حكاية أغنية قلبين حين كتبت شاعرة أعظم أغنية حب مع ملحن لا يخشى شيئاً

الراوي
0

لم تكن ليان تعرف أن بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح، بل بنغمة واحدة تُعزف في اللحظة التي يكون فيها القلب أضعف من أن يقاوم، ولا أن القصيدة التي أخفتها سبع سنوات في درجها السفلي ستخرج ذات مساء لتقف أمام مئات الأضواء، مرتدية صوت رجل لم تكن تطيق غروره.

في الليلة التي التقت فيها يامن للمرة الأولى، كان المطر يطرق نوافذ الاستوديو بعصبية عازف فقد إيقاعه، وكانت الساعة المعلقة فوق الباب تشير إلى التاسعة وسبع دقائق، حين دخل الملحن الشهير حاملاً معطفه المبلل فوق كتفه وابتسامة توحي بأنه لا يعتذر لأحد.

رفع الورقة التي تحمل كلماتها بين إصبعين، تأملها لحظة، ثم قال أمام الجميع بصوت هادئ، لكنه كان أشد قسوة من الصراخ:

هذه ليست أغنية، هذه رسالة حب خائفة من أن تصل.

في تلك اللحظة، كان يمكن لليان أن تغادر، أن تجمع أوراقها وكرامتها وما تبقى من شجاعتها، لكنها بقيت، ولم تكن تعرف أن بقاءها سيمنح العالم أعظم أغنية حب سمعها منذ أعوام، وسيكلّفها في المقابل آخر جدار كانت تختبئ خلفه.

حكاية أغنية قلبين القصة حين كتبت شاعرة خجولة أعظم أغنية حب مع ملحن لا يخشى شيئاً

شاعرة تكتب بصوت منخفض

كانت ليان السالمي تكتب القصائد كما يمشي شخص حافي القدمين فوق زجاج مكسور؛ بحذر شديد، وببطء لا يراه الآخرون، وبألم تحرص على ألا يسمع له أحد صوتاً.

لم تكن مجهولة تماماً، فقد انتشرت بعض قصائدها تحت اسم مستعار في المجلات الأدبية، واقتبس الناس أبياتها على صفحاتهم من دون أن يعرفوا أن صاحبتها تجلس كل صباح في زاوية مقهى هادئ، تخفي وجهها خلف كتاب مفتوح.

كانت تكتب عن الحب بجرأة امرأة عاشته ألف مرة، بينما لم تستطع في حياتها الواقعية أن تخبر رجلاً واحداً بأنها اشتاقت إليه، أو تعترف لصديقة بأن جملة عابرة جرحتها، أو تطلب من أحد أن يبقى حين يستعد للرحيل.

ورثت الخجل عن أمها، كما كانت تقول، لكنها ورثت الصمت عن أبيها؛ ذلك الرجل الذي كان يحب الموسيقى، ثم هجر العود بعد وفاة زوجته، ولم يلمس أوتاره حتى مات بعد أعوام كأن الحزن ظل جالساً إلى جواره.

لهذا كانت ليان تخشى الأغنيات.

كانت ترى أن القصيدة، حين تبقى على الورق، تحتفظ بأسرارها وحرمتها، أما حين تتحول إلى لحن، فإنها تخرج عارية إلى الناس، يرددها الغرباء في السيارات والمقاهي وحفلات الأعراس، من دون أن يعرفوا الدم الذي كُتبت به.

لكن دار النشر التي تعمل معها لم تترك لها فرصة للاختباء طويلاً.

استدعاها مديرها في ظهيرة باردة، ووضع أمامها عقداً لمشروع غنائي ضخم تموله شركة إنتاج تبحث عن نص مختلف لمطربتها الجديدة، ثم أخبرها أن اسمها اختير من بين عشرات الشعراء.

قال وهو يدفع القلم نحوها:

هذه فرصتك لتخرجي من الظل.

نظرت ليان إلى القلم كأنه سكين صغيرة.

ومن سيلحن الكلمات؟

ابتسم المدير ابتسامة رجل يعرف أنه ألقى حجراً في بحيرة ساكنة.

يامن الديب.

تجمدت أصابعها فوق حافة الكرسي.

كان اسم يامن وحده كافياً لإرباك أي شاعر؛ ملحن في الرابعة والثلاثين، صنع عشرات الأغنيات الناجحة، واشتهر بألحانه الجامحة وآرائه الأكثر جموحاً، وبقدرته على تحويل الكلمات العادية إلى أغانٍ تلتصق بالذاكرة.

وكان مشهوراً أيضاً بأنه لا يجامل أحداً.

الورقة التي نجت من الحريق

قبل اللقاء الأول بيامن، قضت ليان ثلاثة أيام تبحث عن نص يصلح للمشروع، فمزقت سبع قصائد، وأعادت كتابة ثامنة، ثم ألقتها جميعاً في سلة المهملات.

كانت الشركة تريد أغنية حب، لكنها لم ترد حباً مثالياً لامعاً يشبه الإعلانات، بل نصاً يحمل صدقاً مؤلماً، شيئاً يجعل المستمع يشعر بأن الكلمات كُتبت له وحده.

وفي الليلة السابقة للاجتماع، فتحت ليان درجاً قديماً لم تفتحه منذ سنوات.

وجدت داخله دفتراً أزرق احترقت أطرافه في حريق صغير وقع في منزل والدها، وبين صفحاته قصيدة بلا عنوان كتبتها في التاسعة عشرة، بعد أن أحبت للمرة الأولى شاباً لم يعرف يوماً أنها أحبته.

كانت القصيدة اعترافاً كاملاً، مذعوراً وصادقاً.

قرأت السطر الأول، فشعرت كأن فتاة قديمة تسكن جسدها مدت يدها من الماضي وأمسكت بمعصمها.

كتبت القصيدة عن شخصين يقفان على ضفتين متقابلتين، يسمع كل منهما نبض الآخر، لكنهما يخشيان بناء الجسر، حتى يأتي الفيضان ويمحو الضفتين معاً.

ترددت طويلاً، ثم نزعت الصفحة من الدفتر، ووضعتها داخل ملف المشروع.

لم تكن تعرف أن الورقة التي نجت من الحريق ستشعل حريقاً آخر.

الملحن الذي يسمع ما بين الكلمات

دخل يامن الاستوديو متأخراً سبع دقائق، لكنه تصرف كأن الزمن هو الذي أخطأ في موعده، لا هو.

كان طويل القامة، ذا شعر أسود فوضوي، ووجه يحمل إرهاق ليالٍ طويلة قضاها أمام البيانو، أما عيناه فكانتا بلون القهوة المحروقة، ثابتتين على نحو يجعل الكذب أمامهما عملاً بالغ الصعوبة.

صافح الجميع، ثم جلس قبالة ليان من دون أن يقدم اعتذاراً.

أمسك كلماتها، وقرأها مرة أولى بسرعة، ثم أعاد قراءتها ببطء، بينما أخذت أصابعه تنقر على سطح الطاولة بإيقاع متقطع.

ظنت ليان للحظة أنه أعجب بها.

لكن الرجل رفع عينيه وقال:

هذه ليست أغنية، هذه رسالة حب خائفة من أن تصل.

سقط الصمت على الغرفة، حتى صوت المطر بدا كأنه ابتعد عن النوافذ ليستمع.

ضغطت ليان أصابعها حول قلمها.

وهل الخوف يمنع النص من أن يكون أغنية؟

لا، لكنه يمنعه من أن يكون صادقاً حتى النهاية.

ارتفعت حرارة وجهها، وقالت بصوت حاولت تثبيته:

ربما أنت معتاد على الأغنيات التي تصرخ حتى يصدقها الناس.

ابتسم يامن، وانحنى إلى الخلف.

وربما أنت معتادة على الاختباء خلف الاستعارات حتى لا يكتشف أحد أنك تتحدثين عن نفسك.

كان ردّه دقيقاً إلى حد أوجعها.

نهضت ليان وأغلقت ملفها بعنف.

أظن أن بإمكانك البحث عن شاعرة أقل خوفاً.

وقبل أن تصل إلى الباب، انطلقت نغمة من البيانو الموضوع في زاوية الاستوديو.

توقفت من دون إرادتها.

جلس يامن أمام المفاتيح، ووضع الورقة فوق الحامل، ثم عزف لحناً بطيئاً يشبه وقع أقدام شخص يتردد أمام باب مغلق.

تحولت الكلمات التي كتبتها في صمت إلى شيء آخر؛ شيء أكثر رحابة وخطورة، كأن اللحن فتح فيها نوافذ لم تكن تعرف بوجودها.

ثم توقف فجأة عند منتصف القصيدة.

استدار إليها وقال:

النص ناقص.

ليس ناقصاً.

بل ينتهي قبل الاعتراف.

وضعت يدها على مقبض الباب.

ربما لأن بعض الاعترافات تأتي متأخرة.

قال يامن، وعيناه لا تفارقان وجهها:

إذن نكتب أغنية عن اعتراف لم يفت أوانه بعد.

أول معركة فوق البيانو

بدأ العمل في اليوم التالي، وكان الاتفاق أن يلتقيا يومياً لأسبوعين، لكن منذ الساعة الأولى بدا أن الاستوديو أصغر من أن يتسع لاختلافهما.

كانت ليان تحب الكلمات الموحية، وكان يامن يريد جملة واضحة يمكن لأي عاشق أن يقولها.

كانت تكتب، أمد يدي إلى المسافة بيننا، فيشطبها ويكتب، أريدك أن تقتربي.

وكان يقترح، أحبك أكثر من أي شيء، فتحدق فيه بازدراء وتقول إن هذه جملة يمكن أن تُطبع على كوب رخيص.

في اليوم الثالث، تشاجرا حول كلمة واحدة لأكثر من ساعة.

أراد يامن أن تقول الأغنية، لا ترحل، بينما أصرت ليان على، اترك ظلك هنا.

ضرب يامن مفتاحاً حاداً في البيانو وقال:

الناس لا تعانق الظلال، ليان.

ردت وهي تعيد خصلة شعر خلف أذنها:

لكنهم يعيشون معها حين يرحل أصحابها.

ساد الصمت.

انخفضت يده عن المفاتيح، وتبدلت ملامحه للحظة، كأن عبارتها أصابت مكاناً لم يكن مستعداً لكشفه.

ثم قال بصوت أكثر هدوءاً:

من رحل؟

ارتبكت، فجمعت أوراقها.

نحن نكتب أغنية، لا سيرة ذاتية.

ابتسم من دون مرح.

كل أغنية جيدة سيرة ذاتية متنكرة.

لم تجبه، لكنها حين عادت إلى منزلها تلك الليلة، ظلت تسمع جملته كأنها نغمة معلقة لا تجد القرار الذي تنتهي عنده.

نغمة تتسلل من بين الشقوق

مع مرور الأيام، بدأت الحرب بينهما تتخذ شكلاً أقل حدة وأكثر خطورة.

لم يعد يامن يسخر من استعاراتها كلها، ولم تعد ليان ترفض الجمل المباشرة لمجرد أنه اقترحها، بل صارا يتركان الكلمات والألحان تتصارع بدلاً منهما، ثم ينصتان إلى المنتصر.

كان يامن يصل قبلها أحياناً، فيترك كوباً من الشاي بالنعناع إلى جوار كرسيها، من دون أن يذكر أنه لاحظ امتناعها عن القهوة.

وكانت ليان تصحح نوتاته المكتوبة بخط فوضوي، وتعيد ترتيب الأوراق فوق البيانو، ثم تتظاهر بأنها فعلت ذلك كي تتمكن من العمل، لا لأن الفوضى حوله تزعجها.

بدأت تحفظ تفاصيله الصغيرة رغماً عنها.

عرفت أنه يحرك خاتماً فضياً في إصبعه حين يقلق، وأنه يغلق عينيه عندما يسمع لحناً جيداً، وأنه يكره ضوء السقف الأبيض، لذلك يعمل تحت مصباح جانبي يكسو الغرفة بلون العسل.

أما هو، فلاحظ أنها تعض طرف القلم حين تحتار، وأن صوتها ينخفض أكثر حين تقول شيئاً صادقاً، وأنها حين تضحك تنسى تماماً أن تخجل، فيظهر على خدها الأيسر انخفاض صغير لم يكن يراه في الأوقات الأخرى.

في مساء اليوم السادس، انقطعت الكهرباء عن المبنى.

غرق الاستوديو في الظلام، ثم أضاء يامن مصباح هاتفه ووضعه فوق البيانو، فارتسمت ظلالهما طويلة على الجدار.

قالت ليان:

يمكننا إكمال العمل غداً.

أفضل الألحان ولدت في الظلام.

هل لديك جملة درامية لكل موقف؟

فقط حين تكونين موجودة.

لم تعرف هل كان يمزح، فأشاحت بنظرها، لكن قلبها تلقى العبارة بجدية كاملة.

اعتراف لا يخص الأغنية

جلسا على الأرض قرب النافذة، بعدما عجز البيانو الكهربائي عن العمل، وأخرج يامن من خزانة جانبية آلة عود قديمة.

حين مرر أصابعه على أوتارها، ارتجف شيء في صدر ليان.

سألها:

هل تكرهين العود؟

لا.

لكنك تنظرين إليه كأنه يحمل خبراً سيئاً.

ظلت صامتة، ثم قالت إن والدها كان يعزف كل ليلة قبل وفاة أمها، وإن البيت بعد موتها صار صامتاً على نحو مخيف، حتى إن العود ظل معلقاً فوق الجدار كجسد بلا روح.

قالت وهي تراقب قطرات المطر:

كنت أتمنى أن يعزف مرة أخرى، ولو لحناً واحداً، لكنه لم يفعل.

مرر يامن إبهامه فوق وتر منخفض.

ربما كان يخشى أن تعيد الموسيقى كل ما حاول نسيانه.

وهل تنجح الموسيقى في ذلك؟

الموسيقى لا تساعدنا على النسيان.

رفع عينيه نحوها.

إنها تجعلنا قادرين على حمل ما لا نستطيع نسيانه.

ظلت ليان تحدق فيه، وشعرت أن المسافة التي حرصت على إبقائها بينهما طوال الأيام الماضية تضيق تحت وطأة تلك الجملة.

سألته، محاولة تغيير اتجاه الحديث:

وأنت؟ لماذا لا تكتب أغنيات سعيدة؟

ابتسم بسخرية خفيفة.

كتبت كثيراً منها.

كانت ألحاناً سعيدة، لا أغنيات سعيدة.

سكت لحظة، ثم أدار الخاتم الفضي حول إصبعه.

أخبرها أنه كان مخطوباً قبل ثلاثة أعوام لمغنية شارك في صناعة شهرتها، وأنه كتب لها ألبوماً كاملاً، ثم اكتشف قبل زفافهما بأسابيع أنها كانت تحب مدير أعمالها.

قال ذلك بلا انفعال، لكن إصبعه ظل يدير الخاتم بعنف.

لماذا تحتفظ به؟

سألته وهي تشير إلى الخاتم.

خلعه ووضعه فوق الأرض بينهما.

لأتذكر ألا أكتب قلبي داخل أغنية مرة أخرى.

نظرت إلى الحلقة الفضية، ثم إليه.

ومع ذلك وافقت على تلحين قصيدة اعتراف.

قال بصوت خافت:

لم أكن أعرف صاحبة القصيدة حين وافقت.

خفق قلبها بقوة، لكن الكهرباء عادت في تلك اللحظة، وامتلأت الغرفة بالضوء، فنهضا سريعاً كأن الظلام كان قد دفعهما إلى مكان لم يكن مسموحاً لهما الوصول إليه.

المقطع الذي رفض أن يُكتب

بعد عشرة أيام، اكتملت الأغنية كلها تقريباً، باستثناء المقطع الأخير.

كان اللحن يصعد بنعومة، والكلمات تتقدم نحو الاعتراف، لكن كل نسخة من النهاية بدت كاذبة أو ناقصة، كأن الأغنية نفسها ترفض أن تُغلق بابها قبل أن يحدث شيء ما خارج الورق.

قال المنتج إن الموعد النهائي يقترب، وإن المطربة ستصل خلال يومين لتسجيل النسخة الأولية.

لكن يامن مزق آخر ورقة كتبتها ليان.

رفعت رأسها نحوه بغضب.

هذه خامس نهاية تمزقها.

لأنها ليست النهاية الحقيقية.

وما النهاية الحقيقية في رأيك؟

وقف أمام البيانو، وضرب نغمتين متتاليتين.

أن يعبر أحدهما الجسر.

أي جسر؟

نظر إليها طويلاً.

الجسر الذي ظللت تكتبين عنه منذ السطر الأول.

تراجعت ليان خطوة، وشعرت بأن الحديث لم يعد عن الأغنية.

أكمل يامن:

طوال النص، هناك شخصان خائفان، وكل واحد ينتظر الآخر ليبدأ، لكن الأغنية لن تبقى في ذاكرة أحد إذا انتهت وهما واقفان في مكانيهما.

ربما بعض الناس لا يملكون الشجاعة.

بل يملكونها، لكنهم يهدرونها في اختراع أسباب للانتظار.

انفلتت منها الكلمات قبل أن تتمكن من حبسها:

من السهل أن تتحدث عن الشجاعة وأنت تدخل أي غرفة كأنها ملكك، وتقول كل ما تفكر فيه من دون خوف.

اقترب منها خطوة.

أتظنين أن الجرأة تعني غياب الخوف؟

أظن أنك لا تعرف كيف يبدو الخوف أصلاً.

ضحك ضحكة قصيرة مريرة.

أنا خائف منذ اليوم الذي عزفت فيه كلماتك لأول مرة.

توقفت أنفاسها.

لكنه لم يكمل، فقد فتح باب الاستوديو فجأة، ودخل المنتج برفقة امرأة أنيقة ترتدي معطفاً أبيض وتحمل نظارة شمسية رغم حلول المساء.

تغير وجه يامن حين رآها.

قال المنتج بحماس:

ليان، تعرفي إلى رنا الصفدي، المطربة التي ستؤدي الأغنية.

كانت رنا خطيبة يامن السابقة.

امرأة تعرف اللحن القديم

صافحت رنا ليان بابتسامة مدروسة، ثم اتجهت إلى يامن كما لو أن السنوات الثلاث الماضية لم تكن سوى استراحة قصيرة بين مقطعين.

قالت:

لم أتوقع أن توافق على العمل معي.

رد يامن ببرود:

أنا أعمل مع الأغنية، لا معك.

ضحكت رنا، ثم وضعت حقيبتها فوق المقعد وجلست قربه، أقرب مما يلزم.

بدأ التسجيل التجريبي، وغنت رنا المقطع الأول بصوت قوي ومتمرس، لكن شيئاً في الأغنية انطفأ حين خرجت الكلمات من فمها.

كانت تؤديها بإتقان، من دون أن تعيشها.

راقبت ليان يامن من خلف الزجاج، فرأت فكه مشدوداً وأصابعه ساكنة فوق لوحة التحكم.

بعد انتهاء المقطع، نزعت رنا السماعات وقالت:

الكلمات جميلة، لكنها تحتاج إلى نهاية أكثر جاذبية، ربما اعتراف مباشر، أو قبلة تحت المطر، شيء يفهمه الجمهور بسهولة.

أجابت ليان:

الأغنية ليست مشهداً إعلانياً.

رفعت رنا حاجباً.

الجمهور لا يدفع ليستمع إلى الغموض.

قال يامن:

والجمهور لا يتذكر ما لا يشعر به.

نظرت رنا بينهما، ولاحظت ما لم يستطع أي منهما تسميته، فابتسمت ببطء.

في الاستراحة، اقتربت من ليان عند الممر، وقالت بصوت خافت:

يامن يحب الأشياء الصعبة، لكنه حين يحصل عليها يكتشف أنه كان مفتوناً بالمطاردة فقط.

أجابت ليان، رغم الارتجاف في يديها:

هل لهذا السبب رحلتِ عنه؟

تجمدت ابتسامة رنا لحظة.

ثم قالت:

أنا لم أرحل، أنا اخترت ما يناسبني، لكنه لا يروي القصة بهذه الطريقة.

تركتها ومضت، بينما بقيت كلماتها تتسرب إلى داخل ليان مثل ماء بارد.

حين يصبح الصمت خيانة

في اليوم التالي، وصلت ليان إلى الاستوديو متأخرة، فوجدت يامن وحده أمام البيانو، يعزف المقطع الأخير مراراً، من دون أن يلتفت إليها.

وضعت أوراقها فوق الطاولة.

كتبت نهاية جديدة.

تناولها وقرأ:

وحين انتهى الفيضان

لم يبقَ جسر ولا ضفتان

فمضى كل قلب في طريقه

حاملاً صدى القلب الثاني

أعاد الورقة إليها.

هذه ليست نهاية، هذه جنازة.

ربما هي النهاية الأنسب.

رفع رأسه.

ماذا قالت لك رنا؟

لم تقل شيئاً مهماً.

ليان.

كانت هذه أول مرة ينطق اسمها بتلك النبرة، بلا مزاح أو تحدٍّ، فشعرت أن حروفه لمست جلدها مباشرة.

قالت وهي تتجنب عينيه:

أخبرتني أنك تحب المطاردة، وأنك حين تصل تفقد اهتمامك.

نهض يامن ببطء.

وهل صدقتها؟

لا أعرفك بما يكفي لأكذبها.

أنت تعرفينني أكثر مما عرفني معظم الناس.

أعرف أي شاي تشرب، وكيف تعزف حين تغضب، وما الجملة التي تكرهها في الأغاني، لكنني لا أعرف ماذا تريد مني.

اقترب حتى لم يبقَ بينهما سوى خطوة واحدة.

وهل ينبغي أن أكتبه في ورقة كي تفهمي؟

كان قلبها يضرب أضلاعها بعنف.

قالت:

أنت من يطالب دائماً بالوضوح.

رفع يده كأنه سيزيح خصلة الشعر عن وجهها، لكنه توقف قبل أن يلمسها.

حسناً، سأكون واضحاً.

في تلك اللحظة، رن هاتفه فوق البيانو.

ظهر اسم رنا على الشاشة.

نظرت ليان إلى الهاتف، ثم إلى يامن، وشعرت أن الخوف القديم ينهض داخلها بكامل قوته؛ الخوف من أن تكون وهماً عابراً في قصة بدأت قبلها، أو جملة جميلة سيشطبها حين يجد لحناً أفضل.

تراجعت.

يجب أن تجيب.

لا.

ربما الأمر يتعلق بالتسجيل.

لا يهم.

لكنه يهمني.

حمل يامن الهاتف وأغلقه، ثم قال:

ما الذي تريدين سماعه مني بالضبط؟

اتسعت عيناها، لكنها لم تجب.

كان الاعتراف قريباً، قريباً إلى حد أنها شعرت بحرارته، غير أن قربه أخافها أكثر من غيابه.

جمعت أوراقها وقالت:

أريد أن ننهي الأغنية فقط.

مر شيء مؤلم في عينيه.

تراجع إلى البيانو، وجلس من دون أن ينظر إليها.

إذن اكتبي النهاية التي تريدينها.

ليلة بلا موسيقى

عادت ليان إلى منزلها، وأغلقت الباب، ثم ألقت الأوراق فوق الأرض كما لو أنها تنجو من حريق.

حاولت الكتابة، لكن كل سطر انتهى إلى وجه يامن، وكل استعارة قادتها إلى صوته، وكل كلمة رحيل بدت كأنها اعتراف جبان بأنها هي التي تستعد للهرب.

فتحت الدرج القديم، وأخرجت الدفتر الأزرق.

قرأت القصيدة الأصلية حتى نهايتها، فاكتشفت أمراً نسيته تماماً.

كانت قد مزقت الصفحة قبل السطر الأخير.

قلبت الدفتر، وبحثت بين أوراقه حتى عثرت على نصف صفحة عالقة في الغلاف الخلفي، وقد اسود طرفها من الحريق.

كان عليها السطر الذي كتبته في التاسعة عشرة ثم خافت منه:

وإن لم يأتِ إليّ، سأعبر أنا، فالحب الذي لا نجرؤ عليه ليس حباً، بل حنين مؤجل.

جلست ليان على الأرض، والورقة ترتجف في يدها.

أدركت أنها لم تكن تكتب طوال السنوات عن رجال جبناء، بل كانت تكتب عن نفسها؛ عن فتاة تقف في مكانها، ثم تلقي اللوم على المسافات لأنها لم تتلاشَ وحدها.

عند منتصف الليل، نهضت وارتدت معطفها.

كان المطر يهطل بقوة، وكانت شوارع المدينة تلمع تحت المصابيح كأوتار ممدودة، لكن ليان لم تتوقف لتبحث عن مظلة.

ركضت نحو الاستوديو.

ولادة أغنية قلبين

وجدت باب المبنى مفتوحاً، والممرات خالية إلا من ضوء خافت يتسرب من الاستوديو الأخير.

دفعت الباب، فرأت يامن جالساً أمام البيانو في الظلام، لا يضيء الغرفة سوى مصباح صغير فوق النوتة.

كان يعزف اللحن نفسه الذي عزفه في لقائهما الأول، لكنه هذه المرة بدا أكثر حزناً، كأن النغمات تعرف أنها أوشكت على فقد الكلمات التي خُلقت من أجلها.

رفع رأسه حين سمع خطواتها.

كانت ثيابها مبتلة، وشعرها ملتصقاً بوجهها، وأنفاسها متقطعة من الركض.

قال:

ماذا حدث؟

أخرجت الصفحة المحترقة من جيب معطفها، ووضعتها فوق البيانو.

وجدت النهاية.

قرأ السطر الأخير، ثم رفع نظره إليها.

قالت ليان، وصوتها يرتعش:

كنت مخطئة.

الأغنية لا يجب أن تنتهي برحيلهما.

كيف تنتهي إذن؟

اقتربت من البيانو، وجلست إلى جواره.

وضعت أصابعها فوق مفتاح أبيض، لكنها لم تضغطه.

يعبر أحدهما الجسر.

انتظر يامن.

أكملت، وهي تجبر نفسها على النظر في عينيه:

وتعبر هي أولاً.

لم يتحرك.

كان صمته أطول من أي صمت عرفته، لكنه لم يكن فارغاً؛ كان ممتلئاً بأسئلة وخيبات ورجاء خائف.

قال أخيراً:

هل ما زلنا نتحدث عن الأغنية؟

هزت رأسها ببطء.

لا.

تنفس يامن كأن الهواء عاد إلى الغرفة بعد انقطاع طويل.

إذن قوليها بلا استعارات.

أغمضت ليان عينيها لحظة، ثم فتحتهما.

كانت الكلمات التي كتبتها طوال عمرها تتزاحم في داخلها، لكن ما خرج لم يكن قصيدة ولا صورة مجازية.

قالت ببساطة:

أحببتك.

ارتجفت ابتسامة صغيرة عند زاوية فمه، لكنها لم تكتمل.

بصيغة الماضي؟

شعرت بحرارة الدموع خلف عينيها.

أحبك.

مد يامن يده هذه المرة، ولم يتوقف قبل أن يلمس وجهها، فمرر إبهامه فوق قطرة مطر استقرت عند خدها.

قال:

منذ اليوم الأول، كنت أسمع الاعتراف في كلماتك، وكنت أتمنى أن يكون لي، ثم خفت أن أصدق ذلك فأخسرك.

ضحكت ليان وسط دموعها.

أنت خفت؟

كنت مرعوباً.

ولماذا لم تقل شيئاً؟

لأن شاعرة معينة علمتني أن بعض الاعترافات لا يمكن دفعها بالقوة.

انحنت جبهته نحو جبهتها، وبقيت المسافة بينهما لحظة رقيقة لا تزيد على نفس واحد.

ثم قال:

هل تسمحين لي أن أعبر بقية الجسر؟

أجابته بأن أغلقت المسافة.

لم تكن قبلتهما عاصفة كما تخيلت الأغنيات، بل كانت هادئة، دافئة، تحمل تردد قلبين أمضيا وقتاً طويلاً على ضفتين متقابلتين، ثم اكتشفا أن الجسر كان ينمو تحت أقدامهما طوال الوقت.

وحين ابتعدا، وضع يامن أصابعه فوق البيانو.

اكتبي.

جلست ليان إلى جواره، وأمسكت القلم.

بدأ يعزف، وبدأت هي تكتب، ولم تعد الكلمات تهرب إلى وراء الصور، ولم يعد اللحن يحاول دفعها نحو مكان لا تريد الذهاب إليه؛ كانا للمرة الأولى يسيران معاً.

كتبت:

كنتُ أخاف الوصول إليك

فأسميت خوفي انتظاراً

وكنتَ تخشى يدي حين تمتد

فتمنح الصمت أعذاراً

لكن قلبين تحت المطر

سمعا الحقيقة في خطوتين

لا جسر كان بين الضفتين

نحن الجسر، نحن الطريق.

ونحن أغنية قلبين

توقف يامن عند السطر الأخير.

أعاده مرة، ثم مرة ثانية، ثم بنى تحته لحناً يبدأ بنغمة منفردة، قبل أن يدخل لحن ثانٍ فيلتف حولها، حتى لا يعود ممكناً معرفة أيهما يقود الآخر.

عند الفجر، كانت الأغنية قد اكتملت.

الصوت الذي اختار الحقيقة

في صباح التسجيل، حضرت رنا إلى الاستوديو، واستلمت النسخة الجديدة من الكلمات.

قرأت المقطع الأخير، ثم نظرت إلى ليان ويامن الجالسين متجاورين خلف الزجاج، وفهمت من المسافة التي اختفت بين كتفيهما ما حدث.

دخلت غرفة التسجيل، وبدأت الغناء.

كان أداؤها جيداً، لكنه ظل عاجزاً عن حمل النهاية.

أوقف يامن التسجيل بعد المحاولة الثالثة.

قال المنتج بقلق:

ما المشكلة؟

أجاب يامن:

الصوت جميل، لكنه لا يعرف الأغنية.

خلعت رنا السماعات بعصبية.

وما معنى ذلك؟

نظر يامن إلى ليان.

فهمت مقصده فوراً، فتراجعت في مقعدها.

لا.

قال المنتج:

ماذا؟

أشار يامن إليها.

ليان يجب أن تغني النسخة التجريبية.

شهقت ليان.

أنا لا أغني.

كنت تدندنين اللحن بالأمس.

هذا ليس غناءً أمام ميكروفون.

الأغنية تحتاج صوتاً لا يخفي خوفه.

قالت رنا بحدة:

هل تحولت الجلسة إلى تجربة عاطفية خاصة؟

أجاب يامن بهدوء:

تحولت إلى محاولة لإنقاذ الأغنية.

أرادت ليان الرفض، لكن عينيها وقعتا على الميكروفون خلف الزجاج، ثم على الصفحة التي تحمل كلماتها، وفكرت في عمر كامل قضته وهي تكتب كي لا تضطر إلى الكلام.

وقفت.

دخلت غرفة التسجيل، ووضعت السماعتين فوق أذنيها، بينما كانت يداها ترتجفان.

انطلقت الموسيقى.

فوتت الجملة الأولى، ثم توقفت.

قال يامن عبر السماعات:

لا تغني للجمهور.

لمن أغني إذن؟

نظر إليها من خلف الزجاج.

لي.

بدأ اللحن مرة أخرى.

أغمضت ليان عينيها، وغنت.

لم يكن صوتها واسعاً مثل صوت رنا، ولم يكن مصقولاً بالتدريب، لكنه خرج دافئاً ومكسوراً عند الحواف، يحمل كل الارتباك الذي كُتبت منه الأغنية، وكل الصمت الذي سبق الاعتراف.

وحين وصلت إلى نحن الجسر، نحن الطريق، فتحت عينيها ونظرت إلى يامن.

لم يضغط أحد زر الإيقاف.

حتى بعد انتهاء الموسيقى، بقي الاستوديو صامتاً، كما لو أن الجميع يخشى أن تكسر كلمة واحدة الأثر الذي تركه صوتها في الهواء.

مسح المنتج عينيه سريعاً، ثم قال:

سنحتفظ بهذه النسخة.

اعترضت رنا، وارتفع صوتها، لكن القرار كان قد اتخذ.

لم تكن الأغنية بحاجة إلى أشهر الأصوات.

كانت بحاجة إلى القلب الذي كتبها.

الأغنية التي عرف الناس أنفسهم فيها

طُرحت أغنية قلبين بعد شهر بصوت ليان، رغم مقاومتها الطويلة، وحملت في بياناتها للمرة الأولى اسمها الحقيقي شاعرة ومؤدية، واسم يامن ملحناً وموزعاً.

في الأسبوع الأول، بدأت الأغنية تنتشر ببطء.

ثم نشر شاب مقطعاً منها وهو يتقدم لخطبة حبيبته، واستخدمتها امرأة في رسالة مصالحة إلى زوجها، وغناها رجل مسن لزوجته في ذكرى زواجهما الأربعين.

خلال أسابيع، تصدرت قوائم الاستماع.

كتب النقاد عن بساطة كلماتها وصدق لحنها، لكن أحداً لم يعرف أن الوقفة الصغيرة قبل السطر الأخير كانت اللحظة التي نظرت فيها ليان إلى يامن خلف الزجاج، وأن الارتجافة التي ظنها الناس تقنية صوتية كانت خوفاً حقيقياً من امرأة تقول أحبك أمام العالم لأول مرة.

أما ليان، فلم تعد تختبئ في زاوية المقهى وراء كتاب مفتوح.

صارت تكتب باسمها، وتقرأ قصائدها في الأمسيات، وحين يرتجف صوتها كانت تتذكر أن الشجاعة ليست صوتاً ثابتاً، بل كلمة تُقال رغم ارتجافه.

ويامن لم يخلع خاتمه الفضي فحسب، بل أذابه عند صائغ صغير، وصنع منه قلادتين رفيعتين تحمل كل منهما نغمة موسيقية من مقدمة الأغنية.

قدم إحداهما إلى ليان في ليلة هادئة فوق سطح الاستوديو.

قال وهو يضعها حول عنقها:

كي نتذكر أن بعض الأشياء المكسورة لا يجب التخلص منها.

لمست القلادة بأطراف أصابعها.

بل يمكن تحويلها إلى موسيقى.

حفل تحت المطر

بعد عام كامل، وقفت ليان فوق خشبة أكبر مسارح المدينة، بينما امتلأت القاعة بآلاف الوجوه التي جاءت لسماع الأغنية التي أصبحت جزءاً من حكاياتهم.

كانت الأضواء قوية، ويداها باردتين، والخوف القديم يحوم عند حافة قلبها، لكنه لم يعد سيد المكان.

جلس يامن خلف البيانو، ونظر إليها كما فعل في غرفة التسجيل.

بدأ يعزف النغمة الأولى.

غنت ليان، وردد الجمهور الكلمات معها، حتى وصلوا إلى المقطع الأخير، فانطفأت الأضواء فجأة، وبقي ضوء واحد فوق البيانو.

نهض يامن.

توقفت الموسيقى، وساد همس واسع في القاعة.

اقترب منها، ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة.

شهقت ليان، وضحك الجمهور حين رفعت يدها إلى فمها.

قال يامن في الميكروفون:

قبل عام، طلبتُ منها أن تكتب نهاية تليق بالأغنية، فكتبت لي بداية حياة كاملة.

ثم انحنى على ركبة واحدة.

ليان السالمي، هل تكتبين معي بقية الأغنية؟

كانت الدموع قد سبقت جوابها.

أومأت، ثم قالت بصوت سمعه الجميع:

نعم.

في اللحظة نفسها، بدأ المطر يهطل فوق سقف المسرح المفتوح، خفيفاً في البداية، ثم أكثر كثافة، ولم يهرب أحد.

عاد يامن إلى البيانو، وعادت ليان إلى الغناء، بينما رددت القاعة كلها:

نحن الجسر، نحن الطريق، ونحن أغنية قلبين.

اللحن الذي لم ينتهِ

بعد أعوام، ظل الناس يسمعون أغنية قلبين في الأعراس ومحطات السفر والمقاهي البعيدة، وظل كل مستمع يظن أنها كُتبت عن قصته وحده، وهذا تحديداً ما جعلها أغنية خالدة.

أما ليان ويامن، فلم يعيشا حياة خالية من الخلافات؛ كانا يتجادلان حول الكلمات، ويختلفان في الألحان، ويتخاصمان أحياناً حول أشياء تافهة، لكنه لم يعد أي منهما يقف على ضفته منتظراً الآخر.

كان يامن أول من يطرق باب الصمت حين يطول، وكانت ليان أول من يقول ما يؤلمها قبل أن يتحول الألم إلى قصيدة غامضة.

وفي منزلهما، وُضع البيانو قرب النافذة، وعلّق فوقه عود والد ليان القديم بعد أن أصلحاه.

وفي بعض الليالي، كانت تجلس إلى جوار يامن، تكتب فوق دفتر جديد، بينما يعزف هو لحناً لم يولد بعد، فيرفع رأسه ويسأل:

هل هذه أغنية أخرى؟

فتبتسم وتجيب:

ربما.

ثم يضحك ويبدأ العزف، لأنهما تعلما أخيراً أن أعظم الأغنيات لا تولد حين يتشابه قلبان، بل حين يجرؤ كل منهما على سماع اختلاف الآخر، ويبقى رغم ذلك.

ليست المسافات بين القلوب دائماً قدراً، فكثير منها يُبنى من كلمات لم تُقل، وخطوات تراجع أصحابها عنها، وأبواب ظل كل طرف ينتظر أن يفتحها الآخر.

وربما لا يحتاج الحب إلى معجزة كي ينجو، بل إلى شخص واحد يقرر أن يتوقف عن تسمية خوفه حكمة، وأن يعبر أولاً، حتى لو كان صوته مرتجفاً والطريق أمامه مجهولاً.

فبعض القلوب لا تضيع لأنها لم تجد الحب، وإنما لأنها وجدته، ثم وقفت طويلاً تستمع إلى نبضه من الضفة الأخرى, حكاية طائر العنقاء الذهبي رحلة إلى جبل النار لإنهاء الشتاء الأبدي من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد