عندما دقَّ جرس الموت للمرة السابعة في صباح واحد، لم يخرج أحد من بيوت قرية أورين ليرى الجثمان الجديد، فقد أصبح الموت مألوفًا كصوت الريح، وصارت النوافذ المغلقة أشبه بجفون تخشى أن ترى ما حلَّ بالعالم.
كان الضباب الأخضر ينساب بين الأزقة مثل زاحف سام، يلتف حول الأبواب الخشبية، ويتسلل من الشقوق إلى صدور النائمين، تاركًا على جلودهم عروقًا سوداء تتفرع ببطء كجذور نبات جائع.
وفي الساحة القديمة، وقف خمسة غرباء حول بئر جفَّ ماؤها، يستمعون إلى عجوز عمياء تزعم أن وراء الجبال شجرة أسطورية، وأن ورقة واحدة منها تستطيع شفاء أي مرض صنعه السحر.
لكن العجوز لم تخبرهم أن شجرة الحياة لا تمنح أوراقها لأحد، بل تختار دائمًا ما تأخذه في المقابل.
القرية التي بدأت تنسى صوت الضحك
لم يكن الوباء يشبه حمى يعرفها الأطباء، فقد كان يبدأ بحلم واحد يتكرر لدى المصاب؛ يرى فيه شجرة ضخمة تحترق تحت سماء بلا نجوم، ثم يستيقظ ولسانه مغطى بطعم الرماد.
بعد الحلم بثلاثة أيام، تتصلب أطرافه وتظهر تحت جلده خطوط داكنة، وفي اليوم السابع يتوقف قلبه بينما تظل عيناه مفتوحتين، محدقتين في شيء لا يراه الأحياء.
أطلق أهل القرية على المرض اسم تعفّن الروح، لأن الأجساد لم تكن تتحلل بعد الموت، بل تتحول تدريجيًا إلى خشب أسود تنبعث منه رائحة المطر القديم.
الغرباء الخمسة
كان أول الواقفين حول البئر سالم، صيادًا عريض الكتفين، يحمل قوسًا مصنوعًا من قرن وحش جبلي، وقد وصل إلى أورين قبل شهر بحثًا عن شقيقته التي اختفت في الطرق الشمالية.
إلى جواره وقفت ليان، ساحرة شابة ذات شعر نحاسي وعينين بلون الجمر المطفأ، تخفي كفيها بقفازات جلدية كي لا يرى أحد العلامات الزرقاء التي خلفها سحر محرَّم.
أما الثالث فكان نادر، لصًا نحيلًا سريع الابتسام، تتدلى من حزامه مفاتيح لا يعرف أحد الأبواب التي تفتحها، وكان يؤكد أن سرقته الوحيدة الفاشلة هي التي لم يحاول القيام بها بعد.
الرابعة كانت ميرا، معالجة من بلاد الساحل، تفوح من ثيابها رائحة الأعشاب والملح، وقد أمضت الليالي السابقة تحاول إنقاذ الأطفال دون أن تنجح في إبطاء المرض إلا ساعات قليلة.
أما الخامس، هارون، فكان جنديًا سابقًا يجر خلفه ساقًا مصابة، ويضع فوق صدره قلادة نحاسية تحمل اسم ابنة ماتت منذ أعوام، لكنه ظل يتحدث إليها كلما اشتد عليه الخوف.
قالت العجوز العمياء، وهي تحرك رأسها نحوهم كأنها تراهم من وراء عينيها البيضاوين:
أنتم لستم أبطالًا، وهذه أفضل ميزة فيكم.
الأبطال يذهبون إلى الموت وهم يظنون أن العالم مدين لهم بالنجاة.
ابتسم نادر ساخرًا وقال:
ونحن ماذا نظن؟
أجابته العجوز بصوت خافت:
أن العالم لا يعرف أسماءكم أصلًا.
أسطورة شجرة الحياة وثمن الورقة الأخيرة
كان اسم العجوز سيدة الرماد، ولم يتذكر أحد متى وصلت إلى القرية، غير أن أقدم الشيوخ كانوا يقولون إنها كانت عجوزًا حين كانوا أطفالًا، وإن صوتها لم يتغير منذ ذلك الحين.
أخرجت من ثيابها قطعة لحاء فضية، محفورًا عليها رسم لجبل مشقوق تتوسطه شجرة ذات سبعة فروع، ومدتها نحو ليان.
ما إن لمست الساحرة اللحاء حتى انطفأت جميع المشاعل المحيطة بالبئر، وارتفع من عمقها الجاف صوت يشبه خفق أجنحة ضخمة.
قالت ليان، وقد ارتعشت أصابعها:
هذه ليست خريطة عادية.
لقد كُتبت بدم كائن قديم.
أومأت سيدة الرماد قائلة:
ستقودكم إلى وادي الجذور، خلف جبل العواء.
هناك تنمو شجرة الحياة، إن كانت لا تزال راغبة في أن يجدها أحد.
سألت ميرا:
وكم ورقة نحتاج؟
أجابت العجوز:
ورقة واحدة تُغلى في ماء جارٍ، ثم يُرش ماؤها عند منبع القرية.
سيختفي المرض من كل جسد لم يبتلعه الموت بعد.
تنفس سالم بعمق، وكأن الجواب منح صدره نافذة صغيرة، غير أن العجوز أضافت:
لكن لا تقطفوا الورقة الأخيرة.
ساد صمت ثقيل، ثم قال هارون:
كيف نعرف أنها الأخيرة؟
رفعت العجوز وجهها إلى السماء الرمادية، وابتسمت ابتسامة لم يكن فيها شيء من الطمأنينة.
حين تصلون إليها، ستعرفون.
وعد تحت جرس الموت
قبل الغروب، تجمع القرويون في الساحة دون هتاف أو وداع، فقد أنهكهم الحزن حتى صار الرجاء نفسه مجهودًا لا يقدرون عليه.
اقترب طفل صغير من ميرا، وكانت العروق السوداء قد بلغت عنقه، ووضع في يدها حصانًا خشبيًا مكسور الساق.
قال بصوت متقطع:
أعيديه إليَّ عندما أشفى.
انحنت ميرا وقبضت على اللعبة، ثم وعدته بالعودة، رغم أنها كانت تعرف أن جسده ربما لا ينتظرها أكثر من يومين.
وقف سالم أمام بوابة القرية، وحدق في الطريق الحجري الممتد نحو الجبال، ثم قال للآخرين:
لسنا أصدقاء، ولا يثق أحد منا بالآخر، لكن القرية لن تنجو إلا إذا عدنا جميعًا.
قهقه نادر وهو يشد حقيبته:
كلمات جميلة من رجل يحمل قوسًا ويوجه ظهره نحوي.
رد سالم دون أن يلتفت:
أنا لا أوجه ظهري إليك.
أنا أمنحك فرصة لتثبت أنني أخطأت في الحكم عليك.
دق الجرس للمرة الثامنة، فانطلق الخمسة قبل أن يعرفوا اسم الضحية الجديدة.
جبل العواء والطريق الذي يلتهم المسافرين
استغرق الوصول إلى سفح جبل العواء يومًا كاملًا، وكانت الأرض تزداد برودة كلما ابتعدوا عن أورين، رغم أن فصل الصيف لم يكن قد انتهى.
عند المساء، ظهرت أمامهم أعمدة حجرية مائلة، نُقشت عليها وجوه بشرية بأفواه مفتوحة، وكلما هبت الريح عبرها انطلق عواء طويل يشبه صراخ جيش مدفون.
قال هارون وهو يمرر يده فوق أحد النقوش:
هذه ليست تماثيل.
اقتربت ليان، وكشفت قفازها للحظة، ثم وضعت كفها على الحجر، فاشتعلت العلامات الزرقاء تحت جلدها.
سحبت يدها فجأة وقالت:
كانوا بشرًا.
شيء ما حوّلهم إلى صخر وهم أحياء.
ابتعد نادر عن الأعمدة وقال:
أقترح أن نتوقف عن لمس الأشياء التي كانت تصرخ في حياة سابقة.
الذئاب ذات الوجوه البشرية
في منتصف الليل، بينما احتمى المسافرون داخل شق صخري، سمع سالم وقع أقدام خفيفة تدور حول معسكرهم، منتظمة أكثر من أن تكون لحيوان عادي.
رفع قوسه، وأشار للجميع بالصمت، ثم ظهرت بين الضباب عيون صفراء على ارتفاع منخفض، تبعتها أجساد ذئاب هزيلة مغطاة بجلد شبه شفاف.
لكن رؤوس تلك المخلوقات لم تكن رؤوس ذئاب، بل وجوهًا بشرية مشوهة، أفواهها ممتدة حتى الأذنين، وأسنانها تبرز من بين شفاه دامية.
همس هارون:
جنود الحملة الملكية المفقودة.
اندفعت المخلوقات دفعة واحدة، فغرس سالم سهمًا في عين أولها، بينما رسمت ليان دائرة نارية انفجرت عند مدخل الشق، ناشرة رائحة شعر محترق.
قفز أحد الذئاب فوق اللهب وانقض على ميرا، غير أن نادر اندفع بينهما، وطعن المخلوق بمفتاح فضي طويل كان يخفيه في حزامه.
صرخ الوحش بصوت رجل عجوز:
أعيدوا إلينا أسماءنا!
تجمد نادر في مكانه، فعضه المخلوق في كتفه قبل أن يهوي هارون بسيفه على عنقه.
بعد انتهاء الهجوم، بقيت الأجساد ترتجف فوق الأرض، ثم خرجت من أفواهها همسات متداخلة، تردد أسماء عشرات الرجال والنساء.
جلست ميرا إلى جوار نادر، ونظفت جرحه، بينما قال لها وهو يراقب الدم الأسود على قطعة القماش:
أخبريني أن العضة لا تحولني إلى واحد منهم.
قالت دون أن تنظر في عينيه:
لن تتحول الليلة.
ضحك بخفوت:
أقدر دقتك في اختيار الكلمات.
الغابة المحرمة ونداءات الراحلين
وراء قمة الجبل، انفتحت الأرض على غابة لم تظهر في أي خريطة، تتشابك أشجارها حتى تحجب السماء، وتتدلى من أغصانها خيوط فضية تنبض كالعروق.
ما إن دخلوا بين الأشجار حتى اختفى صوت الريح، ثم اختفت أصوات خطواتهم أيضًا، كأن التراب اللين يبتلع كل أثر لوجودهم.
كانت الجذوع مغطاة بعيون صغيرة مغلقة، تفتح واحدة تلو الأخرى كلما مروا بقربها، وتتابعهم بصمت بحدقات خضراء لامعة.
قالت ليان:
الغابة تشعر بنا.
أجاب سالم:
هل تراقبنا فقط؟
نظرت إلى الأشجار من حولها وقالت:
لا.
إنها تتذكرنا.
أصوات لا ينبغي الإجابة عنها
مع حلول الظلام، بدأ كل واحد منهم يسمع صوتًا مختلفًا يناديه من أعماق الغابة.
سمع سالم صوت شقيقته ريم تستغيث، وتخبره أنها عالقة خلف الأشجار منذ أشهر، وأنها تستطيع رؤية ضوء مصباحه.
سمعت ميرا صوت الطفل الذي منحها الحصان الخشبي، يبكي ويطلب منها الإسراع، بينما سمع هارون ضحكة ابنته الراحلة تتردد خلف جذع أبيض.
أما نادر، فسمع صوت أمه التي ماتت عندما كان صغيرًا، تغني له الأغنية التي نسي كلماتها منذ سنوات، فبدأ يسير نحو الصوت دون وعي.
أمسكت ليان بذراعه بعنف وقالت:
لا تجب.
نظر إليها، وكانت الدموع تملأ عينيه رغم ابتسامته.
وماذا سمعتِ أنت؟
ترددت قبل أن تقول:
صوتي أنا.
لم يطلب أحد منها تفسيرًا، لكن العلامات الزرقاء في كفيها أضاءت بقوة، كأن شيئًا في الغابة عرف سرها وبدأ يناديه.
واصلوا السير وهم يربطون معاصمهم بحبل واحد، حتى لا ينفصل أحدهم عن الآخرين إذا أغرته الأصوات.
وعند الفجر، توقف الحبل فجأة عن الحركة خلف سالم، فالتفت ليجد هارون واقفًا أمام شجرة بيضاء، يمد يده نحو فتاة صغيرة تجلس بين الجذور.
كانت الفتاة ترتدي ثوبًا أزرق، وتحمل القلادة النحاسية نفسها التي يضعها هارون على صدره.
قالت له:
تأخرت يا أبي.
ارتجف جسده كله، وانزلق السيف من يده.
صرخت ميرا:
إنها ليست ابنتك!
لكن هارون تقدم خطوة أخرى، ففتحت الفتاة فمها، وامتد منه لسان أسود طويل التف حول عنقه.
أطلق سالم سهمًا قطع اللسان، بينما جذبه نادر بالحبل إلى الخلف، فانشق وجه الفتاة كقشرة ثمرة فاسدة، وخرجت منه كتلة من الحشرات البيضاء.
ظل هارون راكعًا على الأرض بعد نجاته، يحدق في القلادة بين أصابعه.
قال بصوت مبحوح:
عرفت أنها ليست ابنتي.
سألته ميرا:
لماذا اقتربت إذن؟
أجابها وهو يغلق قبضته:
لأنني أردت، ولو للحظة، أن أخطئ.
بوابة الجذور والحارس بلا وجه
في قلب الغابة، وجدوا جدارًا هائلًا من الجذور المتشابكة، يرتفع عشرات الأمتار، ويتوسطه باب دائري من خشب أسود لا يحمل مقبضًا أو قفلًا.
فوق الباب نُقشت عبارة بلغة قديمة، وما إن اقتربت ليان حتى تحركت الحروف على الخشب كديدان صغيرة، ثم استقرت في كلمات استطاعت قراءتها.
قالت:
لا يعبر من يحمل حياة واحدة.
ضحك نادر رغم الألم في كتفه:
ممتاز.
لغز غامض أمام باب مخيف.
ينقصنا فقط هيكل عظمي يقدم النصائح.
انفصلت الجذور خلفهم فجأة، وخرج منها مخلوق طويل يرتدي عباءة من أوراق يابسة، ولم يكن لوجهه عينان أو أنف، بل سطح أملس يتوسطه شق ضيق مكان الفم.
رفع المخلوق يده، فتجمدت أقدامهم داخل الأرض، وصعدت الجذور حول سيقانهم كالأفاعي.
خرج صوته من كل الأشجار المحيطة:
أيكم يحمل أكثر من حياة؟
قالت ميرا:
لا أحد يحمل إلا حياته.
تحول رأس الحارس نحوها وقال:
المعالجة تحمل حياة كل من فشلت في إنقاذه.
ثم أشار إلى سالم:
والصياد يحمل حياة من تركها خلفه.
وأشار إلى هارون:
والجندي يحمل حياة من قتلهم، وحياة من ماتت وهو بعيد.
عندما أشار إلى نادر، ارتجفت الجذور تحت قدميه:
واللص يحمل أسماءً سرقها قبل أن يسرق الذهب.
أخيرًا، توقف أمام ليان:
أما الساحرة فتحمل حياة لا تخصها.
ساد الصمت، وحدق الجميع فيها.
السر المختبئ تحت جلد الساحرة
نزعت ليان قفازيها، فظهرت العلامات الزرقاء ممتدة من أصابعها إلى ساعديها، تتحرك تحت جلدها مثل برق محبوس.
قالت بصوت متماسك:
قبل سنوات، كنت تلميذة لدى ساحر يُدعى داريم.
حاول استدعاء روح من العالم السفلي، وحين فشل الطقس، دخلت الروح في جسدي.
تراجع هارون خطوة، ووضع يده على سيفه.
تابعت:
إنها نائمة معظم الوقت، لكنها تمنحني القوة التي رأيتموها.
وكل مرة أستخدمها، تستيقظ أكثر.
قال سالم:
وهل المرض في أورين مرتبط بها؟
خفضت ليان عينيها:
لا أعرف.
تدخل الحارس بصوته الذي اهتزت له الأشجار:
الكذب جذر لا يختبئ تحت التراب.
انطفأت العلامات في ذراعي ليان، ثم اشتعلت فجأة بلون أسود، وخرج من فمها صوت آخر أعمق من صوتها:
أنا أعرف.
اندفع الآخرون بعيدًا، بينما ارتفع جسد ليان قليلًا عن الأرض، والتف شعرها حول وجهها كدخان مظلم.
قال الصوت من داخلها:
المرض يبحث عن الشجرة، وأنا كنت بوابته إلى هذه الأرض.
ارتسمت الدهشة على وجوههم، لكن ليان صرخت من بين الكلمات:
لم أكن أعلم أنه سيتبعني إلى القرية!
قال سالم بحدة:
جئتِ إلى أورين وأنت تحملين هذا الشيء داخلك؟
أجابته والدموع تنساب على وجهها:
جئت لأنني سمعت عن المعالجين هناك.
كنت أبحث عن علاج قبل أن أؤذي أحدًا.
اقترب الحارس، ومد إصبعًا طويلًا نحو صدرها.
تعبرون إن حملت الساحرة الحياة الأخرى طوعًا، لا كسجن، بل كقربان.
سألت ميرا:
ماذا يعني ذلك؟
فتح الباب الدائري ببطء، وانبعث من خلفه ضوء ذهبي دافئ.
قال الحارس:
يعني أن الشجرة ستقرر أي الحياتين تستحق البقاء.
وادي الحياة تحت السماء المدفونة
عبر الخمسة البوابة، فوجدوا أنفسهم على حافة وادٍ واسع لا تصل إليه شمس، ومع ذلك كان مضيئًا بنور يخرج من النباتات والصخور ومياه الجداول.
فراشات زجاجية حلقت فوق رؤوسهم، وأسماك صغيرة سبحت في الهواء كما لو كان ماءً، بينما ارتفعت من الأرض رائحة التراب بعد المطر ممزوجة بعطر الزهور البرية.
وفي منتصف الوادي، وقفت شجرة لا يمكن وصف حجمها بمقاييس البشر، فجذعها أعرض من ساحة القرية، وأغصانها تمتد حتى تضيع داخل ضباب ذهبي.
كانت أوراقها تشع بألوان مختلفة؛ بعضها أخضر زمردي، وبعضها فضي أو أزرق، وكل ورقة تنبض ببطء كقلب صغير.
شعر نادر بحرارة تنبعث من كتفه المصاب، وحين كشف الجرح وجد آثار العضة تتراجع أمام ضوء الشجرة.
همست ميرا:
إنها حقيقية.
لكن سالم لم ينظر إلى الأوراق، بل إلى الجذور المحيطة بالجذع، فقد كانت بينها وجوه بشرية نائمة، آلاف الوجوه المنغمسة في الخشب.
شقيقته بين الجذور
اقترب سالم ببطء، ثم توقف أمام وجه يعرفه أكثر من وجهه هو.
كانت شقيقته ريم محبوسة داخل الجذر، عيناها مغمضتين وشفتيها تتحركان كأنها تحلم.
اندفع نحوها وضرب الخشب بقبضتيه، فنادته ميرا، لكنه لم يسمع سوى صوت الدم في أذنيه.
ظهرت امرأة طويلة من خلف الجذع، ترتدي ثوبًا من زهور بيضاء، وكان شعرها يمتد حتى الأرض ويتحول عند أطرافه إلى جذور دقيقة.
لم تكن عجوزًا ولا شابة، وكانت ملامحها تتبدل كلما نظروا إليها؛ مرة تشبه أمًا، ومرة طفلة، ومرة جثة مبتسمة.
قالت:
أنا ذاكرة الشجرة، وحارسة ما تعطيه وما تأخذه.
أشار سالم إلى شقيقته:
أطلقي سراحها.
أجابت الحارسة:
جاءت تبحث عن ورقة قبل شهور.
حاولت أخذها دون أن تقدم ثمنًا، فصارت جزءًا من الجذور التي تحفظ التوازن.
رفع سالم قوسه:
سآخذها ولو أحرقت الوادي كله.
تحركت الأغصان فوقهم، وتساقط منها غبار مضيء كثلج ذهبي.
قالت الحارسة بهدوء:
كل من هدد الشجرة قال الكلمات نفسها.
وهم الوجوه التي تقف فوقها الآن.
الورقة الأخيرة والاختيار المستحيل
أشارت الحارسة إلى غصن منخفض، فلم يكن عليه سوى ورقة واحدة حمراء تتوهج كقطعة من شمس الغروب.
قالت:
هذا هو العلاج الذي جئتم من أجله.
حدقت ميرا في الورقة ثم سألت:
هل هي الورقة الأخيرة؟
ابتسمت الحارسة، وفي ابتسامتها حزن عمره أطول من الجبال.
إنها آخر ورقة تستطيع شفاء السحر.
إذا قُطفت، ستفقد الشجرة قوتها، وسيبدأ كل سحر قديم سجنه هذا الوادي بالعودة إلى العالم.
قال هارون:
وإذا تركناها، تموت القرية.
نعم.
قال سالم وهو يشير إلى ريم:
وإذا أخذناها، ماذا يحدث للمحبوسين في الجذور؟
يموتون مع الشجرة ببطء.
لم يعد الاختيار بين قرية وشجرة، بل بين مئات الأرواح وآلاف الأرواح الأخرى، بين موت يعرفونه وكوارث لا يستطيعون تخيلها.
اقتربت ليان من الورقة، وكانت العلامات السوداء قد غطت ذراعيها حتى كتفيها.
قال الصوت الآخر من داخلها:
اقطفيها.
دعيني أخرج، وسأمنحكم قوة لا تحتاج إلى أشجار.
صرخت ليان وسقطت على ركبتيها، بينما بدأ ظلها يتمدد فوق الأرض مستقلًا عن جسدها.
المعركة داخل روح واحدة
انشق الظل وارتفع منه مخلوق له قرنان وأجنحة من دخان، ظل نصفه متصلًا بظهر ليان بخيوط سوداء نابضة.
اندفع سالم بسهم، لكنه مر عبر جسد المخلوق، بينما حاول هارون قطعه بالسيف، فانفجرت حوله موجة ألقت به بين الجذور.
صرخت الحارسة:
الروح تريد الورقة، لأنها إن ابتلعتها صارت أقوى من الشجرة نفسها.
فتحت الروح فمها، واندفعت نحو الغصن، لكن نادر قفز وتعلق بها رغم أن أصابعه عبرت الدخان واحترقت جلده.
صاح:
ليان! أنت من يحملها، فلا تجعليها تحملك!
رفعت ليان رأسها، وكانت إحدى عينيها زرقاء والأخرى سوداء.
قالت بصوتها:
لا أستطيع إخراجها.
ردت ميرا وهي تمسك وجهها بين يديها:
لا تحاولي إخراجها.
اجعليها تدفع الثمن.
فهمت ليان ما تعنيه، ونظرت نحو الحارسة.
قلتِ إن الشجرة تقبل حياة في مقابل حياة.
أومأت الحارسة.
وضعت ليان كفيها على صدرها، وغرست أصابعها في العلامات السوداء كأنها تمسك حبالًا داخل جسدها، ثم بدأت تسحب.
صرخت الروح، وارتج الوادي، وتفجرت المياه من الجداول إلى أعلى كأعمدة زجاجية.
كلما سحبت ليان الخيوط، انطفأت العلامات في جزء من جسدها، لكن جلدها شحب، وتسارعت أنفاسها.
قال سالم:
ستقتلين نفسك.
ابتسمت بصعوبة:
كنت أخشى ذلك منذ وصلت إلى قريتكم.
الآن على الأقل سأختار السبب.
انتزع آخر خيط من صدرها، فانفصلت الروح كاملة، واندفعت نحو الورقة الحمراء، لكن جذور الشجرة انفتحت وابتلعتها قبل أن تصل.
اشتعل الجذع بنور أبيض، وارتفعت من أعماقه صرخة جعلت الصخور تتشقق.
ثم بدأت الأوراق كلها تتساقط.
الهدية التي لم تكن ورقة
ركضت ميرا نحو ليان، فوجدتها حية، لكن نبضها ضعيف كرفرفة طائر مبتل.
رفعت الحارسة يدها، فتوقفت الأوراق في الهواء، وتحولت أطرافها إلى خيوط من الضوء تسللت داخل جذع الشجرة.
أما الورقة الحمراء الأخيرة، فقد ذبلت أمام أعينهم وتحولت إلى رماد.
قال هارون:
انتهى كل شيء.
لكن الحارسة انحنت أمام ليان، ووضعت يدها فوق صدرها، فانبثق من موضع قلبها غصن صغير يحمل خمس أوراق ذهبية.
قالت:
الشجرة لا تكافئ التضحية بالموت، بل بالقدرة على الحياة بعده.
قطفت الحارسة إحدى الأوراق الذهبية وسلمتها إلى ميرا.
هذه لا تشفي كل سحر، لكنها تشفي السحر الذي ولد من الروح التي قُدمت قربانًا.
وبذلك تنجو قريتكم دون أن تموت الشجرة.
سأل سالم وهو ينظر إلى شقيقته:
وماذا عنها؟
لامست الحارسة الجذر الذي يحتجز ريم، فتصدع الخشب، وسقطت الفتاة بين ذراعي أخيها وهي تلهث كمن خرج لتوه من ماء عميق.
قالت الحارسة:
حين قُبل قربان صادق، سقط دَين قديم.
تحركت وجوه أخرى داخل الجذور، وفتحت عيونها، لكن الحارسة قالت إن تحريرهم يحتاج إلى تضحيات أخرى، في أزمنة أخرى، من أناس لم يصلوا بعد.
العودة عبر الغابة المتغيرة
حين خرجوا من وادي الحياة، لم تعد الأشجار تناديهم بأصوات موتاهم، بل انحنت أغصانها فوق الطريق كأنها تفتح لهم ممرًا.
اختفت العيون من الجذوع، وتحولت الأعمدة الحجرية عند جبل العواء إلى بشر راقدين، تنفس بعضهم للمرة الأولى منذ قرون.
حمل سالم شقيقته حين عجزت قدماها عن السير، بينما حمل هارون ليان فوق كتفه، وكانت تستيقظ أحيانًا لتسأل إن كان الظلام لا يزال داخلها.
في كل مرة، كانت ميرا تضع يدها فوق قلبها وتقول:
لا أسمع سوى نبضك.
أما نادر، فقد توقف جرحه عن النزيف، لكنه احتفظ بالمفتاح الفضي الملطخ بدم الذئب، وقال إنه قد يحتاجه يومًا لفتح باب لا ينبغي فتحه.
عند اقترابهم من أورين، وجدوا الضباب الأخضر قد غطى أسوار القرية بالكامل، وصار جرس الموت يدق دون توقف، رغم أن أحدًا لم يعد يقوى على سحب حبله.
إنقاذ أورين قبل الدقة الأخيرة
اندفعوا نحو منبع الماء في التلال الشرقية، حيث كان السائل يخرج أسود كثيفًا كالحبر، محاطًا بجثث طيور تحولت أجنحتها إلى أغصان يابسة.
وضعت ميرا الورقة الذهبية داخل وعاء حجري، وسكبت عليها الماء، لكن الورقة لم تذب ولم يتغير لونها.
قالت ليان، وهي بالكاد تقف:
إنها تحتاج إلى سحر الروح التي سببت المرض.
مدت يدها فوق الوعاء، غير أن ميرا أمسكت معصمها.
لقد تخلصتِ منها.
أجابت ليان:
لكن أثرها لا يزال يعرف اسمي.
فتحت جرحًا صغيرًا في راحة يدها، وسقطت قطرة دم فوق الورقة، فاشتعل الماء بلون ذهبي، واندفعت منه رائحة الليمون والمطر.
سكبوا المزيج في المنبع، فارتجت التلال كأن الأرض أخذت نفسًا عميقًا بعد اختناق طويل.
تراجعت المياه السوداء، وانفجرت من الصخور ينابيع صافية، جرت عبر القنوات إلى القرية، فلامست الأبواب والجدران وأقدام المرضى.
داخل البيوت، بدأت العروق السوداء تنسحب من جلود الأطفال، وتفتتت القشور الخشبية عن وجوه الرجال والنساء، وعاد الدفء إلى أطراف ظنوا أنها ماتت.
توقف جرس الموت في منتصف دقته الأخيرة.
بحثت ميرا عن الطفل صاحب الحصان الخشبي، فوجدته على فراشه، ساكنًا وعيناه مغلقتان.
اقتربت منه، ووضعت اللعبة إلى جواره، ثم مدت أصابع مرتجفة نحو عنقه.
فتح الطفل عينيه فجأة وقال:
أصلحتِ ساق الحصان؟
ضحكت ميرا وهي تبكي، وضمت اللعبة إلى صدرها.
في الساحة، خرج أهل أورين من منازلهم واحدًا بعد آخر، يتنفسون الهواء كما لو كانوا يتعلمون التنفس لأول مرة.
لم يصفق أحد للغرباء، ولم يهتف باسمهم، بل اقترب القرويون منهم في صمت، ووضع كل منهم يده على كتف أحد العائدين، وكانت تلك اللمسات أصدق من أي احتفال.
أما سيدة الرماد، فكانت واقفة عند البئر تنتظرهم.
قال سالم:
كنت تعرفين أن ليان تحمل سبب المرض.
أجابت العجوز:
كنت أعرف أنها تحمل نصف السبب.
أما النصف الآخر فكان خوفكم من دفع الثمن.
سألها نادر:
وهل انتهت الحكاية؟
ابتسمت، ثم تحولت أطراف ثيابها إلى رماد حملته الريح.
وقبل أن تختفي، قالت:
حكايات شجرة الحياة لا تنتهي.
إنها فقط تنقل جذورها من قلب إلى آخر.
في صباح اليوم التالي، تدلت من حافة البئر اليابسة ورقة خضراء صغيرة، رغم أن أقرب شجرة كانت تبعد مئات الخطوات.
لم يقطفها أحد.
لم تنقذ القرية قوة ساحر عظيم، ولا شجاعة بطل لا يعرف الخوف، بل أنقذها غرباء مثقلون بالندم والشكوك، اختار كل واحد منهم أن يحمل ضعف الآخر حين عجز عن حمل نفسه.
وقد أدرك أهل أورين بعد ذلك أن الحياة لا تمنح أثمن عطاياها لمن يمد يده إليها فحسب، بل لمن يسأل أولًا عمّا سيحميه بعد أن يأخذ، وعمّن قد يدفع الثمن بعيدًا عن عينيه.
فالأشجار لا تعيش بأوراقها وحدها، وإنما بالجذور التي تتقاسم الظلام في صمت، وكذلك البشر؛ لا ينجو أحد منهم منفردًا، مهما بدا الطريق في بدايته وكأنه لا يتسع إلا لخطوات شخص واحد، قصة فرشاة الأسنان السحرية حكاية مغامرة طفل داخل مملكة الفم ووحوش السوس من هنا.
