في بعض الأزقة القديمة تختبئ متاجر لا تظهر إلا لمن كتب القدر لهم بداية حكاية مختلفة.
وهناك، بين الغبار الذي راكمته السنوات ورائحة الخشب المعتق، كان عصام يسير هارباً من مطر الخريف، غير مدرك أن خطوته التالية ستفصله إلى الأبد عن العالم الذي عرفه.
لم تكن البوصلة الذهبية مجرد قطعة أثرية لامعة، بل كانت قلب سرٍ عمره آلاف السنين.
وما إن لامست أصابعه سطحها البارد حتى ارتجفت إبرتها بعنف، وانشق الهواء أمامه كباب من الضوء، لتطل منه سبعة عوالم طافية بين النجوم، وكأن السماء نفسها قررت أن تفتح أبوابها لطفل لم يكن يبحث إلا عن مأوى من المطر.
متجر التحف الذي لا يعرفه أحد
كان المتجر ضيقاً على نحو غريب، إلا أن رفوفه بدت أعمق من أن تستوعبها الجدران.
عشرات الساعات المتوقفة، وكتب بجلود متشققة، وتماثيل حجرية تحدق في الداخل أكثر مما تنظر إلى الخارج.
أما صاحب المكان، فكان شيخاً وقوراً، يكسو الشيب لحيته الطويلة، وتلمع عيناه ببريق يوحي أنه يعرف من الأسرار أكثر مما تسمح به حياة البشر.
توقفت عينا عصام عند بوصلة ذهبية تتوسط صندوقاً مخملياً أسود.
لم يكن فيها ما يلفت النظر سوى أن مؤشرها كان يدور ببطء دون أن يستقر على الشمال.
وما إن اقترب منها حتى شعر بدقات قلبه تتسارع، وكأن البوصلة تعرفه منذ زمن بعيد.
الهدية التي غيّرت المصير
ابتسم الشيخ ابتسامة غامضة، ثم قال بصوت هادئ هذه ليست بوصلة للطرق، بل للقدر.
وقبل أن يسأل عصام عن معنى كلماته، وضع الشيخ البوصلة في يده.
وفي اللحظة نفسها، انطلقت منها دوائر من الضوء الذهبي، واهتزت جدران المتجر، وانشق الفضاء أمامه عن بوابة هائلة تكشف سبعة عوالم معلقة بين النجوم، يدور كل واحد منها في مساره كما تدور الكواكب حول الشمس.
بداية الرحلة بين العوالم السبعة
لم يمنح الضوء عصام فرصة للتراجع، إذ جذبته البوابة بقوة لطيفة لكنها لا تُقاوم.
شعر بجسده يطفو بين النجوم، بينما الأرض تبتعد شيئاً فشيئاً حتى غدت نقطة زرقاء صغيرة وسط الفضاء اللامتناهي.
وحين لامست قدماه أول عالم، أدرك أنه لم يعد داخل قصة يقرأها، بل أصبح بطلها الحقيقي.
كانت السماء أقرب مما تخيل، والنجوم تتحرك ببطء فوق رأسه، بينما تمتد أمامه أرض شفافة تتكون من بلورات لامعة تعكس آلاف الألوان مع كل خطوة.
الرسالة الأولى
ظهر أمامه طائر أبيض مصنوع بالكامل من الضوء، ثم حط على صخرة كريستالية وقال بصوت يشبه عزف الناي:
أيها القادم من الأرض، لقد ضاعت سبع قطع تحفظ توازن العوالم، ومع كل يوم يمر تقترب هذه العوالم من بعضها، حتى يحين يوم التصادم العظيم، وحدك تستطيع جمع القطع وإعادة النظام قبل أن يبتلع الدمار الجميع.
تأمل عصام البوصلة، فإذا بإبرتها تستقر للمرة الأولى، لكنها لم تكن تشير إلى اتجاه، بل إلى برج كريستالي شاهق يلامس الغيوم، فعرف أن رحلته قد بدأت بالفعل.
عالم الكريستال... المدينة التي يغني فيها الضوء
امتدت المدينة أمام عصام كأنها منحوتة من الألماس الخالص.
الأبراج اللامعة ترتفع نحو السماء، والجسور الشفافة تعبر فوق أنهار من الضوء السائل، وكل خطوة يخطوها تُصدر نغمة موسيقية مختلفة، حتى بدا المكان وكأنه أوركسترا تعزفها البلورات نفسها.
لكن الجمال لم يكن يخفي الخطر؛ فقد كانت شقوق دقيقة تنتشر في جدران الأبراج، ومع كل لحظة يزداد اتساعها، وكأن العالم كله يستعد للانهيار إن لم تُستعد القطعة المفقودة.
اختبار برج الصمت
أشارت فتاة شفافة صنعت من الكريستال إلى برج شاهق وقالت في أعلاه تكمن أول قطعة، لكن الطريق إليها لا يفتحه إلا من يعترف بخوفه.
دخل عصام البرج، فوجد نفسه محاطاً بأصداء صوته، وكل صدى يردد شكوكه القديمة هل أنت قوي؟ هل تستطيع النجاح؟ ماذا لو فشلت؟
أغلق عينيه، وتنفس ببطء، ثم قال بثبات قد أخاف، لكن خوفي لن يمنعني من التقدم.
في تلك اللحظة اختفت الظلال، وانشق سقف البرج عن شعاع ذهبي، لتسقط في كفه نجمة كريستالية صغيرة، كانت أول قطعة من القطع السبع التي ستعيد التوازن إلى العوالم, حكاية طبيب وناشطة تحديا المسافة بالحب أوراق الخريف الدافئة من هنا.
