الدب باهر ونجمته الخافتة قصة قصيرة عن التعاون والمشاركة

الراوي
0

في تلك الليلة، لم تكن الغابة نائمة كما اعتادت.

كان الهواء ساكناً كأنه يحبس أنفاسه، وكانت أوراق الصنوبر ترتجف ارتجافة خفيفة، لا من بردٍ ولا من ريح، بل من سرٍّ خفيّ يهبط من السماء.

رفع الدب الصغير باهر عينيه نحو القبة الزرقاء الداكنة، فرأى بين آلاف النجوم نجمة صغيرة ترتعش بضوء شاحب، كأنها دمعة معلّقة في طرف الليل.

لم تكن تومض بفرح، ولم تكن تغنّي مع النجوم، بل كانت تبتعد شيئاً فشيئاً عن دائرة النور.

الدب باهر ونجمته الخافتة قصة قصيرة عن التعاون والمشاركة

همسة باهتة فوق الغابة

جلس باهر عند حافة النهر، وكانت المياه تعكس السماء مثل مرآةٍ قديمة.

لمح النجمة الصغيرة في صفحة الماء، فبدت أكثر حزناً، كأنها تغرق في صمت بعيد لا يسمعه أحد.

قال باهر بصوت خافت:

لماذا تبدين وحيدة هكذا؟ لقد كان نورك أمس يشبه ضحكة فضية.

لم تجبه النجمة، لكنها ارتجفت في موضعها، وانسكب منها ضوء ضعيف على قمم الأشجار.

عندها شعر باهر أن الأمر ليس عادياً، وأن في السماء جرحاً صغيراً يحتاج إلى من يصغي إليه.

قرار تحت ضوء القمر

كان أعلى جبل في الغابة يُسمّى جبل الهمس، لأن الرياح عند قمته كانت تحمل أصواتاً غريبة، كأنها رسائل من السحاب.

ولم يكن أحد من صغار الحيوانات يجرؤ على الاقتراب منه ليلاً.

لكن باهر شدّ على قلبه الصغير، ونفض عن فرائه قطرات الندى، ثم قال:

سأصعد إليها، لا يمكن أن أترك نجمة تنطفئ وحدها.

الطريق إلى جبل الهمس

بدأ باهر رحلته بين جذور الأشجار المتشابكة، وكانت الظلال تمتد أمامه كأذرعٍ طويلة تحاول إيقافه.

سمع بومة تصيح من بعيد، ورأى عيني ثعلب تلمعان بين الشجيرات، لكن صورة النجمة الحزينة بقيت أمامه مثل وعدٍ لا يستطيع نسيانه.

كلما ارتفع في الجبل، صار الهواء أبرد، وصار صمت الليل أثقل.

كانت الصخور حادّة تحت قدميه، والضباب يلتف حوله مثل عباءة بيضاء تخفي الطريق.

صوت من بين الغيوم

عند القمة، وقف باهر يلهث، وصدره يعلو ويهبط كأن بداخله طائراً مذعوراً.

مدّ رأسه نحو السماء وقال:

أيتها النجمة الصغيرة، لقد جئت لأعرف لماذا يذبل نورك.

ساد صمت طويل، ثم انفتح بين الغيوم خيط فضي، وسمع باهر صوتاً رقيقاً كصوت زجاجٍ يلامس الماء:

لأنني ظننت أنني أستطيع اللمعان وحدي.

سر النجمة الخافتة

اقترب ضوء النجمة من قمة الجبل، حتى شعر باهر بدفء خفيف يلمس أنفه.

قالت النجمة وهي تخفي ارتجافها:

كنت أشارك نوري مع النجوم الصغيرة حولي، كنا نضيء معاً، فنصير أجمل، لكنني في ليلةٍ من الليالي ظننت أن نوري لي وحدي، فابتعدت عنهن.

نظرت النجمة إلى الفراغ حولها، وكان الظلام يحيط بها مثل بحرٍ بلا شاطئ.

تابعت بحزن:

في البداية شعرت أنني أكبر، لكنني كلما احتفظت بالنور لنفسي، صار الضوء داخلي أضعف.

حكمة الدب الصغير

جلس باهر فوق الصخرة الباردة، وتأمل السماء طويلاً، ثم قال:

في الغابة، لا تبني النحلات خليتها وحدها، ولا تعبر الطيور رحلتها الطويلة منفردة، وحتى النهر لا يصير نهراً إلا حين تجتمع فيه الجداول.

صمت قليلاً، ثم رفع عينيه اللامعتين نحوها:

النور الذي نخبئه يضيق بنا، أما النور الذي نشاركه فيتسع.

عودة الضوء إلى السماء

بقيت النجمة صامتة، لكن ضوءها بدأ يخفق كقلبٍ يستيقظ.

التفتت إلى النجوم الصغيرة البعيدة ونادتها بصوتٍ مرتجف:

هل تسمحن لي أن أضيء معكن من جديد؟

في البداية، لم تجب النجوم.

ثم خرجت ومضة صغيرة من نجمة قريبة، تبعتها ومضة ثانية، ثم ثالثة، حتى صار حول النجمة الخافتة طوق من الضوء الهادئ.

حين صار النور أغنية

مدّت النجمة خيطاً من نورها إلى نجمة صغيرة ترتجف في البعيد، ثم إلى أخرى كانت بالكاد تُرى.

وكلما أعطت شيئاً من ضوئها، عاد إليها أضعافاً، كأن السماء كلها تردّ لها العطاء بنشيدٍ صامت.

وفجأة، اشتعلت النجمة ببريقٍ صافٍ، لا يؤذي العين ولا يتباهى، بل يملأ الليل طمأنينة.

نظر باهر إليها بدهشة، فرأى أنها لم تعد النجمة الخافتة التي رآها عند النهر، بل صارت قلباً مضيئاً بين قلوب كثيرة.

نجمة فوق قلب باهر

هبط باهر من الجبل مع أول خيط للفجر، وكانت الغابة تستيقظ ببطء.

العصافير تنفض أجنحتها، والنهر يلمع بلون الذهب، والزهور تفتح عيونها الصغيرة كأنها سمعت الخبر من نسيم الصباح.

ومنذ تلك الليلة، كلما رفع باهر رأسه إلى السماء، وجد نجمته تلمع بين رفيقاتها.

لم تكن ألمع نجمة لأنها وحدها الأقوى، بل لأنها تعلّمت أن الجمال حين يُشارك لا ينقص، بل يصير أوسع من السماء.

وفي قلب الغابة، عرف باهر أن الكائنات لا تكبر بما تحتفظ به لنفسها، بل بما تمنحه لغيرها.

فالنور، مثل المحبة، إذا حُبس خفت، وإذا تقاسمه الجميع صار طريقاً يهتدي به التائهون, الشاب الذي أنقذ مدينة لا تؤمن إلا بثمن الكلام من هنا..

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد