نجمة خافتة في سماء الغابة، في تلك الليلة، لم تكن الغابة نائمة كما اعتادت أن تكون، فقد بدا الهواء ساكنا كأنه يحبس أنفاسه، بينما ارتجفت أوراق الصنوبر ارتجافة خفيفة، لا بسبب البرد أو الريح، بل كأن سرا خفيا كان يهبط إليها من أعالي السماء.
رفع الدب الصغير باهر عينيه نحو القبة الزرقاء الداكنة، فرأى بين آلاف النجوم نجمة صغيرة ترتعش بضوء شاحب، حتى بدت كدمعة معلقة عند طرف الليل، لا تسقط ولا تجف.
لم تكن النجمة تومض بفرح كما تفعل بقية النجوم، ولم تكن تشاركها بريقها المتناغم، بل أخذت تبتعد شيئا فشيئا عن دائرة النور، حتى أحاط بها الظلام من كل جانب.
همسة باهتة فوق النهر
جلس باهر عند حافة النهر، وكانت مياهه الهادئة تعكس السماء كأنها مرآة قديمة، لمح صورة النجمة الصغيرة فوق صفحة الماء، فبدت له أكثر حزنا، وكأنها تغرق في صمت بعيد لا يستطيع أحد سماعه.
رفع رأسه إليها وقال بصوت خافت متسائلا عن سبب وحدتها، فقد كان يتذكر كيف بدا نورها في الليلة السابقة أشبه بضحكة فضية تملأ السماء بهجة، لم تجبه النجمة، وإنما ارتجفت في مكانها وانسكب منها ضوء ضعيف فوق قمم الأشجار.
شعر باهر عندئذ بأن الأمر ليس عاديا، وأن في السماء جرحا صغيرا يحتاج إلى من ينتبه إليه ويصغي إلى ألمه.
قرار الدب باهر تحت ضوء القمر
كان أعلى جبل في الغابة يسمى جبل الهمس، لأن الرياح عند قمته كانت تحمل أصواتا غريبة تشبه رسائل بعيدة قادمة من السحاب، ولم يكن أحد من صغار الحيوانات يجرؤ على الاقتراب منه في ظلمة الليل.
لكن باهر جمع شجاعته، ونفض عن فرائه قطرات الندى، وعزم على الصعود، قال لنفسه إنه لا يستطيع أن يترك نجمة تنطفئ وحيدة، ثم اتجه نحو الجبل تحت ضوء القمر.
الطريق إلى جبل الهمس
بدأ باهر رحلته بين جذور الأشجار المتشابكة، وكانت الظلال تمتد أمامه كأذرع طويلة تحاول منعه من التقدم، سمع صيحة بومة قادمة من بعيد، ولمح عيني ثعلب تلمعان بين الشجيرات، لكن صورة النجمة الحزينة ظلت أمامه مثل وعد لا يستطيع نسيانه.
وكلما ارتفع في الجبل، أصبح الهواء أشد برودة وصار صمت الليل أثقل من ذي قبل، كانت الصخور الحادة تؤلم قدميه، بينما أخذ الضباب يلتف حوله كعباءة بيضاء كثيفة تخفي الطريق.
صوت النجمة بين الغيوم
حين وصل باهر إلى القمة، توقف يلهث من شدة التعب، وكان صدره يعلو ويهبط كأن طائرا مذعورا يحاول الطيران بداخله، رفع رأسه نحو السماء ونادى النجمة الصغيرة، وأخبرها أنه جاء ليعرف لماذا أخذ نورها يذبل.
ساد صمت طويل، ثم انفتح بين الغيوم خيط فضي رقيق، وفي تلك اللحظة، سمع باهر صوتا ناعما يشبه رنين الزجاج حين يلامس الماء، وكانت النجمة تخبره بأنها خفتت لأنها ظنت أنها تستطيع أن تلمع وحدها.
سر النجمة الخافتة
اقترب ضوء النجمة من قمة الجبل حتى شعر باهر بدفء خفيف يلامس أنفه، ثم بدأت النجمة تحكي له ما حدث، موضحة أنها كانت تتقاسم نورها مع النجوم الصغيرة المحيطة بها، وكان اجتماع أضوائهن يجعلهن أكثر جمالا وإشراقا.
لكنها في إحدى الليالي اعتقدت أن نورها ملك لها وحدها، فابتعدت عن رفيقاتها واحتفظت ببريقها لنفسها، ونظرت بحزن إلى الفراغ الذي أحاط بها، حيث امتد الظلام كبحر لا شاطئ له.
أخبرته أنها شعرت في البداية بأنها أكبر وأكثر تميزا، إلا أنها اكتشفت شيئا لم تتوقعه، فكلما تمسكت بنورها ورفضت مشاركته، أصبح الضوء في داخلها أضعف، حتى تحولت تدريجيا إلى تلك النجمة الخافتة التي رآها باهر فوق النهر.
حكمة الدب الصغير
جلس باهر فوق صخرة باردة وتأمل السماء طويلا، ثم أخبر النجمة بما تعلمه من حياته في الغابة، فالنحلات لا تبني خليتها كل واحدة بمفردها، والطيور لا تقطع رحلاتها الطويلة منعزلة، وحتى النهر لا يصبح نهرا عظيما إلا عندما تجتمع فيه الجداول.
صمت باهر قليلا، ثم رفع عينيه اللامعتين نحو النجمة وقال لها إن النور الذي نخفيه يضيق بنا، أما النور الذي نتقاسمه مع الآخرين فيتسع ويزداد.
عودة الضوء إلى السماء
بقيت النجمة صامتة بعد كلمات باهر، غير أن ضوءها بدأ يخفق ببطء كقلب يستيقظ من سبات طويل، التفتت نحو النجوم الصغيرة البعيدة، وجمعت شجاعتها قبل أن تناديهن بصوت مرتجف، طالبة أن يسمحن لها بأن تضيء معهن من جديد.
في البداية لم تجب أي نجمة، وظل باهر يراقب السماء في انتظار ما سيحدث، وبعد لحظات، خرجت ومضة صغيرة من نجمة قريبة، ثم تبعتها ومضة ثانية وثالثة، حتى تشكل حول النجمة الخافتة طوق هادئ من الضوء.
حين أصبح النور أغنية
مدت النجمة خيطا من نورها نحو نجمة صغيرة كانت ترتجف في مكان بعيد، ثم أرسلت خيطا آخر إلى نجمة تكاد لا ترى، وكلما منحت غيرها شيئا من ضوئها، عاد إليها أضعاف ما قدمته، حتى بدا كأن السماء بأكملها ترد على عطائها بنشيد صامت.
وفجأة أضاءت النجمة ببريق صاف لا يؤذي العين ولا يتباهى بقوته، بل ينشر في ظلمة الليل شعورا عميقا بالطمأنينة، نظر إليها باهر بدهشة، فلم تعد تلك النجمة الخافتة التي لمح انعكاسها الحزين في مياه النهر، وإنما أصبحت قلبا مضيئا بين قلوب كثيرة.
النجمة التي بقيت في قلب باهر
هبط باهر من جبل الهمس مع ظهور أول خيط من خيوط الفجر، بينما كانت الغابة تستيقظ ببطء من نومها، أخذت العصافير تنفض أجنحتها، ولمع النهر بلون ذهبي، وبدأت الزهور تفتح عيونها الصغيرة كأن نسيم الصباح حمل إليها خبر ما جرى في السماء.
ومنذ تلك الليلة، كان باهر كلما رفع رأسه نحو السماء يجد نجمته تلمع بين رفيقاتها، ولم تكن جميلة لأنها أرادت أن تكون وحدها الأقوى أو الأكثر بريقا، بل لأنها تعلمت أن الجمال حين نتقاسمه مع الآخرين لا ينقص، وإنما يصبح أوسع من السماء.
وفي قلب الغابة، أدرك باهر أن الكائنات لا تكبر بما تحتفظ به لنفسها، بل بما تمنحه لغيرها، فالنور يشبه المحبة، إذا حبس خفت بريقه، وإذا تقاسمه الجميع أصبح طريقا مضيئا يهتدي به التائهون.
