ليلة غريبة فوق قرية السكينة، لم يكن أهل قرية السكينة يخشون الليل يوما، فقد ألفوا عتمته الرطبة وصرير أبوابها القديمة وهمسات الريح بين أشجار التين، وكأنها أصابع تتحسس نافذة نسيت أن تغلق.
غير أن تلك الليلة كانت مختلفة، إذ هبط الصمت على الأسطح فجأة، حتى توقفت الكلاب عن نباحها ورفعت رؤوسها نحو السماء في ترقب صامت.
فوق المآذن والبيوت الطينية، كان طائر أبيض يحلق ببطء شديد، نادرا ما يرفرف بجناحيه، وكأنه يسبح في الهواء بدل أن يطير فيه.
كان ريشه طويلا ناعما يلمع تحت ضوء القمر، وبين الحين والآخر تنفصل منه ريشة واحدة تهبط ملتوية في الفضاء، كما تهبط قطرة حليب في إناء مظلم.
في تلك الساعة لم يكن أحد يدرك أن لمسة واحدة من ريش ذلك الطائر كفيلة بأن تغلق أبواب العالم أمام النائم، وتفتح له طريقا إلى راحة عميقة قد تكون هدية، وقد تكون فخا لا رجعة منه.
قرية نسيت طعم النوم
كانت قرية السكينة تحمل اسما يناقض حال سكانها، فالنوم فيها صار ضيفا ثقيلا يتأخر في المجيء ويرحل قبل الفجر.
كان الحداد يسهر وهو يسمع رنين مطرقته يتردد داخل رأسه، وكانت الخبازة تستيقظ كل ساعة تظن أن عجينها احترق، رغم أن فرنها بارد وغارق في الرماد.
أما الأطفال فقد كبروا وهم يراقبون ظلال السقوف بدل أن يعيشوا أحلامهم، لأن آباءهم اعتادوا إيقاظهم عند أي صوت مجهول.
لم يكن في القرية بيت واحد تخلو فيه عينان من السهر بعد منتصف الليل، تحدقان في العتمة وتترقبان خطرا لم يقع بعد.
كان بعض الأهالي يعزون السبب إلى البئر المهجورة عند أطراف القرية، وآخرون يزعمون أن الجبل القريب يرسل أفكارا سوداء مع الريح.
لكن العجوز نعيمة كانت تكرر دوما أن القلوب حين تمتلئ بالخوف، تصبح الوسائد أقسى من الحجارة.
خالد الذي يقاوم النعاس خوفا على أمه
في طرف القرية، عاش صبي يدعى خالد مع أمه في بيت ضيق ذي سقف خشبي تتدلى منه حزم الأعشاب المجففة.
كان في الثانية عشرة من عمره، نحيلا سريع الحركة، وفي عينيه لمعان طفل تعلم الانتباه قبل أن يتعلم اللعب.
لم يكن ينام إلا دقائق متقطعة، خشية أن تغفو أمه ولا تستيقظ.
فمنذ رحيل أبيه قبل عام، صار يجلس قرب فراشها كل ليلة يراقب صعود صدرها وهبوطه، ويضع أصابعه أحيانا أمام أنفها ليطمئن أن أنفاسها ما زالت دافئة.
كانت أمه تبتسم حين تراه يفعل ذلك، وتقول له بصوت متعب إن النوم ليس موتا، بل عودة قصيرة إلى مكان لا يؤلم فيه شيء.
لكنه لم يصدقها كليا، فالنوم بدا له بابا مجهولا، وكل باب مجهول يحتاج في نظره إلى حارس.
في تلك الليلة، جلست الأم تخيط ثوبا قرب مصباح الزيت، بينما ظل خالد عند النافذة يتتبع حركة القمر، وحين مر ظل أبيض فوق الزجاج، ارتجف الضوء على الجدار كأن جناحا ضخما ضرب البيت من الخارج، فرفع خالد رأسه ورأى الطائر لأول مرة.
الريشة الأولى تسقط عند فناء المنزل
كان الطائر أكبر من نسر، لكن ملامحه خلت من شراسة الجوارح.
عيناه سوداوان واسعتان تحيط بهما دوائر فضية، ومنقاره صغير بلون اللؤلؤ، وجناحاه مكسوان بريش يبدو ألين من الضباب.
دار فوق بيت خالد ثلاث مرات، ثم خفض جناحه الأيسر، فانفصلت منه ريشة طويلة هبطت نحو الفناء دون أن تصدر صوتا، بينما انحنى لهب مصباح الزيت في اتجاهها كأنه أحس بوجودها.
خرج خالد مسرعا قبل أن تمنعه أمه، وقدماه العاريتان تضربان التراب البارد، فوجد الريشة بجوار جرة الماء، بيضاء ناصعة، يتحرك على أطرافها لمعان خافت يشبه أنفاس كائن صغير.
نادته أمه من الداخل محذرة إياه من لمسها، خشية أن تحمل شوكا لا يرى، لكن يده امتدت إليها قبل أن تكمل كلامها.
نوم يسقط كالغيمة على البيت
ما إن لامست أصابع خالد الريشة حتى شعر بدفء يسري من كفه إلى ذراعه، ثم يصعد ببطء نحو كتفيه وعنقه، دفء لا يحرق بل يشبه غطاء ناعما يسدل بعد شتاء طويل.
اتسعت عيناه للحظة، ثم اختفت الأصوات من حوله، فلم يعد يسمع نداء أمه ولا حفيف أغصان التين، ورأى الفناء يتراجع أمامه كصورة تغشاها بخار المرآة، قبل أن يسقط على ركبتيه ويغمض عينيه.
ركضت الأم مذعورة وحملته بصعوبة إلى الداخل، ووضعت أذنها على صدره فوجدت قلبه ينبض بهدوء غريب، وملامحه مسترخية على نحو لم تره منذ رحيل أبيه.
هزته ونادته وسكبت الماء على جبينه، لكنه بقي غارقا في نوم عميق، شفتاه نصف مبتسمتين كأنه يرى ما ظل يبحث عنه طويلا.
وحين التقطت الأم الريشة لتبعدها، أغمضت عينيها هي الأخرى قبل أن تخطو خطوتين، وسقطت إلى جوار فراش ابنها ورأسها فوق ذراعيها، بينما بقيت الريشة بين أصابعها تلمع بصمت.
فجر بلا أصوات
عند الفجر، لم يصح ديك القرية، إذ كان نائما تحت شجرة التوت وقد التصقت ريشة صغيرة بعرفه الأحمر.
لم تفتح الخبازة فرنها، ولم يسمع الحداد صوت مطارقه، وبقيت النوافذ مغلقة كأن القرية هجرتها أرواح سكانها.
فخلال الليل، واصل طائر النعاس دورانه، وتساقط ريشه فوق الساحات والطرقات والشرفات، وكل من خرج ليستطلع الأمر انحنى فضوله نحو ريشة، فاستسلم جسده لنوم لم يقو على مقاومته.
نام شيخ القرية عند عتبة المسجد، ونام الراعي وسط قطيعه، ونامت القطط فوق الجدران والحمام في أعشاشه، حتى الريح بدت أبطأ كأنها تأثرت بمرور الطائر قربها.
وحدها فتاة تدعى ليان بقيت مستيقظة.
ليان تكتشف حجم الكارثة
كانت ليان ابنة صانع الأحذية، اعتادت ارتداء قفازين جلديين حين تساعد أباها في صبغ الجلود.
خرجت صباحا تبحث عن ماء، فرأت الناس نائمين في أماكنهم، بعضهم على المقاعد وبعضهم فوق التراب، ووجوههم هادئة بصورة مقلقة.
اقتربت من ريشة عالقة بين حجرين، فلم تلمسها بيدها العارية بل أمسكتها بقفازها ورفعتها نحو الضوء، فارتجفت بين أصابعها كأنها تستجيب لنبض خفي، وتصاعد منها عبير يشبه رائحة الوسائد التي بقيت طويلا في الشمس.
دخلت بيت خالد فوجدته وأمه نائمين جنبا إلى جنب، وحاولت إيقاظهما دون جدوى، فقد ظلت أجسادهما رخوة وأنفاسهما منتظمة كأنهما غاصا في بحر عميق لا تصله الأصوات.
بجوارهما رأت الريشة الطويلة، وكانت أشد لمعانا من كل الريش المنتشر في القرية، وحين اقتربت منها سمعت همسا خافتا يطلب منها أن تتركهم ينامون لأنهم تعبوا كثيرا، فتراجعت وشعرت ببرودة تتسلق ظهرها رغم دفء الصباح.
عند العجوز نعيمة يكمن السر
لم تجد ليان أحدا مستيقظا تسأله، فتوجهت إلى بيت العجوز نعيمة عند أطراف القرية، فوجدتها جالسة في فراشها مفتوحة العينين، تلف يديها بقطعتين من الصوف.
قالت لها نعيمة قبل أن تسألها، إنها رأت الطائر أخيرا بعدما امتلأت القرية بما يكفي من الأرق.
جلست ليان قربها ووضعت الريشة فوق طبق نحاسي، فأصدر الطبق طنينا رقيقا وتكونت فوقه دوائر صغيرة من الضوء.
أخرجت نعيمة من صندوق خشبي قديم مخطوطة ملفوفة بجلد داكن، أطرافها مهترئة، وعلى غلافها رسم لطائر أبيض تحته صف طويل من الأشخاص النائمين.
قالت إن طائر النعاس يظهر مرة كل مئة عام، حين تزداد المخاوف في مكان حتى يصبح النوم مستحيلا، فيدور فوق البيوت وينثر ريشا يمتص القلق من الأجساد ويغرق الناس في أعمق نوم عرفوه.
لكن الريش لا يمنح الراحة مجانا، فكل ساعة يقضيها النائم تحت أثره يأخذ الطائر فكرة من ذاكرته، يبدأ بالأفكار المزعجة ثم الذكريات المؤلمة، ثم يقترب من الوجوه والأسماء والأماكن التي يحبها الإنسان.
فإن استيقظ الناس سريعا عادوا أخف قلبا، وإن طالت غفوتهم حتى الليلة التالية، فقد يفتحون أعينهم دون أن يعرفوا من يكونون.
سألت ليان عن سبيل إيقاظهم، فأجابتها نعيمة أن الماء والصراخ لا يجديان، لأن الريشة لا تنوم الجسد وحده بل تأخذ الروح إلى عش الطائر، ولا تعود إلا إذا استعيدت الريشة الأولى الكامنة تحت جناحه، حيث لا يصل بشر.
الطريق إلى برج الرياح
أخبرتها نعيمة أن الطائر يستريح قبل الغروب فوق برج الرياح، بناء حجري مهجور على قمة التل الشرقي، شقت جذور الأشجار جدرانه منذ انهيار سلمه الداخلي.
ربطت ليان قفازيها بإحكام وحملت حقيبة فيها حبل وسكين ومرآة صغيرة، وقبل أن تغادر حذرتها نعيمة من النظر طويلا في عيني الطائر، لأنهما لا تريان وجه الناظر بل أعمق حلم يتمناه.
عبرت الطريق بين الجيران النائمين، رأت طفلا يحتضن كرة طين، ورجلا يبتسم فوق درج متجره، وامرأة نائمة ويدها ممدودة نحو رضيعها، وكل وجه رأته منحها سببا إضافيا للإسراع.
وحين بلغت التل سمعت خفقا بطيئا عميقا يتردد صداه في الأرض كدقات طبل مدفون، فرفعت رأسها ورأت الطائر يحط على قمة البرج، ناشرا جناحيه حتى حجبا جزءا من الشمس.
صعود محفوف بالأحلام الخادعة
دخلت ليان البرج فوجدته فارغا إلا من غبار كثيف وأحجار متساقطة، وقد انهار سلمه فعلا ولم يبق منه سوى حافة ضيقة تلتف حول الجدار.
ثبتت حبلها وبدأت التسلق، وكلما ارتفعت تساقطت ريشات صغيرة تدور حول وجهها، ترتطم بقفازيها وثيابها ثم تنزلق دون أن تؤثر فيها، حتى علقت إحداها بخدها.
شعرت بالدفء يتسلل إلى رأسها وثقلت جفونها فجأة، ورأت الجدار يتلاشى، ووجدت نفسها في بيت واسع مضاء يجلس فيه أبوها وأمها الراحلة إلى مائدة مليئة بالخبز الساخن، وابتسمت أمها ومدت ذراعيها تدعوها للراحة.
تراخت أصابعها حول الحبل وكادت تسلم نفسها لذلك الحلم الدافئ، لكنها لمحت في آخر المشهد بابا مفتوحا تظهر خلفه القرية كلها بلا أسماء ولا أصوات، فعضت شفتها حتى ذاقت الدم فأيقظها الألم.
نزعت الريشة عن خدها بالسكين، وعادت الجدران الحجرية باردة خشنة حقيقية أمامها، وتابعت الصعود وهي تبكي دون أن تسمح لدموعها بإغلاق عينيها.
في عش يطفو فوق الغيوم
وصلت ليان إلى قمة البرج قبيل الغروب، فوجدت عشا ضخما من الأغصان والريش يغطي السطح كله، وفي وسطه استلقى الطائر ورأسه مدفون تحت جناحه، وصدره يرتفع وينخفض بنعومة.
حول العش طفت عشرات الكرات الزجاجية، وفي كل واحدة مشهد متحرك، عائلة حول مائدة، طفل يركض في حقل، امرأة تسمع صوتا عزيزا، رجل يعود إلى بيت هجره منذ سنين، ففهمت ليان أنها تحمل أحلام أهل القرية وذكرياتهم.
اقتربت خطوة فانفتح أحد جناحي الطائر ببطء، وظهرت تحته ريشة ذهبية مختلفة عن بقية ريشه، أطول وأكثر لمعانا، ينبض داخل ساقها خيط من الضوء الأزرق.
مدت يدها المغطاة بالقفاز نحوها، لكن صوتا عميقا ملأ المكان يسألها لماذا تريد إيقاظ من وجدوا أخيرا السلام.
عرض لا يقاوم
رفع الطائر رأسه ونظر إليها بعينيه السوداوين، فحاولت أن تخفض بصرها لكنها رأت فيهما أمها واقفة في حديقة مضيئة بثوبها الأزرق القديم وابتسامتها التي افتقدتها كل ليلة.
قال لها إنه يستطيع أن يعيدها إليها، وأن لمسة واحدة من ريشته كفيلة بأن تمحو عنها شعور الفقد إلى الأبد.
ارتجفت ركبتا ليان وشعرت أن العرض يتسلل إلى أضعف مكان في قلبها، فقد كانت تشتاق لسماع صوت أمها ولمس يدها والنوم في حضنها كما اعتادت حين تهدر العواصف فوق السقف.
لكنها تذكرت أن الصوت الذي تسمعه ليس صوت أمها حقا، وأن الحضن الذي لا يمكن مغادرته ليس حضنا بل قفصا ناعما، فقالت بثبات إن السلام الذي يمحو الأسماء ليس سلاما، وإن النوم الذي يمنع العودة ليس راحة.
هز الطائر جناحيه فدارت الريشات حولها كعاصفة بيضاء، وقال إن أهل القرية طلبوه في صمتهم كل ليلة تمنوا فيها أن يتوقف التفكير وتختفي آلامهم، فأجابته أنهم ربما تمنوا ليلة هادئة، لكنهم لم يتمنوا أن يفقدوا حياتهم كلها، ثم اندفعت نحو الريشة الذهبية.
المواجهة عند حافة البرج
ضرب الطائر الهواء بجناحه فانقلب العش واندفعت الكرات الزجاجية في دوامات سريعة، وانكسرت إحداها قرب قدم ليان فخرج منها صوت امرأة تنادي ابنتها قبل أن يذوب في الريح.
أمسكت ليان بالريشة الذهبية بكلتا يديها، فاشتعلت داخلها حرارة قوية اخترقت القفازين، وشعرت بأن آلاف الأحلام تسحبها إلى الأسفل وأصواتا كثيرة تعدها بالنسيان والطمأنينة.
رفرف الطائر بعنف وارتفع نصف جسده فوق العش بينما بقيت الريشة متصلة بجناحه، وصار الهواء كثيفا، ورأت ليان نفسها في عشرات الحيوات الممكنة، سعيدة آمنة لا تعرف الخسارة في كل واحدة منها.
صرخت وهي تشد الريشة أن ليس كل ما يؤلمنا يجب أن يمحى، فانفصلت الريشة الذهبية فجأة وانطلق منها وميض غمر قمة البرج.
أطلق الطائر صرخة طويلة لم تكن غضبا بل حزنا يشبه بكاء الريح في منزل مهجور، وتوقفت الكرات الزجاجية عن الدوران ثم انفتحت جميعها دفعة واحدة.
الذكريات تعود إلى أصحابها
خرجت من الكرات خيوط ضوء رفيعة طارت فوق التل نحو القرية كأسراب اليراعات، ودخل كل خيط نافذة أو بابا وعاد إلى صاحبه النائم.
في بيت خالد ارتعشت أصابعه أولا ثم انفتح فمه في شهيق عميق، ورأى في حلمه وجه أبيه يبتعد ببطء دون أن يختفي، مكتفيا بابتسامة ووضع يده فوق قلبه قبل أن يتحول إلى ضوء.
استيقظ خالد فوجد أمه إلى جواره، ناداها ففتحت عينيها بعد لحظات واحتضنته بقوة، بينما بقيت الريشة البيضاء على الأرض قد فقدت بريقها وصارت رمادية هشة.
في أنحاء القرية بدأ الناس يستيقظون واحدا بعد آخر، فنهض الحداد لا يسمع مطرقته داخل رأسه للمرة الأولى منذ أعوام، وفتحت الخبازة عينيها دون خوف على فرنها، وضحك الأطفال لأنهم تذكروا أحلاما ملونة لم يروها من قبل.
وعلى قمة البرج وقف طائر النعاس منكمشا وقد خفت لمعان ريشه، نظر إلى ليان طويلا ثم خفض رأسه كأنه ينحني لها، وقال بصوت أخف من السابق إنهم سيحتاجون إليه من جديد يوما ما، فأجابته أنهم حين يحتاجونه سيعرفون أن الراحة محطة لا وطنا دائما.
نهاية طائر النعاس ودرس القرية الأخير
فتح الطائر جناحيه وطار نحو الغروب دون أن ينثر ريشا هذه المرة، وابتعد حتى صار نقطة بيضاء صغيرة فوق الجبل، ثم ذاب في الضوء الأحمر الذي غطى الأفق.
عادت ليان إلى القرية قبل حلول الظلام، فوجدت أهلها مجتمعين في الساحة، متعبين مرتبكين لكن عيونهم صارت أكثر صفاء، كأن النوم غسل عنها طبقات قديمة من الخوف.
اقترب منها خالد ولاحظ الريشة الذهبية في يدها، وسألها إن كانت قادرة على إعادة النوم إليهم متى أرادوا، فنظرت إلى وجهه ثم إلى البيوت التي بدأت مصابيحها تضاء واحدا تلو الآخر، وقالت إنها ربما تستطيع، ولهذا يجب ألا تبقى في يد أحد.
اتجهت إلى البئر المهجورة ووضعت الريشة فوق حجر عند حافتها، ثم ضربت ساقها بحجر ثقيل حتى انقسمت إلى شظايا من نور تصاعدت في الهواء واختفت قبل أن تلامس الأرض.
في تلك الليلة دخل أهل القرية بيوتهم دون ريش سحري أو وعود بالنسيان، أغلقوا الأبواب وأطفؤوا المصابيح واستلقوا يحملون مخاوفهم وذكرياتهم معهم، لكنها لم تعد تبدو وحوشا ضخمة كما كانت من قبل.
نام خالد قرب أمه دون أن يضع أصابعه أمام أنفها ليطمئن على تنفسها، اكتفى بسماع إيقاع أنفاسها ثم أغلق عينيه، وحين جاءه النوم استقبله هذه المرة كضيف يعرف أنه سيغادر عند الصباح.
فليست الراحة دائما في محو ما يؤلمنا، فبعض الأوجاع تترك في القلب نوافذ يدخل منها الضوء، وقد تمنحنا الذكريات الثقيلة ليالي صعبة لكنها تذكرنا أيضا بمن أحببنا وبالطرقات التي قطعناها وبالأسباب التي جعلتنا ما نحن عليه.
أما النوم الحقيقي فلا يسرق أسماءنا ولا يغلق أبواب العودة، بل يمنح الروح هدنة قصيرة ثم يعيدها إلى الحياة أكثر قدرة على حملها، ولذلك ظل أهل قرية السكينة كلما رأوا ريشة بيضاء تتهادى في الهواء يتركونها تمر دون أن يلمسوها، ويبتسمون لأنهم تعلموا أن بعض الأحلام الجميلة لا تستحق أن نفقد من أجلها يقظتنا.
