رواية موعد عند بنك البذور سلالة محرمة كادت تغير مصير قرية

الراوي
0

عند الحافة التي ينتهي فيها الإسفلت وتبدأ الصحراء في ابتلاع آثار العابرين، ارتفع بنك البذور مثل سفينة معدنية جنحت في بحر من الرمل، بلا نوافذ تقريباً، وبباب فولاذي لا يفتحه سوى الضوء الأخضر لماسح القزحية.

في ذلك الصباح، كان الهواء محمّلاً برائحة غبار ساخن وملح بعيد، وكانت دينا تقف خلف الزجاج السميك تراقب رجلاً يشق الساحة الخارجية بخطوات لا تتردد، رغم أن الريح كانت تدفع عباءته إلى الخلف كأنها تحاول منعه من الوصول.

وصل الرجل إلى الباب، ورفع أمام الكاميرا كيساً قماشياً قديماً، مطرزاً بخيط أسود على هيئة سنبلة مائلة، ثم قال بصوت جعل موظف الأمن يلتفت نحو دينا:

جئت لأستعيد ما تركه آباؤنا عندكم، قبل أن تموت الأرض وهي تنتظر.

رواية رومانسية موعد عند بنك البذور سلالة محرمة كادت تغير مصير قرية

الرجل الذي حمل تراب القرية في جيبه

دخل صلاح بعد تفتيش طويل، وكان الرمل عالقاً في حواف حذائه، وتحت أظافره، وفي ثنيات وجهه الأسمر، كأنه لم يأتِ من الصحراء فحسب، بل حملها معه لتشهد على حديثه.

جلس أمام مكتب دينا دون أن يخلع كوفيته، ووضع الكيس القماشي بينهما برفق يناقض القسوة المتحفزة في عينيه، ثم أخرج من داخله ورقة صفراء تحمل ختم بنك البذور وتاريخاً يعود إلى تسعة عشر عاماً.

مدّت دينا يدها إلى الورقة، فسبقها صلاح وسحبها قليلاً، وقال:

انظري إليها من مكانك.

أوراقكم تعرف طريقها إلى الأدراج أكثر مما تعرف طريقها إلى أصحابها.

توقفت أصابعها في الهواء، ثم تراجعت ببطء، بينما كان جهاز التهوية يرسل هسيساً بارداً فوق رأسيهما، فتتطاير حافة الورقة كجناح حشرة تحتضر.

وديعة لم تعد ملكاً لأصحابها

قرأَت دينا رقم الإيداع المحفور قرب الختم، ثم أدخلته إلى النظام، فظهر أمامها ملف يحمل اسم السلالة، قمح السارية – النمط الصحراوي المقاوم للعطش.

تحت الاسم، ظهرت علامة حمراء، ثم سطر أقصر من أن يشرح كارثة كاملة، مادة وراثية مقيّدة يمنع الصرف أو الإكثار خارج البرامج المعتمدة.

شعرت دينا ببرودة تنزلق من مؤخرة عنقها، رغم أن الغرفة مضبوطة على درجة حرارة ثابتة، فقد رأت تلك العبارة من قبل، لكنها لم ترَ يوماً وجهاً يقف خلفها.

رفع صلاح ذقنه نحو الشاشة، وسأل:

هل وجدتها؟

أجابت بعد لحظة:

السلالة موجودة.

انفرج فمه عن ابتسامة قصيرة لم تبلغ عينيه، ثم قال:

جيد.

أعطيني منها ما يكفي لموسم واحد.

لم تجبه دينا، فمال إلى الأمام حتى وصلت إليها رائحة الشمس العالقة في ثيابه، ممزوجة بدخان حطب وعرق سفر طويل.

لا أطلب صدقة.

جدي أودعها هنا حين أخبروه أن البنك سيحفظها من الجفاف والحروب.

الآن ضرب الصدأ آبارنا، وفشلت بذور الشركات مرتين، وهذه السلالة وحدها كانت تنبت على ماء مالح.

ابتلعت دينا ريقها، وقالت:

الإيداع لا يعني دائماً حق الاسترداد المباشر.

هناك اتفاقيات وقواعد حماية وبرامج بحثية.

ضرب صلاح طرف المكتب بكفه، فاهتز الكيس القماشي بينهما.

حماية ممّن؟ من الفلاح الذي زرعها مئة عام؟

باب بارد خلفه صيف مسروق

قادته دينا عبر ممرات البنك بعد أن أقنعت الأمن بأنه ممثل رسمي عن الجهة المودعة، وكانت الأبواب تفتح أمام بطاقتها وتغلق خلفهما بصوت مكتوم يشبه إقفال توابيت متتالية.

خلف الزجاج، امتدت غرف الحفظ في صفوف مضاءة بضوء أبيض قاسٍ، وداخل كل غرفة خزائن معدنية تحمل أرقاماً لا أسماء، كأن آلاف الحقول اختُزلت إلى رموز قابلة للفرز.

كان صلاح يحدق في الرفوف بامتعاض، بينما انعكست صورته على الزجاج مراراً؛ رجل واحد محاصر بعشرات النسخ الصامتة من نفسه.

قال:

كنت أتخيل مكاناً تفوح منه رائحة القمح.

أجابته دينا:

لو شممت رائحة القمح هنا، فهذا يعني أن نظام العزل تعطل.

التفت إليها، ولم يبتسم.

درج رقم 17ب

توقفت دينا أمام خزانة الحفظ العميق، وأدخلت رمزاً طويلاً، ثم وضعت كفها على الماسح الحراري، فصدر طنين خافت قبل أن ينزلق درج نحيف من قلب المعدن.

داخل الدرج، استقرت أكياس صغيرة محكمة الإغلاق، وفي أحدها حبوب بلون العسل الداكن، دقيقة وصلبة، لا توحي بأنها تحمل تاريخ قرية أو خلاص موسم كامل.

اقترب صلاح حتى لامس نَفَسه الزجاج الفاصل، فتشكلت غمامة صغيرة أمام الحبوب، وقال بصوت انخفضت حدته فجأة:

أمي كانت تخبز منه أرغفة لا تتشقق في اليوم التالي.

كانت تقول إن القمح يعرف أصحابه من رائحة أيديهم.

راقبت دينا انعكاس وجهه، فرأت الغضب يتراجع لحظة ليكشف تحته عن إرهاق أعمق، إرهاق رجل جاء وفي ذهنه احتمال أن يعود إلى قريته خالي اليدين.

ثم ظهر على شاشة الخزانة تنبيه أحمر، لا يمكن فتح العينة دون اعتماد مزدوج من إدارة الملكية الحيوية.

قرأ صلاح التنبيه، وعاد وجهه حجراً.

إذن كنت تعرفين منذ البداية أنك لن تعطيني شيئاً.

كنت أعرف أن الأمر صعب.

الصعب اسم لطيف للمستحيل حين يقوله موظف من خلف باب مكيف.

لم ترد دينا، فقد كان كلامه يلمس موضعاً حاولت طويلاً تغطيته باللوائح، مثل جرح قديم تحت ضمادة نظيفة.

التوقيع الذي يفتح الخزانة ويغلق المستقبل

عادا إلى مكتب جانبي لا توجد فيه كاميرات ظاهرة، وكانت دينا تعرف أن غياب الكاميرات لا يعني غياب المراقبة، فكل ضغطة زر داخل البنك تُسجل، وكل ملف يُفتح يترك أثراً لا يمحى بسهولة.

أخرجت نموذجاً رقمياً خاصاً بطلبات الطوارئ الزراعية، وبدأت تملأ بيانات قرية صلاح، عدد الأسر، مساحة الأرض، ملوحة المياه، نسبة فشل المحاصيل، وعدد المواسم التي يمكنهم احتمال خسارتها.

حين وصلت إلى خانة المبرر، كتبت، خطر انهيار غذائي محلي وفقدان نهائي للمعرفة الزراعية المرتبطة بالسلالة.

راقب صلاح أصابعها وهي تتحرك فوق لوحة المفاتيح، ثم قال:

يبدو أنك تحفظين الطريق جيداً.

توقفت.

لأنني سلكته من قبل.

أسماء محذوفة من السجلات

فتحت دينا ملفاً مشفراً، ثم أدارت الشاشة نحوه، فظهرت قائمة طويلة من السلالات المحلية المقيّدة، وإلى جوار كل واحدة منها اسم شركة أو جامعة أو برنامج تطوير مغلق.

كان بعضها يحمل أسماء قرى يعرفها صلاح، وبعضها يحمل أسماء أنهار جفت، وأودية لم يعد يزورها إلا الرعاة.

قال ببطء:

ما هذا؟

السلالات التي أودعتها المجتمعات على أساس الحفظ المشترك، ثم أُعيد تصنيفها لاحقاً كمواد بحثية محمية.

سرقتموها.

لم أكن هنا حين حدث ذلك.

لكنك هنا الآن.

أغلقت دينا الملف بسرعة عندما سمعت خطوات في الممر، ثم انتظرت حتى ابتعد الصوت، وكان قلبها يضرب ضلوعها كما لو أنه يريد الخروج قبل أن يصل المفتشون.

همست:

منذ ثلاث سنوات، وأنا أجمع النسخ الأصلية لاتفاقيات الإيداع.

كثير منها لا يسمح بما فعلوه، لكن الإدارة تعتمد على أن القرى لا تملك محامين، ولا تعرف أن بنود الاتفاق تغيرت بعد توقيعها.

حدق صلاح فيها طويلاً، كأنه يعيد بناء صورتها حجراً فوق حجر بعد أن هدمها في رأسه منذ لحظة دخوله.

ولماذا لم تفضحيهم؟

ابتسمت بمرارة.

أرسل ملفاً إلى الصحافة، فيغلق البنك أبوابه بحجة الأمن الحيوي، ويُتلفون السجلات أو ينقلونها.

أبقى هنا، فأستطيع جمع الأدلة وربط السلالات بأصحابها.

وفي أثناء جمعك للأدلة، تموت الحقول.

استقرت كلماته بينهما أثقل من أي اتهام.

حين وصل المدير قبل موعده

انفتح الباب دون طرق، ودخل الدكتور نادر، مدير البنك، بثوبه الرمادي المكوي بعناية، ورائحة عطر حاد غطت للحظة رائحة الغبار العالقة بصلاح.

نظر إلى الشاشة المفتوحة، ثم إلى نموذج الطوارئ، ثم ابتسم ابتسامة لم تحمل دهشة حقيقية.

السيدة دينا، يبدو أن لدينا زائراً مهماً.

وقف صلاح، لكن دينا بقيت جالسة، لأن ركبتيها لم تكونا واثقتين من حملها.

قال نادر:

السيد صلاح، تلقينا رسائل قريتكم.

وقد أوضح القسم القانوني أن العينة لم تعد متاحة للتوزيع الأهلي، لكنها قد تدخل مستقبلاً ضمن برنامج تجريبي، عندما تتوافر الشروط.

رد صلاح:

القرية لا تأكل المستقبل.

ظل نادر مبتسماً، ثم وجّه كلامه إلى دينا:

أغلقي الطلب.

تحرك المؤشر فوق زر الإلغاء، لكن يد دينا بقيت ساكنة.

ثلاثة وثلاثون كيساً من الصمت

اقترب نادر من المكتب، وخفض صوته:

تعلمين أن هذه السلالة جزء من مشروع شراكة دولية، وأي صرف غير مصرح به يُعد خرقاً تعاقدياً وتسريباً لأصل وراثي حساس.

رفعت دينا عينيها إليه.

أصل وراثي أودعته القرية قبل توقيع الشراكة باثني عشر عاماً.

اختفت الابتسامة عن وجهه، وكأنها كانت قناعاً رقيقاً مزقته جملة واحدة.

لا تخوضي في تفاصيل أكبر من صلاحياتك.

لهذا جمعت التفاصيل.

مدت يدها إلى درج مكتبها، وأخرجت وحدة تخزين صغيرة، سوداء بلا علامة، ثم وضعتها إلى جانب الكيس القماشي.

تصلب وجه نادر.

ما هذا؟

قالت دينا، وعيناها على صلاح:

ثلاثة وثلاثون عقد إيداع أصلياً، ومراسلات تثبت تغيير تصنيف العينات دون موافقة أصحابها، وسجلات لطلبات استرداد رُفضت قبل أن تصل إلى اللجان.

تراجع صلاح نصف خطوة، لا خوفاً بل دهشة، بينما مدّ نادر يده نحو وحدة التخزين.

سبقه صلاح إليها، وأغلق قبضته حولها.

قال نادر ببرود:

أعطني إياها، وإلا خرجت من هنا متهماً بسرقة بيانات محمية.

رد صلاح:

وأنا دخلت متهماً بسرقة قمحنا، فلم يعد الفرق كبيراً.

الإنذار الأحمر في قلب البنك

صدر صوت حاد من سقف الغرفة، ثم تحولت الإضاءة البيضاء إلى ومضات حمراء متتابعة، وانغلقت الأبواب الآلية في الممرات واحداً بعد آخر.

ضغط نادر زر الطوارئ في ساعته، وقال:

الأمن في الطريق.

لديك دقيقة واحدة يا دينا لتثبتي أنك ما زلت موظفة هنا.

نظرت دينا إلى نموذج طلب الطوارئ المفتوح، وفي أسفله خانة التوقيع التي تحمل تحذيراً واضحاً، الموظف المجيز يتحمل المسؤولية الإدارية والقانونية الكاملة.

كان يكفي أن تضغط موافقة واحدة ليُفتح الدرج، ويُسجل اسمها باعتبارها من أخرج العينة، وتنتهي سنوات عملها خلال ساعات.

لكنها رأت خلف الكلمات حقلاً لم تزره قط؛ أرضاً متشققة تنتظر المطر، ونساء يعجنّ آخر ما بقي من دقيق، وأطفالاً يتعلمون أسماء السنابل كما يتعلمون أسماء الراحلين.

الحبة التي أثقل من القانون

قال صلاح:

لا أريد أن تدمري حياتك من أجلنا.

نظرت إليه دينا، وقد أدهشها أن تأتي الرحمة منه في اللحظة التي انتظر منها فيها الجميع الطاعة.

أجابت:

وأنا لا أريد أن أحافظ على وظيفتي فوق أطلال حياتكم.

وضعت إصبعها على الماسح، فظهر توقيعها الإلكتروني في أسفل الطلب، ثم ضغطت زر الاعتماد.

لثانية، لم يحدث شيء.

بعدها جاء صوت معدني عميق من غرفة الحفظ، كأن قلب المبنى نفسه انفتح على مضض، وظهر على الشاشة، تمت الموافقة على صرف عينة طوارئ محدودة، 750 غراماً.

شهق صلاح، بينما اندفع نادر نحو لوحة التحكم محاولاً إلغاء الأمر، لكن دينا أدخلت رمزاً آخر نقل الطلب فوراً إلى سجل المراجعة المركزي الذي لا يملك مدير الفرع حذفه.

قالت:

الآن صار القرار مرئياً خارج هذا المبنى.

فتح الباب الداخلي تلقائياً، وخرج صندوق صغير معزول، يحمل ختم البنك ورقم العينة، فتناوله صلاح بكلتا يديه كما يتناول أب طفله للمرة الأولى.

الخروج من الباب الذي لا ينسى أحداً

وصل رجال الأمن إلى الغرفة، لكنهم لم يجدوا فوضى ولا أسلحة ولا لصوصاً؛ وجدوا موظفة تقف إلى جانب مكتبها، ومديراً غاضباً، ورجلاً يحمل صندوقاً صادراً بموجب طلب رسمي موقع.

رفع نادر صوته مطالباً باعتقال صلاح، غير أن رئيس الأمن قرأ الشاشة، ثم قال بحذر:

الصرف مسجل ومعتمد، وإلغاؤه يحتاج قراراً من اللجنة المركزية.

قال نادر:

الموظفة تجاوزت صلاحياتها.

أجابت دينا:

إذن حققوا معي.

لكن لا توقفوا عينة خرجت وفق بروتوكول الطوارئ.

التقت عيناها بعيني صلاح، ولم تكن بحاجة إلى أن تقول له أسرع، فقد فهم أن الوقت بين صدور القرار ونقضه قد يكون أقصر من الطريق إلى البوابة.

نصف السلالة ونصف الحقيقة

قبل أن يغادر، اقترب صلاح منها وقال بصوت لم يسمعه سواها:

ظننت أنك حارسة الباب.

أجابت وهي تنزع بطاقتها الوظيفية وتضعها على المكتب:

كنت أحاول أن أتعلم كيف أفتحه دون أن يهدموا المبنى فوق الجميع.

رفع الصندوق قليلاً، ثم سأل:

ووحدة التخزين؟

نظرت إلى قبضته المغلقة حولها.

فيها ما يكفي لتستعيد قرى أخرى أسماءها، لكن لا تنشرها دفعة واحدة.

أعطِ نسخة لمحامٍ، ونسخة لصحفي تثق به، ونسخة لمجلس القرى.

اجعل الحقيقة موزعة بحيث لا يستطيع أحد دفنها.

هز رأسه، ثم استدار نحو الممر، بينما كانت الأضواء الحمراء تنعكس على الصندوق الأبيض، فتحوله للحظة إلى جمرة محمولة بين يديه.

الموعد الأخير عند أول سنبلة

بعد سبعة أشهر، لم تعد دينا ترتدي معطف البنك الأبيض، ولم يعد اسمها يظهر على بوابته إلا في ملف تحقيق إداري لم يُغلق بعد.

كانت تقف عند حافة حقل صغير في قرية صلاح، والشمس تنحدر خلف التلال، فتسكب على السنابل لون النحاس المذاب، بينما كانت الريح تمر بينها بصوت يشبه همس آلاف الأوراق القديمة.

لم تُزرع العينة كلها، فقد احتفظ أهل القرية بجزء في مخزن تعاوني جديد، ووضعوا له سجلاً يحمل أسماء المزارعين، وشروط المشاركة، وعبارة واحدة في الصفحة الأولى، لا تُحفظ البذور بعيداً عن حق أصحابها في زراعتها.

اقترب صلاح منها حاملاً رغيفاً مستديراً لا يزال دافئاً، وكسره نصفين، فتصاعدت منه رائحة قمح كثيفة جعلت دينا تغمض عينيها لحظة.

قال:

هذه أول خبزة.

أخذت نصفها، وتحسست قشرتها الخشنة بأطراف أصابعها.

وكيف كان الموسم؟

أقل من مواسم أجدادنا، وأفضل من كل ما زرعناه في السنوات الخمس الماضية.

سنحتاج إلى ثلاثة أعوام حتى تعود السلالة قوية بما يكفي.

ثم أشار إلى طرف الحقل، حيث كان أطفال يركضون بين السنابل، يحمل كل واحد منهم كيساً قماشياً صغيراً مطرزاً بسنبلة سوداء.

سألته دينا:

ما هذه الأكياس؟

ابتسم للمرة الأولى دون حذر.

موعد جديد مع بنك البذور، لكن البنك هذه المرة هنا.

ظرف بلا ختم

وقبل أن تغادر القرية، سلّمها صلاح ظرفاً بنياً وصل مع سائق الحافلة من المدينة، ولم يحمل الظرف اسم مرسل أو ختماً رسمياً.

فتحته دينا تحت ضوء الغروب، فوجدت نسخة من قرار مؤقت أصدرته المحكمة بوقف القيود على سبع سلالات محلية، وبدء مراجعة قانونية لعقود الإيداع القديمة.

في أسفل الورقة، كانت هناك ملاحظة مكتوبة بخط يد مجهول، وصلتنا النسخة الثالثة.

الملفات لم تعد قابلة للدفن.

رفعت دينا رأسها نحو الحقل، فوجدت الريح قد اشتدت، وانحنت السنابل كلها في اتجاه واحد، ثم عادت فاستقامت، لا كجنود تلقوا أمراً، بل ككائنات تعرف كيف تنجو دون أن تنسى جذورها.

ليست كل الخزائن التي تحفظ الأشياء أمينة عليها، ولا كل يد تقف عند الباب عدوة لمن يريد العبور؛ فقد يصبح الحفظ شكلاً من أشكال الفقد حين تُصان البذرة ويُمنع عنها التراب، وقد يكون أخطر السجون ذلك الذي يُبنى باسم الحماية.

أما المعرفة التي تُولد بين الناس، فلا تبقى حية لأنها حُبست في مكان بارد، بل لأنها انتقلت من كف إلى كف، ومن موسم إلى موسم، وظلت قادرة على العودة إلى الأرض كلما حاول أحد تحويلها إلى رقم لا يتذكر أصحابه.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد