رواية مطر على جفاف الذاكرة وكيف أحبت امرأة زوجها مرتين

الراوي
0

هناك أنواع من النسيان تشبه الغبار؛ يكفي أن تهبّ نسمة حتى يتطاير.

وهناك نسيان يشبه الصخر؛ لا تكسره إلا معجزة، أو قلب يرفض الاستسلام.

عندما فتحت سلمى عينيها بعد الحادث، كانت تعرف اسمها، تعرف والدتها، تعرف رائحة بيت طفولتها، لكنها لم تعرف الرجل الذي كان يمسك يدها ويبكي كما لو أن حياته كلها معلقة بأنفاسها.

قال الأطباء إن ذاكرتها ابتلعت خمس سنوات كاملة، وكأن الزمن مرّ فوقها ثم محا آثاره بإسفنجة باردة.

كان الرجل يدعى كريم، ويقول إنه زوجها, أما قلبها فلم يصدقه.

رواية مطر على جفاف الذاكرة وكيف أحبت امرأة زوجها مرتين

البيت الذي يشبه حياة ليست لها

عادا إلى المنزل بعد أسابيع من العلاج، وكانت الجدران تستقبلها بصور مبتسمة لا تعرف صاحبتها.

في كل إطار امرأة تشبهها، لكنها تضحك بثقة لم تعد تملكها، وتلتصق برجل تنظر إليه الآن كما ينظر المسافر إلى محطة لم يزرها من قبل.

كان كريم يتحرك داخل البيت بحذر، لا يفرض قربه عليها، ولا يطالبها بأن تتذكر.

كان يترك لها مسافة تشبه الاحترام أكثر مما تشبه البرود، يضع فنجان قهوتها على الطاولة كما لو أنه يخشى أن يوقظ ألماً نائماً.

قال ذات صباح وهو يناولها معطفها:

لا تحاولي إجبار ذاكرتك، الذكريات تعرف طريقها حين يحين الوقت.

ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لم تستطع أن ترد.

كانت تشعر أن كلماته دافئة، بينما ملامحه غريبة، وكأن روحها تعرف صوته، لكنها لا تعرف وجهه.

برودة لا تشبه الكراهية

لم تكن تنفر منه.

وذلك ما أخافها أكثر.

كانت تشعر تجاهه بفراغ واسع، لا حب فيه ولا بغض، وكأن قلبها صفحة بيضاء كُتب عليها اسم رجل لا تعرفه.

أحياناً كانت تراقبه من خلف باب المطبخ وهو يطهو الطعام، فتلاحظ أنه يعرف كيف تحب القهوة، وكيف ترتب كتبها، وأي نافذة تفتحها كل صباح.

كيف يمكن لغريب أن يعرف كل هذا؟

وفي المقابل، كيف يمكن لزوج أن يبدو غريباً إلى هذه الدرجة؟

الصندوق الذي لم يكن يجب أن يُفتح

في ظهيرة ممطرة، انقطع التيار الكهربائي، فقررت سلمى أن ترتب غرفة التخزين.

كانت رائحة الخشب القديم تختلط برائحة المطر المتسلل من النوافذ، حتى وقعت عيناها على صندوق صغير مغطى بطبقة كثيفة من الغبار.

لم يكن مقفلاً.

وكأن أحداً أراد له أن يُفتح، ولكن في الوقت المناسب.

رفعت الغطاء، فارتجفت أصابعها.

دفتر أزرق.

تعرفت إلى خط يدها قبل أن تقرأ أول كلمة.

رسائل إلى رجل لا تعرفه

فتحت الصفحة الأولى.

إلى الرجل الذي أعاد تعريف الوطن بالنسبة إليّ، إلى آدم.

توقفت أنفاسها.

آدم؟

تابعت القراءة، وكل صفحة كانت تسحب الأرض من تحت قدميها.

أحببتك لأنك الوحيد الذي جعلني أصدق أن الخوف يمكن أن يصبح بيتاً.
إذا قرأت هذه الرسالة يوماً، فتأكد أنني اخترتك كل مرة، حتى قبل أن أعرف أنني سأختارك.

لم يكن اسم كريم موجوداً.

بل كان هناك رجل يدعى آدم.

رجل أحبته بجنون.

رجل كتبت له عشرات الرسائل التي لم تُرسل.

أغلقت الدفتر بعنف.

إذا كانت هذه الكتابة لها.

فمن يكون كريم؟

خرائط تؤدي إلى أماكن لم تطأها قدماها

داخل الصندوق وجدت أوراقاً أخرى.

خرائط لمدن أوروبية.

دوائر حمراء حول محطات قطارات.

إحداثيات مكتوبة بقلم رصاص.

وتذاكر سفر غير مستخدمة.

لكنها لم تتذكر أنها غادرت البلاد يوماً.

اقترب كريم عندما رآها تحمل الأوراق.

تغير لون وجهه للحظة.

ثم ابتسم ابتسامة قصيرة.

قصيرة أكثر مما ينبغي.

الكذبة الأولى

سألته بهدوء:

هل سافرنا إلى هذه الأماكن؟

صمت.

ثم قال:

كنا نخطط فقط.

لم تصدقه.

لم تكن تعرف لماذا.

لكن شيئاً في عينيه كان يرتجف.

وكان الارتجاف أصدق من الكلام.

البحث عن آدم

لم تنتظر.

بدأت تبحث في الإنترنت.

لم يكن الاسم سهلاً.

لكن صورة قديمة ظهرت في أحد المنتديات الخاصة بالتصوير.

شاب يقف أمام بحيرة.

ملامحه مألوفة بشكل مؤلم.

حدقت في الصورة طويلاً.

كان يشبه كريم.

لكن ليس تماماً.

الابتسامة نفسها.

طريقة الوقوف نفسها.

حتى النظرة التي تختبئ خلف العينين.

لكن الاسم أسفل الصورة كان واضحاً.

آدم السيوفي.

آخر ظهور قبل خمس سنوات.

اختفى بعدها تماماً.

الرجل الذي اختفى

قضت الليل تجمع الخيوط.

كل حساباته توقفت في اليوم نفسه الذي وقع فيه الحادث.

كل أصدقائه فقدوا أثره.

لا شهادة وفاة.

ولا سجل سفر.

ولا أثر.

وكأنه ذاب من العالم.

وفي المقابل،

ظهر كريم في حياتها بعد التاريخ نفسه تماماً.

الحقيقة تبدأ من الندبة

في صباح اليوم التالي، كانت تراقبه وهو يحلق ذقنه.

سقطت المنشفة عن كتفه.

ورأت ندبة طويلة خلف أذنه.

تذكرت فجأة شيئاً صغيراً.

يدها وهي تلمس الندبة نفسها.

وصوتها يضحك:

حتى جروحك أحبها.

شهقت.

تراجع العالم من حولها.

هذه الندبة.

عرفتها.

لكنها لم تكن تخص كريم.

بل تخص آدم.

مواجهة لا يمكن تأجيلها

وضعت صورة آدم أمامه.

وسألته بصوت مرتجف:

من هذا؟

أغلق عينيه.

ولأول مرة منذ الحادث.

بكى.

قال بصوت مكسور:

أنا.

سقطت الصورة من يدها.

ارتطمت بالأرض كما ارتطم قلبها.

غيرت اسمي، ووجهي، وكل شيء.

لم تستطع الكلام.

كانت تسمع نبضها فقط.

السر الذي لم يكن حباً فقط

جلسا حتى الفجر.

لم يكن في البيت سوى صوت المطر.

قال كريم وهو يحدق في النافذة:

في يوم الحادث، لم يكن الموت يبحث عني.

رفع رأسه إليها.

كان يبحث عنك.

صمت قليلاً، ثم أكمل:

عرفت قبل دقائق من وقوعه أن السيارة التي ستستقلينها تعرضت لتلاعب متعمد، لم يكن حادثاً عشوائياً، حاولت تغيير كل شيء، غيرت الطريق، وغيرت المواعيد، وحتى عندما أدركت أن الوقت لن يكفي، دفعتك خارج السيارة قبل الاصطدام.

ارتجفت شفتا سلمى.

لكن الحادث شوّه وجهي بالكامل، ومنذ تلك الليلة أصبحت شاهداً على أشخاص كانوا يريدون إنهاء كل من بقي حياً.

ابتلع غصته.

كان عليّ أن أموت أمام العالم.
لذلك، مات آدم.

وأشار إلى وجهه.

ووُلد كريم.

سألته وهي تكاد تهمس:

ولماذا لم تخبرني؟

ابتسم بحزن يشبه الشتاء.

لأنك عندما استيقظت، لم تتذكري حبنا.
وأردت أن أمنحك حياة لا يطاردها الخوف، حتى لو اضطررت أن أحبك من البداية باسم جديد.

الوقوع في الحب, للمرة الثانية

في الأيام التالية، لم تحاول سلمى استعادة الذكريات بالقوة.

بل بدأت تصنع ذكريات جديدة.

كانت تراه كل صباح كما لو أنها تقابل رجلاً لأول مرة.

كانت تكتشف فيه تفاصيل لم تكن تبحث عنها سابقاً.

هدوءه عندما يغضب.

صبره عندما تخاف.

الطريقة التي يخبئ بها قلقه داخل ابتسامة صغيرة.

والرعشة الخفيفة التي تصيب يده كلما أمسك يدها، كأنه يخشى أن تختفي مرة أخرى.

المطر الذي أعاد الحياة

في مساء ممطر، خرجا إلى الحديقة.

كانت السماء تمطر برفق، بينما كانت الأرض تشرب الماء كما لو أنها كانت تنتظره منذ أعوام.

اقتربت منه.

وضعت يدها على وجهه.

لمست الندبة.

ثم قالت بابتسامة يغمرها الدفء:

المرأة التي كتبت تلك اليوميات أحبت آدم.

توقف قلبه لحظة.

ثم أكملت وهي تنظر في عينيه:

أما أنا

اقتربت أكثر.

فقد وقعت في حب كريم.

ابتسم لأول مرة دون خوف.

ولم يشعر أن اسمه القديم مات.

لأنه أدرك أن الحب الحقيقي لا يعيش داخل الأسماء، ولا داخل الوجوه، بل داخل الإنسان الذي يختار، كل يوم، أن يكون ملاذاً لمن يحب.

استمرت الأمطار بالخارج حتى الفجر، لكنها لم تكن تمطر فوق المدينة وحدها، بل فوق أرضٍ يابسة داخل روحين أنهكهما الفقد.

لم تعد سلمى تبحث عن السنوات الضائعة، لأنها اكتشفت أن العمر لا يُقاس بما نتذكره، بل بما نستطيع أن نمنحه من صدق بعد كل انكسار.

أما كريم، فقد فهم أن التضحية الحقيقية لا تُقاس بما نخسره من أسماء أو ملامح، بل بما نحافظ عليه من قدرة القلب على أن يحب دون انتظار المقابل.

وهكذا، لم تُعد الذاكرة إليهما الحب، بل أعاده الاختيار؛ ذلك الاختيار الهادئ الذي يشبه المطر، لا يصرخ وهو يهطل، لكنه يوقظ الحياة في أكثر الأرض عطشاً, كشف الطين ماضي ألف عام ورأى جريمة لم تحدث بعد في رواية ذاكرة الطين من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد