى أن يؤلم قلباً لا جسداً.

الرجل الذي يعرف ذاكرة الروائح

كان فريد يؤمن بأن الإنسان قد ينسى الوجوه والأسماء والكلمات، لكنه لا ينسى الرائحة، لأنها تتسلل إلى أماكن لا يصل إليها العقل، وتبقى هناك كامنة كجمرة تحت رماد السنين.

كان يمزج قطرة من ماء الورد مع مسحوق خشب قديم، أو يضيف إلى المسك ذرة تراب مبتل، ثم يطلب من زبائنه أن يغلقوا أعينهم، فيعود أحدهم إلى حديقة جدته، وتسمع أخرى صوت طفلها الراحل يركض في الممر.

ذات مساء، دخلت إليه امرأة في السبعين، تحمل بين أصابعها منديلاً مطرزاً بخيط أزرق، وقالت إن زوجها مات منذ أربعين عاماً، وإنها نسيت رائحة شعره رغم أنها لم تنس صوته.

أخذ فريد المنديل، قربه من أنفه، ثم مزج التبغ الخفيف بزيت اللوز والجلد المعتق ولمسة من الصابون البلدي، وحين شمّت المرأة العطر، ضمت الزجاجة إلى صدرها وهمست باسم رجل غائب كما لو أنه كان يقف خلفها.

كانت تلك اللحظات تمنح فريد شهرة واسعة وثروة لا بأس بها، لكنها كانت تترك في نفسه ألماً خفياً، إذ كان يرى الناس يعثرون على ماضيهم بفضل يديه، بينما ظل ماضيه هو أرضاً مغطاة بالضباب.

طفولة لا أثر لها

لم يكن فريد يتذكر شيئاً قبل بلوغه الثانية عشرة، لا بيتاً ولا أماً ولا صباحاً أول في المدرسة، وكل ما عرفه عن طفولته جاءه من رجل يدعى الشيخ داود، صاحب متجر العطور الذي رباه وعلمه أسرار المهنة.

كان الشيخ داود يقول إنه وجده طفلاً عند باب خان قديم بعد حريق هائل التهم الحي الشرقي، وإن الصبي كان فاقد الذاكرة، يحمل في جيبه مفتاحاً نحاسياً صغيراً ولا يعرف لأي باب ينتمي.

حين مات الشيخ، ترك لفريد المتجر وكل دفاتره، لكنه ترك أيضاً تحذيراً غريباً في الصفحة الأخيرة من أحد السجلات:

لا تحاول صنع رائحة طفولتك، فبعض الأبواب رحمة الله في إغلاقها.

قرأ فريد العبارة عشرات المرات، وحفظ انحناءات الحروف ومواضع الحبر الباهت، لكنه لم يفهم لماذا يخشى رجل عاش عمره في استخراج الذكريات من أن يستعيد تلميذه ذكرى واحدة.

المفتاح النحاسي

احتفظ فريد بالمفتاح في صندوق من خشب الجوز، وكان صغيراً ذا أسنان دقيقة، وعلى رأسه نقش يشبه زهرة ذات سبع بتلات، كلما لمسه شعر بوخزة باردة تمتد من كفه إلى قلبه.

كان يعرضه أحياناً لضوء الشموع، فيرى طبقة سوداء عالقة بين حوافه، وكأن المفتاح نجا من حريق حقيقي، إلا أن رائحته لم تكن رائحة معدن محترق، بل مزيجاً خافتاً من الحليب والقرفة والدخان.

جرب فريد أن يستخلص منه عطراً، فسحق القليل من القرفة، وأضاف شمعاً قديماً وبضع قطرات من زيت البنفسج، لكن النتيجة كانت رائحة عادية لا تفتح في ذاكرته سوى المزيد من العتمة.

وفي الليالي التي يشتد فيها المطر، كان يسمع المفتاح يتحرك داخل الصندوق رغم أن المتجر مغلق والنوافذ محكمة، فينهض من فراشه، يفتحه، فيجده في موضعه وكأن أحداً لم يلمسه.

الزائرة التي طلبت المستحيل

في ليلة باردة، وقبل إغلاق المتجر بدقائق، ظهرت امرأة ترتدي عباءة خضراء داكنة وغطاء رأس يخفي نصف وجهها، ودخلت دون أن يصدر الباب رنينه المعتاد.

كانت طويلة القامة، شاحبة اليدين، تحمل حقيبة جلدية عتيقة، ولما رفعت عينيها إلى فريد، أحس أنها لا تنظر إلى وجهه، بل إلى شيء يقف خلفه ولا يراه.

قالت بصوت هادئ:

سمعت أنك تستطيع استخراج رائحة أي ذكرى.

أجابها فريد وهو يطفئ إحدى الشموع:

أستطيع تقريب الذاكرة، لا خلقها من العدم.

وضعت المرأة الحقيبة فوق الطاولة، وفتحتها، فظهرت كرة زجاجية صغيرة بداخلها خصلة شعر طفل، وحصان خشبي محترق من أحد جوانبه، وقطعة قماش صفراء تفوح منها رائحة الزمن.

قالت:

أريد عطر الطفولة نفسها، لا ذكرى طفل بعينه، بل الرائحة التي تجعل كل إنسان يعود إلى أكثر أيامه أماناً.

الثمن الذي لا يُدفع بالنقود

ابتسم فريد باقتضاب، إذ بدا الطلب له ضرباً من الخيال، فطفولة كل إنسان تختلف عن غيره، وما يوقظ قلباً قد يترك قلباً آخر بارداً.

لكن المرأة دفعت نحوه قطعة القماش الصفراء، وحين لامست أصابعه، انقبض صدره فجأة، وسمع في أذنه صوت امرأة تغني لحناً قصيراً، ثم رأى للحظة باباً أزرق تتراقص خلفه ألسنة نار.

سحب يده بسرعة، فسألته الزائرة:

رأيت شيئاً، أليس كذلك؟

قال وهو يحاول إخفاء ارتباكه:

من أين حصلت على هذه الأشياء؟

أغلقت الحقيبة دون جواب، ثم وضعت أمامه كيساً صغيراً من القطيفة، وعندما فتحه وجد مسحوقاً أبيض برائحة غامضة تشبه أول نفس لطفل نائم.

قالت المرأة:

هذا رماد خشب من شجرة لا تنمو إلا قرب البيوت التي عاش فيها أصحابها بسعادة، امزجه بأغراض الطفولة، وستصل إلى ما تبحث عنه.

ثم مالت نحوه وأضافت:

لكن احذر، فالعطر سيمنح الناس ما فقدوه، وقد يأخذ منك ما تبقى لك.

خرجت المرأة كما دخلت، بلا رنين ولا وقع قدمين، وحين أسرع فريد إلى الباب لم يجد في الشارع سوى المطر يلمع فوق الحجارة السوداء.

ولادة عطر الذكريات

أغلق فريد المتجر ثلاثة أيام، وأشعل في مختبره الخلفي سبعة مصابيح زيتية، ثم رتب المكونات حوله كما يرتب الكاهن أدوات طقس لا يجوز الخطأ فيه.

وضع خصلة الشعر في إناء فضي، وأضاف إليها مسحوق القرفة وقشر البرتقال المجفف وقطرة من الحليب المحلى، ثم كسر قطعة صغيرة من الحصان الخشبي المحترق وأسقطها في المزيج.

تصاعد بخار أبيض، لم يتجه نحو السقف كالدخان، بل انتشر قريباً من الأرض، والتف حول قدمي فريد في دوائر بطيئة، كأن طفلاً خفياً يركض حوله.

أضاف قطعة القماش الصفراء، فاشتد اللحن في أذنه، ورأى الباب الأزرق ثانية، أوضح من المرة الأولى، وسمع خلفه امرأة تقول:

فريد، لا تختبئ تحت السرير، تعال إلى أمك.

تجمدت يده فوق الإناء، فهذه كانت المرة الأولى التي يسمع فيها اسمه يخرج من عمق لا يعرفه، لا من فم الشيخ داود ولا من شخص عرفه بعد الثانية عشرة.

القطرة الأخيرة

فتح فريد كيس الرماد الأبيض، وما إن لامس الهواء حتى انتشرت رائحة ملأت المختبر بدفء غريب، رائحة خبز يخرج من فرن، ووسادة جففتها الشمس، ويد تمسح العرق عن جبين طفل مريض.

شعر فريد بدموع تصعد إلى عينيه، إلا أنها توقفت قبل أن تسقط، فرفع ملعقة فضية وأسقط ذرة واحدة من المسحوق داخل الإناء.

حدث صمت كامل، حتى المطر خارج النافذة بدا وكأنه انقطع، ثم انطفأت المصابيح السبعة دفعة واحدة، وتوهج السائل في الإناء بلون ذهبي خافت.

ملأ فريد قارورة صغيرة، ولما رفعها أمامه رأى داخلها خطوطاً متحركة كالظلال، وسمع ضحكات أطفال بعيدة تتداخل مع صوت عجلة دراجة وجرس مدرسة وأغنية أم.

كتب على البطاقة المعلقة في عنقها، عطر الذكريات.

المدينة تبكي فرحاً

كان أول من جرب العطر مساعده سليم، وما إن استنشق قطرة منه حتى تراجع خطوة، ووضع يديه على وجهه، ثم انفجر في ضحك عال امتزج بالبكاء.

قال وهو يلهث:

كنت في السابعة، أركض حافياً خلف الطائرات الورقية، وأمي تناديني من الشرفة، حتى إنني تذكرت لون الطبق الذي وضعت فيه العنب.

انتشر خبر العطر في المدينة كما تنتشر رائحة الخبز في الأزقة صباحاً، وفي اليوم التالي اصطف الناس أمام متجر فريد منذ الفجر، يحمل كل منهم حنيناً دفنه تحت سنوات التعب.

شمّه جندي قديم فرأى نفسه طفلاً ينام في حجر أبيه، وشمّته أرملة فعادت إلى مطبخ أمها، وشمّه تاجر قاسٍ فجلس على الأرض يبكي لأنه تذكر أول مرة اشترى له جده حذاءً جديداً.

لم يكن أحد يرى المشاهد ذاتها، لكن الجميع كانوا يعودون إلى لحظة شعروا فيها أنهم محبوبون بلا شرط، وأن العالم لم يكن قد كشف لهم بعد أنيابه.

دموع لا تشبه الحزن

صار المتجر يمتلئ كل يوم بضحكات مختنقة ونشيج دافئ، وكان الخارجون منه يسيرون ببطء، كأنهم يخشون أن تهرب الذكرى إذا أسرعوا.

توقفت خصومات قديمة، وعاد أبناء إلى زيارة آبائهم، وكتب رجل إلى أخته بعد قطيعة دامت عشرين عاماً، لأنه تذكر أنهما كانا يقتسمان قطعة خبز واحدة أيام الفقر.

أما فريد، فكان يقف خلف منضدته ويقدم القارورة للناس، يراقب وجوههم وهي تضيء من الداخل، ثم يختلي بنفسه في المختبر ويستنشق العطر مرة بعد مرة.

لم ير شيئاً.

لم يسمع سوى صمت ثقيل، ولم يشم سوى مكونات يعرف أسماءها ومقاديرها، كأن العطر يقف عند عتبة ذاكرته ويرفض الدخول.

الرائحة التي رفضت صانعها

زاد فريد الجرعة، فوضع ثلاث قطرات على معصمه، ثم خمساً فوق منديله، وأغلق المختبر كي لا يشتت أنفه أي أثر آخر، لكن الماضي لم يفتح له نافذة واحدة.

كان الآخرون يحتاجون إلى نفحة، أما هو فكان يستطيع أن يغرق في العطر دون أن يظهر أمامه سوى الباب الأزرق للحظة، ثم يختفي قبل أن يلمس مقبضه.

صار وجهه شاحباً، وأخذ يقلب دفاتر الشيخ داود، يبحث بين الوصفات والحسابات عن أي إشارة إلى النار أو الباب الأزرق أو المرأة ذات الثوب الأخضر.

وفي منتصف أحد الدفاتر وجد صفحة ملتصقة بأخرى، وحين فصل بينهما ببخار الماء ظهرت كتابة مخفية بحبر شاحب:

العطر لا يعيد ما نسيه الإنسان، بل ما سمح لنفسه أن ينساه.

ما وراء النسيان

ظل فريد يحدق في العبارة حتى الفجر، ثم أدرك أن ذاكرته لم تضِع وحدها، بل ربما حبسها جزء منه خلف جدار لا يريد سقوطه.

أخرج المفتاح النحاسي، ووضعه إلى جوار القارورة، فبدأ العطر داخل الزجاجة يتحرك بعنف، وتصاعدت منه فقاعة سوداء انفجرت عند السطح.

في اللحظة نفسها، طرق أحدهم باب المتجر ثلاث طرقات بطيئة، وحين فتح فريد وجد المرأة ذات العباءة الخضراء واقفة في المطر.

قال لها قبل أن تتكلم:

تعرفين من أكون.

أجابت:

وأنت تعرف أيضاً، لكنك تخشى أن تصدق.

أدخلها فريد، ووضع المفتاح أمامها، فسحبت غطاء رأسها ببطء، وكشفت عن وجه يحمل ندبة طويلة تمتد من الصدغ إلى طرف الفك.

كانت في عينيها ملامح يعرفها دون أن يتذكرها، مثل لحن سمعه في حلم واستيقظ قبل أن يعرف كلماته.

المرأة خلف الباب الأزرق

قالت المرأة إن اسمها ليلى، وإنها كانت جارة عائلته في الحي الشرقي، وإن البيت ذا الباب الأزرق كان بيته، لا بيتاً غريباً ظهر في خياله.

أخبرته أن الحريق اندلع في ليلة احتفال، حين سقط مصباح زيت فوق ستارة، وأن النار انتشرت بسرعة حتى أغلقت الممرات، بينما كان فريد مختبئاً تحت سريره خوفاً من الدخان.

كانت أمه قد عادت إلى الداخل بعد خروجها لتحمله، وتمكنت من دفعه عبر نافذة منخفضة إلى ليلى، لكن السقف انهار قبل أن تخرج هي.

لم يبكِ فريد حين سمع ذلك، فقد كان ينظر إلى المرأة بلا حركة، وكأن الكلمات تصطدم بباب مغلق داخل رأسه.

قال:

والشيخ داود؟

أجابت ليلى:

كان صديق أبيك، أخذك بعد الحريق، وحاول علاجك، لكنك كنت تصرخ كلما شممت رائحة الدخان، حتى قرر أن يساعدك على دفن الذكرى.

سر الشيخ داود

أخرجت ليلى من حقيبتها ورقة مطوية، وكان عليها ختم الشيخ داود وخطه المائل، وفيها اعتراف بأنه صنع لفريد في طفولته عطراً يمحو الروائح المرتبطة بالصدمة.

لم يكن العطر يمحو الحادثة فحسب، بل يغلق الطريق إلى كل ما سبقها، لأن ذاكرة فريد كانت متشابكة، وإذا عاد دفء أمه عادت معه النار التي ابتلعتها.

كتب الشيخ في نهاية الرسالة:

اخترت له حياة بلا طفولة على طفولة تقتله كل ليلة، فإن كبر وصنع عطر الرجوع، فليقرر وحده إن كان مستعداً لدفع الثمن.

رفع فريد رأسه وسأل ليلى:

لماذا جئت الآن؟

قالت:

لأنني رأيتك تمنح الناس طفولتهم، وعرفت أنك وصلت إلى الباب، لكن فتحه لا يحتاج إلى العطر وحده، بل يحتاج إلى المفتاح.

الباب الذي ظل مغلقاً أربعين عاماً

وضع فريد المفتاح في قاع وعاء التقطير، وصب فوقه ما تبقى من عطر الذكريات، ثم أشعل النار تحت الوعاء بينما جلست ليلى في زاوية المختبر تراقب دون أن تتكلم.

مع ارتفاع الحرارة، بدأت رائحة الدخان تنتشر، فارتعشت يداه، وشعر بصدره يضيق، ثم ظهرت وسط البخار ملامح غرفة صغيرة ذات جدران زرقاء.

رأى حصانه الخشبي كاملاً قبل أن تأكل النار جانبه، ورأى قطعة القماش الصفراء غطاءً لوسادته، وسمع الأغنية نفسها، لكنها هذه المرة خرجت من فم امرأة تجلس قرب نافذة مضاءة بالشمس.

كانت أمه تمشط شعره، وكانت رائحة يديها مزيجاً من الطحين وماء الورد، وحين التفتت إليه رأى وجهها بوضوح حتى شعر أن قلبه توقف.

مد يده نحوها، لكن الصورة اهتزت، وظهر خلفها وهج أحمر أخذ يكبر بسرعة.

النار تعود من جديد

تحولت الأغنية إلى صراخ، وامتلأت الغرفة بالدخان، ورأى نفسه طفلاً يزحف تحت السرير بينما تتساقط قطع مشتعلة من السقف.

سمع أمه تناديه، ثم رأى يدها تمتد إليه بين ألسنة النار، وكانت ترتدي خاتماً فضياً على شكل زهرة ذات سبع بتلات، هو النقش نفسه المحفور على المفتاح.

أمسكته من ذراعه، حملته إلى النافذة، وقبل أن تدفعه إلى الخارج قبّلت جبينه وقالت:

لا تنس أنني اخترت أن أعود إليك.

صرخ فريد داخل المختبر، وسقطت القارورة من يده، لكنه لم يعد يرى الجدران ولا ليلى، بل رأى أمه تسقط خلف النافذة فيما تبتلعها النار.

عاد إليه كل شيء دفعة واحدة، ضحكتها وغضبها وأغنيتها ويدها الملطخة بالعجين، ثم عادت اللحظة الأخيرة فوق كل تلك الصور كجرح مفتوح.

الثمن الحقيقي للعطر

حين أفاق، كان ممدداً على أرض المختبر، ورأسه في حجر ليلى، بينما كانت الشمس الأولى تتسلل من النافذة وتلمع فوق شظايا الزجاج.

قال بصوت مبحوح:

تذكرتها.

ابتسمت ليلى بحزن، وسألته:

هل ندمت؟

أغلق عينيه، فرأى أمه مرة أخرى، لا وسط النار هذه المرة، بل جالسة أمام طبق من التين، تقطع له ثمرة إلى نصفين وتترك الجزء الأكبر في يده.

قال:

كنت أظن أن فقدانها هو الألم، لكن الألم الحقيقي كان أن تعيش وتموت في داخلي دون أن أتذكر أنها أحبتني.

نهض ببطء، واتجه نحو الرف حيث وضع عشرات القوارير من عطر الذكريات، فاكتشف أن لونها الذهبي اختفى، وتحول السائل داخلها إلى ماء شفاف بلا رائحة.

لماذا اختفى العطر؟

شرح له ما بقي من ملاحظات الشيخ داود أن العطر لا يُصنع من الزيوت وحدها، بل يحتاج إلى ذاكرة حية يقدمها صانعه دون وعي، وأن فريد حين صنعه كان يسحب من طفولته المغلقة شذراتها المضيئة ويهبها للآخرين.

كل شخص شم العطر أخذ ومضة من الدفء المختزن داخله، وحين فتح فريد الباب أخيراً، عادت إليه الذكرى كاملة، فلم يعد للعطر مصدر يتغذى عليه.

نظر إلى القوارير الفارغة، وأدرك معنى تحذير المرأة بأن العطر قد يأخذ منه ما تبقى له، فقد كان كل نجاح يحققه يقربه من لحظة مواجهة النار.

قالت ليلى:

يمكنك صنعه من جديد، فقد عادت إليك طفولتك.

هز رأسه وقال:

لا، ما عاد ملكي لا يجوز أن أبيعه للناس، وما يحتاجونه ليس طفولة مستعارة، بل الشجاعة ليبحثوا عن طفولتهم هم.

العطر الأخير

في اليوم التالي، فتح فريد المتجر، لكنه أزال اللافتة القديمة التي تقول دار فريد للعطور النادرة، واستبدلها بلافتة كتب عليها، دار الروائح الصادقة.

جاء الناس يطلبون عطر الذكريات، فاعتذر لهم، وبدلاً منه صار يطلب من كل زائر أن يحضر شيئاً من ماضيه، ثوباً قديماً، لعبة مكسورة، رسالة، حفنة تراب من حديقة البيت الأول.

كان يصنع لكل إنسان عطراً خاصاً به، لا يعيد طفولة مثالية، بل يعيد تفاصيله الحقيقية، بحلوها ومرها، لأن الذاكرة التي لا تحمل حزناً ليست ذاكرة، بل صورة مزيفة معلقة على جدار.

أما القارورة الأخيرة من عطر الذكريات، فقد احتفظ بها فريد في صندوق خشب الجوز، إلى جوار المفتاح النحاسي، ولم يفتحها مرة أخرى.

الرائحة التي اختارها لنفسه

بعد أشهر، صنع فريد عطراً جديداً له وحده، ووضع فيه ماء الورد والطحين المحمص وقشر التين وقطرة من زيت البنفسج ولمسة دخان خفيفة.

حين استنشقه، لم يسقط باكياً كما حدث للآخرين، بل جلس قرب النافذة، وترك الدموع تنساب بهدوء، بينما كانت الشمس تدفئ يديه.

رأى أمه في المطبخ، تضحك لأن العجين التصق بأنفه، ثم رأى النار، لكنه لم يهرب من المشهد ولم يغلق الباب.

ترك الذكرى تمر كاملة، من أول الضحكة حتى آخر اللهب، ثم همس:

لم أنسك يا أمي، أنا فقط كنت صغيراً أكثر مما ينبغي على الاحتمال.

الزجاجة التي بكت

في مساء خريفي، دخل طفل إلى المتجر ممسكاً بيد أبيه، وظل يتأمل القوارير حتى توقف أمام الصندوق الخشبي المغلق.

سأل الطفل:

ما الذي في الداخل؟

أجابه فريد:

رائحة قديمة جداً.

قال الصغير بفضول:

هل هي جميلة؟

نظر فريد إلى الصندوق طويلاً، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال:

هي جميلة لأنها تؤلم، وتؤلم لأنها كانت جميلة.

بعد خروج الطفل، سمع فريد صوتاً خافتاً من داخل الصندوق، وحين فتحه رأى قطرة صغيرة تتجمع على سطح القارورة الأخيرة، ثم تنزلق ببطء فوق الزجاج كدمعة شفافة.

لم يرفع الغطاء، ولم يحاول معرفة إن كانت القارورة تبكي أم أن الهواء البارد صنع عليها الندى، بل أغلق الصندوق برفق، وأطفأ المصباح، وغادر المتجر وهو يحمل المفتاح في جيبه للمرة الأولى دون خوف.

لا تعود الذكريات إلينا دائماً لتمنحنا السعادة، فقد تأتي وهي تحمل في يدها زهرة وفي الأخرى جمرة، وتطلب منا أن نقبلهما معاً.

وما نظنه نسياناً قد لا يكون خيانة للماضي، بل حيلة صغيرة اخترعها القلب كي يبقى حياً إلى أن يصبح قادراً على النظر خلفه.

لقد قضى فريد عمره يبحث عن عطر يعيد ما فقده، ثم اكتشف أن الماضي لا يسكن في القوارير، وإنما ينتظر في أعمق موضع من الروح، وأن بعض الأبواب لا تفتح بالمفاتيح، بل بالشجاعة التي تجعلنا نعبرها، رغم معرفتنا أن النار لا تزال مشتعلة خلفها، حكاية لوحة بلا توقيع قصة رسائل حب مخفية تقود مرممة فنية إلى رسام غامض من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد