رواية صانع الأقدار الكاتب الذي تحولت كلماته إلى حقيقة

الراوي
0

عند منتصف الليل، كتب عبدالعليم جملة لم يقصد بها أكثر من اختبار آلة كاتبة صدئة، سيسقط المصباح بعد ثلاث ثوانٍ.

وما إن ارتفع إصبعه عن المفتاح الأخير، حتى اهتز الضوء فوق رأسه، وانطفأ لوهلة، ثم هوى المصباح إلى الأرض وتناثر زجاجه عند قدميه.

ظل جالساً أمام الآلة، لا يتحرك سوى بؤبؤيه المرتجفين، بينما كانت رائحة السلك المحترق تختلط برائحة الحبر القديم.

وعلى الورقة البيضاء، بدت الجملة السوداء كأنها لم تُكتب بحبر، بل نُقشت بظفر خفي في جلد العالم.

لم يكن عبدالعليم يعلم في تلك اللحظة أنه لم يشترِ آلة كاتبة من دكان مهجور، بل اشترى باباً صغيراً إلى قلب القدر؛ باباً لا يُفتح إلا من جهة واحدة، ولا يُغلق إلا بعد أن يبتلع صاحبه.

الدكان الذي لا يظهر مرتين

كان المطر يضرب أرصفة القاهرة القديمة في ذلك المساء كحفنة مسامير زجاجية، حين ضل عبدالعليم طريقه في زقاق ضيق لم يتذكر أنه رآه من قبل.

كانت المباني تتقارب فوق رأسه حتى كادت شرفاتها المتآكلة تتلامس، فيما انسكب من النوافذ ضوء أصفر شاحب يشبه عيون مرضى يتابعون خطواته في صمت.

لم يكن يبحث عن شيء بعينه؛ كان يهرب من غرفته، ومن الورق الأبيض، ومن رسالة الناشر التي وصلته صباحاً بعبارة مقتضبة، نأسف، النص لا يملك ما يكفي من الحياة.

أعاد قراءة الجملة عشرات المرات، وكل مرة شعر كأن أحدهم يضغط بإبهامه على جرح قديم في صدره.

كان في الثانية والأربعين، وقد أمضى نصف عمره يكتب حكايات لا يقرأها أحد.

عمل مصححاً لغوياً في صحيفة متعثرة، وكتب ليلاً روايات عن أبطال يغيرون العالم، بينما كان عاجزاً عن تغيير مصباح ممره المحترق منذ شهرين.

عند نهاية الزقاق، ظهر دكان صغير بين جدارين متداعيين، تعلو بابه لافتة خشبية أكلت الرطوبة أطرافها.

لم يبق من الكلمات المكتوبة عليها سوى حروف باهتة استطاع أن يقرأ منها، مقتنيات، وأشياء فقدت أصحابها.

صاحب العين الزجاجية

دفع عبدالعليم الباب، فصدر عن المفصلات أنين طويل، وتدلت فوق رأسه أجراس نحاسية صغيرة لم ترن، بل ارتجفت فقط.

استقبلته رائحة الغبار والخشب الرطب والنحاس المؤكسد، وكانت الرفوف مزدحمة بساعات متوقفة، ومرايا مشروخة، ودمى بلا عيون، وصناديق موسيقى ابتلعت ألحانها.

من خلف ستارة مخملية خرج رجل نحيل يرتدي معطفاً أسود أوسع من جسده.

كانت إحدى عينيه حية، رمادية وباردة، أما الأخرى فكانت كرة زجاجية خضراء ينعكس فيها ضوء المصباح كوميض قبر مفتوح.

قال الرجل بصوت خفيض:

أنت متأخر.

تراجع عبدالعليم خطوة، وسأله:

متأخر عن ماذا؟

ارتسمت على شفتي الرجل ابتسامة لم تصل إلى عينه الحية.

عن الكتاب الذي تحاول كتابته منذ عشرين عاماً.

شعر عبدالعليم ببرودة تسري في ظهره، لكنه أقنع نفسه بأن الرجل سمع اسمه في الصحيفة أو رآه يحمل حقيبته المملوءة بالأوراق.

وبينما كان يبحث عن تفسير معقول، أشار صاحب الدكان إلى ركن بعيد تغطيه قطعة قماش رمادية.

سحب القماش، فظهرت آلة كاتبة سوداء، ثقيلة ولامعة رغم ما يحيط بها من غبار.

كانت مفاتيحها مستديرة، تحمل حروفاً عربية محفورة بلون عاجي، وعلى جانبها الأيمن شُق اسم واحد بحروف نحاسية، مَشيئة.

اقترب عبدالعليم منها، ومد أصابعه فوق المفاتيح دون أن يلمسها.

شعر بحرارة خفيفة تصعد إلى راحته، كأن داخل الآلة قلباً معدنياً ينبض ببطء.

سأل:

كم ثمنها؟

أجابه الرجل:

لن تدفع الآن.

رفع عبدالعليم حاجبيه.

ومتى أدفع؟

أعاد صاحب الدكان تغطية الآلة، ثم حدق فيه بعينه الزجاجية وقال:

عندما تكتب شيئاً تتمنى لو أنك لم تكتبه.

الجملة التي كسرت جدار الواقع

حمل عبدالعليم الآلة إلى غرفته في الطابق الخامس، تحت المطر الذي بدا وكأنه يغسل المدينة من ذنب لا يعرفه أحد.

كانت ثقيلة على نحو غير طبيعي، وكلما صعد درجة شعر كأن الوزن يزداد، حتى وصل إلى غرفته وراح يلهث كما لو أنه حمل جثة كاملة لا صندوقاً معدنياً.

وضعها على مكتبه الخشبي قبالة النافذة، وأدخل فيها ورقة بيضاء.

لم تكن الآلة موصولة بالكهرباء، ومع ذلك تحرك شريط الحبر وحده عندما ضغط المفتاح الأول، وارتفع صوت الطرقة حاداً وواضحاً، كحجر يُلقى في بئر عميقة.

كتب جملة ساخرة، سيطرق جاري الباب ويطلب عود ثقاب.

كان جاره، الحاج منصور، رجلاً متجهماً لا يدخن، ولا يطرق بابه إلا للاعتراض على صوت خطواته ليلاً.

لم تمر دقيقة حتى سمع ثلاث طرقات بطيئة.

فتح عبدالعليم الباب، فوجد الحاج منصور واقفاً بقميص نوم مخطط، ووجهه شاحب، وفي يده شمعة مطفأة.

قال الرجل، وهو يتجنب النظر إلى عينيه:

عندك عود ثقاب؟ انقطعت الكهرباء في شقتي.

حدق عبدالعليم فيه طويلاً، ثم أغلق الباب دون جواب.

أسرع إلى مكتبه، ونزع الورقة، وأدخل أخرى وهو يحاول تهدئة ارتعاش أصابعه.

تجارب صغيرة على قلب العالم

كتب، قطة بيضاء ستقف على حافة النافذة.

وبعد لحظات، ظهرت قطة مبتلة فوق الحافة، تنفض الماء عن فرائها وتحدق فيه بعينين مختلفتي اللون.

كتب، ستتوقف الأمطار الآن.

انقطع خرير الماء فجأة، كأن سكيناً هائلة شقت السحابة، وساد صمت ثقيل في الشارع، حتى إن قطرات السقف المعلقة بقيت للحظات تتدلى قبل أن تسقط.

كتب، سيجد عبدالعليم ورقة مالية تحت الكرسي.

انحنى، فوجد ورقة نقدية جديدة مطوية بعناية، رغم أنه نظف الغرفة صباحاً ولم يكن هناك شيء.

تسارعت أنفاسه، وامتلأ صدره بحرارة نشوة لم يعرفها منذ كان صبياً يكتب أول قصة له تحت ضوء مصباح الكيروسين.

لم يعد مجرد رجل يفشل في وصف العالم؛ صار الرجل الذي يستطيع أن يأمر العالم بأن يتغير.

في تلك الليلة، لم ينم.

ظل يكتب أحداثاً صغيرة ثم يشاهدها تتحقق، حتى بدا الفجر خلف الزجاج بلون رماد بارد، وبدت المدينة تحته ككتاب مفتوح ينتظر يده.

حين صار الحبر مالاً وشهرة

بدأ عبدالعليم بحذر، أو هكذا أقنع نفسه.

كتب أن مدير الصحيفة سيكلفه بكتابة عمود أسبوعي، وأن المقال الأول سيحقق انتشاراً واسعاً، وأن ناشراً مرموقاً سيتصل به طالباً رواية جديدة.

تحققت الجمل بالترتيب نفسه، كما لو أن العالم موظف مطيع ينفذ قائمة مهام.

رن الهاتف صباحاً، ثم مرة أخرى ظهراً، وفي المساء كان اسمه يتصدر مواقع الأخبار الأدبية، وصورته القديمة تنتقل بين الصفحات مصحوبة بعبارة، الصوت الروائي الذي انتظرناه طويلاً.

كتب أن روايته ستنتهي خلال أسبوع، فاستيقظ في اليوم التالي ليجد مخطوطاً كاملاً على مكتبه.

كانت الصفحات تحمل اسمه، والأسلوب يشبه أسلوبه، لكنه أكثر قوة ونضجاً، حتى إنه قرأ بعض الفقرات وشعر بالغيرة من نفسه.

كتب أن الرواية ستبيع مئة ألف نسخة.

خلال شهر، أصبحت صورته معلقة في واجهات المكتبات، وصار الغرباء يوقفونه في الشوارع ليطلبوا توقيعه، بينما كانت الصحف التي تجاهلته سنوات تتسابق إلى وصفه بالعبقري.

غير أن النجاح لم يأت وحده.

الشقوق الأولى في المعجزة

كل جملة كتبتها الآلة كانت تترك خلفها أثراً صغيراً لا يراه سواه.

عندما كتب أن الناشر سيقبل الرواية، أصيب الكاتب الذي كان مقرراً نشر عمله في الشهر نفسه بمرض مفاجئ، فتأجل كتابه وفتح المكان لعبدالعليم.

وعندما كتب أن شقته ستتسع وتتحسن، اندلع حريق في الشقة المجاورة، فغادر أصحابها العمارة، واشتراها عبدالعليم بسعر زهيد وضَمّها إلى مسكنه.

وعندما كتب أن مقاله سيصبح حديث الناس، وقعت فضيحة سياسية غامضة جعلت مقاله، الذي تنبأ بها دون قصد، يبدو كأنه عمل استقصائي خارق.

خسر موظفون وظائفهم، وانتحر مسؤول صغير، بينما ارتفعت أرقام زوار صفحته إلى الملايين.

كان الواقع يمنحه ما يريد، لكنه لا يخلقه من الفراغ؛ كان ينتزع الثمن من مكان آخر، من حياة أخرى، من جسد لا يعرفه أو بيت لم يدخله.

كل أمنية تتحقق كانت تدفع حجراً في اتجاه مجهول، ثم يسمع عبدالعليم في البعيد صوت شيء ينكسر.

حاول ذات ليلة أن يكتب، تتحقق أمنيتي دون أن يتأذى أحد.

توقفت المفاتيح عن الحركة، وتصلبت تحت أصابعه كأنها لحمت في مكانها، ثم طُبعت على الورقة جملة لم يكتبها:

لا يولد قدر جديد إلا من جثة قدر قديم.

المرأة التي قرأت ما لم يُكتب

كانت ليلى صحفية ثقافية التقاها عبدالعليم خلال حفل توقيع روايته.

لم تكن كغيرها من الصحفيين الذين يضحكون قبل أن ينتهي من النكتة، بل كانت تراقبه بعينين داكنتين ساكنتين، كأنها تقرأ الكلمات التي يحذفها قبل أن ينطقها.

سألته أمام الحضور:

كيف تنبأت روايتك بحادث انهيار الجسر قبل وقوعه بيومين؟

ضحك عبدالعليم، وصفق بعض الحاضرين إعجاباً بالغموض، لكنه شعر بطعم معدني في فمه.

كان قد كتب في الرواية مشهداً عن جسر ينهار ليمنح بطله لحظة بطولية، ثم وقع الحادث في الواقع، ومات سبعة أشخاص.

قال:

الأدب يلتقط ما يعجز الواقع عن رؤيته.

لم تبتسم ليلى.

أو ربما يدفع الواقع إلى ما لا يريد أن يراه.

بعد الحفل، تبعته إلى الخارج، وأخبرته أنها تعرف الدكان الذي اشترى منه الآلة.

تجمد في مكانه، بينما كانت السيارات تمر خلفها وتلقي أضواءها على وجهها كشرائط بيضاء متقطعة.

دفتر الضحايا

أخرجت ليلى من حقيبتها دفتراً جلدياً قديماً، وفتحته على صفحات مليئة بالأسماء والتواريخ.

قالت إن جدها كان قاضياً في الأربعينيات، وإنه امتلك آلة كاتبة سوداء كتب بها أحكاماً كان يتمنى وقوعها، حتى صار قادراً على إدانة خصومه وإنقاذ أصدقائه.

لكن الآلة لم تمنحه العدالة؛ منحته سلطة تشبه العدالة من بعيد.

في نهاية الأمر، كتب أن ابنه سيشفى من مرض قاتل، فشُفي الطفل في الليلة نفسها، لكن الوباء انتقل إلى حي كامل ومات عشرات الصغار.

قالت ليلى:

كل من امتلك الآلة ظن أنه يستطيع استخدامها أفضل ممن سبقه.

وكل واحد منهم انتهى مقتنعاً بأن خطأه الوحيد أنه لم يكتب الجملة المناسبة.

أغلق عبدالعليم الدفتر بعنف.

ولماذا لم تدمروها؟

نظرت إليه طويلاً، ثم قالت:

لأنها لا تُدمَّر.

ولأنها حين تفقد صاحباً، تختار آخر.

ابتعد عنها دون أن يصدق، لكنه عندما عاد إلى غرفته وجد الآلة فوق مكتبه مفتوحة، رغم أنه كان قد أغلقها ووضعها داخل خزانة مقفلة.

وفي الورقة المثبتة بين بكراتها، كُتبت جملة جديدة:

ليلى ستمنع عبدالعليم من كتابة أعظم أعماله.

الرغبة التي ارتدت قناع الحب

لم يكتب عبدالعليم شيئاً ضد ليلى، لكنه بدأ يخشاها.

كانت تتصل به كل يوم، وتطالبه بتسليم الآلة أو التوقف عن استخدامها، فيما كان نجاحه يتسع كحريق يجد كل الأبواب مفتوحة.

في الوقت نفسه، كانت أمه ترقد في مستشفى حكومي تعاني فشلاً حاداً في القلب.

قال الأطباء إن فرص نجاتها ضعيفة، وإنها تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل لا يحتمل جسدها الهزيل.

جلس عبدالعليم بجوار سريرها، يراقب عروق يديها الزرقاء تحت الجلد الرقيق.

كانت رائحة المطهرات تملأ الغرفة، وأصوات أجهزة المراقبة تقطع الصمت بنبضات منتظمة، كأن الموت يطرق الباب بإصبع إلكتروني.

فتحت أمه عينيها، وتمتمت:

لا تحمل نفسك فوق ما تطيق يا بني.

ضغط على يدها وقال:

سأعيدك إلى البيت.

ابتسمت ابتسامة واهنة.

بعض البيوت في آخر الطريق، لا أوله.

عاد إلى شقته قبل الفجر، وجلس أمام الآلة.

وضع ورقة جديدة، وظل ساعة كاملة ينظر إلى المفاتيح، ثم كتب، تنجح جراحة أمي وتستعيد صحتها كاملة دون أن يموت أو يمرض أحد بسبب ذلك.

توقفت أصابعه عند النقطة الأخيرة.

لم تتجمد المفاتيح هذه المرة، بل تحركت وحدها وطُبعت أسفل عبارته كلمات صغيرة:

حدد الثمن.

صفقة تحت ضوء أزرق

مزق الورقة، لكن الآلة سحبت أخرى من تلقاء نفسها.

أعاد كتابة الجملة، فظهر الرد نفسه، حدد الثمن.

فكر في أمواله، في شهرته، في كتبه، ثم كتب، أفقد كل ما حققته مقابل شفائها.

ظلت الآلة صامتة، قبل أن تطبع، الثمن لا يكون مما منحته لك.

شعر بالغثيان.

فهم أن الآلة لا تريد المال ولا المجد؛ كانت تريد شيئاً حياً، شيئاً وُجد قبلها ولم تصنعه هي.

كتب اسم شخص ميت، فلم تستجب.

كتب اسم مجرم قرأ عنه في الصحيفة، فاهتزت المفاتيح، لكنه سحب الورقة قبل إكمال الجملة.

عندها رن هاتفه.

كانت ليلى تقول بصوت متوتر إنها في طريقها إليه، وإنها وجدت طريقة لإيقاف الآلة، لكنها تحتاج إلى مساعدته.

ظل اسمها يدور في رأسه مثل حجر داخل إناء معدني.

نظر إلى الورقة، ثم إلى الباب، ثم كتب ببطء، تشفى أمي، وفي المقابل تموت ليلى الليلة في حادث لا يثير الشبهات.

بقي إصبعه فوق زر النقطة، عاجزاً عن الضغط.

جاء صوت طرق على الباب.

عبدالعليم، افتح!

كان صوت ليلى.

الكلمة التي لا يمكن سحبها

ارتبك عبدالعليم، وتحركت يده دون قصد، فضغط المفتاح.

انطبعت النقطة السوداء في نهاية الجملة بصوت حاد، ثم أصدرت الآلة طقطقة طويلة كأنها تضحك بأسنان معدنية.

في الخارج، توقفت ليلى عن الطرق.

اندفع عبدالعليم نحو الباب وفتحه، فوجد الممر فارغاً.

ركض إلى السلم، ورآها عند المنعطف تهبط مسرعة، فناداها، لكنها لم تلتفت.

صاح:

توقفي! لا تخرجي إلى الشارع!

توقفت لحظة ونظرت إليه من أسفل الدرج.

كان وجهها شاحباً، وفي يدها زجاجة صغيرة مملوءة بسائل داكن.

قالت:

لقد كتبت شيئاً، أليس كذلك؟

لم يستطع الإجابة.

فهمت الصمت، فهزت رأسها بأسى، ثم رفعت الزجاجة وقالت:

هذا حبر صُنع من رماد أوراق كتبها أول مالك للآلة.

إذا سُكب داخلها قبل تحقق الجملة، قد تبطل، أو تحرق كل ما كُتب بها.

صعدت نحوه، لكن صوت صرير إطارات دوى في الشارع.

اخترقت سيارة واجهة العمارة، واهتز المبنى بعنف، فسقط جزء من الدرابزين بينهما.

رأى ليلى تفقد توازنها، ثم تهوي نحو بئر السلم.

جملة تمحو صاحبها

أمسك عبدالعليم بمعصمها في اللحظة الأخيرة، وظل جسدها معلقاً فوق الفراغ.

كانت أصابعه تنزلق فوق جلدها المبلل بالعرق، فيما تدحرجت زجاجة الحبر من يدها واستقرت على إحدى الدرجات دون أن تنكسر.

قالت ليلى بصوت متقطع:

الآلة ستبحث عن طريقة أخرى، لن تتوقف.

بذل عبدالعليم ما بقي لديه من قوة وسحبها إلى الأعلى.

وفي اللحظة نفسها، سقطت كتلة حجرية من السقف في الموضع الذي كان رأسها يتدلى تحته.

حملا الزجاجة واندفعا إلى الغرفة.

كانت الآلة تكتب وحدها بسرعة جنونية، وتطبع على الورق عشرات الاحتمالات، سيارة، سقوط، حريق، جلطة، رصاصة طائشة.

بدا أنها تفتش في مخزن الموت عن باب يصل إلى ليلى.

فتح عبدالعليم غطاءها، لكن الأذرع المعدنية ارتفعت وصفعت أصابعه حتى سال الدم.

أمسكت ليلى بيده وقالت إن سكب الحبر قد يمحو كل ما صنعته الآلة، بما في ذلك شفاء أمه المرتقب، وربما نجاحه وثروته وكل الطرق التي أعادت ترتيبها.

سألها:

وهل سيعيد الموتى؟

خفضت عينيها.

لا أحد يعرف.

نظر عبدالعليم إلى مكتبته، إلى الجوائز المصفوفة، إلى صورته على أغلفة الكتب، ثم تذكر وجوه ضحايا الجسر، والموظف المنتحر، والأطفال الذين لا يعرف أسماءهم.

أدرك أن حياته الجديدة لم تُبنَ فوق معجزة، بل فوق مقبرة واسعة لا تظهر شواهدها.

أمسك زجاجة الحبر، إلا أن الآلة طبعت أمامه جملة أخيرة:

إذا دُمّرت الآلة، تموت أمك قبل شروق الشمس.

ارتجفت يده.

قالت ليلى:

قد تكون تكذب.

حدق في المفاتيح السوداء، وفهم الحقيقة الأكثر قسوة، حتى لو كانت الآلة صادقة، فإن إنقاذ أمه بهذه الطريقة سيجعل كل نبضة في قلبها مسروقة من قلب آخر.

جلس أمامها، وأدخل ورقة جديدة.

قالت ليلى بقلق:

ماذا تفعل؟

أجابها وهو يمسح الدم عن أصابعه:

أكتب للمرة الأولى شيئاً لا أريد أن أكسب منه.

كتب، يفقد عبدالعليم القدرة على التأثير في أقدار الآخرين، وتبطل جميع الجمل التي لم تكتمل نتائجها، ولا تنتقل الآلة إلى مالك جديد.

لم تتحرك الآلة.

أضاف، ويكون الثمن حياة عبدالعليم نفسها.

صرخت ليلى وأمسكت بذراعه، لكنه كان قد ضغط النقطة.

العنصر الأخير فجر بلا كاتب

ساد صمت كامل، ثم انطلقت من جوف الآلة شهقة معدنية طويلة.

تشققت مفاتيحها واحداً بعد آخر، وتصاعد من شريط الحبر دخان أزرق له رائحة الورق المحترق بعد المطر.

اهتزت الجدران، وتساقطت الكتب من الرفوف، ثم بدأت الكلمات تختفي من صفحات روايات عبدالعليم.

تلاشت العناوين، وفرغت الأغلفة، وانمحت المقالات من شاشة الحاسوب كأن يداً خفية تمسح سنوات مجده في لحظات.

رن الهاتف، فأجابت ليلى.

كان المستشفى يخبرها أن أم عبدالعليم تجاوزت الجراحة بأمان، لكنها لن تستعيد صحتها كاملة، وستحتاج إلى رعاية طويلة.

لم تمت، ولم تُشفَ بمعجزة؛ عادت حياتها إلى الاحتمال الطبيعي، حيث النجاة ممكنة والخسارة ممكنة أيضاً.

ابتسم عبدالعليم عندما سمع الخبر.

لم يشعر بالألم، بل شعر بخفة غريبة، كأن جبلاً أزيح عن صدره.

نظر من النافذة، فرأى خيط الفجر يلمس أسطح المدينة، ورأى الناس في الشارع يمضون نحو أعمالهم، يحمل كل واحد منهم قدراً مجهولاً لا يملكه أحد.

قال لليلى:

كنت أظن أن الكاتب العظيم هو من يتحكم في مصائر شخصياته.

سألته والدموع تملأ عينيها:

وماذا عرفت الآن؟

أجاب:

أن الإنسان ليس شخصية في رواية أحد.

انحنى رأسه بهدوء، وسقطت يده عن حافة المكتب.

وفي اللحظة نفسها، انطبقت الآلة على نفسها، وتحولت حروفها النحاسية إلى رماد أسود تناثر فوق الورقة الأخيرة.

بعد عام، نشرت ليلى كتاباً عن عبدالعليم، لكنها لم تذكر الآلة، ولم تتحدث عن المعجزات.

كتبت فقط عن رجل امتلك فرصة أن يصنع العالم على هواه، ثم اختار في النهاية أن يعيده إلى أصحابه.

أما الدكان في الزقاق الضيق، فقد بحثت عنه أسابيع ولم تجده.

كان مكانه جداراً قديماً بلا باب، وعليه كتابة باهتة لم ترها من قبل:

الأقدار لا تحتاج إلى صانع، بل إلى بشر يملكون شجاعة قبولها.

ليست السلطة دائماً تاجاً أو عرشاً؛ قد تكون كلمة تُقال فيصدقها الجميع، أو قراراً صغيراً يغيّر حياة شخص لا نعرفه.

وكلما اتسعت قدرتنا على تشكيل العالم، ضاق العذر الذي نختبئ خلفه حين نؤذي الآخرين.

لقد خسر عبدالعليم حياته حين تخلى عن التحكم، لكنه استعاد في لحظته الأخيرة شيئاً أضاعه منذ ضغط أول مفتاح، إنسانيته.

فالقدر الذي يُفرض بالقوة، مهما بدا جميلاً، ليس خلاصاً؛ إنه قفص مزخرف لا يكتشف السجين قضبانه إلا بعد أن ينسى شكل السماء، قرية الأحلام السر المظلم وراء الأحلام التي يرسلها ضوء القمر للأطفال من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد