حكاية رسائل مجهولة بين رفوف المكتبة قصة حب بدأت من هامش كتاب

الراوي
0

لم تكن الورقة مطوية بعناية، بل بدت كأن يداً مرتجفة دفعتها بين الصفحات في اللحظة الأخيرة، قبل أن تتراجع عن اعتراف كان أثقل من أن يُقال.

حين فتحت سارة كتاباً قديماً عن المدن المفقودة، انزلقت الورقة إلى حجرها، حاملةً سطراً واحداً بخط أزرق مائل، بعض الناس يشبهون الكتب التي لا نبحث عنها، ثم نكتشف متأخرين أنهم كانوا ينقصون رفوف أرواحنا.

ظلت تحدق في العبارة طويلاً، بينما كان غبار المكتبة يسبح في ضوء العصر كذرات ذهبية صغيرة، ولم تكن تعرف أن تلك الكلمات لم تسقط من كتاب فحسب، بل فتحت في حياتها باباً لن تستطيع إغلاقه.

حكاية رسائل مجهولة بين رفوف المكتبة قصة حب بدأت من هامش كتاب

الورقة التي سقطت من كتاب منسي

كانت مكتبة الحي تختبئ في نهاية شارع ضيق تصطف على جانبيه أشجار اللبخ، ويعلو بابها الخشبي جرس نحاسي يرنّ كلما دخل زائر، كأنه يعلن وصول شخص إلى عالم لا يُقاس بالوقت.

اعتادت سارة أن تزورها مساء كل خميس، بعد انتهاء عملها في دار صغيرة للترجمة، فتخلع عن روحها صخب المدينة وتغوص بين الرفوف العالية، حيث تختلط رائحة الورق المعتق بخشب المقاعد والمطر العالق في معاطف القراء.

لم تكن تبحث يومها عن كتاب بعينه، وإنما تركت أصابعها تمر فوق العناوين حتى توقفت عند مجلد رمادي بعنوان مدن لا تظهر على الخرائط، وقد جذبها إليه أثر إصبع قديم على غلافه، كأن شخصاً سبقتها إلى لمسه بحنين.

جلست قرب النافذة المطلة على الحديقة الخلفية، وفتحت الكتاب عند منتصفه، فخرجت الورقة البيضاء من بين صفحتين وسقطت فوق تنورتها السوداء في صمت خفيف، لكنه بدا لها أعلى من رنين الجرس.

قرأت العبارة مرة، ثم أعادتها ببطء، متتبعةً انحناءات الحروف الطويلة والنقاط الدقيقة، وقد خُيّل إليها أن صاحب الخط لم يكتب بقلم، بل ترك شيئاً من نبضه عالقاً على الورق.

قلبت الورقة، فلم تجد اسماً ولا تاريخاً، فقط رمزاً صغيراً في الزاوية يشبه هلالاً ناقصاً، وتحته حرف واحد، أ.

أول خيط في اللعبة

اقتربت منها أمينة المكتبة، السيدة نوال، وهي امرأة تجاوزت الستين بقليل، ترتدي نظارة معلقة بسلسلة فضية، وتمشي بين الرفوف كمن يحرس أسرار مدينة نائمة.

سألتها سارة وهي ترفع الورقة:

هل يترك القراء ملاحظات داخل الكتب عادة؟

تأملت نوال الخط، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة لم تستطع سارة معرفة إن كانت ابتسامة معرفة أم مجرد فضول.

يتركون أشياء كثيرة؛ صوراً، تذاكر سفر، وروداً يابسة، وأحياناً كلمات لم يملكوا شجاعة إرسالها.

وهل تعرفين من كتب هذه؟

أعادت نوال الورقة إليها، وقالت وهي تضبط نظارتها:

في المكتبات يا ابنتي، لا يُسأل دائماً عمّن كتب الرسالة، بل عمّن كان مقدراً له أن يجدها.

خرجت سارة في ذلك المساء والورقة داخل جيب معطفها، لكنها شعرت طوال الطريق أن العبارة تسير بجوارها، تطرق ذاكرتها كلما حاولت الانشغال بشيء آخر.

وفي غرفتها، وضعت الورقة بين صفحات دفترها الشخصي، ثم كتبت أسفلها دون تفكير، وهل تعرف الكتب أنها كانت ناقصة قبل أن يصل القارئ المناسب؟

ترددت لحظة، ثم ضحكت من نفسها؛ فالرسالة مجهولة، وكاتبها قد لا يعود إلى الكتاب أبداً، ومع ذلك شعرت بحاجة غامضة إلى الرد، كأن حواراً بدأ بالفعل ولا يليق بها أن تتركه مبتوراً.

حين بدأت الكتب تتبادل الأسرار

في الخميس التالي، أعادت سارة استعارة الكتاب نفسه، ووضعت ردها بين الصفحتين اللتين وجدتهما مفتوحتين أول مرة، ثم أعادته إلى موظف الاستقبال بقلب يخفق أسرع مما ينبغي لأمر بهذه البساطة.

حاولت أن تقنع نفسها بأنها لعبة أدبية عابرة، لكنها وجدت قدميها تقودانها إلى المكتبة بعد يومين، ثم في اليوم الذي تلاه، دون حاجة إلى استعارة كتاب جديد.

كانت تسأل عن المجلد الرمادي بلهجة متماسكة، ثم تخفي خيبتها كلما أخبرها الموظف أنه ما زال على الرف، لم يطلبه أحد ولم يقترب منه قارئ.

بعد أسبوع كامل، اختفى الكتاب.

شعرت سارة برعشة باردة تسري في ذراعيها حين رأت الفراغ بين مجلدين سميكين، وبدت المسافة الصغيرة على الرف كفم صامت ابتلع سؤالها وانتظر.

الرسالة الثانية

عاد الكتاب بعد أربعة أيام، وقد كان موضوعاً فوق عربة الإرجاع قبل أن تعيده نوال إلى مكانه، فانتزعته سارة بعجلة جعلت السيدة العجوز ترفع حاجبها في صمت.

فتحت الصفحتين، فوجدت ورقتها في مكانها، وتحتها ورقة أخرى بلون العاج تحمل الخط الأزرق ذاته، الكتب تعرف، لكنها أكثر تهذيباً منا؛ تنتظر بصمت حتى يعترف القارئ بأنه كان تائهاً.

وتحت العبارة أضاف الكاتب، ردك جميل، يا صاحبة الخط الذي يشبه طريقاً هادئاً بعد المطر.

توقفت أنفاسها عند كلمة يا، فقد بدا الخطاب مباشراً على نحو أربكها، وحوّل الكاتب المجهول من ظل بعيد إلى شخص قادر على تخيل يدها وهي تكتب.

أدارت رأسها نحو الرفوف، فرأت رجلاً مسناً يقرأ صحيفة، وطالبة ترتدي سماعتين، وشاباً يقف عند قسم الروايات وظهره إليها، مرتدياً قميصاً بلون الزيتون.

ظل الشاب ثابتاً لحظات، ثم أدار رأسه قليلاً، فرأت جانب وجهه ولحية قصيرة داكنة، قبل أن يسحب كتاباً ويبتعد دون أن ينظر نحوها.

لم تعرف لماذا علقت صورته في ذهنها، لكنها حين عادت إلى الرسالة وجدت حرف أ في أسفلها، وإلى جواره الهلال الناقص نفسه.

كتبت ردها هذه المرة فوق الطاولة مباشرة، وربما يكون التيه هو الطريق الوحيد إلى بعض اللقاءات.

لكن لماذا تختبئ خلف الحروف؟

ثم أضافت بعد تردد، سمّيتك في رأسي، صاحب الهلال.

مطاردة بين الهوامش

تحولت الرسائل خلال الأسابيع التالية إلى خريطة سرية تمتد بين الكتب؛ يترك لها جملة في رواية عن البحر، فتجيبه داخل ديوان شعر، ويقترح عنواناً في قسم الفلسفة، فتجد بين صفحاته سؤالاً جديداً.

كان يكتب لها عن الوحدة دون أن يسميها، وعن خوف الإنسان من أن يُرى كما هو، وعن المدن التي تصبح أضيق حين لا نجد فيها شخصاً يفهم صمتنا.

أما هي، فكانت ترد عليه بما لم تقله لأحد؛ عن أمها التي فقدتها وهي في التاسعة عشرة، وعن البيت الذي صار بعد رحيلها واسعاً وبارداً، وعن عجزها عن الوثوق بمن يقتربون منها سريعاً.

كل رسالة كانت تزيح حجراً صغيراً من الجدار الذي بنته حول قلبها، ومع كل حجر يسقط، كانت تخشى أن يكون الطرف الآخر مجرد وهم صنعته حاجتها إلى أن تجد من ينصت.

رجل يظهر دائماً قرب الكتاب الصحيح

بدأت تلاحظ الشاب ذي القميص الزيتوني في المكتبة أكثر من مرة، وإن تغير لون قميصه؛ تارة تجده قرب قسم التاريخ، وتارة واقفاً أمام رف الشعر، يقرأ العناوين بتركيز ولا يستعير إلا كتاباً واحداً.

كان طويل القامة، هادئ الحركة، يحمل حقيبة جلدية بنية، ويضع قلماً أزرق في جيب قميصه، الأمر الذي جعل سارة تراقب القلم أكثر مما تراقب وجهه.

في أحد الأيام، اصطدمت به عند المنعطف الضيق بين رفين، فسقط كتاب من يدها وانفتح فوق الأرض، وانزلقت منه إحدى رسائل المجهول.

انحنى الشاب والتقط الكتاب، بينما أسرعت هي إلى انتزاع الورقة، لكنها لمحته يقرأ جزءاً من السطر قبل أن تطويها.

قال وهو يناولها الكتاب:

يبدو أن بعض الكتب تحمل أكثر مما تعد به عناوينها.

نظرت إلى عينيه؛ كانتا بنيتين داكنتين، وفيهما سكون مربك يوحي بأنه يعرف شيئاً لا يريد قوله.

وبعض القراء ينظرون أكثر مما ينبغي.

ابتسم بخفة وقال:

أحمد.

لم تمد يدها، بل ضمت الكتاب إلى صدرها.

لم أسألك عن اسمك.

أعرف، لكنك كنت ستحتاجين إليه كي تشتكي من فضولي.

ابتعد بعد ذلك، تاركاً خلفه رائحة خفيفة من القهوة والورق، وبقي اسمه يتردد في ذهنها لأن حرف الرسائل الأول كان الحرف نفسه، أ.

في تلك الليلة كتبت إلى صاحب الهلال، قابلت رجلاً اليوم اسمه أحمد، يحمل قلماً أزرق ويبتسم كأنه يعرف نهاية حكاية لم أبدأها بعد.

ثم أضافت متعمدة، هل ينبغي أن أخاف منه؟

إجابة جعلت القلب يرتاب

اختفت الرسائل عشرة أيام كاملة.

خلال تلك المدة، استعارت سارة الكتب المتفق عليها واحداً تلو الآخر، فلم تجد سوى صفحات صامتة وروائح قديمة، كأن اللعبة انتهت دون تفسير.

راودها احتمال أن أحمد هو الكاتب، وأن رسالتها الأخيرة أخافته أو كشفت مراقبتها له، لكنها رأته في المكتبة مرتين، وكان يتصرف كعادته، يقرأ بهدوء ويغادر دون محاولة الحديث معها.

في اليوم الحادي عشر، وجدت ظرفاً صغيراً داخل نسخة قديمة من رواية الغريب، وقد كُتب على وجهه، إلى سارة، التي لم تخبرني باسمها قط.

بردت أصابعها، وشعرت بأن أرض المكتبة مالت قليلاً تحت قدميها؛ فلم تكن قد وقعت أي رسالة باسمها، ولم تذكر عملها أو عنوانها أو أي تفصيل يكشف هويتها.

فتحت الظرف، فوجدت بداخله ورقة واحدة، لا تخافي من أحمد.

خافي من الشخص الذي يعرف اسمك بينما تظنين أنك مجهولة.

الظل خلف النافذة

رفعت سارة رأسها بعنف، ومسحت القاعة بعينيها، فلم تجد أحمد ولا السيدة نوال، بل وجدت مقعداً فارغاً قرب النافذة، وفوقه كوب قهوة لا يزال البخار يصعد منه.

تقدمت إلى الكوب، فوجدت إلى جواره قصاصة ورقية تحمل الهلال الناقص، لكن دون كلمات، وعندما نظرت عبر الزجاج رأت شخصاً يعبر الحديقة الخلفية مسرعاً مرتدياً معطفاً أسود.

خرجت من المكتبة دون أن ترتدي معطفها، ولحقت به عبر الممر الحجري المبلل، بينما كانت قطرات المطر تضرب وجهها وتختلط بأنفاسها المتقطعة.

نادت:

توقف!

لم يلتفت الشخص، بل فتح البوابة الحديدية المؤدية إلى الشارع الجانبي واختفى خلف حافلة توقفت عند الرصيف.

حين وصلت سارة إلى البوابة لم تجد أحداً، لكنها وجدت رسالة مثبتة بين قضبانها المعدنية، كل بحث حقيقي يتطلب شجاعة، فهل لديك ما يكفي منها؟

مزقت الورقة نصفين، لا من الغضب وحده، بل من شعورها بأن اللعبة تجاوزت حدودها، وأن شخصاً ما لم يعد يكتب إليها، بل يراقبها.

عادت إلى المكتبة وثيابها تقطر ماءً، فوجدت أحمد واقفاً قرب مكتب الاستقبال، يتحدث مع نوال، وحين رآها اتسعت عيناه واقترب منها.

قال بقلق:

ماذا حدث لك؟

حدقت فيه، ثم أخرجت نصفي الرسالة من يدها المرتجفة ودفعتهما نحو صدره.

أنت أخبرني.

ما أخفاه أحمد بين الكلمات

قرأ أحمد الورقة الممزقة، فتلاشت ابتسامته، وظهرت على وجهه صدمة لم تستطع سارة معرفة إن كانت حقيقية أم بارعة التمثيل.

قال بصوت منخفض:

هذه ليست رسالتي.

ضحكت بمرارة، وقد التصق شعرها المبتل بجبينها.

بالطبع.

وأنت لا تحمل قلماً أزرق، ولا تستعير الكتب نفسها، ولا تعرف اسمي رغم أنني لم أخبرك به.

نظر أحمد إلى السيدة نوال، فتدخلت قائلة:

اسمعيه أولاً يا سارة.

التفتت إليها، وقد شعرت بوخزة خيانة أشد من الخوف.

وأنت تعرفين أيضاً؟

أغلقت نوال دفتر الإعارات ببطء، ثم أشارت إلى غرفة القراءة الصغيرة في آخر القاعة.

هناك أمور لا ينبغي أن تُقال أمام الجميع.

دخل الثلاثة الغرفة، وأغلقت نوال الباب، بينما بقي المطر يطرق الزجاج بإيقاع ثقيل، كأن السماء نفسها تنتظر الاعتراف.

الاعتراف الأول

جلس أحمد قبالتها، ووضع قلمه الأزرق فوق الطاولة كمن يقدم دليلاً ضد نفسه، ثم أخرج من حقيبته رزمة أوراق مربوطة بخيط أسود.

قال:

نعم، أنا من كتب الرسالة الأولى، وأنا من رد عليك طوال الأسابيع الماضية.

لم تتحرك سارة، لكن أصابعها انقبضت حول طرف الكرسي.

تابع:

كنت أترك ملاحظات في الكتب منذ سنوات، لا لأحد بعينه، بل لأنني كنت أظن أن الكلمات التي لا تجد قارئاً تموت داخل صاحبها.

ردك كان أول رد يصلني.

وكيف عرفت اسمي؟

أطرق لحظة، ثم قال:

عندما سقطت رسالتك أمامي، كان اسمك مكتوباً على بطاقة استعارة الكتاب.

تذكرت البطاقة الورقية المثبتة في الغلاف الخلفي، وشعرت بشيء من منطق إجابته، لكن خوفها لم يهدأ.

والرسالة الأخيرة؟ ومن كان يركض في الحديقة؟

رفع أحمد نظره إليها.

لا أعرف.

تدخلت نوال وهي تمسح عدستي نظارتها:

الرسائل الأولى بخط أحمد، أما الرسالتان الأخيرتان فمختلفتان.

الحروف متشابهة عمداً، لكن الضغط على القلم أشد، والهلال مرسوم في الاتجاه المعاكس.

وضعت أمام سارة ورقتين، واحدة من رسائل أحمد وأخرى من الظرف الأخير، وعند المقارنة رأت الفارق بوضوح؛ الهلال في رسائل أحمد مفتوح نحو اليمين، أما الآخر فمفتوح نحو اليسار.

قال أحمد:

توقفت عن الكتابة عشرة أيام لأنني شعرت بأنني أخفي عنك أكثر مما ينبغي، وأردت أن أتحدث إليك وجهاً لوجه.

لكن شخصاً آخر استغل غيابي.

من؟

تبادل أحمد ونوال نظرة طويلة، ثم قالت نوال:

أظن أنني أعرف.

القارئ الذي لم يغادر المكتبة

أطفأت نوال مصباح غرفة القراءة، وطلبت منهما الانتظار، ثم خرجت إلى القاعة الرئيسية، حيث كانت المكتبة تستعد للإغلاق ولم يبق فيها سوى بضعة زوار.

بعد دقائق، سمعا صوت الجرس النحاسي يرن، ثم خطوات بطيئة تقترب من الباب، قبل أن تدخل نوال برفقة رجل نحيل يرتدي المعطف الأسود نفسه الذي رأته سارة في الحديقة.

كان في أواخر الأربعينيات، شاحب الوجه، يحمل تحت ذراعه كتاباً مغطى بورق بني، وعندما رأى سارة تراجع خطوة كأن اللقاء لم يكن ضمن حساباته.

قالت نوال بصرامة:

هذا الدكتور مروان، أستاذ الأدب الذي اعتاد التبرع للمكتبة بالكتب القديمة.

نظر مروان إلى أحمد، ثم ابتسم ابتسامة باردة.

يبدو أنك سبقتني إلى الاعتراف.

نهض أحمد بعنف، لكن نوال رفعت يدها لتحذره.

دعه يتكلم.

سرّ الهلال الناقص

وضع مروان الكتاب فوق الطاولة، وفتحه على صفحة احتوت عشرات الرسائل القديمة، تحمل جميعها رمز الهلال الناقص.

قال:

الرمز ليس لأحمد في الأصل، بل كان رمزاً أستخدمه أنا وزوجتي الراحلة حين كنا طالبين.

كنا نترك الرسائل لبعضنا داخل كتب الجامعة.

نظر أحمد إليه مذهولاً.

وجدته في كتاب قديم قبل سنوات، وظننته رسماً بلا صاحب.

أعرف.

رأيت رسائلك مصادفة، ثم تابعت لعبتكما.

قالت سارة، وقد تجمد صوتها:

لماذا كتبت لي؟ ولماذا راقبتني؟

مرر مروان يده فوق الغلاف البني، وفي عينيه بريق مريض من الحنين.

لأنك كنت تكتب مثلها.

الجمل نفسها، الخوف نفسه، وحتى طريقة طي الورقة.

للحظة ظننت أن الماضي يعيد فتح بابه.

أنا لست زوجتك.

أعرف ذلك الآن.

اقترب أحمد من الطاولة، وقد اشتد صوته:

أنت أخفتها وطاردتها في الحديقة.

أجابه مروان ببرود:

أردت أن أعرف إلى أي حد ستذهب وراء الكلمات.

الحب الذي لا يحتمل الخوف ليس حباً، بل عادة مريحة.

وقفت سارة فجأة، وانزلق الكرسي خلفها مصدراً صريراً حاداً.

لا تتحدث عن الحب.

الحب لا يختبر الناس بإرعابهم، ولا يتسلل إلى حياتهم مرتدياً وجه ميت.

صمت مروان، وبدت الجملة كأنها أصابته في موضع لم تحمه سنواته الطويلة.

أخرجت نوال هاتفها وقالت:

أبلغت الشرطة قبل أن أحضرك إلى هنا.

الكاميرات سجلتك وأنت تترك الظرف، كما سجلتك عند البوابة.

تغير لون وجهه، ونظر نحو الباب، لكن أحمد وقف بينه وبين المخرج، لا بعنف، وإنما بثبات جعل الهرب مستحيلاً.

الرسالة التي لم تعد مجهولة

بعد أن غادر رجال الشرطة بالمحقق الأدبي الذي تحول حنينه إلى هوس، بقيت المكتبة ساكنة إلا من صوت المطر ووقع قطرات تتساقط من أطراف معطف سارة.

أعاد أحمد الأوراق إلى حقيبته، ثم قال دون أن ينظر إليها:

أنا آسف.

بدأت الأمر كلعبة جميلة، ولم أفكر في أن إخفاء هويتي قد يفتح الباب لشخص آخر كي يؤذيك.

كانت تستطيع أن تغادر، وأن تعتبر كل ما حدث سبباً كافياً لدفن الرسائل وإنهاء الحكاية، لكن وجهه لم يحمل استعطافاً، بل خجلاً صادقاً يشبه اعتراف شخص هدم بيده الصورة التي كان يرجو أن تحبه من خلالها.

سألته:

لماذا لم تكلمني منذ البداية؟

ابتسم بأسى.

لأنني أكتب بشجاعة أكبر مما أعيش.

على الورق أستطيع أن أقول ما أريده، أما أمامك فكنت أخشى أن تصبح كلماتي أقل جمالاً.

اقتربت من النافذة، ورسمت بإصبعها خطاً على البخار المتكاثف فوق الزجاج.

الكلمات لا تصبح أقل جمالاً حين نعرف صاحبها، لكنها تصبح أكثر خطورة.

وهل انتهى كل شيء؟

استدارت إليه، وكان قلبها لا يزال مضطرباً، لكنه لم يعد يضطرب خوفاً وحده.

انتهت الرسائل المجهولة.

خفض عينيه، فأضافت بعد لحظة:

أما الرسائل المعروفة، فلم تبدأ بعد.

رفع رأسه ببطء، وظهرت في عينيه تلك الدهشة التي لا تستطيع البلاغة تقليدها.

اللقاء خارج صفحات الكتب

بعد يومين، جلست سارة في مقهى صغير مقابل المكتبة، على طاولة قرب الزجاج، وأمامها كتاب مغلق لم تفتحه منذ وصلت.

دخل أحمد مرتدياً قميصاً أزرق داكناً، دون حقيبته الجلدية هذه المرة، ودون أن يضع القلم في جيبه، كأنه جاء مجرداً من أدوات الاختباء.

جلس أمامها وقال:

هذه أول مرة أراك من دون رفوف بيننا.

أجابته وهي تحرك فنجان القهوة:

وربما أول مرة تراني حقاً.

تحدثا ساعات عن أمور بسيطة لم تكن تصلح لرسائل غامضة؛ عن عملها في الترجمة، وعن خوفه من القطط رغم ادعائه العكس، وعن الأطعمة التي يكرهها، وعن الشوارع التي يحب السير فيها ليلاً.

اكتشفت سارة أن صوته أكثر دفئاً من خطه، وأنه يتلعثم حين يرتبك، وأنه يطرق بإصبعه فوق الطاولة كلما بحث عن كلمة مناسبة، وهي عيوب صغيرة لم تكن موجودة في رسائله، لكنها جعلته أكثر إنسانية.

وعندما نهضا للمغادرة، أخرج أحمد ورقة مطوية ووضعها أمامها.

نظرت إليه بحذر، فقال:

ليست مجهولة.

اسمي مكتوب في أسفلها، ورقم هاتفي أيضاً، وعنوان المقهى الذي أود أن أراك فيه الأسبوع القادم، إن أحببت.

فتحت الورقة، فوجدت جملة واحدة، أحببتك أولاً كصوت بين الصفحات، وأرغب الآن في التعرف إلى المرأة التي منحته قلباً.

في أسفلها كتب اسمه كاملاً، أحمد سالم، ورسم إلى جانبه هلالاً مكتملاً للمرة الأولى.

العنصر الأخير الكتاب الذي عاد إلى الرف

مر عام كامل، وعادت نسخة مدن لا تظهر على الخرائط إلى رفها القديم بعد أن ظلت طويلاً في حوزة سارة، وقد صار غلافها أكثر اهتراءً، لكن صفحاتها حملت أثراً جديداً.

قبل أن تعيدها، وضعت داخلها ورقة صغيرة لا تحمل اسماً ولا حرفاً، وإنما عبارة واحدة موجهة إلى قارئ مجهول قد يجدها يوماً، لا تبحث عمّن يكتب لك أجمل الكلمات فقط، بل عمّن يملك شجاعة البقاء حين تنتهي الصفحة.

وقفت بجوار أحمد أمام الرف، بينما كانت نوال تراقبهما من بعيد بابتسامتها العارفة، ثم مد أحمد يده إليها دون استعارات أو رموز.

أمسكت سارة يده، وغادرا المكتبة معاً، فاهتز الجرس النحاسي فوق الباب، لا كإعلان عن نهاية زيارة، بل كبداية فصل لم يعد يحتاج إلى الاختباء بين الكتب.

ليست كل الرسائل التي نعثر عليها موجهة إلينا، لكن بعضها يوقظ فينا سؤالاً كان ينتظر منذ زمن، ويقودنا إلى أماكن لم نكن لنبلغها بطرقنا المعتادة.

ومع ذلك، لا تكتمل الكلمات بالغموض وحده؛ فالحب الحقيقي لا يسكن الهامش إلى الأبد، بل يخرج في لحظة ما إلى الضوء، يحمل اسمه كاملاً، ويقبل أن يُرى بما فيه من ارتباك ونقص وحقيقة، رواية صانع الأقدار الكاتب الذي تحولت كلماته إلى حقيقة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد