باب مغلق ونهاية تلوح في الأفق، في صباح رمادي ثقيل، وقف وليد أمام باب متجره المغلق، يحدق في القفل الحديدي وكأنه يحدق في نهاية عمره، لم يكن ذلك القفل مجرد قطعة معدن، بل كان صمتا باردا يلتف حول رقبته، يعيد إلى ذاكرته صور مشاريعه التي احترقت واحدا تلو الآخر، كأوراق رطبة لم تتعلم كيف تشتعل.
كان الشارع يمضي في غفلة عنه كعادته، فبائع الخبز ينادي على بضاعته، والعربات تجر خلفها غبار الطريق، والناس يمرون دون أن يلتفتوا إلى شاب انهار عالمه في زاوية ضيقة من المدينة، شعر وليد أن الفشل لم يسرق منه ماله فحسب، بل سرق منه صورته أمام نفسه.
الرماد الذي خلفته المشاريع الخاسرة
لم يكن مشروع وليد الأول سيئا، ولم يكن الثاني خاليا من الأمل، وحتى الثالث بدأ بوعد يشبه ضوءا صغيرا في آخر ممر مظلم، لكنه في كل مرة كان يمد يده نحو النجاح، ينكمش ذلك الضوء ويتركه في عتمة أقسى من سابقتها.
عاد إلى بيته تلك الليلة مثقلا بأصوات الدائنين، ونظرات الأقارب، وأسئلة الأصدقاء التي بدت بريئة لكنها كانت تخدش قلبه كالإبر، جلس على حافة سريره، وفتح كفيه كمن يبحث فيهما عن سبب الهزيمة، فلم يجد سوى فراغ طويل، همس لنفسه بصوت خافت أنه ربما خلق ليفشل، ولم يكن يدري أن هذه الجملة التي خرجت منه كحكم نهائي، ستتحول بعد أيام قليلة إلى بداية حكاية أخرى.
زقاق الفخار ورائحة السر القديم
في مساء خانق، سار وليد بلا وجهة، وكأن قدميه تهربان به من نفسه، قادته الأزقة القديمة إلى حي لم يزره منذ طفولته، حيث تتدلى المصابيح الصفراء فوق أبواب خشبية متعبة، وتفوح من الدكاكين رائحة الطين الممزوج بالماء والنار.
توقف أمام مشغل صغير للفخار كان بابه نصف مفتوح، ومن الداخل يخرج صوت دوران عجلة الخزف، صوت ناعم غامض يشبه همس الأرض حين تبوح بسرها، دفع الباب ببطء فرأى رجلا مسنا يجلس أمام كتلة طين تدور بين يديه، وأصابعه النحيلة تتحرك بثقة مدهشة، ترفع الطين وتخفضه، تضغطه وتحرره، حتى بدأ يتحول من كتلة مشوهة إلى إناء متوازن كأنه ولد للتو.
الحاج حليم الرجل الذي يرى بيديه
رفع الرجل رأسه وقال قبل أن ينطق وليد بكلمة، إن الواقف على الباب غالبا ما يحمل في صدره شيئا أثقل من قدميه، ارتبك وليد، ثم لاحظ عيني الرجل الهادئتين، الغائبتين عن الأشياء، الحاضرتين في معنى أعمق منها، فأدرك فجأة أن الحاج حليم كفيف.
سأله وليد بدهشة لم يستطع إخفاءها كيف يصنع كل هذا الجمال وهو لا يرى، فابتسم الحاج حليم ومسح بيده على الطين الدائر، وقال إن العين ليست وحدها من ترى، فالطين لا يحتاج إلى عين تراقبه، بل إلى يد تصبر عليه.
الدرس الأول الطين لا يعاند من يفهمه
جلس وليد قرب العجلة، وفي داخله خليط من السخرية والانكسار، راقب الطين يتمايل تحت أصابع الحاج حليم، يفسد شكله للحظة ثم يعود أجمل مما كان، كأن الخراب جزء من الطريق لا نهايته.
طلب منه الحاج حليم أن يضع يده على الطين، فتردد وليد ثم لمسه، فوجده باردا لينا مضطربا تحت راحته، حاول أن يرفعه كما فعل الشيخ، فانحرف الشكل وسقط جانب الإناء على نفسه، ضحك وليد بمرارة قائلا إن حتى الطين يفشل معه، لكن الحاج حليم لم يضحك، وقال بهدوء عميق إنه استعجل على الطين، وإن كل شيء ينكسر حين يفرض عليه شكل قبل أن تفهم طبيعته.
حين يتحدث الطين عن الإنسان
عاد وليد في اليوم التالي، ثم في الذي يليه، وكأن المشغل صار حفرة ضوء في جدار عتمته، كان يجلس ساعات يتعلم كيف يبلل يديه، وكيف يهدئ الطين، وكيف يضغط عليه دون قسوة، وكيف يترك مساحة للشكل كي يظهر من الداخل.
كان الحاج حليم يكرر عليه أن الفشل ليس سقوط الإناء، بل أن يظن الإنسان أن الطين لم يعد صالحا بعد سقوطه، تسللت هذه الجملة إلى قلب وليد كقطرة ماء في أرض عطشى، ولأول مرة لم ير تجاربه القديمة قبورا مغلقة، بل طينا لم يحسن تشكيله بعد.
النار التي لا تحرق كل شيء
بعد أسابيع، صنع وليد أول إناء متماسك له، لم يكن كاملا، فحافته مائلة قليلا وجسده يحمل تعرجات صغيرة، لكنه وقف على الطاولة بثبات جعل عيني وليد تلمعان، سأل بفخر حذر إن كان قد انتهى، فهز الحاج حليم رأسه وقال إن الفخار لا يولد حقا إلا بعد النار.
شعر وليد بانقباض في داخله، فقد كان يعرف النار جيدا، نار الخسارة ونار الديون ونار الكلام الجارح، لكنه لم يكن يعرف أن هناك نارا تنضج ولا تفني.
سر الفرن المغلق
وضع الحاج حليم الإناء داخل الفرن وأغلق بابه الحديدي، ظل وليد يراقب اللهب من فتحة صغيرة، ورأى وهجا أحمر يلتهم الظلال، بينما قال الشيخ بصوت منخفض إنه لو خاف الطين من النار لبقي طينا إلى الأبد.
طال الصمت بينهما، وفي ذلك الصمت رأى وليد حياته كلها، كل مشروع انهار، وكل باب أغلق، وكل نظرة آلمته، أدرك حينها أن النار لم تكن عقوبة كما ظن، بل كانت امتحانا لما يمكن أن يبقى بعد الاحتراق.
إعادة تشكيل وليد من جديد
بدأ وليد يساعد الحاج حليم في ترتيب المشغل، وتصوير القطع الفخارية، وعرضها على الإنترنت، كان يعرف شيئا عن التجارة، لكنه هذه المرة لم يدخلها بعجلة الطامع، بل بصبر الصانع، كتب وصفا لكل قطعة، وصور الأكواب تحت ضوء الغروب، وجعل الناس يرون في الفخار حكاية يد كفيفة وقلب مبصر.
شيئا فشيئا بدأت الطلبات تصل، ثم كثرت، حتى صار المشغل الصغير مقصدا لكل من يبحث عن شيء مصنوع بروح لا بآلة، وذات مساء وقف وليد أمام الرفوف الممتلئة وقال للحاج حليم إنه كان يبحث عن النجاح في المكان الخطأ، فأجابه الشيخ إنه كان يبحث عنه بالشكل الخطأ لا بالمكان الخطأ.
الإناء الأخير والجواب الذي طال انتظاره
في نهاية الشتاء، صنع وليد إناء كبيرا بلون التراب بعد المطر، لم يكن مجرد قطعة فخار، بل كان يشبهه تماما، مائلا قليلا، يحمل آثار أصابع، لكنه ثابت دافئ قادر على حمل الماء، لمس الحاج حليم الإناء ببطء، وتتبع انحناءاته بأصابعه، ثم قال إنه فهم الآن، سأله وليد فهم ماذا، فأجابه أن الطين لا يصبح جميلا لأنه لم يتشوه، بل لأنه وجد من يؤمن أن التشوه بداية شكل جديد.
نور البصيرة فوق عجلة الطين
بعد عام كامل، لم يعد وليد ذلك الشاب الذي وقف أمام متجره المغلق يظن أن القفل نهاية العالم، صار شريكا للحاج حليم، وصار المشغل الصغير يحمل اسما جديدا هو نور البصيرة، في يوم الافتتاح امتلأ المكان بالناس والضحكات ورائحة القهوة والطين المبلل.
وقف وليد قرب العجلة، وأغمض عينيه للحظة، ثم وضع يديه على كتلة طين جديدة، ولم يعد بحاجة إلى أن يرى الشكل كاملا منذ البداية، فقد كفاه أن يشعر به وهو يتكون شيئا فشيئا بين يديه.
ما تعلمه الطين للقلوب المنكسرة
ليست الحياة طريقا مستقيما لمن يحسنون المشي، بل هي عجلة تدور، ترفعنا مرة وتخفضنا مرة، وتترك فينا آثار الضغط والماء والنار، غير أن الإنسان، مثل الطين تماما، لا يفقد قيمته حين يسقط أو يتشوه، بل ينتظر فقط يدا صابرة، وبصيرة هادئة، وشجاعة تكفي ليبدأ من جديد.
فالفشل لا يخبرنا أننا انتهينا، بل يهمس لنا أحيانا أننا لم نأخذ شكلنا الأخير بعد.
