شجرة الحياة قصة مثيرة عن قرية ينهشها وباء غامض

الراوي
0

القرية التي نسيت صوت الضحك، حين قرع جرس الموت للمرة السابعة في صباح واحد، لم يخرج أحد من بيوت قرية أورين ليودع الجثمان الجديد، فقد صار الموت أليفا كصوت الريح، وصارت النوافذ الموصدة أشبه بجفون تخشى أن تبصر ما حل بالعالم من حولها.

كان ضباب أخضر يزحف بين الأزقة كأنه كائن سام، يلتف حول الأبواب الخشبية ويتسلل من شقوقها إلى صدور النائمين، تاركا على جلودهم خطوطا سوداء تتشعب ببطء كجذور نبتة جائعة.

في الساحة القديمة وقف خمسة غرباء حول بئر نضب ماؤها، ينصتون إلى امرأة عجوز فقدت بصرها، تروي لهم أن وراء الجبال شجرة أسطورية، وأن ورقة واحدة من أوراقها كفيلة بشفاء أي داء صنعه السحر، لكنها لم تخبرهم أن الشجرة لا تمنح شيئا مجانا، وأنها تختار دوما ما تأخذه ثمنا لعطائها.

لم يكن الوباء حمى يعرفها الأطباء، بل كان يبدأ بحلم واحد يتكرر على المصاب، يرى فيه شجرة هائلة تحترق تحت سماء خالية من النجوم، ثم يصحو ولسانه مطعم بطعم الرماد.

بعد الحلم بثلاثة أيام تتيبس أطراف المصاب، وتعلو تحت جلده خطوط داكنة، وفي اليوم السابع يتوقف قلبه بينما تبقى عيناه مفتوحتين محدقتين في شيء لا يراه الأحياء.

أطلق أهل القرية على الداء اسم تعفن الروح، لأن الأجساد لم تكن تتحلل بعد الموت، بل تتحول رويدا رويدا إلى خشب أسود تفوح منه رائحة مطر قديم.

شجرة الحياة قصة عن قرية ينهشها وباء غامض


الغرباء الخمسة

أول من وقف عند البئر كان سالما، صيادا عريض المنكبين يحمل قوسا مصنوعة من قرن وحش جبلي، وقد وصل إلى أورين قبل شهر بحثا عن أخته التي غابت في الدروب الشمالية.

بجواره وقفت ليان، ساحرة شابة نحاسية الشعر بعينين بلون جمر مطفأ، تخفي كفيها في قفازين جلديين كي لا يرى أحد العلامات الزرقاء التي خلفها سحر محرم.

أما الثالث فكان نادرا، لصا نحيلا سريع الابتسام تتدلى من حزامه مفاتيح لا يعرف أحد الأبواب التي تفتحها، وكان يزعم أن سرقته الوحيدة الفاشلة هي تلك التي لم يقدم عليها بعد.

الرابعة كانت ميرا، معالجة قدمت من بلاد الساحل، تفوح من ثيابها رائحة الأعشاب والملح، وقد أمضت الليالي الماضية تحاول إنقاذ الأطفال دون أن تفلح إلا في تأجيل الموت بضع ساعات.

أما الخامس فكان هارون، جنديا سابقا يجر ساقا مصابة، يحمل على صدره قلادة نحاسية نقش عليها اسم ابنته التي رحلت منذ سنوات، وكان لا يزال يحدثها كلما اشتد به الخوف.

قالت العجوز العمياء وهي تدير رأسها نحوهم وكأنها تراهم من خلف عينيها البيضاوين إنهم ليسوا أبطالا، وإن هذا أفضل ما فيهم، فالأبطال يمضون إلى الموت وهم يظنون أن العالم مدين لهم بالنجاة.

سألها نادر ساخرا عما يظنونه هم إذن، فأجابته بصوت خافت أن العالم لا يعرف أسماءهم أصلا.

أسطورة شجرة الحياة وثمن الورقة الأخيرة

كانت العجوز تعرف باسم سيدة الرماد، ولم يتذكر أحد متى بلغت القرية، غير أن أقدم شيوخها كانوا يقولون إنها كانت عجوزا حين كانوا صغارا، وإن صوتها لم يتبدل منذ ذلك الزمن.

أخرجت من ثيابها قطعة لحاء فضية محفورة برسم جبل مشقوق تتوسطه شجرة ذات سبعة أفرع، ومدتها نحو ليان، فما إن لمستها الساحرة حتى انطفأت المشاعل المحيطة بالبئر، وارتفع من جوفه الجاف صوت يشبه خفق أجنحة ضخمة.

قالت ليان وأصابعها ترتجف إن هذه ليست خريطة عادية، بل كتبت بدم كائن قديم، فأومأت سيدة الرماد وأخبرتها أنها ستقودهم إلى وادي الجذور خلف جبل العواء، حيث تنمو شجرة الحياة إن كانت لا تزال راغبة في أن يعثر عليها أحد.

سألت ميرا كم ورقة يحتاجون، فأجابت العجوز أن ورقة واحدة تغلى في ماء جار ثم يرش ماؤها عند منبع القرية، فيختفي المرض من كل جسد لم يبتلعه الموت بعد.

تنفس سالم بعمق وكأن الجواب فتح نافذة صغيرة في صدره، لكن العجوز أردفت محذرة إياهم من قطف الورقة الأخيرة.

ساد صمت ثقيل قبل أن يسأل هارون كيف سيعرفون أنها الأخيرة، فرفعت العجوز وجهها إلى السماء الرمادية وابتسمت ابتسامة خالية من أي طمأنينة، وقالت إنهم سيعرفون حين يصلون إليها.

وعد تحت جرس الموت

قبل الغروب تجمع القرويون في الساحة دون هتاف أو وداع، فقد أنهكهم الحزن حتى صار الرجاء نفسه عبئا يعجزون عن حمله.

اقترب طفل صغير من ميرا، وقد بلغت العروق السوداء عنقه، ووضع في يدها حصانا خشبيا مكسور الساق، وطلب منها أن تعيده إليه حين يشفى، فانحنت وقبضت على اللعبة ووعدته بالعودة، رغم علمها أن جسده ربما لن ينتظرها أكثر من يومين.

وقف سالم عند بوابة القرية محدقا في الطريق الحجري الممتد نحو الجبال، وقال للآخرين إنهم ليسوا أصدقاء ولا يثق أحدهم بالآخر، لكن القرية لن تنجو إلا إذا عادوا جميعا.

ضحك نادر وهو يشد حقيبته معلقا أن كلاما جميلا كهذا يصدر عن رجل يحمل قوسا موجها نحو ظهره، فرد سالم دون التفات أنه لا يوجه ظهره إليه، بل يمنحه فرصة ليثبت خطأ ظنه فيه.

دق الجرس للمرة الثامنة، فانطلق الخمسة قبل أن يعرفوا اسم الضحية الجديدة.

جبل العواء والطريق الذي يلتهم المسافرين

استغرق الوصول إلى سفح جبل العواء يوما كاملا، وكانت الأرض تزداد بردا كلما ابتعدوا عن أورين رغم أن فصل الصيف لم ينقض بعد.

مع المساء ظهرت أمامهم أعمدة حجرية مائلة نقشت عليها وجوه بشرية بأفواه مفتوحة، وكلما هبت الريح خلالها انطلق عواء طويل يشبه صراخ جيش مدفون.

قال هارون وهو يمرر يده فوق أحد النقوش إن هذه ليست تماثيل، فاقتربت ليان وكشفت قفازها للحظة ووضعت كفها على الحجر، فاشتعلت العلامات الزرقاء تحت جلدها، ثم سحبت يدها فجأة وقالت إنهم كانوا بشرا حولهم شيء ما إلى صخر وهم أحياء.

ابتعد نادر عن الأعمدة مقترحا أن يكفوا عن لمس أشياء كانت تصرخ في حياة سابقة.

الذئاب ذات الوجوه البشرية

في منتصف الليل، وبينما احتموا داخل شق صخري، سمع سالم وقع أقدام خفيفة تدور حول معسكرهم بانتظام يفوق ما يصدر عن حيوان عادي، فرفع قوسه وأشار للجميع بالصمت.

ظهرت بين الضباب عيون صفراء منخفضة تبعتها أجساد ذئاب هزيلة مغطاة بجلد شبه شفاف، لكن رؤوسها لم تكن رؤوس ذئاب، بل وجوها بشرية مشوهة ممتدة الأفواه حتى الأذنين، تبرز منها أسنان بين شفاه دامية.

همس هارون أنهم جنود الحملة الملكية المفقودة، ثم اندفعت المخلوقات دفعة واحدة، فغرس سالم سهما في عين أولها، ورسمت ليان دائرة نارية انفجرت عند مدخل الشق ناشرة رائحة شعر محترق.

قفز أحد الذئاب فوق اللهب منقضا على ميرا، فاندفع نادر بينهما وطعن المخلوق بمفتاح فضي طويل كان يخفيه في حزامه، فصرخ الوحش بصوت رجل عجوز يطالبهم بإعادة أسمائهم إليهم، وتجمد نادر للحظة فعضه المخلوق في كتفه قبل أن يقطع هارون رأسه بسيفه.

بعد انتهاء الهجوم بقيت الأجساد ترتجف على الأرض، وخرجت من أفواهها همسات متداخلة تردد أسماء عشرات الرجال والنساء.

جلست ميرا إلى جوار نادر تنظف جرحه، فسألها وهو يراقب الدم الأسود على القماش أن تؤكد له أن العضة لن تحوله إلى واحد منهم، فأجابته دون أن ترفع عينيها أنه لن يتحول الليلة، فضحك بخفوت مقدرا دقتها في اختيار كلماتها.

الغابة المحرمة ونداءات الراحلين

وراء قمة الجبل انفتحت الأرض على غابة لا تظهر في أي خريطة، تتشابك أشجارها حتى تحجب السماء، وتتدلى من أغصانها خيوط فضية تنبض كالعروق.

ما إن دخلوا بين الأشجار حتى خفت صوت الريح، ثم اختفت أصوات خطواتهم أيضا، وكأن التراب اللين يبتلع كل أثر لوجودهم، وكانت الجذوع مغطاة بعيون صغيرة مغلقة تفتح واحدة تلو الأخرى كلما مروا بقربها، وتتابعهم بحدقات خضراء لامعة.

قالت ليان إن الغابة تشعر بهم، فسألها سالم إن كانت تراقبهم فقط، فأجابت أنها تتذكرهم.

أصوات لا ينبغي الإجابة عنها

مع حلول الظلام بدأ كل واحد منهم يسمع صوتا مختلفا يناديه من أعماق الغابة، فسمع سالم صوت أخته ريم تستغيث وتخبره أنها عالقة خلف الأشجار منذ أشهر وأنها ترى ضوء مصباحه.

سمعت ميرا صوت الطفل صاحب الحصان الخشبي يبكي طالبا منها الإسراع، بينما سمع هارون ضحكة ابنته الراحلة تتردد خلف جذع أبيض، أما نادر فسمع صوت أمه التي رحلت وهو صغير، تغني له أغنية نسي كلماتها منذ سنوات، فبدأ يسير نحو الصوت دون وعي.

أمسكت ليان بذراعه بعنف ومنعته من الإجابة، فسألها عما سمعته هي، فترددت قبل أن تقول إنها سمعت صوتها هي، ولم يطلب منها أحد تفسيرا، لكن العلامات الزرقاء في كفيها أضاءت بقوة، كأن شيئا في الغابة عرف سرها وبدأ يناديه.

واصلوا السير وقد ربطوا معاصمهم بحبل واحد كي لا ينفصل أحدهم إن أغرته الأصوات، وعند الفجر توقف الحبل فجأة خلف سالم، فالتفت ليجد هارون واقفا أمام شجرة بيضاء يمد يده نحو فتاة صغيرة جالسة بين الجذور، ترتدي ثوبا أزرق وتحمل القلادة النحاسية نفسها التي على صدره.

قالت له إنه تأخر يا أبي، فارتجف جسده كله وسقط السيف من يده، وصرخت ميرا أنها ليست ابنته، لكنه تقدم خطوة أخرى، ففتحت الفتاة فمها وامتد منه لسان أسود طويل التف حول عنقه.

أطلق سالم سهما قطع اللسان، وجذبه نادر بالحبل إلى الوراء، فانشق وجه الفتاة كقشرة ثمرة فاسدة وخرجت منه كتلة من الحشرات البيضاء.

ظل هارون راكعا بعد نجاته يحدق في القلادة بين أصابعه، وقال إنه عرف أنها ليست ابنته، فسألته ميرا لماذا اقترب إذن، فأجابها أنه أراد ولو للحظة أن يخطئ.

بوابة الجذور والحارس بلا وجه

في قلب الغابة وجدوا جدارا هائلا من الجذور المتشابكة يرتفع عشرات الأمتار، يتوسطه باب دائري من خشب أسود بلا مقبض ولا قفل، وفوقه عبارة بلغة قديمة تحركت حروفها كديدان صغيرة حين اقتربت ليان، ثم استقرت في كلمات استطاعت قراءتها، تقول إن من يحمل حياة واحدة لا يعبر.

علق نادر ساخرا رغم الألم في كتفه أن اللغز الغامض أمام الباب المخيف لا ينقصه سوى هيكل عظمي يقدم النصائح، وفجأة انفصلت الجذور خلفهم وخرج منها مخلوق طويل يرتدي عباءة من أوراق يابسة، بلا عينين ولا أنف، وسطح وجهه أملس يتوسطه شق ضيق مكان الفم.

رفع المخلوق يده فتجمدت أقدامهم في الأرض، وصعدت الجذور حول سيقانهم كالأفاعي، وخرج صوته من كل الأشجار المحيطة يسألهم من منهم يحمل أكثر من حياة.

قالت ميرا إن لا أحد يحمل إلا حياته، فأجابها أن المعالجة تحمل حياة كل من فشلت في إنقاذه، وأشار إلى سالم قائلا إن الصياد يحمل حياة من تركها خلفه، وإلى هارون قائلا إن الجندي يحمل حياة من قتلهم وحياة من ماتت وهو بعيد، وحين أشار إلى نادر ارتجفت الجذور تحت قدميه إذ يحمل أسماء سرقها قبل أن يسرق الذهب، وأخيرا توقف أمام ليان قائلا إن الساحرة تحمل حياة لا تخصها.

ساد الصمت وحدق الجميع فيها.

السر المختبئ تحت جلد الساحرة

نزعت ليان قفازيها فظهرت العلامات الزرقاء ممتدة من أصابعها إلى ساعديها تتحرك تحت جلدها كبرق محبوس، وقالت إنها كانت قبل سنوات تلميذة لدى ساحر يدعى داريم، حاول استدعاء روح من العالم السفلي، وحين فشل الطقس دخلت الروح جسدها.

تراجع هارون خطوة واضعا يده على سيفه، فتابعت أن الروح نائمة معظم الوقت لكنها تمنحها القوة التي رأوها، وكل مرة تستخدمها تستيقظ أكثر.

سألها سالم إن كان المرض في أورين مرتبطا بها، فخفضت عينيها قائلة إنها لا تعرف، فتدخل الحارس بصوته الذي اهتزت له الأشجار قائلا إن الكذب جذر لا يختبئ تحت التراب، فانطفأت العلامات في ذراعي ليان ثم اشتعلت فجأة بلون أسود، وخرج من فمها صوت أعمق من صوتها يقول إنه يعرف.

اندفع الآخرون بعيدا بينما ارتفع جسد ليان قليلا عن الأرض والتف شعرها حول وجهها كدخان مظلم، وقال الصوت من داخلها إن المرض يبحث عن الشجرة، وإنه كان بوابته إلى هذه الأرض.

صرخت ليان من بين الكلمات أنها لم تكن تعلم أنه سيتبعها إلى القرية، فقال سالم بحدة إنها جاءت إلى أورين وهي تحمل هذا الشيء بداخلها، فأجابته والدموع تنساب على وجهها أنها جاءت لأنها سمعت عن معالجين هناك، وكانت تبحث عن علاج قبل أن تؤذي أحدا.

اقترب الحارس ومد إصبعا طويلا نحو صدرها قائلا إنهم يعبرون إن حملت الساحرة الحياة الأخرى طوعا، لا كسجن بل كقربان، فسألت ميرا عن معنى ذلك، ففتح الباب الدائري ببطء وانبعث من خلفه ضوء ذهبي دافئ، وقال الحارس إن ذلك يعني أن الشجرة ستقرر أي الحياتين تستحق البقاء.

وادي الحياة تحت السماء المدفونة

عبر الخمسة البوابة فوجدوا أنفسهم على حافة واد واسع لا تصله شمس، ومع ذلك كان مضيئا بنور يفيض من النباتات والصخور والمياه، وحلقت فوق رؤوسهم فراشات زجاجية، وسبحت أسماك صغيرة في الهواء كأنه ماء، بينما فاحت من الأرض رائحة التراب بعد المطر ممزوجة بعطر الزهور البرية.

في منتصف الوادي وقفت شجرة يعجز وصف مقاييس البشر عن حجمها، جذعها أعرض من ساحة القرية وأغصانها تمتد حتى تضيع في ضباب ذهبي، وأوراقها تشع بألوان متعددة، بعضها زمردي وبعضها فضي أو أزرق، وكل ورقة تنبض ببطء كقلب صغير.

شعر نادر بحرارة تسري من كتفه المصابة، وحين كشف الجرح وجد آثار العضة تتراجع أمام ضوء الشجرة، فهمست ميرا أنها حقيقية، لكن سالم لم ينظر إلى الأوراق بل إلى الجذور المحيطة بالجذع، إذ كانت بينها وجوه بشرية نائمة، آلاف الوجوه المغروسة في الخشب.

شقيقته بين الجذور

اقترب سالم ببطء ثم توقف أمام وجه يعرفه أكثر من وجهه هو، فقد كانت أخته ريم محبوسة داخل الجذر، عيناها مغمضتان وشفتاها تتحركان كأنها تحلم، فاندفع نحوها يضرب الخشب بقبضتيه دون أن يسمع نداء ميرا له.

ظهرت من خلف الجذع امرأة طويلة ترتدي ثوبا من زهور بيضاء، يمتد شعرها حتى الأرض ويتحول عند أطرافه إلى جذور دقيقة، وكانت ملامحها تتبدل كلما نظروا إليها، فهي أحيانا أم وأحيانا طفلة وأحيانا جثة مبتسمة.

قالت إنها ذاكرة الشجرة، وحارسة ما تعطيه وما تأخذه، فأشار سالم إلى أخته مطالبا بإطلاق سراحها، فأجابته أن ريم جاءت تبحث عن ورقة قبل أشهر، وحاولت أخذها دون أن تقدم ثمنا، فصارت جزءا من الجذور التي تحفظ التوازن.

رفع سالم قوسه مهددا بأخذها ولو أحرق الوادي كله، فتحركت الأغصان فوقهم وتساقط منها غبار مضيء كثلج ذهبي، وقالت الحارسة بهدوء إن كل من هدد الشجرة قال الكلمات نفسها، وهم الوجوه التي تقف فوقها الآن.

الورقة الأخيرة والاختيار المستحيل

أشارت الحارسة إلى غصن منخفض لم يكن عليه سوى ورقة واحدة حمراء تتوهج كقطعة من شمس الغروب، وقالت إن هذا هو العلاج الذي جاءوا من أجله.

سألت ميرا إن كانت هي الورقة الأخيرة، فابتسمت الحارسة بحزن أطول عمرا من الجبال، وأخبرتها أنها آخر ورقة تستطيع شفاء السحر، وإذا قطفت ستفقد الشجرة قوتها، وسيبدأ كل سحر قديم سجنه هذا الوادي بالعودة إلى العالم.

قال هارون إنهم إن تركوها ماتت القرية، فأجابت نعم، وسأل سالم عن مصير المحبوسين في الجذور إن أخذوها، فأجابت أنهم سيموتون مع الشجرة ببطء.

لم يعد الاختيار بين قرية وشجرة، بل بين مئات الأرواح وآلاف الأرواح الأخرى، بين موت يعرفونه وكوارث لا يقدرون على تخيلها.

اقتربت ليان من الورقة وقد غطت العلامات السوداء ذراعيها حتى كتفيها، وقال الصوت الآخر من داخلها أن تقطفها وتدعه يخرج، فيمنحهم قوة لا تحتاج إلى أشجار، فصرخت وسقطت على ركبتيها بينما بدأ ظلها يتمدد فوق الأرض مستقلا عن جسدها.

المعركة داخل روح واحدة

انشق الظل وارتفع منه مخلوق له قرنان وأجنحة من دخان، ظل نصفه متصلا بظهر ليان بخيوط سوداء نابضة، فاندفع سالم بسهم مر عبر جسده، وحاول هارون قطعه بالسيف فانفجرت حوله موجة قذفت به بين الجذور.

صرخت الحارسة أن الروح تريد الورقة لأنها إن ابتلعتها صارت أقوى من الشجرة نفسها، ففتحت الروح فمها واندفعت نحو الغصن، لكن نادر قفز وتعلق بها رغم أن أصابعه عبرت الدخان واحترقت، وصاح بليان أن تجعلها تحملها لا أن تحملها هي.

رفعت ليان رأسها وقد صارت إحدى عينيها زرقاء والأخرى سوداء، وقالت إنها لا تستطيع إخراجها، فردت ميرا وهي تمسك وجهها بين يديها أن لا تحاول إخراجها بل أن تجعلها تدفع الثمن.

فهمت ليان قصدها ونظرت نحو الحارسة مذكرة إياها بقولها إن الشجرة تقبل حياة في مقابل حياة، فأومأت الحارسة، ووضعت ليان كفيها على صدرها وغرست أصابعها في العلامات السوداء كأنها تمسك حبالا داخل جسدها، ثم بدأت تسحب.

صرخت الروح وارتج الوادي، وتفجرت المياه من الجداول إلى أعلى كأعمدة زجاجية، وكلما سحبت ليان الخيوط انطفأت العلامات في جزء من جسدها، لكن جلدها شحب وتسارعت أنفاسها، فقال سالم إنها ستقتل نفسها، فابتسمت بصعوبة وقالت إنها كانت تخشى ذلك منذ وصلت إلى قريتهم، وإنها الآن على الأقل ستختار السبب.

انتزعت آخر خيط من صدرها فانفصلت الروح كاملة واندفعت نحو الورقة الحمراء، لكن جذور الشجرة انفتحت وابتلعتها قبل أن تصل، فاشتعل الجذع بنور أبيض وارتفعت من أعماقه صرخة شقت الصخور، ثم بدأت الأوراق كلها تتساقط.

الهدية التي لم تكن ورقة

ركضت ميرا نحو ليان فوجدتها حية لكن نبضها ضعيف كرفرفة طائر مبلل، ورفعت الحارسة يدها فتوقفت الأوراق في الهواء وتحولت أطرافها إلى خيوط ضوء تسللت داخل جذع الشجرة، أما الورقة الحمراء الأخيرة فذبلت أمام أعينهم وتحولت إلى رماد.

قال هارون إن كل شيء انتهى، لكن الحارسة انحنت أمام ليان ووضعت يدها فوق صدرها، فانبثق من موضع قلبها غصن صغير يحمل خمس أوراق ذهبية، وقالت إن الشجرة لا تكافئ التضحية بالموت بل بالقدرة على الحياة بعده.

قطفت الحارسة إحدى الأوراق الذهبية وسلمتها لميرا، وأخبرتها أنها لا تشفي كل سحر، لكنها تشفي السحر الذي ولد من الروح التي قدمت قربانا، وبذلك تنجو القرية دون أن تموت الشجرة.

سأل سالم عن مصير أخته، فلامست الحارسة الجذر الذي يحتجز ريم فتصدع الخشب وسقطت الفتاة بين ذراعي أخيها وهي تلهث كمن خرج للتو من ماء عميق، وقالت الحارسة إنه حين يقبل قربان صادق يسقط دين قديم، وتحركت وجوه أخرى داخل الجذور وفتحت عيونها، لكن الحارسة أوضحت أن تحريرهم يحتاج تضحيات أخرى في أزمنة أخرى من أناس لم يصلوا بعد.

العودة عبر الغابة المتغيرة

حين خرجوا من وادي الحياة لم تعد الأشجار تناديهم بأصوات موتاهم، بل انحنت أغصانها فوق الطريق كأنها تفتح لهم ممرا، واختفت العيون من الجذوع، وتحولت الأعمدة الحجرية عند جبل العواء إلى بشر راقدين، تنفس بعضهم للمرة الأولى منذ قرون.

حمل سالم أخته حين عجزت قدماها عن السير، وحمل هارون ليان فوق كتفه وهي تستيقظ أحيانا لتسأل إن كان الظلام لا يزال بداخلها، وفي كل مرة كانت ميرا تضع يدها على قلبها وتقول إنها لا تسمع سوى نبضه.

أما نادر فتوقف جرحه عن النزيف، لكنه احتفظ بالمفتاح الفضي الملطخ بدم الذئب، وقال إنه قد يحتاجه يوما لفتح باب لا ينبغي فتحه.

عند اقترابهم من أورين وجدوا الضباب الأخضر قد غطى أسوار القرية بالكامل، وصار جرس الموت يدق دون توقف رغم أن أحدا لم يعد يقوى على سحب حبله.

إنقاذ أورين قبل الدقة الأخيرة

اندفعوا نحو منبع الماء في التلال الشرقية، حيث كان السائل يخرج أسود كثيفا كالحبر، محاطا بجثث طيور تحولت أجنحتها إلى أغصان يابسة.

وضعت ميرا الورقة الذهبية داخل وعاء حجري وسكبت عليها الماء، لكن الورقة لم تذب ولم يتغير لونها، فقالت ليان وهي بالكاد تقف إنها تحتاج إلى سحر الروح التي سببت المرض، ومدت يدها فوق الوعاء، فأمسكت ميرا معصمها مذكرة إياها أنها تخلصت منها، فأجابت أن أثرها لا يزال يعرف اسمها.

فتحت جرحا صغيرا في راحة يدها وسقطت قطرة دم فوق الورقة، فاشتعل الماء بلون ذهبي واندفعت منه رائحة الليمون والمطر، وسكبوا المزيج في المنبع فارتجت التلال كأن الأرض أخذت نفسا عميقا بعد اختناق طويل.

تراجعت المياه السوداء وانفجرت من الصخور ينابيع صافية جرت عبر القنوات إلى القرية، فلامست الأبواب والجدران وأقدام المرضى، وداخل البيوت بدأت العروق السوداء تنسحب من جلود الأطفال، وتفتتت القشور الخشبية عن وجوه الرجال والنساء، وعاد الدفء إلى أطراف ظنوا أنها ماتت.

توقف جرس الموت في منتصف دقته الأخيرة.

بحثت ميرا عن الطفل صاحب الحصان الخشبي فوجدته على فراشه ساكنا وعيناه مغلقتان، فاقتربت منه ووضعت اللعبة إلى جواره ومدت أصابع مرتجفة نحو عنقه، ففتح الطفل عينيه فجأة سائلا إن كانت أصلحت ساق الحصان، فضحكت ميرا وهي تبكي وضمت اللعبة إلى صدرها.

في الساحة خرج أهل أورين من منازلهم واحدا بعد آخر يتنفسون الهواء وكأنهم يتعلمون التنفس للمرة الأولى، ولم يصفق أحد للغرباء ولم يهتف باسمهم، بل اقترب القرويون منهم في صمت، ووضع كل منهم يده على كتف أحد العائدين، وكانت تلك اللمسات أصدق من أي احتفال.

أما سيدة الرماد فكانت واقفة عند البئر تنتظرهم، فقال لها سالم إنها كانت تعرف أن ليان تحمل سبب المرض، فأجابته أنها كانت تعرف أنها تحمل نصف السبب، أما النصف الآخر فكان خوفهم من دفع الثمن.

سألها نادر إن كانت الحكاية قد انتهت، فابتسمت ثم تحولت أطراف ثيابها إلى رماد حملته الريح، وقبل أن تختفي قالت إن حكايات شجرة الحياة لا تنتهي، وإنها فقط تنقل جذورها من قلب إلى آخر.

في صباح اليوم التالي تدلت من حافة البئر اليابسة ورقة خضراء صغيرة، رغم أن أقرب شجرة كانت تبعد مئات الخطوات، ولم يقطفها أحد.

لم تنقذ القرية قوة ساحر عظيم ولا شجاعة بطل لا يعرف الخوف، بل أنقذها غرباء مثقلون بالندم والشكوك، اختار كل واحد منهم أن يحمل ضعف الآخر حين عجز عن حمل نفسه.

وأدرك أهل أورين بعد ذلك أن الحياة لا تمنح أثمن عطاياها لمن يمد يده إليها فحسب، بل لمن يسأل أولا عما سيحميه بعد أن يأخذ، وعمن قد يدفع الثمن بعيدا عن عينيه، فالأشجار لا تعيش بأوراقها وحدها، بل بالجذور التي تتقاسم الظلام في صمت، وكذلك البشر لا ينجو أحدهم منفردا، مهما بدا الطريق في بدايته وكأنه لا يتسع إلا لخطوات شخص واحد.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.