النجمة التي تحمل دعاء القرية حكاية مؤثرة

الراوي
0

الليل يزور مقهى خالد، في تلك القرية النائية، حيث تنام البيوت الطينية وكأنها حجارة دافئة في حضن الجبل، كان الليل ينزل ببطء، لا كظلام عابر، بل كستارة مخملية تسدل على أسرار قديمة.

في آخر الزقاق، كان هناك مقهى صغير يضيء مصباحه الأصفر مثل عين ساهرة لا تثق بالنوم.

كان خالد، الرجل العجوز ذو اللحية البيضاء واليدين اللتين تشبهان جذور الزيتون، يفتح المقهى كل مساء، ويمسح الطاولات كمن يوقظ ذاكرة لا غبارا.

ثم يضع فنجان قهوة إضافيا قرب النافذة، في المكان ذاته وبالاتجاه ذاته، وكأنه يحجز مقعدا لمن يعرف طريق العودة من السماء.


المقهى الذي كان ينتظر أكثر من الزبائن

لم يكن مقهى خالد واسعا، لكنه كان عميقا كقلب جرب الفقد ولم ينس كيف يرحب بالغرباء.

كانت رائحة البن المحمص تتسلل إلى الأزقة الضيقة، فتوقظ العجائز من غفواتهن، وتدفع الرجال إلى الصمت، وتجعل الأطفال يحدقون في بخار الفناجين وكأنهم يرون داخله سفنا صغيرة.

كل ليلة، بعد أن يقدم القهوة لأهل القرية، كان خالد يملأ فنجانا أخيرا ويضعه بجانب النافذة المفتوحة على الوادي.

لم يكن يسمح لأحد بلمسه، ولم يفسر يوما سبب وجوده، حتى صار الفنجان لغزا يوميا يشبه سؤالا تركه الزمن على الطاولة ونسي إجابته.

خمسون عاما من الصمت

سأله مختار القرية ذات مساء، وهو ينفث دخان غليونه بقلق يا خالد، لمن هذا الفنجان؟ أهو لميت تحبه؟ أم لضيف لا يأتي؟

رفع خالد عينيه نحو السماء، حيث كانت النجوم معلقة كحبات ملح على عباءة سوداء، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال إن لبعض الوعود أقداما لا تسمعها إلا الأرواح، فإذا وصلت وجدت مقعدها جاهزا.

لم يفهم المختار شيئا، لكن الرعدة التي مرت في صوت خالد جعلته لا يسأل مرة أخرى.

ومنذ ذلك اليوم، صار الناس يتهامسون عن الفنجان، ويخفضون أصواتهم كلما اقتربوا من النافذة، وكأن القهوة تسمع.

الليلة التي ارتبكت فيها السماء

في ليلة شتوية، كان الهواء باردا إلى حد أن أنفاس القرويين بدت مثل رسائل بيضاء تخرج من صدورهم ثم تضيع.

جلسوا في المقهى متقاربين، بينما المطر يطرق السقف المعدني بنقرات متوترة، وكأن أصابع خفية تستعجل شيئا لم يحن بعد.

فجأة، انطفأت النجوم واحدة بعد أخرى، لا خلف سحاب، بل وكأن يدا عظيمة قطفتها من السماء.

ساد صمت ثقيل، ثم ظهر ضوء أزرق في طرف الوادي، صغيرا في البداية، ثم أخذ يكبر ويتمايل حتى صار هيئة امرأة مسنة تمشي على الطريق الموحل دون أن تبتل قدماها.

امرأة بعباءة زرقاء

كانت المرأة ترتدي عباءة زرقاء داكنة، تتناثر على أطرافها نقاط مضيئة كأنها كواكب صغيرة.

وجهها مجعد، لكنه لا يشبه وجوه البشر تماما، ففي عينيها بريق بعيد، وكأنهما نافذتان تطلان على ليل ولد قبل الأسماء.

تراجعت القرية كلها خطوة واحدة، وسقط فنجان من يد أحد الرجال، فانتشر البن على الأرض كظل مذعور.

أما خالد، فقد وقف ببطء، ومسح يديه في مئزره، ثم فتح باب المقهى كمن يستقبل ضيفا تأخر قليلا عن موعد قديم.

وقال بصوت خافت وصل إلى الجميع كنت أنتظرك كل ليلة منذ خمسين عاما، منذ أن تركت رسالتك في حلمي.

رسالة الحلم القديم

دخلت المرأة وجلست عند الطاولة القريبة من النافذة، حيث كان الفنجان ينتظرها ساخنا، وكأن النار لم تنطفئ تحته منذ نصف قرن.

مدت يدها النحيلة، ورفعت القهوة إلى شفتيها، فارتفع البخار حول وجهها على هيئة أدعية صغيرة، لها أجنحة شفافة وأصوات لا يسمعها إلا من فقد شيئا غاليا.

قالت النجمة، وكان صوتها يشبه رنين كأس من ضوء يا خالد، لم أنس وعدي.

كنت آتي كل ليلة من بعيد، أقف عند حافة السماء، وأرى فنجانك يلمع مثل مصباح على باب الأرض.

ارتجف الناس حين قالت السماء، أما خالد فظل واقفا مطمئنا، وكأن هذه الكلمة لم تكن معجزة بل عنوانا قديما يعرفه جيدا.

سر بخار الدعاء

قالت النجمة وهي تنظر إلى الفناجين المنتشرة على الطاولات إن قهوة قريتكم ليست كبقية القهوة.

فهي الوحيدة في الكون التي تحفظ بخار الدعاء.

كل أمنية تنفخونها فوق الفنجان تصعد مع البخار، فتحملها إلى حيث لا تضيع الأمنيات.

تذكرت امرأة فقيرة كيف كانت تهمس باسم ابنها الغائب فوق قهوتها كل مساء.

وتذكر الفلاح العجوز دعاءه للمطر، وتذكرت الفتاة اليتيمة أمنيتها الصغيرة بأن تسمع صوت أمها في المنام.

عندها امتلأ المقهى بأنفاس مرتجفة، لا خوفا من النجمة، بل خوفا من أن تكون السماء قد سمعتهم حقا.

لكن النجمة وضعت الفنجان على الطاولة، ولم تشرب آخر رشفة، وقالت جئت الليلة لا لآخذ دعاءكم، بل لأعيد إليكم معناه.

الفنجان الفارغ كقلب يتسع للجميع

مالت النجمة نحوهم، فازداد الضوء الأزرق دفئا، حتى شعر الأطفال أن البرد انحسر عن أصابعهم.

قالت إن الدعاء الحقيقي لا يحتاج إلى بخار يصعد، ولا إلى نجمة تحمله.

الدعاء الحقيقي يبدأ حين يفرغ القلب من ضيقه، فيصير كفنجان فارغ يتسع لعطش الجميع.

لم يجب أحد، وكانت الكلمات تدخلهم ببطء، مثل ماء صاف يجد طريقه بين حجارة قديمة.

نظر المختار إلى الفقير الذي خاصمه سنوات، ونظرت الأرملة إلى الجارة التي لم تزرها منذ موت زوجها، ورأى كل واحد منهم في الآخر وجها كان قد نسيه تحت غبار العادة.

أما خالد، فقد أغلق عينيه، وكأن خمسين عاما من الانتظار استراحت أخيرا على كتفيه.

لم يكن ينتظر نجمة لتشرب القهوة فقط، بل كان ينتظر لحظة يفهم فيها الناس أن السماء لا تبعد عنهم كثيرا حين يفتحون قلوبهم.

القهوة التي لم تنته

وقفت النجمة بعد أن تركت فنجانها على الطاولة، ثم مرت يدها فوق حافته.

في تلك اللحظة، امتلأ الفنجان بضوء ناعم، ليس ذهبيا ولا فضيا، بل بلون لا تعرفه الأرض إلا حين يحلم طفل قبل الفجر.

خرجت النجمة من المقهى، وكلما خطت خطوة، صعد من عباءتها غبار مضيء عاد إلى السماء نجمة بعد نجمة.

وعندما بلغت أول الوادي، التفتت نحو خالد وقالت لم تكن تنتظرني وحدك يا خالد.

كنت تعلم القرية كيف تنتظر نفسها.

ثم ارتفعت، لا بسرعة البرق، بل برفق قطرة ندى تعود إلى الغيم.

وعادت السماء كما كانت، لكن القرويين لم يعودوا كما كانوا.

حين شربت القرية من الضوء

منذ تلك الليلة، لم يجرؤ أحد على إفراغ فنجان النجمة.

ظل موضوعا قرب النافذة، ممتلئا بضوء لا ينقص، وكل مساء كان خالد يقدم للقرويين قهوتهم، ثم يسمح لكل واحد أن يقترب من الفنجان المضيء ويشرب منه رشفة صغيرة قبل النوم.

وفي كل ليلة، كان أهل القرية يحلمون الحلم نفسه، يرون أنفسهم نجوما صغيرة، واقفة في طابور هادئ على حافة السماء، تنتظر دورها لتجلس مع خالد وتشرب القهوة.

لم يكن في الحلم غني ولا فقير، ولا غريب ولا قريب، كانوا جميعا نقاط ضوء واحدة، تختلف أماكنها لكنها تنتمي إلى الليل ذاته.

ومع الأيام، صار الناس إذا دعوا تركوا مكانا في دعائهم لغيرهم.

وإذا امتلأت فناجينهم، تذكروا أن الفنجان لا تعرف قيمته بما يحمله فقط، بل بما يستطيع أن يقدمه حين تمتد إليه يد عطشى.

وهكذا بقي مقهى خالد مضاء عند آخر الزقاق، لا لأنه يبيع القهوة، بل لأنه علم القرية أن القلب حين يفرغ من الأنانية يصبح أوسع من السماء، وأن الدعاء لا يصعد دائما إلى الأعلى، بل ينزل أحيانا إلى يد بجوارك فيدفئها.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.