وصلت الرسالة في ظهيرة شتوية هادئة، حين كان يوسف جالساً خلف مكتب البريد القديم، يراقب المطر وهو يخط خيوطه الرمادية على زجاج النافذة، غير مدرك أن مظروفاً صغيراً بين أصابعه كان يحمل إليه عشرين عاماً من الغضب المؤجل.
لم يكن اسمه مكتوباً على الظرف، ولم يكن العنوان عنوانه، لكن موظف التوزيع تركه فوق مكتبه معتذراً عن تشابه الأسماء، ثم مضى قبل أن ينتبه يوسف إلى أن الخط المرتجف على الواجهة بدا مألوفاً على نحو جعله ينسى صوت المطر.
كان خط أبيه.
ذلك الرجل الذي لم يسمع صوته منذ أن خرج من بيت العائلة في ليلة صيفية حارقة، وأغلق الباب وراءه بعنف، تاركاً خلفه أماً تبكي، وأباً واقفاً كتمثال من حجر، وكلمات لا تزال حتى اليوم تتردد في ذاكرته كقطع زجاج لا يمكن جمعها دون أن تجرح اليدين.
مظروف يحمل اسماً آخر
ظل يوسف ممسكاً بالمظروف من طرفه، كأنه يخشى أن يلسعه الورق، بينما تحرك عقرب الساعة المعلقة فوقه ببطء ثقيل، ناشراً في الغرفة طرقات منتظمة تشبه دقات قلب رجل ينتظر حكماً لا يعرفه.
كان الاسم المكتوب على الظرف، سليم عبد الرحمن، أما العنوان فكان لبيت يقع في الحي القديم، على مسافة شارعين فقط من منزل والده، ومع ذلك لم يستطع يوسف أن يقنع نفسه بأن التشابه مجرد مصادفة.
قلب الظرف بين يديه، فوجد في الزاوية الخلفية اسم المرسل مكتوباً بحبر أزرق باهت، عبد الرحمن محمود السيوفي.
شعر يوسف بأن الهواء صار أثقل من أن يدخل رئتيه، فقد كان ذلك الاسم كاملاً نادراً ما يُكتب؛ أبوه كان يكتفي دائماً بتوقيع رسائله الرسمية باسم عبد الرحمن السيوفي، وكأنه يختصر حتى نفسه كيلا يمنح العالم أكثر مما يستحق.
صوت قديم خلف الورق
مرر يوسف إصبعه فوق الحروف، فتذكّر دفاتر المدرسة التي كان أبوه يراجعها ليلاً بقلم أحمر، وتصحيحه الصارم لانحناء الألف، واعتراضه على النقاط المائلة، وإصراره على أن الخط يكشف مقدار احترام الإنسان لما يقوله.
قال الأب له ذات مساء بعيد، بينما كان يوسف طفلاً يحاول كتابة اسمه:
لا تكتب كلمة وأنت لا تقصدها، فالورق أصدق من أفواه الناس.
ابتسم يوسف بمرارة حين نهضت العبارة من رماد الذاكرة، ثم وضع المظروف فوق المكتب، محاولاً الانشغال بأكياس البريد المتراكمة، لكن الرسالة ظلت في موضعها كعين مفتوحة تراقبه.
كان عليه، وفق النظام، أن يعيدها إلى قسم الفرز لتصل إلى صاحبها الصحيح، إلا أن شيئاً في داخله ظل يسأله، لمن كتب أبي اعتذاره؟ ومن هو الرجل الذي استطاع أن ينتزع منه كلمة عجز ابنه عن سماعها طوال عشرين عاماً؟
الليلة التي بدأت فيها القطيعة
لم تبدأ العداوة بين يوسف وأبيه بضربة أو خيانة أو ميراث متنازع عليه، بل بدأت بحلم صغير بدا للأب آنذاك كأنه إعلان حرب على تاريخ العائلة.
كان يوسف في الرابعة والعشرين حين قرر ترك متجر الأقمشة الذي ورثه أبوه عن الجد، والسفر إلى العاصمة ليتعلم التصوير الصحفي، فقد كان يرى العالم من خلال عدسة الكاميرا أوسع من الرفوف الضيقة المكدسة بالحرير والكتان.
أما عبد الرحمن، فكان يرى المتجر بيتاً ثانياً، وذاكرة ثلاثة أجيال، وامتحاناً لوفاء الابن؛ لم يكن يستطيع فهم كيف يختار يوسف مطاردة الصور، بينما ينتظره إرث يحمل اسم العائلة فوق لافتة خشبية عتيقة.
في تلك الليلة، وقف الأب خلف طاولة الطعام، وراحت شرايين عنقه تنتفخ كلما حاول كبح غضبه، بينما بقي يوسف قبالته، قابضاً على حقيبة سفر لم يكن قد أغلقها بعد.
قال الأب بصوت خشن:
لن تخرج من هذا البيت لتصبح رجلاً يقتات من صور الغرباء، بينما متجر جدك يفتح أبوابه لك.
أجابه يوسف، وقد ألهب الكبرياء شبابه:
أنا لا أريد أن أموت خلف منضدة لأنك خفت أن تعيش خارجها.
كلمة لا يمكن استردادها
ساد صمت مفاجئ، حتى إن يوسف سمع صرير المروحة وهي تدور فوقهما، ورأى وجه أبيه يفقد لونه ببطء، كأن الصفعة لم تقع على جلده بل في مكان أعمق لا يظهر للعين.
اقترب عبد الرحمن خطوة، وقال بصوت خافت كان أشد من الصراخ:
اخرج، لكن لا تعد حين تكتشف أن العالم لا يعرف اسمك.
كان يمكن ليوسف أن يصمت، أو يترك الحقيبة، أو حتى يخرج دون أن يزيد الجرح اتساعاً، لكنه رفع رأسه وقال الكلمات التي ظل يحمل عارها في داخله سنوات طويلة:
يكفيني أن العالم لن يعرفني بصفتي ابنك.
خرج يوسف، وصفق الباب وراءه، ولم يره أبوه وهو يقف في الشارع بعد دقائق، عاجزاً عن الحركة، يتمنى أن يُفتح الباب ويناديه أحد باسمه.
لكن الباب لم يُفتح.
عشرون عاماً من الصمت المنظم
مرّت السنوات كقطارات سريعة لا تتوقف في المحطات الصغيرة، وأصبح يوسف مصوراً معروفاً، تنقلت صوره بين الصحف والمعارض، وشاهد وجوه الموتى والناجين والحروب والفيضانات، لكنه لم يجرؤ على توجيه عدسته نحو البيت القديم.
تزوج، ثم انفصل بعد سبع سنوات، ولم يرزق بأطفال، وحين ماتت أمه تلقى الخبر من خالته بعد الدفن بساعتين، لأن والده رفض إرسال عنوان المستشفى إليه.
ذهب يومها إلى المقبرة وحده، ووضع زهرة بيضاء على التراب الرطب، ثم لمح من بعيد رجلاً مسناً يستند إلى عصاه قرب البوابة الحديدية.
عرف أباه رغم انحناء ظهره، وعرف الأب ابنه رغم الشعر الأبيض الذي بدأ ينتشر عند صدغيه، لكن كليهما اكتفى بنظرة قصيرة، ثم أدار وجهه في الاتجاه المعاكس.
ميراث الكبرياء
كان أقارب العائلة يروون القطيعة كأنها أسطورة لا يجوز تعديلها؛ بعضهم يقول إن يوسف أهان اسم أبيه، وبعضهم يرى أن عبد الرحمن حطم مستقبل ابنه، لكن أحداً لم يجرؤ على حمل أحدهما إلى الآخر.
كلما سأل شخص يوسف عن أبيه، كان يقول إنه لا يعرف عنه شيئاً، ثم يغير الموضوع بسرعة، أما عبد الرحمن فكان يحتفظ بصور ابنه المنشورة في صندوق خشبي أسفل خزانته، ويغلقه بالمفتاح كأنه يخفي دليلاً على جريمة.
لم يكن أي منهما يكره الآخر حقاً، غير أن الاعتذار بعد عام بدا صعباً، وبعد خمسة أعوام بدا مهيناً، وبعد عشرة أعوام صار كأنه اعتراف بأن نصف العمر قد ضاع بسبب كلمة.
وحين بلغت القطيعة عامها العشرين، لم يعد الصمت مجرد موقف؛ صار جداراً يحمل صور الراحلين، وغبار الأعوام، وأصواتاً كثيرة لم تجد طريقها إلى الخارج.
الرسالة التي لم تُكتب ليوسف
قبل انتهاء الدوام، أعاد يوسف النظر إلى المظروف، ثم سجّل بياناته في دفتر البريد غير المسلّم، ووضعه في حقيبته عازماً على إيصاله بنفسه إلى صاحبه، لا رغبة في التجسس، بل لأن قدميه كانتا تحتاجان إلى ذريعة تقودهما نحو الحي القديم.
كان المطر قد توقف، لكن الشوارع بقيت تلمع تحت المصابيح، وانعكست واجهات المحلات فوق الأسفلت كصور مضطربة لعالم آخر، فيما سار يوسف ببطء، شاعراً بأن كل خطوة تعيده عاماً إلى الوراء.
وصل إلى العنوان المكتوب، فوجد بيتاً صغيراً ذا باب أخضر، وطرق ثلاث مرات، حتى فتح له رجل نحيل في أواخر الستينيات، يرتدي سترة صوفية بنية وتعلو عينيه نظرة حذرة.
سأله يوسف:
الأستاذ سليم عبد الرحمن؟
أومأ الرجل، فمد إليه المظروف قائلاً:
رسالة وصلت إلى مكتبنا بالخطأ.
ظننت أن من الأفضل تسليمها بنفسي.
اعتذار بين شقيقين
ما إن رأى سليم اسم المرسل حتى ارتجفت يده، ثم رفع عينيه إلى يوسف، وحدق فيه طويلاً قبل أن يقول:
أنت ابنه، أليس كذلك؟
تجمد يوسف في مكانه، بينما فتح الرجل الباب على اتساعه ودعاه إلى غرفة دافئة تفوح منها رائحة القرفة والخشب المحترق، ثم جلس قبالته واضعاً الرسالة بينهما.
قال سليم:
أبوك أخي الأكبر.
لم نلتق منذ خمسة وعشرين عاماً.
لم يكن يوسف يعرف أن لأبيه أخاً ما زال حياً، فقد كان اسم العم سليم محذوفاً من أحاديث العائلة، مثل صفحة انتُزعت بعناية من كتاب كيلا يتساءل أحد عما كُتب فيها.
تنهد سليم، ثم واصل:
اختلفنا على ميراث أبي.
كنت أظن أنه ظلمني، وكان يظن أنني اتهمته في شرفه.
انتظرت أن يعتذر، وانتظر هو الشيء نفسه، فدفنا أخوّتنا تحت كلمة واحدة، الكرامة.
حين أخطأت الرسالة طريقها
فتح سليم المظروف ببطء، ثم أخرج ورقتين مطويتين بعناية، وما إن قرأ السطر الأول حتى ارتعش فكه، وانحدرت دمعة ثقيلة في تجاعيد وجهه دون أن يحاول مسحها.
رفع رأسه إلى يوسف وقال بصوت مبحوح:
هذه الرسالة ليست لي.
مد يوسف يده، لكنه سحبها قبل أن تلامس الورقة، فقد شعر أن الحقيقة تقف على مسافة قريبة منه، مرتدية وجهاً لم يكن مستعداً لرؤيته.
قال سليم وهو يقرأ الاسم المكتوب في أعلى الصفحة:
كتبها إليك أنت.
ظل يوسف صامتاً، بينما وضع عمه الرسالة أمامه، فأبصر اسمه كاملاً في بداية السطر، ورأى تحته الكلمات التي انتظرها عشرين عاماً، لكنها جاءت داخل مظروف يحمل اسم رجل آخر.
خطأ أم حيلة أخيرة؟
تمتم يوسف:
لماذا كتب اسمك على الظرف؟
أطرق سليم قليلاً، ثم قلب الورقة الثانية، فوجد في أسفلها سطراً منفصلاً كتبه عبد الرحمن بحبر أخف:
إلى سليم أولاً، لأنني أعلم أن يوسف قد يرفض رسالة تحمل اسمي، ولأن الطريق إليه ربما يحتاج أخاً يعرف ثقل الخصام.
فهم يوسف أن أباه لم يخطئ في كتابة العنوان، بل صنع خطأً متعمداً، متكئاً على الاحتمال الوحيد الذي قد يجمع رجلاً بأخيه، وابناً بأبيه، في الوقت نفسه.
لكن القدر زاد الحيلة التباساً، حين وقعت الرسالة في يد يوسف قبل أن تبلغ سليم، وكأن سنوات القطيعة الطويلة تعبت أخيراً من الدوران، فاختارت أقصر طريق إلى أصحابها.
الكلمات التي تأخرت عشرين عاماً
مد يوسف يده إلى الورقة، وشعر بخشونتها تحت أصابعه، ثم بدأ يقرأ، وكانت الحروف متباعدة بعض الشيء، كأن يد أبيه توقفت طويلاً بين كل كلمة وأخرى.
يا يوسف، لا أعرف كيف يبدأ الأب اعتذاراً لابنه، لأن الآباء يُعلَّمون منذ صغرهم أن الخطأ ينقص من هيبتهم، ولا يخبرهم أحد أن الاعتراف به قد يكون آخر ما ينقذها.
توقف يوسف، واضطر إلى إبعاد الورقة عن وجهه حين غامت الحروف أمام عينيه، لكن صوت سليم جاء هادئاً من الجهة الأخرى:
أكمل.
بعض الأبواب لا تُفتح إلا حين نسمع صريرها كاملاً.
عاد يوسف يقرأ:
قلت لك إن العالم لن يعرف اسمك، ثم تابعت اسمك في كل صحيفة استطعت شراءها، وحفظت صورك في صندوق، وكنت أغضب كلما مدحك أحد أمامي، لا لأنني لم أفتخر بك، بل لأن فخري فضح خوفي من أن أكون قد خسرتك إلى الأبد.
اعتراف الأب
واصلت الرسالة كشف ما خبأه عبد الرحمن طوال الأعوام؛ كتب عن الليلة التي خرج فيها يوسف، وعن وقوفه خلف الباب منتظراً عودته، وعن المرات التي ذهب فيها إلى معارض الصور ووقف بعيداً حتى لا يراه ابنه.
كتب عن موت الأم، وعن وصيتها الأخيرة التي طلبت منه أن يكسر عناده قبل أن يكسر الموت ما بقي من البيت، واعترف بأنه رفض استدعاء يوسف إلى المستشفى لأنه خاف أن تأتي المصالحة أمام سريرها كصدقة متأخرة.
وفي نهاية الرسالة، ظهرت الكلمات أكثر اضطراباً:
أنا مريض يا بني، لكنني لا أكتب إليك لأن المرض أخافني من الموت، بل لأنه أخافني من أن أموت كما عشت أعوامي الأخيرة، رجلاً يعرف كيف يحافظ على اسمه، ولا يعرف كيف ينادي ابنه.
سقطت الورقة من يد يوسف، ولم يشعر إلا وهو واقف، يسأل بصوت متكسر:
أين هو الآن؟
الطريق إلى البيت القديم
أجابه سليم بأن عبد الرحمن نُقل صباح ذلك اليوم إلى المستشفى بعد أزمة قلبية، وأنه رفض إخبار أحد بمكان الرسالة أو بمضمونها، واكتفى بمنح جار قديم المظروف كي يضعه في صندوق البريد.
خرج يوسف وعمه إلى الشارع، ولم ينتظرا سيارة أجرة؛ ركضا تحت المطر الذي عاد فجأة، متقطعاً وبارداً، فيما كان يوسف يشعر أن المدينة كلها تتحرك ببطء متعمد لإبقائه بعيداً عن أبيه.
في مدخل المستشفى، امتزجت رائحة المطهرات برائحة الملابس المبتلة، واندفع يوسف نحو مكتب الاستقبال، عاجزاً عن ترتيب الكلمات، بينما تولى سليم السؤال عن غرفة عبد الرحمن.
كان الأب في الطابق الثالث، خلف باب أبيض يحمل رقماً أسود، وحين اقترب يوسف منه شعر بالخوف الذي عرفه طفلاً كلما استدعاه والده إلى غرفة المتجر لمحاسبته على خطأ.
ما وراء الباب الأبيض
وضع يده على المقبض، لكنه لم يفتحه، فقد استيقظ داخله فجأة صوت يقول إن الوقت فات، وإن الرجل الذي في الداخل ربما لم يعد يريد رؤيته، وإن الاعتذار المكتوب لا يساوي بالضرورة غفراناً حقيقياً.
اقترب سليم منه، ووضع كفه فوق كتفه قائلاً:
نحن لا نقف هنا لأن أحدنا انتصر.
نقف لأن الهزيمة طالت أكثر مما ينبغي.
فتح يوسف الباب.
كان عبد الرحمن مستلقياً تحت غطاء أبيض، وقد بدا أصغر مما احتفظت به الذاكرة، كأن السنوات التي جعلته عملاقاً في رأس ابنه، تقلصت فجأة داخل جسد نحيل موصول بأسلاك وأجهزة ترسم نبضه فوق شاشة خضراء.
اللقاء الذي لم يتدرب عليه أحد
تحركت عينا الأب نحو الباب، فرأى سليم أولاً، واتسعتا بدهشة صامتة، ثم انتقل بصره إلى يوسف، فتوقف وجهه بين الفرح والخوف، كمن رأى حلماً يخشى أن يمد يده إليه فيستيقظ.
بقي يوسف عند العتبة، وقطرات المطر تنحدر من معطفه إلى الأرض، بينما حرّك الأب أصابعه فوق الغطاء كأنه يبحث عن شيء ضاع منه.
قال عبد الرحمن بصوت واهن:
وصلت الرسالة إذن.
أجابه يوسف:
وصلت إلى العنوان الخطأ.
ظهرت عند زاوية فم الأب ابتسامة شاحبة، وقال:
كنت دائماً سيئاً في اختيار الطريق إليك.
الكبرياء حين يخلع درعه
اقترب يوسف خطوة، ثم أخرى، حتى صار إلى جوار السرير، لكنه لم يعرف ماذا يفعل بيديه، فظل قابضاً عليهما كما كان يفعل في طفولته حين يقف أمام أبيه مذنباً.
قال عبد الرحمن:
أنا آسف يا يوسف.
كانت العبارة صغيرة، لا تكفي ظاهرياً لحمل عشرين عاماً من الغياب، لكنها حين خرجت من فم الأب بدت كحجر سقط عن صدر البيت كله.
خفض يوسف رأسه، وقال:
وأنا قلت لك ما لا ينبغي لابن أن يقوله لأبيه.
أجابه عبد الرحمن:
كنت شاباً غاضباً.
وأنت كنت أباً غاضباً.
كنت خائفاً.
رفع يوسف عينيه إليه وسأله:
ممَّ؟
قال الأب، وقد لمعت الدموع في عينيه:
من أن تختار حياة لا تحتاجني فيها.
اعتذار بلا منتصرين
جلس يوسف على الكرسي، ومد يده أخيراً، فترددت أصابع والده لحظة قبل أن تستقر داخلها، وكانت باردة وخفيفة على نحو لم يتخيله قط.
دخل سليم الغرفة، فتعلقت عينا عبد الرحمن بأخيه، ومر بين الرجلين صمت أقدم من خصام يوسف وأبيه، صمت يحمل بيتاً موروثاً وأرضاً بيعت وأماً ماتت وهي تنتظر أن يعود ابناها إلى مائدة واحدة.
قال سليم:
رسالتك وصلت إليّ أيضاً، ولو لم تكتب اسمي عليها.
أغمض عبد الرحمن عينيه، وانحدرت دمعة إلى وسادته، ثم قال:
ظلمتك حين ظننت أن اعتذاري سيجعلني أصغر.
اقترب سليم من السرير وأمسك بيده الأخرى:
ونحن جميعاً صغرنا لأننا لم نعتذر.
العائلة التي عادت إلى الغرفة
بقي الرجال الثلاثة صامتين، لكن الصمت هذه المرة لم يكن جداراً، بل مساحة آمنة تتنفس فيها الكلمات التي تأخرت، وتستريح فيها القلوب من حراسة جراحها.
تحدثوا حتى اقترب الفجر؛ حكى يوسف عن مدنه البعيدة، وحكى سليم عن أبنائه الذين لم يعرفوا عمهم، وروى عبد الرحمن كيف حافظ على المتجر رغم كساده لأنه كان يتخيل أن يوسف قد يعود يوماً ويجد اللافتة في مكانها.
وحين أخرج يوسف هاتفه، لم يلتقط صورة لأبيه كما اعتاد أن يفعل مع الوجوه المؤثرة، بل وضع الهاتف جانباً، لأن بعض اللحظات تفسدها العدسة حين تحاول حبسها، وتخلدها اليد حين تتمسك بيد أخرى.
آخر ما أعادته الرسالة
تعافى عبد الرحمن ببطء، وبعد ثلاثة أسابيع خرج من المستشفى مستنداً إلى يوسف من جهة، وإلى سليم من الجهة الأخرى، بينما وقف الممرضون يراقبون الرجال الثلاثة يختلفون حول من يحمل حقيبة الدواء.
عادوا إلى البيت القديم، فوجد يوسف غرفته كما تركها تقريباً؛ كتبه فوق الرف، وكاميرته الأولى داخل درج المكتب، وقميصه الأزرق معلقاً خلف الباب رغم أن الغبار أكل لونه.
أما الصندوق الخشبي أسفل خزانة أبيه، فكان ممتلئاً بصوره المنشورة، وبعضها مقصوص بعناية من صحف قديمة، وعلى ظهر كل صورة تاريخ ومكان وتعليق قصير كتبه عبد الرحمن بخطه الصارم.
قرأ يوسف خلف صورة التقطها لطفل يبتسم وسط أنقاض بيت:
صورة جميلة، لكن يوسف ما زال يضع الضوء خلف الموضوع أكثر مما ينبغي.
ضحك للمرة الأولى من قلبه، وحين سمع الأب ضحكته من الغرفة المجاورة، ابتسم دون أن يسأله عما وجد.
الصورة التي اكتملت
بعد شهر، أعاد يوسف افتتاح متجر الأقمشة، لا ليعمل فيه، بل ليحوله إلى معرض صغير يحمل اسم العائلة، ويعرض فيه صوره إلى جانب دفاتر الجد القديمة وأقمشة الأب وأدوات الخياطة التي كادت تُنسى.
في يوم الافتتاح، وقف عبد الرحمن وسليم أمام الباب الخشبي، يرتديان بدلتين متشابهتين ويختلفان حول موضع اللافتة، بينما ابتعد يوسف بضع خطوات ورفع كاميرته.
نظر الأب إلى العدسة وسأله:
هل الضوء مناسب هذه المرة؟
أجاب يوسف مبتسماً:
هذه المرة، الضوء في مكانه الصحيح.
ضغط زر الكاميرا، فاجتمع في الصورة أب وابنه وعم عاد من الغياب، وخلفهم متجر لم يعد سجناً لحلم قديم، بل جسراً بين ما ورثته العائلة وما اختارته لنفسها.
رسالة بلا عنوان
في مساء ذلك اليوم، جلس يوسف إلى المكتب القديم في المتجر، وأمامه ورقة بيضاء ومظروف لم يكتب عليه اسماً أو عنواناً، ثم بدأ يخط رسالة بيد مرتجفة تشبه يد أبيه.
كتب:
إلى أبي، لا أعتذر لأنني اخترت طريقي، ولا أطلب منك الاعتذار لأنك خفت عليّ بطريقتك، لكنني آسف لأننا تركنا الكبرياء يترجم الحب إلى غضب، ويحوّل الشوق إلى عقاب.
توقف قليلاً، ثم أضاف:
لقد علمتني أن الورق أصدق من أفواه الناس، لكنني تعلمت متأخراً أن بعض الكلمات لا ينبغي أن تبقى فوق الورق.
طوى الرسالة، ووضعها في المظروف، ثم نهض واتجه إلى الغرفة الخلفية حيث كان أبوه يصلح إطار صورة، ومدها إليه دون أن يكتب عليها عنواناً.
سأله عبد الرحمن:
لمن هذه؟
أجابه يوسف:
لرجل يسكن قريباً جداً، لكن الوصول إليه استغرق عشرين عاماً.
فتح الأب ذراعيه، فترك يوسف الرسالة تسقط فوق الطاولة، وتقدم نحوه، وفي تلك اللحظة لم يحتج أي منهما إلى قراءة ما تبقى.
ليست القطيعة دائماً دليلاً على غياب المحبة؛ ففي بعض العائلات، يكون الحب عميقاً إلى درجة أن أصحابه يخشون كشفه، فيستبدلون به الصمت، ويضعون الكبرياء حارساً على أبوابهم، ثم ينسون أنهم هم أيضاً عالقون في الداخل.
وقد تصل بعض الرسائل إلى العنوان الخطأ، لكنها تبلغ القلب الصحيح، لأن الاعتذار لا يحتاج طريقاً مثالياً بقدر ما يحتاج إنساناً يملك الشجاعة ليفتح المظروف قبل أن يغلق العمر بابه الأخير، حكاية طائر النعاس والريشة التي أغرقت القرية في نومٍ لا يشبه الأحلام من هنا.
