لم تكن ليان تبيع السعادة؛ كانت تبيع النسخة التي يستطيع البشر احتمالها من حياتهم، وتضعها في عقولهم كما توضع قطرة عسل فوق قرص سام، فيبتلعونه مبتسمين دون أن يسألوا عن المرارة المختبئة تحته.
في متجرها الواقع أسفل المدينة، لم تكن هناك رفوف ولا صناديق زجاجية، بل مقاعد فضية تتدلى فوقها خوذات دقيقة الأسلاك، وشاشات سوداء تُظهر الذكريات البشرية على هيئة خيوط ضوئية يمكن قصّها، وترميمها، أو استبدالها بكذبة محكمة لا تترك ندبة.
وكان زبائنها يخرجون من الباب بعيون أكثر هدوءاً وقلوب أقل صدقاً، بينما تبقى هي وحدها في الداخل، تستمع إلى همسات الأكاذيب المخزنة في الأجهزة، وتخشى اليوم الذي يأتي فيه شخص لا يريد منها وهماً يريحه، بل حقيقة قادرة على تدميره.
في مساء عاصف، انفتح باب متجرها، ودخل حمزة بثياب تقطر ماءً وبعينين لا تشبهان أعين زبائنها؛ لم يكن فيهما رجاء الهاربين، بل قسوة رجل طارد كابوسه طويلاً، حتى قرر أخيراً أن يستدير ويواجهه.
قال لها وهو يضع على الطاولة شريحة ذاكرة قديمة ملطخة ببقعة بنية داكنة:
لا أريد أن تنسيني شيئاً.
رفعت ليان عينيها إليه، وشعرت لأول مرة أن جدران متجرها أضيق من أن تحميها.
ثم أكمل بصوت بارد:
أريدك أن تعيدي إليّ ما سرقتموه مني.
متجر تحت جلد المدينة
كانت مدينة نوفا ترتفع في الليل كجسد معدني عملاق، تتلألأ نوافذ أبراجها تحت المطر، بينما تنساب المركبات الصامتة بين الطرق المعلقة كحشرات مضيئة تبحث عن شقوق تأوي إليها.
تحت تلك الأبراج، في الطابق السفلي التاسع والثلاثين، اختبأ متجر ليان خلف باب رمادي بلا لافتة؛ لم يكن يحتاج إلى إعلان، لأن الحزن وحده كان يعرف الطريق إليه، ويقود أصحابه من أيديهم حتى العتبة.
فوق الباب الداخلي كُتبت عبارة صغيرة بحبر يتوهج كلما اقترب شخص:
ليست كل حقيقة جديرة بأن تُعاش.
كانت ليان تستقبل عملاءها بثوب أبيض وقفازات رقيقة تمنع انتقال النبضات العصبية إلى أصابعها، ثم تسألهم السؤال ذاته بصوت ناعم لا يحمل حكماً ولا فضولاً:
أيّ ألم ترغب في استبداله اليوم؟
كان بعضهم يريد زوجاً ميتاً يواصل انتظارهم في المنزل، وبعضهم يطلب طفولة لم يضربه فيها أبوه، وآخرون يشترون نجاحاً لم يحققوه أو حباً لم يحصلوا عليه قط.
لم تكن التقنية تمحو الذكرى تماماً؛ بل تبني فوقها طبقة حسية جديدة، كاملة الروائح والأصوات والملمس، حتى يعجز العقل مع مرور الوقت عن التمييز بين ما حدث وما كان ينبغي أن يحدث.
كان الزبون يدفع، يستلقي تحت الخوذة، ثم يغادر وفي رأسه حياة أكثر رحمة من حياته الأصلية.
أما ليان، فكانت تحتفظ بنسخة من كل حقيقة حذفتها.
خزينة الآلام المنسية
خلف ستارة سوداء في نهاية المتجر، امتد ممر ضيق يقود إلى غرفة باردة تدور في وسطها أسطوانة زجاجية هائلة، تحتوي على آلاف الشرائح المضيئة التي تنبض كقلوب صغيرة حُبست خارج أجسادها.
أطلقت ليان على الغرفة اسم الخزينة، بينما كانت الشركة التي دربتها تسميها بنك المواد الخام؛ فالحقيقة المحذوفة لم تكن تُتلف، بل تُخزن وتُحلل، ثم تُستخدم لبناء أوهام أكثر إقناعاً لعملاء آخرين.
صرخة أم فقدت طفلها قد تصبح جزءاً من كابوس رجل يريد الشعور بالذنب، ودفء يد عاشق ميت قد يُزرع في ذاكرة امرأة دفعت ثمناً كبيراً كي تصدق أنها كانت محبوبة يوماً.
في البداية، أقنعت ليان نفسها بأنها تساعد الناس على النجاة، لكن الجدران الزجاجية لم تكن تسمح لها بالنسيان؛ كلما دخلت الخزينة، سمعت شذرات من ذكريات الغرباء تتسرب إلى الهواء البارد.
ضحكة طفلة، ارتطام سيارة، طلقة مكتومة، اعتذار لم يُقبل، واسم يُنادى للمرة الأخيرة.
كانت تخرج من الغرفة واضعة أصابعها على أذنيها، غير أن الأصوات لم تكن تأتي من الخارج.
كانت تسكنها.
الرجل الذي رفض الحلم
وقف حمزة أمامها دون أن يخلع معطفه المبتل، وترك الماء يتجمع تحت قدميه، بينما ظلت الشريحة القديمة فوق الطاولة تفصل بينهما كقطعة من جريمة لم تُدفن جيداً.
مدت ليان يدها نحوها، لكن حمزة أمسك معصمها قبل أن تلمسها، وكانت قبضته ثابتة بقدر ما كان صوته مضطرباً.
افحصيها أمامي، ولا تحاولي نسخ محتواها.
نظرت إلى أصابعه المحيطة بمعصمها، ثم إلى وجهه الشاحب.
إن كنت لا تثق بي، فلماذا جئت؟
أفلتها ببطء، وقال:
لأنك الوحيدة التي ما زالت تعمل بتقنية ميراج القديمة، ولأن ثلاثة أشخاص حاولوا قتلي منذ أن وجدت هذه الشريحة.
وضعت ليان الشريحة داخل قارئ منفصل غير متصل بالشبكة، وفور أن لامست أطراف الجهاز، اشتعلت الشاشة بوميض أحمر، ثم ظهرت جملة مشفرة تحمل توقيعاً تعرفه أكثر مما تعرف خطوط كفها.
مشروع الرحمة – الحالة رقم 17.
تجمد الهواء في رئتيها، وشعرت بأن قفازيها أصبحا أضيق من جلدها.
لاحظ حمزة تغيّر وجهها، فانحنى نحوها قائلاً:
تعرفين هذا الاسم.
أغلقت الشاشة بسرعة، لكن انعكاس العبارة ظل عالقاً في عينيها.
إنه مشروع قديم توقف منذ سنوات.
لم يتوقف، قال حمزة، بل انتهى بعد أن قتل أخي.
ذاكرة تحمل رائحة الدم
أخبرها أن شقيقه الأكبر، سليم، كان مهندساً عصبياً يعمل لصالح مؤسسة سيرين، الشركة التي طورت تقنية صناعة الذكريات البديلة.
قبل موته بثلاثة أيام، اتصل بحمزة بعد سنوات من القطيعة، وكان صوته يخرج متقطعاً كأن شخصاً يضغط على حلقه.
قال له، إن جئت أطلب منك أن تنسى، فلا تصدقني.
في اليوم التالي، ظهر سليم أمام كاميرات المدينة وهو يدخل محطة قطار مهجورة، ثم عُثر على جثته أسفل السكة، وسُجلت الوفاة باعتبارها انتحاراً لا يحمل شبهة جنائية.
لكن حمزة لم يتذكر الجنازة.
كان يتذكر أنه وقف عند قبر أخيه تحت شجرة سرو عالية، وأن أمه وضعت وردة بيضاء فوق التراب، وأن المطر ابتلعهما حتى العظم؛ غير أن سجلات المدينة أثبتت أن جثة سليم أُحرقت ولم يُدفن قط، وأن أمهما كانت قد ماتت قبل ذلك بعامين.
قال حمزة وهو يحدق في الشاشة السوداء:
الذكرى التي أملكها مثالية أكثر مما ينبغي، وهذا ما جعلني أشك فيها.
ابتلعت ليان ريقها، فطعم المعدن ملأ فمها.
معظم الناس لا يكتشفون الوهم إن كان مريحاً.
رفع نظره إليها، وكانت عيناه داكنتين كنافذتين أُطفئت المدينة خلفهما.
أنا لم أكن مرتاحاً في حياتي قط، ولهذا عرفت أنها ليست ذكراي.
الصفقة المستحيلة
أراد حمزة من ليان أن تستخرج الذاكرة الأصلية المدفونة تحت الطبقة المصطنعة، إلا أن العملية لم تكن تشبه استعادة ملف محذوف؛ فالذكريات البديلة تمد جذورها في الخوف والرغبة، وإذا اقتُلعت بعنف، قد تسحب معها أجزاء من الهوية.
شرحت له أن دماغه ربما يرفض الحقيقة، وأنه قد يفقد أسماء الأشخاص أو قدرته على تمييز الأزمنة، وربما يستيقظ دون أن يعرف من يكون.
أجابها بلا تردد:
أفضل أن أستيقظ غريباً عن نفسي، على أن أموت صديقاً لكذبة زرعها غيري.
كانت الجملة بسيطة، لكنها سقطت داخل ليان كحجر في بئر لم تسمع له قاعاً.
وضعت أمامه عقداً رقمياً، فدفعه بعيداً.
لن أوقع على شيء يمنحك حق إخفاء ما سترينه.
قالت وهي تستعيد العقد:
وهذا يمنحني سبباً كافياً لطردك.
ابتسم للمرة الأولى، وكانت ابتسامته صغيرة ومتعبة، كشرخ رفيع في جدار.
لكنك لن تفعلي.
كرهت ثقته، وكرهت أكثر أنه كان محقاً.
أول شق في المرآة
استلقى حمزة على المقعد الفضي، وثبتت ليان الموصلات عند صدغيه وخلف أذنيه، ثم أنزلت الخوذة حتى حجبت وجهه، ولم يبقَ ظاهراً منه سوى فمه المشدود.
جلست أمام لوحة التحكم، وأدخلت رمزاً لم تستخدمه منذ سبع سنوات؛ رمزاً يمنحها وصولاً إلى الطبقات العميقة التي حظرت الشركة التعامل معها خارج مختبراتها.
ظهرت ذاكرة الجنازة على الشاشة، سماء رمادية، شجرة سرو، أم تبكي، وتراب داكن ينغلق فوق تابوت.
بدت الذكرى جميلة في حزنها، متقنة حتى في عيوبها؛ غير أن ليان لاحظت شيئاً صغيراً لا يراه إلا من صنع الأكاذيب طويلاً.
قطرات المطر لم تكن تترك دوائر فوق بركة الماء.
مدت أداة التحليل إلى مركز المشهد، فاهتزت الصورة، وظهر خلف قبر سليم باب معدني لجزء من الثانية، ثم اختفى كجفن أطبق على عين خائفة.
قالت عبر الميكروفون:
أريدك أن تركز على الباب، لا على القبر.
جاءها صوت حمزة من داخل الخوذة مثقلاً بالتشويش:
أمي تناديني.
ليست أمك.
صوتها حقيقي.
ترددت ليان قبل أن تقول:
كل كذبة ناجحة تحمل شيئاً حقيقياً في داخلها.
شهق حمزة، وارتفعت المؤشرات العصبية إلى مستوى خطر، بينما بدأ القبر المصطنع يتشقق، وتسلل من أسفله ضوء أبيض قاسٍ ورائحة مطهرات نفاذة.
ثم انهار المشهد كله.
ما وراء الجنازة
وجد حمزة نفسه في ذاكرته الأصلية واقفاً داخل مختبر دائري، مقيد اليدين إلى مقعد طبي، بينما أضواء شديدة السطوع تنهش عينيه.
كان سليم أمامه حياً، يتجادل مع رجل يرتدي قناعاً شفافاً، وخلفهما عشرات الأجساد تستلقي تحت خوذات معدنية موصولة بجهاز مركزي ضخم.
لم تستطع ليان رؤية وجه الرجل بوضوح، لكن صوته اخترقها كالسكين؛ كان صوت الدكتور نادر، مؤسس مشروع الرحمة، ومعلمها الأول.
قال نادر لسليم:
الحقيقة ليست حقاً مقدساً، بل حمولة زائدة.
نحن نحرر البشر منها.
أجابه سليم وهو يشير إلى الأجساد:
أنتم لا تحررونهم، بل تعيدون كتابة اعتراضاتهم.
تجعلون الضحية ممتنة لمن آذاها، والفقير مقتنعاً بأنه اختار جوعه، والشاهد واثقاً بأنه لم ير شيئاً.
اقترب نادر منه بهدوء، ولمعت العدسات الدقيقة في قناعه.
المجتمع لا يحتاج الحقيقة يا سليم، بل يحتاج رواية يتفق الجميع على تصديقها.
في زاوية المختبر، حاول حمزة المقيد أن يصرخ، لكن إبرة كانت مغروسة في عنقه، ولم يخرج من فمه سوى هواء مرتجف.
التفت إليه سليم، وفي عينيه خوف لم يره حمزة من قبل، ثم أخرج من جيبه الشريحة الملطخة بالدم ودسها داخل فتحة في ذراع المقعد.
قال لأخيه:
حين تستيقظ، سيجعلونك تكرهني، أو تنساني، أو تتذكر موتي بطريقة مريحة.
لا تثق بما يريحك يا حمزة.
بعدها دوى صوت إطلاق نار.
وسقط سليم.
وجه مألوف في قلب الجريمة
توقفت الذكرى عند لحظة سقوطه، ثم ارتجفت الصورة كمرآة ضُربت من الخلف، وبدأت أجزاء محذوفة تتسلل بين الشقوق.
رأت ليان نفسها تدخل المختبر.
كانت أصغر سناً، ترتدي الزي الأبيض ذاته، وتحمل بين يديها خوذة ميراج، بينما يشير نادر إلى حمزة المقيد ويأمرها بصناعة جنازة بديلة تمحو المشهد من ذاكرته.
خرج صوت حمزة من السماعات محملاً بالذهول:
كنتِ هناك.
عجزت ليان عن الرد، فالفتاة الظاهرة داخل الذاكرة اقتربت من حمزة، ثبتت الخوذة فوق رأسه، ثم همست له قبل تشغيل الجهاز:
سامحني، هذه الطريقة الوحيدة كي تبقى حياً.
تراجعت ليان عن لوحة التحكم، واصطدم ظهرها بالخزانة المعدنية.
لم تكن قد نسيت تلك الليلة؛ كانت قد باعت لنفسها وهماً بشأنها.
أقنعت ذاتها أن حمزة كان مجرد رقم مجهول في ملف قديم، وأن سليم مات قبل وصولها، وأن ما فعلته لم يكن إلا علاجاً قسرياً أنقذ شاباً من الجنون.
لكن الذاكرة لم تكذب.
كانت أصابعها هي التي سرقت الحقيقة من رأسه.
اعتراف لا يملك باباً للعودة
نزعت ليان الخوذة عن حمزة قبل اكتمال العملية، فانتفض كمن خرج من الماء بعد أن امتلأت رئتاه، وسقط على الأرض وهو يضغط كفيه إلى صدغيه.
انحنت نحوه، لكنه دفعها بعنف، فاصطدمت بحافة الطاولة وتناثر زجاج صغير حول قدميها.
أنتِ، قالها وهو يلهث، أنتِ من فعل ذلك بي.
لم تبحث ليان عن عذر؛ بدت الأعذار في تلك اللحظة كقطع قماش نظيفة يحاول بها قاتل مسح الدم عن يديه.
جلست على الأرض قبالته، وأزالت قفازيها للمرة الأولى أمام عميل، فكشفت عن خطوط سوداء دقيقة تمتد من أطراف أصابعها إلى معصميها؛ آثار التعرض الطويل لنبضات الذاكرة.
كنت أعمل مع نادر، قالت، وكنت أصدق أننا نحمي العقول من الانهيار.
عندما فهمت ما يفعله، هربت وفتحت هذا المكان.
ضحك حمزة بمرارة، وكانت ضحكته أشد قسوة من صراخه.
فتحتِ متجراً لتواصلي الشيء نفسه؟
أعطي الناس ما يطلبونه.
المدمن يطلب السم أيضاً، فهل يصبح بائعه رحيماً؟
خفضت ليان عينيها، وانعكس وجهها على شظية زجاج قرب ركبتها، منقسماً إلى نصفين لا يلتقيان.
قالت:
لا.
بين الكراهية والاحتياج
كان يستطيع أن يقتلها، وقد بدا ذلك واضحاً في نظرته حين التقط أداة جراحية رفيعة من الطاولة؛ أمسكها بإحكام، واقترب حتى لامس طرفها عنقها.
لم تتحرك ليان، ولم تطلب النجاة.
لماذا أبقيتموني حياً؟ سأل.
لأن سليم بث نسخة من ملفات المشروع إلى ذاكرتك قبل موته.
لم يستطع نادر استخراجها دون أن يدمرك، فمحا طريق الوصول إليها وانتظر أن يجد وسيلة أخرى.
توقف النصل فوق جلدها.
والآن؟
الآن استعدت الطريق.
في اللحظة نفسها، انطفأت أنوار المتجر، وتحول الظلام إلى كتلة ثقيلة تنفسا داخلها معاً.
ثم اشتعلت عبارة حمراء على الجدار:
تم تحديد موقع الحالة رقم 17.
رفعت ليان رأسها نحو الباب، وسمعت وقع أحذية معدنية في الممر الخارجي.
همست:
لقد وجدونا.
أنزل حمزة الأداة عن عنقها، لكنه لم يرمها.
لا تظني أن هذا يعني أنني سامحتك.
أجابته وهي تفتح باب الخزينة السري:
لا أملك وهماً بهذه الجودة.
مطاردة داخل الذاكرة
دخل الاثنان الخزينة، وأغلقت ليان الباب خلفهما قبل لحظات من اقتحام رجال سيرين المتجر؛ كانت أصواتهم تتردد وراء الجدار، باردة ومنظمة، بينما انبعثت من الأسطوانة الزجاجية آلاف الهمسات المتقاطعة.
قالت ليان إن الملفات التي زرعها سليم في عقل حمزة لا يمكن استخراجها بالطريقة التقليدية، لأن نادر وضع قفلاً عصبياً يقتل حاملها إذا حاول الاتصال بشبكة عامة.
كان الحل الوحيد أن تربط عقل حمزة بالخزينة، ثم تستخدم آلاف الذكريات المخزنة لتشتيت القفل ونسخ الحقيقة داخلها، قبل بثها إلى المدينة دفعة واحدة.
نظر حمزة إلى الأسطوانة المتوهجة، وإلى الوجوه التي تظهر لحظة داخلها ثم تذوب.
ماذا سيحدث لك؟
الخزينة مرتبطة ببصمتي العصبية.
كي تفتح كل الملفات، يجب أن أبقى متصلة حتى نهاية البث.
لم تجيبي عن سؤالي.
أدارت وجهها عنه، وراحت تجهز الموصلات.
لأنك تعرف الإجابة.
قبض على يدها، وكانت أصابعه دافئة رغم البرد الذي يملأ الغرفة.
لا أريد نصراً يحتاج إلى كذبة جديدة.
قوليها.
رفعت عينيها إليه.
لن ينجو عقلي كاملاً.
الحب الذي وُلد في المكان الخطأ
لم يكن بينهما وقت يسمح باعتراف رقيق، ولا سماء صافية، ولا موسيقى تختار اللحظة المناسبة؛ كان خلف الباب رجال مسلحون، وفوق رأسيهما آلاف الآلام المسروقة، وبينهما تاريخ من الخيانة لا يصلح أساساً للحب.
ومع ذلك، حين نظر حمزة إليها، لم يرَ فقط المرأة التي محَت ذاكرته؛ رأى امرأة تحمل في جسدها آثار كل الأكاذيب التي باعتها، وتعيش داخل متجر لا تدخله الشمس، كأنها عاقبت نفسها قبل أن يطالبها أحد بالعقاب.
أما ليان، فرأت فيه أول إنسان لم يطلب منها تخفيف الحقيقة أو تزيينها، بل أصرّ على حملها رغم ثقلها؛ وكان إصراره مرعباً وجميلاً، كنافذة تُفتح فجأة في غرفة اعتادت الظلام.
قال حمزة:
هناك طريقة أخرى.
لا توجد.
إذا ربطنا ذاكرتينا معاً، يمكن تقسيم الحمل العصبي.
حدقت فيه بفزع.
قد تختلط ذكرياتنا.
قد تستيقظ وأنت تحمل طفولتي، أو أستيقظ وأنا أذكر موت أخيك كما لو كان أخي.
وربما لا يستيقظ أحد منا.
حمزة،
اقترب منها حتى اختلط نفَسه بأنفاسها.
قلتِ إن كل كذبة ناجحة تحمل شيئاً حقيقياً في داخلها.
ربما كل حقيقة أيضاً تحتاج إلى شخصين كي تصبح قابلة للاحتمال.
لم تعرف هل كان ذلك غفراناً أم تأجيلاً للغضب، لكنها شعرت بشيء ينهار في داخلها، شيء بنته طوال سنوات كي لا تحتاج إلى أحد.
وضعت جبهتها على جبينه لثانية واحدة.
ثم ثبتت الموصل الأول عند صدغه.
حين استيقظت المدينة من حلمها
اقتحم رجال سيرين الغرفة في اللحظة التي بدأ فيها الاتصال، فانطلقت رصاصة ارتطمت بالأسطوانة، وامتد فوق زجاجها شرخ متعرج أضاء كبرق محتجز.
ضغطت ليان زر البث.
وانفجرت الخزينة بالضوء.
رأى حمزة طفولة ليان، بيتاً ضيقاً، وأباً مريضاً كان ينسى اسمها، وأماً دفعت آخر ما تملك إلى معالج غير شرعي كي يزرع في عقل الرجل وهماً بأنه سليم.
رأى أباها ينهض صباحاً مبتسماً، يتناول إفطاراً لا يستطيع تذوقه، ويتحدث عن عمل فقده منذ سنوات، بينما كانت الأورام تنمو في رأسه بصمت حتى مات سعيداً دون أن يعرف أنه يموت.
ورأت ليان سليم وهو يحمل حمزة الصغير فوق كتفيه، يركض به قرب البحر، ويعده بأنه لن يسمح لأحد بسرقة صوته، مهما أصبحت الحقيقة خطرة.
رأت خلافهما الأخير، وكلمات قاسية قالها حمزة لأخيه، ثم ندم عليها بعد فوات الأوان.
امتزجت الذكريات حتى لم يعد الألم يعرف صاحبه، وانفتحت ملفات المشروع داخل الأسطوانة؛ أسماء قضاة ومسؤولين وشركات وجرائم أعيدت صياغتها في عقول الملايين.
خرجت الحقيقة إلى شبكة المدينة كموجة برق، اخترقت الشاشات المنزلية، والمركبات، والعدسات المزروعة، وأعادت إلى الناس ما دُفن تحت الأوهام.
تذكر جنود أنهم أطلقوا النار على مدنيين، وتذكرت أمهات أطفالاً قيل لهن إنهم لم يولدوا، وتذكر عمال أنهم لم يوافقوا على بيع أعمارهم للشركات.
ارتجت المدينة بصراخ واحد هائل.
كان ذلك صوت مجتمع يستيقظ دفعة واحدة داخل الغرفة التي حاول نسيانها.
سقوط بائع الرحمة
ظهر وجه الدكتور نادر على الشاشات المحيطة بالخزينة، وقد سقط عنه القناع الشفاف، فبدا شيخاً ذا جلد شاحب وعينين لا تحملان خوفاً، بل خيبة باردة.
قال لليان عبر الاتصال:
ستدمرينهم.
البشر لا يستطيعون العيش بكل هذا الألم.
كانت الدماء تسيل من أنفها، وبدأت أسماء الأشياء تتفلت من عقلها، لكنها تمسكت بصوت حمزة داخل الاتصال المشترك.
قالت:
لم يكن من حقك أن تقرر ما يستطيعون احتماله.
ابتسم نادر.
وأنتِ؟ ألم تفعلي الشيء نفسه كل يوم؟
أغمضت ليان عينيها، وشعرت بكلمات الاتهام تدخلها دون مقاومة.
فعلت.
ثم فتحت جميع أقفال الخزينة.
ولذلك سأعيد كل شيء.
انفجرت الأسطوانة الزجاجية، وتناثرت الشرائح في الهواء كأسراب من النجوم الحادة، بينما اجتاحت موجة عكسية شبكة سيرين ومسحت البنية التي كانت تسمح بصناعة الذكريات القسرية.
اختفت صورة نادر من الشاشات، لكن صرخته بقيت للحظة قبل أن يبتلعها الضوء.
ثم ساد الصمت.
الحقيقة التي بقيت بينهما
استيقظ حمزة تحت سماء رمادية، وكانت صفارات الإسعاف تتردد بين الأبراج، بينما امتلأت الشوارع بأناس يبكون أو يتشاجرون أو يجلسون مذهولين أمام حيواتهم المستردة.
وجد ليان ممددة قربه بين حطام المتجر، وعيناها مفتوحتان لكنهما لا تركزان على شيء.
حملها بين ذراعيه، وناداها باسمها مراراً، حتى تحركت شفتاها أخيراً.
أعرف صوتك، قالت.
شهق كمن عثر على باب داخل جدار مغلق.
أنا حمزة.
تأملت وجهه طويلاً، ثم رفعت يدها ولمست الندبة الصغيرة قرب حاجبه، وهي ندبة لم ترها إلا في ذكرياته.
كنت تحملني على كتفيك قرب البحر.
أغلق عينيه بألم؛ كانت تلك ذكرى سليم، لا ذكراه.
قال برفق:
لا، كان أخي يحملني.
ارتبكت، وانسحبت أصابعها عن وجهه.
إذن، من أنا؟
لم يقدم لها إجابة مريحة، ولم يخبرها بأنها ستستعيد كل شيء، لأنه لم يكن يعرف، ولأنهما دفعا ثمناً فادحاً كي يتوقفا عن استخدام الأكاذيب علاجاً للخوف.
قال فقط:
أنتِ المرأة التي أعادت الحقيقة إلى مدينة كاملة، بعد أن ساعدت في سرقتها.
ارتجف فمها، ولم يعرف هل كانت على وشك الضحك أم البكاء.
هذه ليست قصة جميلة.
لكنها حقيقية.
نظرت إليه، وفي عينيها فراغات واسعة تركتها الذكريات المحترقة.
وهل ستبقى معي رغم ذلك؟
جلس قربها وسط الزجاج والرماد، ولم يمسك يدها إلا بعدما مدت أصابعها نحوه أولاً.
سأبقى حتى تعرفي بنفسك لماذا ينبغي لي أن أرحل أو أبقى.
للمرة الأولى في حياتها، لم تحاول ليان أن تبيع وعداً لا تضمنه.
واكتفت بأن تمسك يده.
المتجر الذي باع اعترافاً واحداً
مرّ عام قبل أن تفتح ليان باب المتجر من جديد، لكن المقاعد الفضية اختفت، والخوذات تحولت إلى خردة، والأسطوانة الزجاجية لم يبقَ منها سوى قطعة صغيرة وضعتها فوق طاولة خشبية قرب النافذة.
تغير اسم المكان إلى دار الذاكرة، وصار الناس يأتون إليه لا لشراء حياة بديلة، بل لاستعادة ما يمكن استعادته، أو تعلم العيش مع ما لا يمكن إصلاحه.
كانت ليان لا تزال تفقد بعض الأسماء، وتخلط أحياناً بين طفولتها وطفولة حمزة، لكنه كان يصحح لها دون أن ينتزع منها كرامة الخطأ، ثم يدوّن الذكرى الصحيحة في دفتر أزرق تستطيع الرجوع إليه.
في مساء هادئ، دخلت امرأة مسنة تحمل صورة ابنها، وطلبت من ليان أن تزرع في رأسها ذكرى تقول إنه مات وهو ينادي اسمها، لا وهو غاضب منها كما حدث في الحقيقة.
ظلت ليان تتأمل الصورة، ثم دفعت الجهاز القديم بعيداً.
قالت للمرأة:
لا أستطيع منحك الكذبة، لكنني أستطيع الجلوس معك حتى لا تحملي الحقيقة وحدك.
بكت المرأة طويلاً، ولم تتوقف ليان عن الإصغاء.
بعد مغادرتها، وجد حمزة ورقة معلقة خلف الباب، كتبتها ليان بخط متردد:
ليست كل حقيقة سهلة، لكن لا حقيقة يجب أن تُعاش في العزلة.
وقف إلى جانبها، وسأل:
هل تتذكرين العبارة القديمة التي كانت هنا؟
نظرت إلى موضعها فوق الباب، ثم هزت رأسها.
لا.
ابتسم حمزة.
جيد.
مالت برأسها على كتفه، بينما كانت المدينة خارج النافذة أقل هدوءاً مما كانت عليه في زمن الأوهام، لكنها أكثر حياة؛ أصوات الاحتجاجات تصعد من الشوارع، والمحاكم تعيد فتح الملفات، والناس يتعلمون الاعتذار عن أشياء لم يعودوا قادرين على نسيانها.
لم تصبح الحقيقة رحيمة فجأة، ولم تتحول الحياة إلى مكافأة لمن اختارها.
لكن ليان أدركت، وهي تنظر إلى انعكاسها بجوار حمزة في الزجاج، أن الألم الصادق لا يسلب الإنسان نفسه، بل يطالبه بأن يبنيها بيديه، حتى لو ارتجفت أصابعه.
قد تمنحنا الأكاذيب فراشاً ناعماً ننام فوقه، لكنها تظل تحفر تحته حفرة لا نراها، حتى يأتي يوم نستيقظ فيه ولا نجد أرضاً تقف عليها أقدامنا.
أما الحقيقة، فربما تدخل حياتنا بوجه قاسٍ ويدين باردتين، لكنها لا تطلب منا أن نتخلى عن أسمائنا كي تمنحنا السلام؛ إنها تترك لنا الندبة، نعم، لكنها تعيد إلينا الحق في معرفة من جرحنا، ومن أحببنا، ومن أصبحنا بعد النجاة, قصة ثمن النجاح حكاية المدير الذي امتلك كل شيء وخسر عائلته يوم تقاعده من هنا.
