رسالة لم تصل قصة مشوقة عن سر أخفته خمسون عاما

الراوي
0

الخزانة التي لم يفتحها أحد، لم يكن الحبر قد جف بعد على الكلمات حين ضاعت الرسالة، غير أن نصف قرن كاملا كان قد جف على قلوب من انتظروها، في صباح شتوي مثقل برائحة المطر والخشب العتيق، عثر عليها ساعي البريد نجيب منصور محشورة خلف خزانة صدئة، وكأنها لم تكن مجرد ورقة منسية، بل يدا شاحبة امتدت من الماضي لتقبض على معصمه.

كان الظرف أصفر بلون أسنان الزمن، وقد انطفأت أطرافه تحت طبقات الغبار، غير أن الاسم المكتوب فوقه ظل واضحا على نحو غريب: السيدة ليلى عبد الرحيم، منزل آل السيوفي، حارة النخيل، وتحت الاسم ارتجف ختم بريدي باهت يحمل تاريخا يعود إلى خمسين عاما مضت.

وقف نجيب وحده في مخزن البريد القديم، يسمع المطر يطرق النوافذ المكسورة، بينما تسلل إلى صدره شعور ثقيل بأن هذه الرسالة لم تفقد مصادفة، وأن وصولها الآن قد يكون أخطر كثيرا من ضياعها آنذاك.

كان مكتب بريد حي السرايا يستعد للانتقال إلى مبنى حديث، ولهذا كلف نجيب، أقدم السعاة سنا، بجرد المخزن الخلفي قبل إغلاقه نهائيا، دخله قبيل الظهيرة حاملا مصباحا صغيرا وسجلا ورقيا، فاستقبلته رائحة الورق الرطب والحبال القديمة، وتطاير الغبار حول خطواته مثل رماد بيت احترق منذ زمن.

أمضى ساعتين في فرز الطرود المرتجعة والدفاتر التي نهشتها الفئران، ثم لمح خلف خزانة حديدية شقا أسود ضيقا لا يتسع إلا لكف، دفعها بكتفه فصرخت أرجلها المعدنية فوق الأرضية، وظهر خلفها تجويف صغير تراكمت فيه أوراق وإيصالات وأظرف لم يرها أحد منذ عقود.

مد يده وسحب رزمة متعفنة تفتت بعضها بين أصابعه، غير أن ظرفا واحدا بقي متماسكا، مربوطا حول نفسه بخيط قطني رقيق، قرأ العنوان مرتين، ثم قلب الظرف فرأى اسم المرسل مكتوبا في زاويته الخلفية: سالم رشوان، محطة قطارات المنصورة، لم يكن الاسم غريبا عليه، فرفع رأسه ببطء وشعر بجلده ينكمش تحت قميصه الصوفي، إذ كان سالم رشوان هو الرجل الذي أمضى أهل الحي خمسين عاما يصفونه بالخائن والهارب.

رسالة لم تصل قصة قصيرة عن سر أخفته خمسون عاما


رجل اختفى ليلة الحريق

حين كان نجيب صبيا، كان يسمع كبار السن يتهامسون عن الحريق الذي التهم مخزن أقمشة آل السيوفي، أكبر تجار الحي في ذلك الوقت، قالوا إن سالم رشوان، محاسب العائلة وخطيب ابنتهم ليلى، سرق صندوق المال وأشعل النار ليمحو أثر جريمته، ثم فر ولم يظهر بعد ذلك أبدا، لم يعثر على جثته، ولم تصل منه كلمة واحدة، فبدا صمته اعترافا كاملا لا يحتاج إلى محكمة.

أما ليلى، فقد أجبرت بعد أشهر على الزواج من فؤاد السيوفي، ابن عمها وشريك والدها في التجارة، حفاظا على اسم العائلة وما تبقى من ثروتها، كان الناس يقولون إن ليلى لم تبتسم في ليلة عرسها، وإن الموسيقى العالية لم تنجح في إخفاء بكائها خلف نافذة الغرفة العليا.

الآن، بعد نصف قرن، كان نجيب يحمل بين يديه أول كلمة بعث بها سالم بعد اختفائه، ووحده الظرف المغلق كان يعرف إن كانت تلك الكلمة اعترافا أم براءة أم لعنة تأخرت كثيرا عن موعدها.

واجب لا يشمله القانون

أخذ نجيب الرسالة إلى مكتبه ووضعها تحت ضوء المصباح، ثم بحث في سجلات الحي القديمة عن عنوان منزل آل السيوفي، اكتشف أن حارة النخيل أزيلت منذ سنوات، وأن البيت الكبير تحول إلى عيادة خاصة تملكها الدكتورة مريم السيوفي، حفيدة ليلى، أما ليلى نفسها، فقد وجد اسمها في سجل المعاشات، وبجواره عنوان دار للمسنين عند طرف المدينة.

ظل نجيب يحدق في العنوان طويلا، بينما كان زميله الشاب حسام يراقبه من خلف شاشة الحاسوب، قال حسام ضاحكا: اكتب عليها مجهول العنوان وضعها في المحفوظات، فقد مات نصف الذين كانوا أحياء حين كتبت، مرر نجيب إصبعه فوق الختم الباهت وقال: وربما عاش النصف الآخر وهم ينتظرونها.

هز حسام كتفيه وعاد إلى عمله، لكن نجيب لم يستطع أن يعيد الرسالة إلى الظلام الذي خرجت منه، كان قد أمضى خمسة وثلاثين عاما يحمل للناس رسائل القبول والرفض، وفواتير الديون، وبطاقات الأفراح، ونعي الأحبة، ومع ذلك لم يشعر قط أن ظرفا واحدا يحمل وزن بيتين كاملين، في نهاية الدوام، وضع الرسالة في حقيبته الجلدية، وخرج تحت المطر دون أن يسجلها في دفتر البريد الرسمي.

المرأة التي توقفت عن الانتظار

كانت دار المسنين مبنى أبيض شديد الصمت، تحيط به أشجار سرو طويلة تئن أغصانها مع الريح، عند المدخل طلبت الممرضة من نجيب الانتظار، ثم أخبرته أن السيدة ليلى بلغت السابعة والثمانين، وأن ذاكرتها تتراجع أحيانا، لكنها لا تزال تعرف الوجوه والأسماء القديمة.

قادته إلى حديقة زجاجية صغيرة، حيث جلست امرأة نحيلة قرب النافذة، تلف كتفيها بشال أزرق وتراقب قطرات المطر وهي تنزلق فوق الزجاج، لم يبق من جمالها القديم إلا انحناءة أنف دقيقة وعينان سوداوان لم تستطع السنون إطفاء بريقهما القلق.

اقترب نجيب وقال: السيدة ليلى عبد الرحيم؟ استدارت نحوه، وحين رأت الحقيبة الجلدية تغير وجهها قبل أن ترى الرسالة، تقلصت أصابعها فوق الشال، وهمست بصوت جاف: لم يعد أحد يرسل إلي شيئا، جلس أمامها وأخرج الظرف بحذر، وما إن وقع بصرها على الخط حتى اندفع الهواء من صدرها كأن يدا خفية ضربتها في قلبها.

الاسم الذي لم يمت

لم تمد ليلى يدها إلى الرسالة، بل ظلت تحدق فيها، واتسعت عيناها حتى انعكس فيهما ضوء النافذة الرمادي، قالت: هذا خط سالم، لم يسألها نجيب كيف عرفته بعد خمسين عاما، فبعض الخطوط لا تسكن الذاكرة، بل تسكن الجسد نفسه.

رفعت يدها ببطء ثم توقفت قبل أن تلمس الظرف، كأنها تخشى أن يتحول إلى رماد إن صدقت وجوده، قال نجيب: وجدتها في مخزن مكتب البريد، كانت عالقة خلف خزانة قديمة، أغمضت ليلى عينيها، وانزلقت دمعة وحيدة بين تجاعيد خدها، وهمست: كنت أذهب إلى مكتب البريد كل صباح لمدة عامين، وكانوا يضحكون حين يرونني، ويقولون إن الهاربين لا يرسلون رسائل.

ثم فتحت عينيها ونظرت إلى نجيب بحدة لم يتوقعها من امرأة واهنة، وسألت: من قرأها؟ أجابها: لا أحد، ما زالت مختومة، ارتعشت شفتاها لكنها لم تفتح الظرف، بل دفعته نحوه وقالت: اقرأها أنت.

الكلمات التي عبرت نصف قرن

فك نجيب طرف الظرف ببطء، فصدر عن الورق صوت هش يشبه تكسر ورقة خريف يابسة، أخرج صفحتين مطويتين، وكان الحبر الأزرق قد بهت في مواضع، إلا أن الكلمات بقيت مقروءة، فبدأ يقرأ.

كتب سالم: ليلى، حين تصلك رسالتي سأكون قد ابتعدت عن المدينة، لا خوفا من الناس بل خوفا عليك منهم، لم أسرق صندوق المال ولم أشعل المخزن، رأيت فؤاد يسكب الكيروسين قرب السجلات بعد أن اكتشفت اختلاسه أموال والدك لسنوات، فواجهته فهددني بأن يجعل النار تأكل الأوراق ثم يجعل اسمي يأكل العار.

في تلك الليلة ضربني رجاله قرب المحطة، وأخذوا دفتري الذي يحوي الحسابات، لكنني احتفظت بورقة واحدة مخبأة داخل ساعة والدك التي أصلحتها قبل الحريق، الساعة الآن عند الحاج يوسف النجار، داخل صندوق أمانات يحمل اسمك، اذهبي إليه وحدك فالدليل هناك.

وفي السطور الأخيرة كتب: أقسم لك أنني لم أهرب إلا بعدما أخبرني فؤاد أنه سيقتل والدك وأخاك إن عدت أو حاولت التواصل معك، سأنتظرك في الإسكندرية حتى نهاية الشهر، وإن لم تأت سأفهم أنك اخترت سلامة عائلتك، وسأغادر البلاد ولن أعود، أحببتك أكثر مما أحببت اسمي، ولهذا قبلت أن أحمله ملوثا كي تبقي أنت سالمة.

ساد صمت لم يقطعه سوى المطر، أسندت ليلى رأسها إلى ظهر المقعد، وبدت كمن تقدمت في العمر خمسين عاما أخرى خلال دقائق، ثم قالت أخيرا: تزوجت فؤاد لأن أبي قال إن سالم سرقنا وأحرق رزقنا، فعشت مع الرجل الذي فعلها، وأنجبت منه.

باب بيت السيوفي

أصرت ليلى على مغادرة دار المسنين في اليوم نفسه رغم اعتراض الممرضة، وقالت إنها لن تموت قبل أن تعرف ما إذا كان الدليل لا يزال موجودا، اتصلت بحفيدتها مريم دون أن تخبرها بمحتوى الرسالة، واكتفت بطلب السيارة.

وصلت مريم بعد نصف ساعة، امرأة في أوائل الأربعينيات ترتدي معطفا رماديا، وتحمل في ملامحها صرامة الأطباء الذين اعتادوا مواجهة الأخبار السيئة، حين رأت نجيب بجانب جدتها سألته ببرود: ما الذي يحدث؟ رفعت ليلى الرسالة أمامها وقالت: يحدث أن جدك لم يكن الرجل الذي عرفتموه.

لم تفهم مريم العبارة، لكن وجهها تغير حين قرأت اسم سالم على الظرف، فقد كان الاسم لا يزال محرما في منزل العائلة، يذكر مصحوبا بالبصق أو الدعاء عليه، كما لو أن صاحبه شيطان ورثوه مع الأثاث القديم، في السيارة روت ليلى كل شيء، بينما كانت مريم تقود بيدين متصلبتين وعيناها تفران بين الطريق والمرآة، حين انتهت قالت مريم: جدي مات منذ اثني عشر عاما، لا يمكنه الدفاع عن نفسه، أجابتها ليلى بصوت منخفض: ولم يسمح لسالم أن يدافع عن نفسه خمسين عاما.

النجار الأخير

لم يعد الحاج يوسف النجار حيا، لكن دكانه بقي قائما في سوق النحاسين يديره ابنه نبيل الذي تجاوز الستين، استقبلهم الرجل بحذر، وحين سمع اسم ليلى عبد الرحيم تغيرت نبرته وأغلق باب الدكان من الداخل، وقال: أبي ترك صندوقا قديما وأوصاني ألا أبيعه مهما ضاقت بنا الحال، وقال إن امرأة اسمها ليلى ستأتي يوما لتأخذه، ثم ضحك بمرارة وأضاف: انتظرها أربعين عاما، ثم مات وهو يظن أنها لن تأتي.

قادهم إلى غرفة خلفية تفوح منها رائحة نشارة الخشب والزيوت، وأخرج من خزانة مرتفعة صندوقا صغيرا مغطى بطبقة من الغبار، كان القفل قد صدئ، فضربه نبيل بمطرقة حتى انكسر، وفي الداخل ظهرت ساعة جيب فضية اسودت من القدم، وتحتها صورة شابة لليلى تقف قرب شجرة ياسمين.

قلب نبيل الساعة وضغط زرا خفيا قرب المفصلة، فانفصل الغطاء الداخلي وسقطت منه ورقة مطوية بعناية، كانت جزءا من سجل حسابات يحمل توقيعات فؤاد السيوفي وأرقام حوالات كبيرة سحبت قبل الحريق بأيام، وفي أسفلها كتب سالم بخط صغير أنها نسخة من الدفتر الأصلي، والدليل على الاختلاس، وضعت مريم يدها على فمها، بينما بقيت ليلى تحدق في توقيع زوجها الراحل، ولم تبك هذه المرة، فقد كان الألم أعمق من الدموع وأكثر برودة منها.

الاسم الثاني في الصندوق

هم نبيل بإغلاق الصندوق، لكن نجيب لاحظ ورقة صغيرة عالقة تحت البطانة المخملية، فسحبها ليظهر عنوان مكتوب بقلم رصاص: عائلة سالم رشوان، الإسكندرية، شارع الميناء القديم، وتحت العنوان جملة قصيرة كتبها الحاج يوسف: وصلني خبر سالم سنة تسعة وسبعين وتسعمئة وألف، مات في حادث سفينة، وترك زوجة وطفلا اسمه آدم.

ارتفعت عينا ليلى نحو نجيب، وقالت مريم بسرعة: هل تظنين أن له عائلة؟ أجابت ليلى: لا أظن، يبدو أنه حاول أن يعيش بعدما انتهى انتظاره، تحسست صورة شبابها، ثم أضافت بصوت واهن: ويبدو أن الماضي لم ينته من انتظارنا.

الابن الذي ورث العار

لم يكن العنوان القديم موجودا على الخرائط الحديثة، لكن نجيب استعان بسجلات البريد حتى عثر على اسم آدم سالم رشوان في ضاحية قريبة من الميناء، حيث كان يدير مكتبة صغيرة لبيع الكتب المستعملة، تقع في شارع ضيق تملؤه رائحة البحر والسمك المشوي.

عندما دخل نجيب وليلى ومريم، كان آدم يرتب صناديق الكتب قرب الباب، بدا في أواخر الخمسينيات، عريض الكتفين، رمادي الشعر، وله عينان تحملان الملامح نفسها التي ظهرت في صورة سالم القديمة الموجودة في أرشيف الصحف، رفع رأسه وقال: هل أستطيع مساعدتكم؟ تقدمت ليلى خطوة لكن صوتها اختفى، فتكلم نجيب: جئنا بشأن والدك، تجمد آدم في مكانه، وسقط كتاب من يده وارتطم بالأرض.

حكاية أخرى للرسالة نفسها

أغلق آدم المكتبة وجلس معهم في الغرفة الخلفية، حيث علقت على الجدار صورة لرجل شاب يقف أمام سفينة تجارية، أشارت ليلى إلى الصورة وسألت رغم معرفتها بالإجابة: هذا سالم؟ قال آدم: نعم، ثم نظر إليها طويلا وكأن وجهها أيقظ اسما سمعه في طفولته، وقال: أنت ليلى، أليس كذلك؟

شهقت مريم، بينما أغمضت ليلى عينيها، تابع آدم: أبي كان يحتفظ بصورة لك، وقالت أمي إنه ظل ينتظر عند محطة الإسكندرية شهرا كاملا قبل أن يقرر السفر، أخرجت ليلى الرسالة، ووضعها نجيب أمامه، فقرأ آدم السطور بصمت وبدأ فكه يرتجف كلما تقدم في الكلمات، وحين انتهى انحنى فوق الطاولة وأخفى وجهه بكفيه، ثم قال بعد وقت: عشت عمري كله وأنا ابن رجل يصفه الناس باللص، تركت المدرسة بسبب ما كانوا يقولونه، وغيرت المدينة، ورفضت أن أضع اسم أبي على لافتة المكتبة.

رفع وجهه وكانت عيناه حمراوين، وقال: كان يستطيع أن يخبرني بالحقيقة، قالت ليلى: ربما ظن أن الحقيقة ماتت حين لم أصل إليه، فتح آدم درجا أسفل الطاولة، وأخرج ظرفا أبيض حديثا نسبيا، دفعه نحوها وقال: الحقيقة لم تمت، لكنها كانت خائفة مثلكم جميعا.

اعتراف فؤاد السيوفي

كان الظرف يحمل اسم فؤاد السيوفي، وتاريخا يعود إلى خمسة عشر عاما مضت، أوضح آدم أن رجلا مجهولا أرسله إلى المكتبة قبل وفاة فؤاد بثلاث سنوات، لكنه لم يفتحه لأنه اعتقد أنه محاولة جديدة لإذلال عائلته، ناول الظرف إلى مريم وقال: افتحيه أنت، هذا خط جدك على ما أظن.

مزقت مريم الحافة، وأخرجت ورقة واحدة كثيفة الكتابة، وقرأتها بصوت خافت، كتب فؤاد: إلى ابن سالم رشوان، لا أعرف اسمك لكنني أعلم أنك موجود، أنا الرجل الذي سرق مال عائلة ليلى وأحرق المخزن واتهم أباك، فعلت ذلك لأنني كنت غارقا في الديون، ولأنني أردت ليلى ولم أحتمل أن تختاره.

توقفت مريم، فقال آدم: تابعي، ابتلعت ريقها وأكملت: اعترض رجال كنت أستخدمهم طريقه إلى المحطة، وضربوه، ثم أجبرته على الرحيل بعدما هددته بعائلة ليلى، بعد سنوات علمت أنه مات في البحر، وعرفت أنني لم أسرق ماله فقط، بل سرقت اسمه وحياته، لم أملك شجاعة الاعتراف علنا، أرسل إليك هذا لأن الموت يقترب، ولأنني أخشى أن أحمل الكذبة معي.

وفي نهاية الرسالة كتب فؤاد مكانا أخفى فيه الدفتر الأصلي وسندات الملكية التي اشتراها بأموال عائلة ليلى، وكان المكان قبو المنزل القديم في حارة النخيل، أسفل البلاطة الثالثة قرب شجرة الليمون، لكن المنزل لم يعد موجودا، فقد بنيت فوق أنقاضه عيادة مريم.

ما أخفاه القبو تحت العيادة

وصلوا إلى العيادة بعد الغروب، وقد هدأ المطر لكن الغيوم بقيت منخفضة كأنها سقف أسود فوق المدينة، أغلقت مريم أبواب العيادة، وأرسلت الموظفين إلى بيوتهم، ثم قادتهم إلى الفناء الخلفي حيث بقيت شجرة ليمون عجوز محاصرة بين الجدران الحديثة، قالت: أبي رفض قطعها حين بنينا العيادة، قال إن جدتي زرعتها وهي صغيرة.

تقدمت ليلى ولمست الجذع المتشقق، فقد كانت الشجرة الشيء الوحيد الذي بقي من بيت شبابها، وقد انحنت أغصانها فوق رأسها كما لو أنها تعرفها، أحضر آدم مطرقة وأزميلا، وبدأ يكسر البلاط قرب الجذور، بينما كان نجيب يحمل المصباح ومريم تزيح القطع المكسورة، بعد نصف ساعة اصطدم الأزميل بسطح معدني، فحفروا حوله حتى ظهر صندوق حديدي صغير أكل الصدأ جوانبه لكنه بقي محكم الإغلاق.

ثروة بنيت فوق جريمة

فتح آدم الصندوق بقوة، فوجدوا داخله دفتر حسابات جلديا، وعدة عقود ملكية، وأوراقا مصرفية مختومة، تبين أن فؤاد اشترى بأموال والد ليلى أراضي واسعة قرب الميناء، ثم سجلها بأسماء شركات تابعة له، انتقلت ملكية تلك الأراضي لاحقا إلى أبنائه ثم إلى الأحفاد، وكانت العيادة التي تملكها مريم وجزء كبير من أملاك العائلة ناتجا مباشرا عن تلك الأموال.

جلست مريم على الأرض، ووضعت الدفتر فوق ركبتيها، وقالت: كل ما أملكه بدأ بسرقة، أجاب آدم بصلابة: وكل ما فقدناه بدأ بالكذبة نفسها، نهضت ليلى بينهما، وبدا جسدها الضعيف فجأة أكثر ثباتا من كليهما، وقالت: لن يعيد المال أباك، ولن يعيد إلي السنوات، لكنه يستطيع أن يمنع الكذبة من أن تورث إلى جيل آخر، نظرت إلى مريم ثم إلى آدم وأضافت: سنعلن الحقيقة كاملة، وسنعيد اسم سالم قبل أن نتحدث عن الأملاك.

خفض آدم عينيه إلى صورة أبيه التي أحضرها معه، وللمرة الأولى لم يكن ينظر إلى وجه رجل متهم، بل إلى وجه رجل ضحى بكل شيء كي يحمي امرأة لم تعرف أنها كانت محمية.

الاتفاق الذي لم يطلبه أحد

في الأسابيع التالية انتشرت القصة في الصحف المحلية بعد تسليم الرسائل والسجلات إلى النيابة ومؤرخ المدينة، أعيد فتح ملف الحريق بصورة رمزية، وأعلن رسميا أن سالم رشوان لم يكن مسؤولا عن السرقة أو الحريق، وأن الأدلة التاريخية تثبت تورط فؤاد السيوفي.

تنازلت مريم عن نصف قيمة الأراضي المتبقية لصالح آدم وأخته التي عثروا عليها لاحقا في كندا، وأصرت على إنشاء صندوق تعليمي باسم سالم رشوان لأبناء العمال الفقراء، رفض آدم في البداية أن يأخذ شيئا، وقال إن أباه كان يحتاج إلى اسمه لا إلى مال جاء متأخرا، لكن ليلى أجابته: المال ليس ثمنا لأبيك، ولا يمكن أن يكون، هو فقط شيء ضل طريقه كما ضلت الرسالة، وحان وقت إعادته إلى أصحابه.

وافق آدم بشرط أن تتحول العيادة إلى مؤسسة علاجية غير ربحية تحمل اسم سالم وليلى معا، اعترضت ليلى حين سمعت الاقتراح، ثم ابتسمت للمرة الأولى منذ أن عرفها نجيب، وكانت ابتسامتها ضعيفة لكنها أضاءت وجهها كما تضيء نافذة وحيدة بيتا مهجورا.

الرسالة الأخيرة التي وصلت في موعدها

بعد ثلاثة أشهر، دعي نجيب إلى افتتاح المؤسسة الجديدة، أزيل اسم السيوفي من الواجهة، وثبتت لافتة نحاسية كتب عليها مؤسسة سالم وليلى للرعاية والتعليم، وقف آدم إلى جوار مريم عند الباب يتحدثان مع الصحفيين دون عداء، بينما جلست ليلى تحت شجرة الليمون مرتدية الشال الأزرق نفسه.

اقترب منها نجيب وسلمها صندوقا صغيرا، فقالت مبتسمة: هل وجدت رسالة أخرى خلف الخزانة؟ أجاب: لا، هذه رسالة وصلت اليوم، ومسجلة هذه المرة كما يجب، فتحت الصندوق فوجدت ساعة سالم الفضية بعد أن أصلحها آدم، ونقش على غطائها الداخلي كلمات قليلة تقول: وصلت رسالتك يا أبي، ولو بعد غيابك.

ضمت ليلى الساعة إلى صدرها، وانسابت دموعها بهدوء، وقالت: ظننت أن أسوأ ما يمكن أن يحدث للرسالة هو ألا تصل، جلس نجيب بجوارها وسأل: وما الأسوأ؟ نظرت إلى آدم ومريم وهما يقفان معا تحت اللافتة الجديدة، وأجابت: أن تصل الحقيقة في وقت لا يملك فيه الناس شجاعة تغيير ما بنوه فوق الكذبة.

رن جرس الساعة بعد إصلاحه، خافتا ونقيا، فرفعت ليلى وجهها إلى شجرة الليمون، وكانت أول زهرة بيضاء قد تفتحت فوق أحد الأغصان رغم برودة الشتاء، في تلك الليلة عادت إلى دار المسنين ونامت والساعة تحت وسادتها، وعند الفجر وجدتها الممرضة ساكنة الملامح، وعلى شفتيها بقايا ابتسامة صغيرة، بينما توقفت عقارب الساعة عند الدقيقة ذاتها التي ختم فيها سالم رسالته قبل خمسين عاما.

لم يكن موتها فاجعة كاملة، بل كان أشبه بوصول مسافرة أنهكها الوقوف طويلا على رصيف محطة، ثم سمعت أخيرا صوت القطار الذي ظنت أنه لن يأتي.

بعض الرسائل تختار زمنها

عاد نجيب بعد أيام إلى مخزن البريد، ودفع الخزانة القديمة مرة أخيرة قبل أن ينقلها العمال إلى الخارج، لم يجد خلفها رسالة أخرى، بل مستطيلا نظيفا على الحائط، يشهد بأن شيئا ظل مختبئا هناك نصف قرن، يحفظ سرا أثقل من الغبار، أغلق المخزن، وعلق المفتاح في لوحة المبنى القديم، ثم سار نحو الشارع وهو يتأمل حقائب السعاة الشبان الممتلئة بالأظرف والطرود.

فكر أن الناس يظنون أن الرسائل مجرد كلمات تسافر من يد إلى يد، لكن بعضها يحمل بيتا لم يبن، أو زواجا لم يحدث، أو اسما عاش ملوثا، أو ابنا أمضى عمره يدافع عن صمت أبيه، لم تستطع رسالة سالم أن تعيد الشباب إلى ليلى، ولم تستطع أن تمنحه الحياة التي سرقت منه، لكنها منعت الكذبة من أن تعيش جيلا آخر.

فالحقيقة، مهما تأخر وصولها، لا تفقد عنوانها تماما، بل تبقى واقفة خلف أبواب الزمن، صابرة كرسول يعرف أن مهمته لن تنتهي إلا حين يضع الأمانة في اليد التي خلقت لتتلقاها.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.