حكاية طائر النعاس والريشة التي أغرقت القرية في نومٍ لا يشبه الأحلام

الراوي
0

لم يكن أهل قرية السَّكينة يخافون الليل؛ فقد اعتادوا عتمته الرطبة، وصرير أبوابه القديمة، وهمسات الريح وهي تمر بين أشجار التين كأنها أصابع تبحث عن نافذة لم تُغلق جيداً.

غير أن تلك الليلة جاءت مختلفة، إذ هبط الصمت على الأسطح دفعة واحدة، حتى إن الكلاب توقفت عن النباح ورفعت رؤوسها نحو السماء.

فوق المآذن والبيوت الطينية كان طائر أبيض يدور ببطء، لا يرفرف بجناحيه إلا نادراً، كأنه يسبح في الهواء بدلاً من أن يطير.

وكان ريشه طويلاً ناعماً يلمع تحت ضوء القمر، ثم تنفصل منه بين حين وآخر ريشة واحدة، تهبط ملتوية في الفضاء كما تهبط قطرة حليب في إناء مظلم.

في تلك الساعة، لم يكن أحد يعلم أن لمس ريشة واحدة من ذلك الطائر يكفي لأن يُغلق العالم أبوابه، وأن يفتح للنائم طريقاً إلى راحة عميقة قد تكون هدية، أو فخاً لا عودة منه.

حكاية طائر النعاس والريشة التي أغرقت القرية في نومٍ لا يشبه الأحلام

القرية التي نسيت كيف تنام

كانت قرية السكينة تحمل اسماً يناقض حال أهلها؛ فالنوم فيها صار ضيفاً ثقيلاً، يأتي متأخراً ويغادر قبل الفجر.

كان الحداد يظل ساهراً وهو يسمع رنين مطرقته القديمة داخل رأسه، وكانت الخبازة تستيقظ كل ساعة ظناً منها أن العجين احترق، مع أن فرنها يكون بارداً وغارقاً في الرماد.

أما الأطفال، فقد كبروا وهم يراقبون ظلال السقوف بدلاً من الأحلام، لأن آباءهم اعتادوا إيقاظهم عند كل صوت مجهول.

ولم يكن في القرية بيت إلا وفيه عينان مفتوحتان بعد منتصف الليل، تحدقان في الظلام وتنتظران خطراً لم يقع بعد.

كان بعضهم يقول إن السبب هو البئر المهجورة عند أطراف القرية، بينما يزعم آخرون أن الجبل القريب يرسل أفكاراً سوداء مع الريح.

لكن العجوز نعيمة كانت تردد دائماً أن القلوب إذا ازدحمت بالخوف، أصبحت الوسائد أكثر قسوة من الحجارة.

الصبي الذي قاوم جفنيه

في آخر القرية عاش صبي يدعى سليم مع أمه في بيت ضيق ذي سقف خشبي تتدلى منه حزم الأعشاب المجففة.

كان في الثانية عشرة من عمره، نحيلاً سريع الحركة، يحمل في عينيه لمعان طفل تعلّم الانتباه قبل أن يتعلم اللعب.

لم يكن سليم ينام إلا دقائق متقطعة؛ فقد كان يخشى أن تغفو أمه فلا تستيقظ.

منذ وفاة أبيه قبل عام، صار يجلس قرب فراشها كل ليلة، يراقب ارتفاع صدرها وانخفاضه، ويضع أصابعه أحياناً أمام أنفها ليتأكد أن أنفاسها ما تزال دافئة.

كانت أمه تبتسم حين تراه يفعل ذلك وتقول بصوت متعب:

النوم ليس موتاً يا سليم، بل عودة قصيرة إلى مكان لا يؤلم فيه شيء.

لكنه لم يصدقها تماماً؛ فقد بدا له النوم باباً لا يُعرف ما وراءه، وكل باب مجهول كان في نظره يحتاج إلى حارس.

في تلك الليلة، جلست الأم تخيط ثوباً قرب مصباح الزيت، بينما ظل سليم عند النافذة يتتبع حركة القمر.

وحين مر ظل أبيض فوق الزجاج، ارتجف الضوء على الجدار كأن جناحاً ضخماً ضرب البيت من الخارج.

رفع سليم رأسه، ورأى الطائر لأول مرة.

جناح أبيض فوق الأسطح

كان الطائر أكبر من نسر، لكنه لم يحمل في ملامحه شراسة الطيور الجارحة.

عيناه سوداوان واسعتان، تحيط بهما دوائر فضية، ومنقاره صغير بلون اللؤلؤ، أما جناحاه فكانا مكسوين بريش يبدو ألين من الضباب.

دار فوق بيت سليم ثلاث مرات، ثم خفض جناحه الأيسر، فانفصلت منه ريشة طويلة هبطت نحو فناء المنزل.

لم تصدر الريشة صوتاً حين لامست الأرض، غير أن مصباح الزيت انحنى لهبه في اتجاهها كأنه شعر بوجودها.

خرج سليم مسرعاً قبل أن تمنعه أمه، وكانت قدماه العاريتان تضربان التراب البارد.

وجد الريشة بجوار جرّة الماء، بيضاء ناصعة، وعلى أطرافها لمعان خافت يتحرك مثل أنفاس كائن صغير.

نادته أمه من الداخل:

لا تلمسها يا بني، قد تكون ملوثة أو تحمل شوكاً لا يُرى.

لكنه مد يده قبل أن يتم كلامها.

النوم الذي جاء في لحظة

ما إن لامست أصابع سليم الريشة حتى شعر بدفء ينساب من كفه إلى ذراعه، ثم يصعد ببطء نحو كتفيه وعنقه.

لم يكن دفئاً حارقاً، بل كان أشبه بغطاء ناعم أُسدل عليه بعد شتاء طويل.

اتسعت عيناه لحظة، ثم اختفت الأصوات من حوله؛ لم يعد يسمع نداء أمه ولا احتكاك أغصان التين بالسور.

رأى الفناء يتراجع أمامه كما تتراجع صورة في مرآة يغشاها البخار، ثم سقط على ركبتيه وأغمض عينيه.

ركضت الأم نحوه مذعورة، وحملته بصعوبة إلى الداخل.

وضعت أذنها فوق صدره، فوجدت قلبه ينبض بهدوء عجيب، بينما كانت ملامحه مسترخية على نحو لم تره منذ وفاة أبيه.

هزته مرات، نادت باسمه، بل وسكبت قليلاً من الماء على جبينه، لكنه لم يستيقظ.

كان غارقاً في نوم عميق، شفتاه نصف مبتسمتين، وكأنه يرى شيئاً ظل يبحث عنه طويلاً.

وحين التقطت الأم الريشة من الأرض لتحملها بعيداً، انغلقت عيناها هي الأخرى قبل أن تخطو خطوتين.

سقطت إلى جوار فراش ابنها، واستقر رأسها فوق ذراعيها، بينما بقيت الريشة بين أصابعها تلمع بصمت.

صباح بلا أصوات

عند الفجر، لم يصحُ ديك القرية كعادته، لأنه كان نائماً تحت شجرة التوت وقد التصقت ريشة صغيرة بعرفه الأحمر.

ولم تفتح الخبازة فرنها، ولم يسمع الحداد صوت المطارق، وبقيت النوافذ مغلقة كأن القرية هجرتها أرواح سكانها.

ففي أثناء الليل، كان طائر النعاس قد واصل دورانه، وتساقط ريشه فوق الساحات والطرقات والشرفات.

وكل من خرج ليستطلع الأمر انحنى فضوله نحو ريشة، ثم استسلم جسده لنوم لم يستطع مقاومته.

نام شيخ القرية عند عتبة المسجد، ونام الراعي وسط قطيعه، ونامت القطط فوق الجدران والحمام في أعشاشه.

حتى الريح بدت أبطأ، كأنها هي الأخرى مرّت بالقرب من الطائر وتأثرت به.

وحدها فتاة تدعى ليان بقيت مستيقظة.

القفازان الجلديان

كانت ليان ابنة صانع الأحذية، وقد اعتادت ارتداء قفازين جلديين حين تساعد أباها في صبغ الجلود.

خرجت في الصباح تبحث عن ماء، فرأت الناس نائمين في أماكنهم، بعضهم على المقاعد وبعضهم فوق التراب، وبدت وجوههم هادئة بصورة مقلقة.

اقتربت من ريشة عالقة بين حجرين، لكنها لم تلمسها بجلدها مباشرة؛ أمسكتها بقفازها ورفعتها نحو الضوء.

ارتجفت الريشة بين أصابعها كأنها تستجيب لنبض خفي، وتصاعد منها عبير يشبه رائحة الوسائد التي بقيت طويلاً في الشمس.

دخلت ليان بيت سليم، فوجدته وأمه نائمين جنباً إلى جنب.

حاولت إيقاظهما، لكن أجسادهما ظلت رخوة، وأنفاسهما منتظمة، وكأنهما غاصا في بحر عميق لا تصل إليه الأصوات.

على الأرض قربهما رأت الريشة الطويلة، وكانت أشد لمعاناً من جميع الريشات المنتشرة في القرية.

وحين اقتربت منها، سمعت همساً خافتاً لم تعرف إن كان صادراً من الريشة أم من داخل رأسها.

قال الهمس:

دعهم ينامون، لقد تعبوا كثيراً.

تراجعت ليان، وشعرت ببرودة تتسلق ظهرها رغم دفء الصباح.

أسطورة الطائر الذي يحمل الأحلام

لم تجد ليان أحداً مستيقظاً تسأله، فتوجهت إلى بيت العجوز نعيمة عند أطراف القرية.

طرقت الباب مراراً، ثم دفعته بحذر، فوجدت العجوز جالسة في فراشها، مفتوحة العينين، وقد لفت يديها بقطعتين من الصوف.

قالت نعيمة قبل أن تسألها الفتاة:

رأيته، أليس كذلك؟ جاء أخيراً بعد أن امتلأت القرية بما يكفي من الأرق.

اقتربت ليان وجلست قربها، ثم وضعت الريشة التي حملتها فوق طبق نحاسي.

ما إن لامست الريشة المعدن حتى أصدر الطبق طنيناً رقيقاً، وتكوّنت فوق سطحه دوائر صغيرة من الضوء.

سألت ليان بصوت مرتجف:

ما هذا الطائر؟ ولماذا لا يستيقظ الناس؟

تنهدت العجوز، ومدت يدها نحو صندوق خشبي قديم تحت فراشها، وأخرجت منه مخطوطة ملفوفة بجلد داكن.

كانت أطرافها مهترئة، وعلى غلافها رسم لطائر أبيض تحته صف طويل من الأشخاص النائمين.

الثمن المخفي خلف الراحة

قالت نعيمة إن طائر النعاس يظهر مرة كل مئة عام، حين تزداد المخاوف في مكان حتى يصبح النوم مستحيلاً.

يدور فوق البيوت، وينثر ريشاً يمتص القلق من أجساد الناس، فيغرقون في أعمق نوم عرفوه.

لكن الريش لا يمنح الراحة بلا ثمن؛ فكل ساعة يقضيها النائم تحت أثره، يأخذ الطائر فكرة من ذاكرته.

يبدأ بالأفكار المزعجة، ثم ينتقل إلى الذكريات المؤلمة، وبعدها يقترب من الوجوه والأسماء والأماكن التي يحبها الإنسان.

إذا استيقظ الناس سريعاً، عادوا أخف قلباً وأكثر صفاءً.

أما إذا طالت غفوتهم حتى الليلة التالية، فقد يفتحون أعينهم دون أن يعرفوا من يكونون.

ارتجفت ليان وهي تتذكر ابتسامة سليم الهادئة، وقالت:

إذن يجب أن نوقظهم قبل غروب الشمس.

هزت نعيمة رأسها ببطء، ثم أشارت إلى الرسم على المخطوطة.

لا يوقظهم الماء ولا الصراخ، لأن الريشة لا تنوّم الجسد وحده؛ إنها تأخذ الروح إلى عش الطائر، ولا تعود الروح إلا إذا استُعيدت الريشة الأولى.

وأين الريشة الأولى؟

رفعت العجوز عينيها إلى السقف، وقالت:

تحت جناحه، حيث لا يستطيع بشر الوصول.

الطريق إلى برج الرياح

أخبرت نعيمة ليان أن الطائر لا يبقى في السماء طوال النهار؛ بل يستريح قبل الغروب فوق برج الرياح، وهو بناء حجري مهجور على قمة التل الشرقي.

كان البرج قديماً إلى حد أن جذور الأشجار شقت جدرانه، ولم يقترب منه أحد منذ انهيار سلمه الداخلي.

ربطت ليان القفازين بإحكام، وحملت حقيبة وضعت فيها حبلاً وسكيناً ومرآة صغيرة.

وقبل أن تغادر، أمسكت نعيمة معصمها وقالت إن عليها ألا تنظر طويلاً في عيني الطائر، لأنهما لا تعرضان وجه الناظر، بل تعرضان أكثر حلم يتمناه.

خرجت ليان إلى الطريق، فبدت القرية تحت الشمس كلوحة ساكنة.

عبرت بين الجيران النائمين، ورأت طفلاً يحتضن كرة طين، ورجلاً يبتسم فوق درج متجره، وامرأة تنام ويدها ممدودة نحو رضيعها.

كل وجه رأته منحها سبباً إضافياً للإسراع.

وحين بلغت التل، سمعت فوقها خفقاً بطيئاً عميقاً، تردد صداه في الأرض كدقات طبل مدفون.

رفعت رأسها، فرأت طائر النعاس يحط على قمة البرج، ناشراً جناحيه الأبيضين حتى حجبت أطرافهما جزءاً من الشمس.

الدرج الذي يتشكل من الريش

دخلت ليان البرج فوجدته فارغاً إلا من غبار كثيف وأحجار متساقطة.

كان السلم قد انهار فعلاً، ولم يبق منه سوى حافة ضيقة تصعد ملتفة حول الجدار.

ثبتت الحبل في مسمار حجري وبدأت تتسلق، لكن كلما ارتفعت، تساقطت من الأعلى ريشات صغيرة تدور حول وجهها.

كانت ترتطم بقفازيها وثيابها، ثم تنزلق إلى الأسفل دون أن تؤثر فيها.

غير أن إحدى الريشات علقت بخدها.

شعرت ليان بالدفء يتسلل إلى رأسها، وثقلت جفونها فجأة.

رأت الجدار يتلاشى، ووجدت نفسها في بيت واسع مضاء، يجلس فيه أبوها وأمها الراحلة إلى مائدة مليئة بالخبز الساخن.

ابتسمت أمها ومدت ذراعيها قائلة:

لقد تأخرتِ يا ليان، تعالي واستريحي.

توقفت الفتاة عن التسلق، وتراخت أصابعها حول الحبل.

كادت تترك نفسها تسقط في ذلك الحلم الدافئ، لكنها لمحت في آخر المشهد باباً مفتوحاً، وخلفه ظهرت القرية كلها بلا أسماء ولا أصوات.

عضت شفتها حتى ذاقت الدم، فأيقظها الألم.

نزعت الريشة عن خدها بسكينها، وعادت الجدران الحجرية أمامها، باردة وخشنة وحقيقية.

تابعت الصعود، وهي تبكي دون أن تسمح لدموعها بأن تغلق عينيها.

عش فوق الغيوم

وصلت ليان إلى قمة البرج قبل الغروب بقليل، فوجدت عشاً ضخماً من الأغصان والريش يغطي السطح كله.

في وسطه استلقى الطائر، ورأسه مدفون تحت جناحه، بينما كان صدره يرتفع وينخفض بنعومة.

حول العش طفت عشرات الكرات الزجاجية الصغيرة، وفي كل كرة مشهد يتحرك، عائلة تجلس حول مائدة، طفل يركض في حقل، امرأة تسمع صوتاً عزيزاً، ورجل يعود إلى بيت هجره منذ سنين.

فهمت ليان أن تلك الكرات تحمل أحلام أهل القرية وذكرياتهم.

اقتربت خطوة، فانفتح أحد جناحي الطائر ببطء، وظهرت تحته ريشة ذهبية مختلفة عن بقية ريشه.

كانت أطول وأكثر لمعاناً، وينبض داخل ساقها خيط من الضوء الأزرق.

مدت ليان يدها المغطاة بالقفاز، لكن صوتاً عميقاً ملأ المكان:

لماذا تريدين إيقاظ من وجدوا أخيراً السلام؟

حديث مع طائر النعاس

رفع الطائر رأسه ونظر إليها بعينيه السوداوين.

حاولت ليان أن تخفض بصرها، لكنها رأت فيهما أمها واقفة في حديقة مضيئة، بثوبها الأزرق القديم وابتسامتها التي افتقدتها كل ليلة.

قال الطائر:

أستطيع أن أعيدها إليك.

لمسة واحدة لريشتي، ولن تشعري بالفقد مرة أخرى.

ارتجفت ركبتا ليان، وشعرت أن العرض يتسلل إلى أضعف مكان في قلبها.

كانت تريد أن تسمع صوت أمها، أن تلمس يدها، أن تنام في حضنها كما كانت تفعل حين تهدر العواصف فوق السقف.

لكنها تذكرت أن الصوت في البرج ليس صوت أمها، وأن الحضن الذي لا يمكن مغادرته ليس حضناً، بل قفصاً ناعماً.

قالت وهي تشد قبضتها:

السلام الذي يمحو أسماءنا ليس سلاماً، والنوم الذي يمنعنا من العودة ليس راحة.

هز الطائر جناحيه، فدارت حولها الريشات كعاصفة بيضاء.

إنهم طلبوني في صمتهم، كل ليلة تمنوا لو يتوقف التفكير، ولو تختفي آلامهم.

أجابت ليان:

ربما تمنوا ليلة هادئة، لكنهم لم يتمنوا أن يفقدوا حياتهم كلها.

ثم اندفعت نحو الريشة الذهبية.

الصراع عند حافة البرج

ضرب الطائر الهواء بجناحه، فانقلب العش واندفعت الكرات الزجاجية في دوامات سريعة.

انكسرت إحداها قرب قدم ليان، فخرج منها صوت امرأة تنادي ابنتها، ثم ذاب الصوت في الريح.

أمسكت ليان بالريشة الذهبية بكلتا يديها، فاشتعلت داخلها حرارة قوية اخترقت القفازين.

شعرت بأن آلاف الأحلام تسحبها إلى الأسفل، وأصواتاً كثيرة تعدها بالنسيان والطمأنينة.

رفرف الطائر بعنف، وارتفع نصف جسده فوق العش، بينما بقيت الريشة متصلة بجناحه.

صار الهواء حولهما كثيفاً، وبدأت ليان ترى نفسها في عشرات الحيوات الممكنة؛ في كل واحدة منها كانت سعيدة، آمنة، لا تعرف الخسارة.

صرخت وهي تشد الريشة:

ليس كل ما يؤلمنا يجب أن يُمحى!

انفصلت الريشة الذهبية فجأة، وانطلق منها وميض غمر قمة البرج.

أطلق الطائر صرخة طويلة لم تكن صرخة غضب، بل صوت حزين يشبه بكاء الريح في منزل مهجور.

توقفت الكرات الزجاجية عن الدوران، ثم انفتحت جميعها في وقت واحد.

عودة الذكريات إلى أصحابها

خرجت من الكرات خيوط ضوء رفيعة، طارت فوق التل نحو القرية كما تطير أسراب اليراعات.

دخل كل خيط نافذة أو باباً، وعاد إلى صاحبه المستلقي في النوم.

في بيت سليم، ارتعشت أصابعه أولاً، ثم انفتح فمه في شهيق عميق.

رأى في حلمه وجه أبيه يبتعد ببطء، لكنه لم يختفِ؛ اكتفى بالابتسام ووضع يده فوق قلبه قبل أن يتحول إلى ضوء.

استيقظ سليم ووجد أمه إلى جواره.

ناداها، ففتحت عينيها بعد لحظات، ثم احتضنته بقوة، بينما بقيت الريشة البيضاء على الأرض وقد فقدت بريقها وصارت رمادية هشة.

في أنحاء القرية، بدأ الناس يستيقظون واحداً بعد آخر.

نهض الحداد وهو لا يسمع مطرقته داخل رأسه للمرة الأولى منذ أعوام، وفتحت الخبازة عينيها دون أن تخشى فرنها، أما الأطفال فراحوا يضحكون لأنهم تذكروا أحلاماً ملونة لم يروها من قبل.

وعلى قمة البرج، وقف طائر النعاس منكمشاً، وقد صار ريشه أقل لمعاناً.

نظر إلى ليان طويلاً، ثم خفض رأسه كما لو أنه انحنى لها.

قال بصوت أخف من السابق:

سيحتاجون إليّ من جديد يوماً ما.

أجابته ليان وهي تحمل الريشة الذهبية:

ربما، لكنهم حينها سيعرفون أن الراحة محطة، لا وطناً دائماً.

آخر ريشة في القرية

فتح الطائر جناحيه وطار نحو الغروب، إلا أنه لم ينثر ريشاً هذه المرة.

ابتعد حتى صار نقطة بيضاء صغيرة فوق الجبل، ثم ذاب في الضوء الأحمر الذي غطى الأفق.

عادت ليان إلى القرية قبل حلول الظلام، فوجدت أهلها مجتمعين في الساحة.

كانوا متعبين ومربكين، لكن عيونهم صارت أكثر صفاء، كأن النوم غسل عنها طبقات قديمة من الخوف.

اقترب سليم منها، ولاحظ الريشة الذهبية في يدها.

سألها إن كانت الريشة تستطيع إعادة النوم إليهم متى أرادوا، فنظرت ليان إلى وجهه ثم إلى البيوت التي بدأت مصابيحها تُضاء واحداً بعد آخر.

قالت:

ربما تستطيع، ولهذا يجب ألا تبقى في يد أحد.

اتجهت إلى البئر المهجورة، ووضعت الريشة فوق حجر عند حافتها.

ثم رفعت حجراً ثقيلاً وضربت ساق الريشة حتى انقسمت إلى شظايا من نور، تصاعدت في الهواء واختفت قبل أن تلامس الأرض.

في تلك الليلة، دخل أهل القرية بيوتهم دون ريش سحري أو وعود بالنسيان.

أغلقوا الأبواب، أطفؤوا المصابيح، واستلقوا وهم يحملون مخاوفهم وذكرياتهم معهم، لكنها لم تعد تبدو وحوشاً ضخمة كما كانت من قبل.

نام سليم قرب أمه، ولم يضع أصابعه أمام أنفها ليتأكد من تنفسها.

اكتفى بسماع إيقاع أنفاسها، ثم أغلق عينيه، وعندما جاءه النوم، استقبله هذه المرة كضيف يعرف أنه سيغادر عند الصباح.

ما لا ينبغي أن ننساه

ليست الراحة دائماً في محو ما يؤلمنا، فبعض الأوجاع تترك في القلب نوافذ يدخل منها الضوء.

وقد تمنحنا الذكريات الثقيلة ليالي صعبة، لكنها تذكرنا أيضاً بمن أحببنا، وبالطرقات التي قطعناها، وبالأسباب التي جعلتنا ما نحن عليه.

أما النوم الحقيقي، فلا يسرق أسماءنا ولا يغلق أبواب العودة؛ إنه يمنح الروح هدنة قصيرة، ثم يعيدها إلى الحياة أكثر قدرة على حملها.

ولذلك ظل أهل قرية السكينة، كلما رأوا ريشة بيضاء تتهادى في الهواء، يتركونها تمر دون أن يلمسوها، ويبتسمون لأنهم تعلموا أن بعض الأحلام الجميلة لا تستحق أن نفقد من أجلها يقظتنا، حكاية شجرة الحياة رحلة الغرباء إلى الغابة المحرمة لإنقاذ القرية المحتضرة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد