رسالة اعتذار إلى العنوان الخطأ أنهت قطيعة 20 عاما

الراوي
0

الرسالة التي جاءت مع المطر، وصلت الرسالة في ظهيرة شتوية هادئة، بينما كان يوسف جالسا خلف مكتبه في مكتب البريد القديم، يراقب المطر وهو يرسم خيوطه الرمادية على زجاج النافذة، غير مدرك أن المظروف الصغير الذي استقر بين أصابعه يحمل إليه عشرين عاما كاملة من الغضب المؤجل.

لم يكن اسمه مكتوبا على المظروف، كما أن العنوان لم يكن عنوانه، فقد تركه موظف التوزيع فوق مكتبه معتذرا عن تشابه الأسماء، ثم انصرف قبل أن ينتبه يوسف إلى أن الخط المرتجف على واجهة المظروف بدا مألوفا على نحو جعله ينسى للحظات صوت المطر من حوله.

كان ذلك خط أبيه، الرجل الذي لم يسمع صوته منذ أن خرج يوسف من بيت العائلة في ليلة صيفية حارقة وأغلق الباب خلفه بعنف، تاركا وراءه أما تبكي وأبا واقفا كتمثال من حجر، وكلمات ما زالت تتردد في ذاكرته كقطع من الزجاج لا يمكن جمعها من دون أن تجرح اليدين.

رسالة اعتذار إلى العنوان الخطأ أنهت قطيعة 20 عاما


مظروف يحمل اسما آخر

ظل يوسف ممسكا بالمظروف من طرفه كأنه يخشى أن يلسعه الورق، بينما كان عقرب الساعة المعلقة فوقه يتحرك ببطء ثقيل، ناشرا في الغرفة طرقات منتظمة تشبه نبضات قلب رجل ينتظر حكما لا يعرفه.

كان الاسم المدون على المظروف سليم عبد الرحمن، أما العنوان فكان لبيت في الحي القديم، على مسافة شارعين فقط من منزل والده، ولذلك لم يستطع يوسف إقناع نفسه بأن الأمر مجرد مصادفة عابرة.

قلب المظروف بين يديه، فرأى في الزاوية الخلفية اسم المرسل مكتوبا بحبر أزرق باهت، عبد الرحمن محمود السيوفي، وشعر في تلك اللحظة بأن الهواء أصبح أثقل من أن يدخل رئتيه.

كان ذلك الاسم الكامل نادرا ما يكتب، فأبوه اعتاد أن يوقع رسائله الرسمية باسم عبد الرحمن السيوفي فحسب، كأنه يختصر حتى نفسه حتى لا يمنح العالم أكثر مما يستحق.

صوت قديم يخرج من الورق

مرر يوسف إصبعه فوق الحروف، فعادت إليه دفاتر طفولته التي كان أبوه يراجعها ليلا بقلم أحمر، وتصحيحه الصارم لانحناء الألف، واعتراضه على النقاط المائلة، وإصراره الدائم على أن خط الإنسان يكشف مقدار احترامه لما يكتبه.

تذكر مساء بعيدا جلس فيه طفلا يحاول كتابة اسمه، فقال له والده إن عليه ألا يكتب كلمة لا يقصدها، لأن الورق أصدق من أفواه الناس، فارتسمت على وجه يوسف ابتسامة مريرة وهو يستعيد العبارة بعد كل تلك الأعوام.

وضع المظروف على المكتب وحاول الانشغال بأكياس البريد المتراكمة، إلا أن الرسالة ظلت أمامه كعين مفتوحة تراقبه، وكان النظام يفرض عليه إعادتها إلى قسم الفرز حتى تبلغ صاحبها الصحيح.

لكن سؤالا ظل يطارده، فلمن كتب أبوه اعتذاره، ومن يكون الرجل الذي استطاع أن ينتزع من عبد الرحمن كلمة عجز ابنه عن سماعها طوال عشرين عاما.

الليلة التي بدأت فيها القطيعة

لم تبدأ العداوة بين يوسف وأبيه بضربة أو خيانة أو نزاع على ميراث، وإنما بدأت بحلم صغير رآه الأب يومها إعلان حرب على تاريخ العائلة كله.

كان يوسف في الرابعة والعشرين حين قرر ترك متجر الأقمشة الذي ورثه أبوه عن الجد والسفر إلى العاصمة لتعلم التصوير الصحفي، فقد كان يرى العالم من خلال عدسة الكاميرا أوسع كثيرا من الرفوف الضيقة المكدسة بالحرير والكتان.

أما عبد الرحمن فكان ينظر إلى المتجر بوصفه بيتا ثانيا وذاكرة لثلاثة أجيال وامتحانا لوفاء ابنه، ولم يستطع أن يفهم كيف يختار يوسف مطاردة الصور بينما ينتظره إرث يحمل اسم العائلة فوق لافتة خشبية عتيقة.

في تلك الليلة وقف الأب خلف طاولة الطعام، تنتفخ شرايين عنقه كلما حاول كبح غضبه، بينما وقف يوسف قبالته قابضا على حقيبة سفر لم يكن قد أغلقها بعد، وأخبره والده أنه لن يسمح له بالخروج ليصبح رجلا يقتات من تصوير الغرباء بينما متجر جده يفتح أبوابه له.

اشتعل كبرياء يوسف الشاب، فأجابه بأنه لا يريد أن يموت خلف منضدة لأن أباه خاف أن يعيش خارجها.

الكلمة التي لم يعد ممكنا استردادها

حل صمت مفاجئ حتى إن يوسف استطاع سماع صرير المروحة وهي تدور فوقهما، ورأى وجه والده يفقد لونه ببطء، كأن الصفعة لم تصب جلده، وإنما أصابت مكانا أعمق لا تراه العين.

اقترب عبد الرحمن خطوة وأمر ابنه بصوت خافت أشد وطأة من الصراخ أن يخرج، وألا يعود حين يكتشف أن العالم لا يعرف اسمه.

كان يستطيع يوسف أن يصمت، أو يترك حقيبته، أو حتى يغادر دون أن يزيد الجرح اتساعا، لكنه رفع رأسه وأطلق الكلمات التي سيحمل عارها داخله سنوات طويلة، قائلا إن ما يكفيه هو أن العالم لن يعرفه بوصفه ابن عبد الرحمن.

خرج وصفق الباب خلفه، ولم يره أبوه بعد دقائق وهو يقف في الشارع عاجزا عن الحركة، يتمنى أن يفتح الباب وأن يناديه أحد باسمه، لكن الباب ظل مغلقا.

عشرون عاما من الصمت

مرت السنوات كقطارات سريعة لا تتوقف في المحطات الصغيرة، وأصبح يوسف مصورا معروفا تتنقل أعماله بين الصحف والمعارض، وشاهد عبر عدسته وجوه الموتى والناجين والحروب والفيضانات، لكنه لم يمتلك يوما الشجاعة ليوجه عدسته نحو البيت القديم.

تزوج ثم انفصل بعد سبع سنوات، ولم يرزق بأطفال، وعندما ماتت أمه تلقى الخبر من خالته بعد الدفن بساعتين، لأن والده رفض إرسال عنوان المستشفى إليه.

ذهب يومها إلى المقبرة وحده ووضع زهرة بيضاء فوق التراب الرطب، ثم لمح من بعيد رجلا مسنا يستند إلى عصاه قرب البوابة الحديدية، فعرف أباه رغم انحناء ظهره، كما عرف الأب ابنه رغم الشعر الأبيض الذي بدأ يغزو صدغيه.

لم يتقدم أي منهما نحو الآخر، واكتفيا بنظرة قصيرة قبل أن يدير كل واحد منهما وجهه في الاتجاه المعاكس.

ميراث من الكبرياء

كان أقارب العائلة يروون قصة القطيعة كأنها أسطورة لا يجوز تعديلها، فمنهم من رأى أن يوسف أهان اسم أبيه، ومنهم من اعتقد أن عبد الرحمن حطم مستقبل ابنه، لكن أحدا لم يجرؤ على حمل أحدهما إلى الآخر.

كلما سأل أحد يوسف عن أبيه أجاب بأنه لا يعرف عنه شيئا وسارع إلى تغيير الموضوع، بينما كان عبد الرحمن يحتفظ بصور ابنه المنشورة في صندوق خشبي أسفل خزانته، ثم يغلقه بالمفتاح كأنه يخفي دليلا على جريمة.

لم يكن أي منهما يكره الآخر حقا، لكن الاعتذار بعد عام بدا صعبا، وبعد خمسة أعوام بدا مهينا، وبعد عشرة أعوام صار أشبه باعتراف بأن نصف العمر ضاع بسبب كلمة.

وحين دخلت القطيعة عامها العشرين، لم يعد الصمت مجرد موقف عابر، بل تحول إلى جدار تراكمت فوقه صور الراحلين وغبار الأعوام وأصوات كثيرة لم تجد طريقها إلى الخارج.

رحلة إلى صاحب الرسالة

قبل انتهاء الدوام أعاد يوسف النظر إلى المظروف، ثم سجل بياناته في دفتر البريد غير المسلم ووضعه داخل حقيبته، عازما على تسليمه بنفسه إلى صاحبه، لا بدافع التجسس، وإنما لأن قدميه احتاجتا إلى ذريعة تقودهما نحو الحي القديم.

كان المطر قد توقف، لكن الشوارع بقيت تلمع تحت أضواء المصابيح، وانعكست واجهات المحال فوق الأسفلت كصور مضطربة لعالم آخر، بينما سار يوسف ببطء وشعر أن كل خطوة تعيده عاما إلى الماضي.

بلغ العنوان المدون على الرسالة، فوجد بيتا صغيرا ذا باب أخضر، وطرق عليه ثلاث مرات حتى فتح له رجل نحيل في أواخر الستينيات، يرتدي سترة صوفية بنية وتملأ عينيه نظرة حذرة.

سأل يوسف إن كان الأستاذ سليم عبد الرحمن، وحين أومأ الرجل برأسه، مد إليه المظروف وأخبره بأنها رسالة وصلت إلى مكتب البريد على نحو غير صحيح، وأنه رأى أن من الأفضل أن يسلمها إليه بنفسه.

اعتذار بين شقيقين

ما إن وقعت عينا سليم على اسم المرسل حتى ارتجفت يده، ثم رفع نظره نحو يوسف وحدق فيه طويلا قبل أن يسأله إن كان ابن عبد الرحمن.

تجمد يوسف في مكانه، بينما فتح الرجل الباب على اتساعه ودعاه إلى غرفة دافئة تفوح منها رائحة القرفة والخشب المحترق، ثم جلس قبالته ووضع الرسالة بينهما.

أخبره سليم أن عبد الرحمن هو أخوه الأكبر، وأنهما لم يلتقيا منذ خمسة وعشرين عاما، فكانت المفاجأة شديدة على يوسف الذي لم يكن يعلم أن لأبيه أخا ما زال حيا، إذ ظل اسم عمه محذوفا من أحاديث الأسرة كصفحة انتزعت بعناية من كتاب.

تنهد سليم وروى له أنه اختلف مع أخيه حول ميراث أبيهما، فقد كان يعتقد أن عبد الرحمن ظلمه، بينما اعتبر عبد الرحمن ذلك اتهاما في شرفه، وانتظر كل منهما اعتذار الآخر حتى دفنا أخوتهما تحت كلمة واحدة هي الكرامة.

الرسالة تكشف وجهتها الحقيقية

فتح سليم المظروف ببطء وأخرج ورقتين مطويتين بعناية، وما إن قرأ السطر الأول حتى ارتعش فكه، وانحدرت دمعة ثقيلة بين تجاعيد وجهه دون أن يحاول مسحها.

رفع رأسه إلى يوسف وأخبره بصوت مبحوح أن الرسالة ليست له، فمد يوسف يده نحوها قبل أن يسحبها، وقد شعر بأن الحقيقة تقف على مسافة قريبة منه، لكنه لم يكن مستعدا لرؤية وجهها.

قرأ سليم الاسم الموجود أعلى الصفحة، ثم أخبر يوسف أن أباه كتب الرسالة إليه هو، ووضع الورقة أمامه، فرأى يوسف اسمه كاملا في أول السطر وتحته الكلمات التي انتظرها عشرين عاما، لكنها جاءت داخل مظروف يحمل اسم رجل آخر.

خطأ متعمد في العنوان

سأل يوسف في ارتباك عن سبب كتابة اسم سليم على المظروف، فقلب عمه الورقة الثانية وعثر في أسفلها على سطر منفصل كتبه عبد الرحمن بحبر أخف، يطلب فيه أن تصل الرسالة إلى سليم أولا لأنه يعلم أن يوسف قد يرفض رسالة تحمل اسمه، ولأن الطريق إلى ابنه ربما يحتاج إلى أخ يعرف ثقل الخصام.

أدرك يوسف أن أباه لم يخطئ في كتابة العنوان، بل صنع الخطأ متعمدا، متكئا على احتمال قد يجمع رجلا بأخيه وابنا بأبيه في الوقت نفسه.

غير أن القدر زاد الحيلة التباسا، فوصل المظروف إلى يد يوسف قبل أن يبلغ سليم، وكأن سنوات القطيعة الطويلة تعبت أخيرا من الدوران واختارت أقصر الطرق إلى أصحابها.

الكلمات التي تأخرت عشرين عاما

مد يوسف يده نحو الورقة وشعر بخشونتها تحت أصابعه، ثم بدأ يقرأ، وكانت الحروف متباعدة قليلا كأن يد أبيه توقفت طويلا بين كلمة وأخرى.

كتب عبد الرحمن أنه لا يعرف كيف يبدأ الأب اعتذارا لابنه، لأن الآباء يعلمون منذ صغرهم أن الاعتراف بالخطأ ينقص من هيبتهم، ولا يخبرهم أحد أن ذلك الاعتراف قد يصبح آخر ما ينقذها.

توقف يوسف حين غامت الحروف أمام عينيه وأبعد الورقة عن وجهه، لكن سليم شجعه على إكمال القراءة، لأن بعض الأبواب لا تفتح إلا بعد سماع صريرها كاملا.

عاد يوسف إلى الرسالة، فقرأ اعتراف أبيه بأنه أخبره ذات يوم أن العالم لن يعرف اسمه، لكنه ظل بعد رحيله يبحث عن ذلك الاسم في كل صحيفة استطاع شراءها، ويحفظ صوره في صندوق، ويغضب حين يسمع أحدا يمدحه، لا لأنه لم يكن فخورا به، بل لأن ذلك الفخر كان يفضح خوفه من أنه خسر ابنه إلى الأبد.

اعترافات الأب المخفية

واصلت الرسالة كشف ما أخفاه عبد الرحمن طوال السنين، فكتب عن الليلة التي خرج فيها يوسف من البيت، وعن وقوفه خلف الباب منتظرا عودته، وعن المرات التي ذهب فيها سرا إلى معارض الصور وظل بعيدا حتى لا يراه ابنه.

كتب كذلك عن موت الأم ووصيتها الأخيرة بأن يكسر عناده قبل أن يكسر الموت ما بقي من البيت، واعترف بأنه رفض استدعاء يوسف إلى المستشفى لأنه خشي أن تبدو المصالحة أمام فراشها كأنها صدقة متأخرة.

وفي نهاية الرسالة، أصبحت الحروف أكثر اضطرابا، واعترف عبد الرحمن بأنه مريض، وأنه لا يكتب لأن المرض جعله يخشى الموت، وإنما لأنه جعله يخشى أن يموت كما عاش أعوامه الأخيرة، رجلا يعرف كيف يحافظ على اسمه لكنه لا يعرف كيف ينادي ابنه.

سقطت الورقة من يد يوسف، ونهض من مكانه دون أن يشعر، ثم سأل بصوت متكسر عن مكان أبيه.

الطريق إلى المستشفى

أخبره سليم أن عبد الرحمن نقل صباح ذلك اليوم إلى المستشفى إثر أزمة قلبية، وأنه رفض إخبار أحد بمضمون الرسالة أو مكانها، واكتفى بإعطاء المظروف إلى جار قديم ليضعه في صندوق البريد.

خرج يوسف وعمه مسرعين إلى الشارع، ولم ينتظرا سيارة أجرة، بل ركضا تحت المطر الذي عاد فجأة باردا ومتقطعا، فيما شعر يوسف أن المدينة كلها تتحرك ببطء متعمد وكأنها تريد إبقاءه بعيدا عن أبيه.

في مدخل المستشفى اختلطت رائحة المطهرات برائحة ثيابهما المبتلة، واندفع يوسف نحو مكتب الاستقبال عاجزا عن ترتيب كلماته، فتولى سليم السؤال عن غرفة عبد الرحمن.

كان الأب في الطابق الثالث خلف باب أبيض يحمل رقما أسود، وحين اقترب يوسف من الغرفة عاد إليه ذلك الخوف القديم الذي كان يشعر به طفلا عندما يستدعيه أبوه إلى المتجر ليحاسبه على خطأ ارتكبه.

ما وراء الباب الأبيض

وضع يوسف يده على المقبض ولم يفتحه، إذ استيقظ داخله صوت يخبره بأن الوقت ربما فات، وأن الرجل في الداخل قد لا يريد رؤيته، وأن الاعتذار المكتوب لا يعني بالضرورة أن الغفران أصبح أمرا سهلا.

اقترب سليم ووضع يده فوق كتف ابن أخيه، وقال إنهما لا يقفان أمام الباب لأن أحدهما انتصر، بل لأن الهزيمة استمرت أطول مما ينبغي، فجمع يوسف شجاعته وفتح الباب.

كان عبد الرحمن مستلقيا تحت غطاء أبيض، وبدا أصغر كثيرا من الرجل الذي احتفظت به ذاكرة ابنه، كأن الأعوام التي حولته إلى عملاق في رأس يوسف تقلصت فجأة داخل جسد نحيل تحيط به الأسلاك والأجهزة، بينما ترسم شاشة خضراء نبضات قلبه.

اللقاء بعد عشرين عاما

تحركت عينا الأب نحو الباب، فرأى سليم أولا واتسعت عيناه بدهشة صامتة، ثم انتقل بصره إلى يوسف، فتوقف وجهه بين الفرح والخوف كمن يرى حلما يخشى أن يمد يده إليه فيستيقظ.

ظل يوسف واقفا عند العتبة، وقطرات المطر تنحدر من معطفه إلى الأرض، بينما حرك عبد الرحمن أصابعه فوق الغطاء كأنه يبحث عن شيء فقده منذ زمن طويل.

سأل الأب بصوت واهن إن كانت الرسالة قد وصلت، فأجابه يوسف بأنها وصلت إلى العنوان الخطأ، فظهرت عند زاوية فم عبد الرحمن ابتسامة شاحبة.

قال الأب إنه كان دائما سيئا في اختيار الطريق إلى ابنه.

حين خلع الكبرياء درعه

اقترب يوسف خطوة ثم أخرى حتى أصبح بجوار السرير، لكنه لم يعرف ماذا يفعل بيديه، فظل قابضا عليهما كما كان يفعل طفلا حين يقف أمام أبيه مذنبا.

نظر إليه عبد الرحمن وقال الكلمات التي انتظرها يوسف عشرين عاما، معتذرا إليه ببساطة، وكانت العبارة أصغر من أن تحمل في ظاهرها عقدين من الغياب، لكنها حين خرجت من فم الأب بدت كأنها حجر ضخم أزيح عن صدر البيت كله.

خفض يوسف رأسه واعترف بدوره بأنه قال لأبيه ما لم يكن ينبغي لابن أن يقوله، فأجابه عبد الرحمن بأنه كان شابا غاضبا، ورد يوسف بأن أباه كان أيضا أبا غاضبا.

صحح عبد الرحمن كلامه قائلا إنه كان خائفا، وعندما سأله يوسف مم كان يخاف، لمعت الدموع في عيني الأب وهو يعترف بأنه كان يخشى أن يختار ابنه حياة لا يحتاج إليه فيها.

اعتذار بلا منتصرين

جلس يوسف إلى جوار السرير ومد يده أخيرا، فترددت أصابع أبيه لحظة قبل أن تستقر داخلها، وكانت باردة وخفيفة على نحو لم يتخيله يوما.

دخل سليم الغرفة وتعلقت عينا عبد الرحمن بأخيه، ومر بينهما صمت أقدم من خصام الأب وابنه، صمت يحمل بيتا موروثا وأرضا بيعت وأما ماتت وهي تنتظر أن يعود ابناها إلى مائدة واحدة.

أخبر سليم أخاه أن رسالته وصلت إليه أيضا، حتى وإن لم تكن مكتوبة له، فأغمض عبد الرحمن عينيه وانحدرت دمعة إلى وسادته، ثم اعترف بأنه ظلمه حين اعتقد أن الاعتذار سيجعله أصغر.

اقترب سليم وأمسك بيده الأخرى، وأجابه بأنهم جميعا صاروا أصغر لأنهم لم يعتذروا.

العائلة تعود إلى الغرفة

بقي الرجال الثلاثة صامتين لبعض الوقت، لكن الصمت هذه المرة لم يكن جدارا يفصل بينهم، وإنما مساحة هادئة تتنفس فيها الكلمات المتأخرة وتستريح فيها القلوب من حراسة جراحها القديمة.

تحدثوا حتى اقترب الفجر، فحكى يوسف عن المدن البعيدة التي زارها، وروى سليم أخبار أبنائه الذين لم يعرفوا عمهم، وأخبرهم عبد الرحمن كيف حافظ على متجر الأقمشة رغم كساده لأنه كان يتخيل أن يوسف قد يعود يوما فيجد اللافتة ما تزال في مكانها.

وحين أخرج يوسف هاتفه لم يلتقط صورة لأبيه كما اعتاد أن يفعل مع الوجوه المؤثرة، بل أعاد الهاتف إلى مكانه، فقد شعر أن بعض اللحظات تفسدها العدسة حين تحاول حبسها، بينما تخلدها يد تتمسك بيد أخرى.

ما أعادته الرسالة إلى البيت

تعافى عبد الرحمن ببطء، وبعد ثلاثة أسابيع خرج من المستشفى مستندا إلى يوسف من جهة وإلى سليم من الجهة الأخرى، بينما كان الممرضون يراقبون الرجال الثلاثة وهم يختلفون حول من سيتولى حمل حقيبة الدواء.

عادوا إلى البيت القديم، وهناك وجد يوسف غرفته كما تركها تقريبا، فقد ظلت كتبه فوق الرف، وكاميرته الأولى داخل درج المكتب، وقميصه الأزرق معلقا خلف الباب، رغم أن الغبار التهم الكثير من لونه.

أما الصندوق الخشبي الموجود أسفل خزانة أبيه فكان ممتلئا بصوره المنشورة، بعضها مقصوص بعناية من صحف قديمة، وعلى ظهر كل صورة دون عبد الرحمن تاريخها ومكانها وتعليقا قصيرا بخطه الصارم.

وجد يوسف صورة كان قد التقطها لطفل يبتسم وسط أنقاض بيت، وقرأ خلفها تعليق أبيه الذي وصف الصورة بأنها جميلة، لكنه انتقد وضع يوسف للضوء خلف الموضوع أكثر مما ينبغي.

ضحك يوسف من قلبه للمرة الأولى منذ زمن طويل، وعندما سمع عبد الرحمن ضحكته من الغرفة المجاورة، ابتسم من دون أن يسأله عما عثر عليه.

الصورة التي اكتملت أخيرا

بعد شهر، أعاد يوسف افتتاح متجر الأقمشة، لا ليعود إلى العمل الذي فر منه شابا، وإنما ليحوله إلى معرض صغير يحمل اسم العائلة، يعرض فيه صوره إلى جانب دفاتر جده القديمة وأقمشة أبيه وأدوات الخياطة التي كادت تضيع في زحام السنين.

في يوم الافتتاح وقف عبد الرحمن وسليم أمام الباب الخشبي، يرتديان بدلتين متشابهتين ويختلفان حول الموضع الأنسب للافتة، بينما ابتعد يوسف عنهما بضع خطوات ورفع كاميرته.

نظر عبد الرحمن إلى العدسة وسأل ابنه إن كان الضوء مناسبا هذه المرة، فابتسم يوسف وأخبره بأن الضوء أصبح أخيرا في مكانه الصحيح.

ضغط زر الكاميرا، فاجتمع داخل الصورة أب وابنه وعم عاد من الغياب، وخلفهم متجر لم يعد سجنا لحلم قديم، بل صار جسرا بين ما ورثته العائلة وما اختار كل واحد من أفرادها أن يصنعه لنفسه.

رسالة لم تعد تحتاج إلى عنوان

في مساء ذلك اليوم جلس يوسف إلى المكتب القديم في المتجر، ووضع أمامه ورقة بيضاء ومظروفا لم يكتب عليه اسما ولا عنوانا، ثم بدأ يخط رسالة بيد مرتجفة تشبه يد أبيه.

كتب إلى والده أنه لا يعتذر عن اختياره لطريقه، ولا يطلب منه الاعتذار لأنه خاف عليه بطريقته، لكنه يأسف لأنهما سمحا للكبرياء بأن يترجم الحب إلى غضب، وأن يحول الشوق إلى عقاب.

توقف قليلا ثم كتب أن أباه علمه يوما أن الورق أصدق من أفواه الناس، لكنه تعلم بعد فوات أعوام طويلة أن بعض الكلمات لا ينبغي أن تظل حبيسة الورق.

طوى الرسالة ووضعها داخل المظروف، ثم نهض واتجه إلى الغرفة الخلفية حيث كان أبوه يصلح إطار صورة، ومد إليه المظروف من دون أن يكتب عليه عنوانا.

سأله عبد الرحمن عن الشخص الذي كتبت له الرسالة، فأجابه يوسف بأنها لرجل يسكن قريبا جدا، لكن الوصول إليه استغرق عشرين عاما.

فتح الأب ذراعيه، فترك يوسف الرسالة تسقط فوق الطاولة وتقدم نحوه، وفي تلك اللحظة لم يحتج أي منهما إلى قراءة ما تبقى.

لم تكن القطيعة دائما دليلا على غياب المحبة، ففي بعض العائلات يكون الحب عميقا إلى درجة أن أصحابه يخشون كشفه، فيستبدلون به الصمت، ويضعون الكبرياء حارسا على أبوابهم، ثم ينسون أنهم هم أيضا عالقون في الداخل.

وقد تصل بعض الرسائل إلى العنوان الخطأ، لكنها تبلغ القلب الصحيح، لأن الاعتذار لا يحتاج إلى طريق مثالي بقدر حاجته إلى إنسان يمتلك الشجاعة لفتح المظروف قبل أن يغلق العمر بابه الأخير.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.