مطر على جفاف الذاكرة قصة حب بين آدم وكريم

الراوي
0

ذاكرة ابتلعت خمس سنوات، هناك أنواع من النسيان تشبه الغبار، تكفي نسمة عابرة كي تبددها، وهناك نسيان يشبه الصخر، لا تكسره إلا معجزة أو قلب يرفض الاستسلام.

حين فتحت سلمى عينيها بعد الحادث، كانت لا تزال تعرف اسمها ووالدتها ورائحة بيت طفولتها، لكنها لم تعرف الرجل الذي كان يمسك يدها ويبكي كأن حياته بأكملها معلقة بأنفاسها.

أخبرها الأطباء أن ذاكرتها فقدت خمس سنوات كاملة من حياتها، وكأن الزمن مر فوق تلك السنوات ثم محا آثارها بإسفنجة باردة، فلم يترك لها منها سوى فراغ لا تعرف كيف تملؤه.

كان الرجل يدعى كريم، وكان يؤكد لها أنه زوجها، لكن قلبها لم يمنحها أي إشارة تساعدها على تصديقه، فبقي بالنسبة إليها شخصا غريبا يحمل عنها ذكريات لا تملك منها شيئا.

مطر على جفاف الذاكرة قصة حب بين آدم وكريم


بيت يشبه حياة امرأة أخرى

بعد أسابيع من العلاج، عادت سلمى برفقة كريم إلى المنزل، فاستقبلتها الجدران بصور كثيرة لامرأة تشبهها، لكنها لم تشعر بأنها تعرفها حقا.

كانت ترى نفسها في كل إطار تبتسم بثقة افتقدتها الآن، وتقف قريبة من رجل تنظر إليه اليوم كما ينظر مسافر إلى محطة لم يسبق له أن زارها.

كان كريم يتحرك في المنزل بحذر شديد، فلا يفرض عليها قربه، ولا يطالبها بأن تتذكره، بل يمنحها مساحة بدت لها أقرب إلى الاحترام منها إلى البرود.

كان يعرف كيف تعد قهوتها، وأين تضع أغراضها، وما الأشياء التي تفضلها، ومع ذلك لم يستغل معرفته كي يثبت لها شيئا، بل كان يضع فنجانها فوق الطاولة في هدوء كأن حركة زائدة قد توقظ ألما نائما.

وفي أحد الصباحات، ناولها معطفها وأخبرها ألا تجبر ذاكرتها على العودة، فالذكريات تعرف طريقها حين يحين وقتها.

ابتسمت له سلمى ابتسامة صغيرة، لكنها عجزت عن الرد، فقد كانت كلماته تمنحها دفئا غريبا، بينما بقي وجهه مجهولا بالنسبة إليها، وكأن جزءا خفيا من روحها يعرف صوته دون أن يتعرف إلى ملامحه.

فراغ لا يشبه الكراهية

لم تكن سلمى تنفر من كريم، وكان ذلك في حد ذاته يربكها أكثر، لأنها لم تشعر تجاهه بالحب أو الكراهية، وإنما بفراغ واسع يشبه صفحة بيضاء كتب أحدهم عليها اسم رجل لا تعرفه.

كانت تراقبه أحيانا من خلف باب المطبخ وهو يعد الطعام، فتكتشف أنه يعرف أدق تفاصيل حياتها، من الطريقة التي تحب بها قهوتها إلى ترتيب كتبها والنافذة التي اعتادت فتحها كل صباح.

كان السؤال يطاردها في صمت، كيف يستطيع شخص غريب أن يعرف عنها كل هذه التفاصيل، وكيف يمكن في الوقت ذاته لزوجها أن يبدو غريبا إلى هذا الحد.

الصندوق المغطى بالغبار

في ظهيرة ممطرة، انقطع التيار الكهربائي، فقررت سلمى استغلال الوقت في ترتيب غرفة التخزين، وهناك امتزجت رائحة الخشب القديم برائحة المطر المتسللة من النوافذ.

بين الأشياء القديمة، وقعت عيناها على صندوق صغير غطته طبقة كثيفة من الغبار، وحين اقتربت منه اكتشفت أنه لم يكن مقفلا، كما لو أن أحدا أراد له أن يظل قابلا للفتح، ولكن في الوقت المناسب.

رفعت الغطاء، فارتجفت أصابعها عندما وجدت في داخله دفترا أزرق، وما إن فتحته حتى تعرفت إلى خط يدها قبل أن تتمكن من قراءة أولى كلماته.

رسائل حب إلى آدم

بدأت الصفحة الأولى بإهداء إلى رجل يدعى آدم، وصفته سلمى في كتابتها بأنه الرجل الذي أعاد تعريف الوطن بالنسبة إليها، فتوقفت أنفاسها عند الاسم.

قلبت الصفحات بسرعة، وكل صفحة كانت تسحب شيئا من الأرض تحت قدميها، فقد كتبت لذلك الرجل أنها أحبته لأنه جعلها تصدق أن الخوف يمكن أن يصبح بيتا، وأنها اختارته في كل مرة حتى قبل أن تعرف أنها ستختاره.

بحثت بعينيها عن اسم كريم، لكنها لم تجده، فقد كانت الرسائل جميعها تتحدث عن آدم، رجل بدا من كلماتها أنها أحبته بجنون، وكتبت له عشرات الرسائل التي لم ترسلها.

أغلقت سلمى الدفتر بعنف، ولم يعد في رأسها سوى سؤال واحد، فإذا كانت هذه الكلمات بخط يدها وكانت تلك المشاعر تخصها حقا، فمن يكون كريم.

خرائط تقود إلى المزيد من الأسئلة

لم يكن الدفتر الشيء الوحيد الموجود داخل الصندوق، فقد عثرت سلمى على خرائط لمدن أوروبية، ودوائر حمراء تحيط بمحطات قطارات، وإحداثيات مدونة بقلم رصاص، إلى جانب تذاكر سفر لم تستخدم.

بدت تلك الأشياء وكأنها آثار حياة كاملة لا تعرف عنها شيئا، فهي لم تتذكر أنها غادرت البلاد يوما، ولم تعرف سبب وجود كل تلك الخرائط والتذاكر بين مقتنياتها.

حين رآها كريم تحمل الأوراق، تغير لون وجهه للحظة، ثم رسم على شفتيه ابتسامة قصيرة انتهت أسرع مما ينبغي.

سألته سلمى بهدوء إن كانا قد سافرا إلى تلك الأماكن، فصمت قبل أن يجيب بأنهما كانا يخططان للسفر إليها فقط.

لم تعرف سلمى لماذا لم تصدقه، لكن شيئا في عينيه كان يرتجف، وبدا ذلك الارتجاف أكثر صدقا من كلماته.

البحث عن الرجل المفقود

لم تنتظر سلمى طويلا، بل بدأت تبحث عبر الإنترنت عن آدم، وعلى الرغم من أن الوصول إليه لم يكن سهلا، فإن صورة قديمة ظهرت أمامها في أحد المنتديات المتخصصة بالتصوير.

كان في الصورة شاب يقف أمام بحيرة، وما إن حدقت في ملامحه حتى اجتاحها شعور مؤلم بالألفة، فقد كان يشبه كريم، لكن الشبه لم يكن كاملا.

كانت هناك الابتسامة ذاتها، وطريقة الوقوف نفسها، وحتى تلك النظرة المخبأة خلف العينين بدت مألوفة، لكن الاسم المكتوب أسفل الصورة لم يترك مجالا للالتباس، فقد كان آدم السيوفي.

وجدت أن آخر ظهور معروف لآدم كان قبل خمس سنوات، ثم اختفى بعد ذلك تماما.

قضت سلمى الليل تجمع الخيوط المتناثرة، فاكتشفت أن حساباته كلها توقفت في اليوم ذاته الذي وقع فيه الحادث، وأن أصدقاءه فقدوا أثره منذ ذلك الوقت، ولم تجد شهادة وفاة أو سجل سفر أو أي أثر يفسر اختفاءه.

بدا آدم كما لو أنه ذاب من العالم، لكن الأمر الأكثر إثارة للريبة كان أن كريم ظهر في حياتها بعد التاريخ نفسه تماما.

الندبة التي أيقظت الذاكرة

في صباح اليوم التالي، كانت سلمى تراقب كريم بينما يحلق ذقنه، وحين سقطت المنشفة عن كتفه لمحت ندبة طويلة خلف أذنه.

في تلك اللحظة، اخترق ذاكرتها مشهد صغير ومباغت، فرأت يدها وهي تلمس الندبة نفسها، وسمعت صوتها وهي تضحك وتخبر صاحبها بأنها تحب حتى جروحه.

شهقت سلمى، وشعرت كأن العالم يتراجع من حولها، فقد عرفت تلك الندبة، والأهم أنها عرفت أنها في ذاكرتها لم تكن تخص كريم، بل آدم.

حقيقة آدم وكريم

لم يعد ممكنا تأجيل المواجهة، فوضعت سلمى صورة آدم أمام كريم وسألته بصوت مرتجف عن هوية الرجل الموجود فيها.

أغلق كريم عينيه، وللمرة الأولى منذ الحادث انهار أمامها وبكى، ثم قال بصوت مكسور إنه الرجل الموجود في الصورة.

سقطت الصورة من يد سلمى وارتطمت بالأرض، بينما أخبرها أنه غير اسمه ووجهه وكل شيء يتعلق بهويته القديمة.

لم تستطع الكلام، ولم تكن تسمع في تلك اللحظة سوى نبض قلبها، فقد تحول السؤال الذي طاردها طوال الأيام السابقة إلى حقيقة أكبر بكثير مما توقعت.

سر الحادث

جلس الاثنان حتى الفجر، ولم يكن يقطع صمت المنزل سوى صوت المطر، ثم بدأ كريم يكشف لها الحقيقة التي أخفاها طوال السنوات الماضية.

قال لها إن الموت في يوم الحادث لم يكن يبحث عنه، بل كان يبحث عنها هي، فقد عرف قبل دقائق من وقوع الحادث أن السيارة التي كانت ستستقلها تعرضت لتلاعب متعمد، وأن ما حدث لم يكن حادثا عشوائيا.

حاول آدم في ذلك اليوم تغيير كل شيء، من الطريق إلى المواعيد، وحين أدرك أن الوقت لم يعد يكفي، دفع سلمى خارج السيارة قبل وقوع الاصطدام.

نجت سلمى، لكن الحادث شوه وجه آدم بالكامل، ومنذ تلك الليلة أصبح شاهدا على أشخاص كانوا يريدون التخلص من كل من بقي حيا.

كان عليه أن يموت أمام العالم كي يستطيع النجاة وحمايتها، وهكذا مات آدم في نظر الجميع، وتغير وجهه وهويته، ثم ولد رجل جديد يحمل اسم كريم.

سألته سلمى بصوت يكاد لا يسمع لماذا لم يخبرها بالحقيقة بعد استيقاظها، فأجابها بحزن بأنها عندما فتحت عينيها لم تعد تتذكر حبهما.

كان يريد أن يمنحها حياة لا يطاردها الخوف، حتى لو اضطر إلى أن يحبها من البداية تحت اسم ووجه جديدين.

الحب للمرة الثانية

في الأيام التالية، توقفت سلمى عن محاولة إجبار ذاكرتها على استعادة السنوات الضائعة، وبدلا من مطاردة الماضي بدأت تصنع ذكريات جديدة مع الرجل الذي ظل إلى جوارها.

صارت تراه كل صباح كما لو أنها تقابله للمرة الأولى، وتكتشف فيه تفاصيل لم تكن تبحث عنها من قبل، مثل هدوئه حين يغضب، وصبره حين تخاف، وقدرته على إخفاء قلقه داخل ابتسامة صغيرة.

لاحظت أيضا الرعشة الخفيفة التي تصيب يده كلما أمسك يدها، كما لو أنه، رغم كل ما فعله لينقذها، ما زال يخشى أن تختفي منه مرة أخرى.

لم تكن الذكريات القديمة تعود كاملة، لكن شيئا آخر كان ينمو بهدوء، فلم تعد سلمى بحاجة إلى الماضي كي تعرف الرجل أمامها، لأنها بدأت تختاره من جديد.

مطر أعاد الحياة إلى قلبين

في مساء ممطر، خرجت سلمى مع كريم إلى الحديقة، وكانت قطرات المطر تهبط برفق، فيما تشرب الأرض الماء كما لو أنها ظلت تنتظره أعواما طويلة.

اقتربت سلمى منه ووضعت يدها على وجهه، ثم مررت أصابعها فوق الندبة التي فتحت أمامها باب الحقيقة، وقالت بابتسامة يملؤها الدفء إن المرأة التي كتبت تلك اليوميات كانت تحب آدم.

توقف كريم ينتظر بقية كلماتها، فاقتربت منه أكثر، ونظرت مباشرة في عينيه، ثم أخبرته بأنها هي قد وقعت في حب كريم.

عندها ابتسم للمرة الأولى دون خوف، ولم يعد يشعر بأن اسمه القديم قد مات، لأنه أدرك أن الحب الحقيقي لا يعيش داخل الأسماء ولا الوجوه، بل داخل الإنسان الذي يختار كل يوم أن يكون ملاذا لمن يحب.

استمر المطر حتى الفجر، لكنه لم يكن يهطل فوق المدينة وحدها، بل فوق أرض يابسة في روحين أنهكهما الفقد.

لم تعد سلمى تبحث عن السنوات الضائعة، فقد أدركت أن العمر لا يقاس بما نستطيع تذكره، وإنما بما نستطيع منحه من صدق بعد كل انكسار.

أما كريم، فقد فهم أن التضحية الحقيقية لا تقاس بما نخسره من أسماء أو ملامح، وإنما بما نحافظ عليه في داخلنا من قدرة على الحب دون انتظار مقابل.

وهكذا، لم تكن الذاكرة هي التي أعادت الحب إليهما، بل أعاده الاختيار، ذلك الاختيار الهادئ الذي يشبه المطر، فلا يصرخ حين يهطل، لكنه يوقظ الحياة في أكثر الأرض عطشا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.