في مدينةٍ تُعلَّق فيها الكلمات في الأسواق كما تُعلَّق قناديل الزيت، كان الفقراء يبتلعون جُملهم قبل أن تبلغ الشفاه، خوفًا من نفاد رصيدهم اليومي من الكلام.
هناك، حيث للصوت ثمن، وللصمت هيئة الجوع، عاش نديم وفي فمه بقايا عبارات قليلة، يختارها كما يختار العطشان آخر قطرة من جرّة مشقوقة.
لم يكن يدري أن اليوم الذي سيفقد فيه صوته، سيكون اليوم ذاته الذي يسمع فيه ما عجزت المدينة كلها عن سماعه.
مدينة الكلام الموزون
كانت مدينة لُغاد تستيقظ كل صباح على رنين الموازين النحاسية في سوق الكلام، حيث يقف الباعة خلف صناديق زجاجية تحفظ الكلمات الطازجة اعتذارات ناعمة، ووعود لامعة، وشتائم رخيصة، ومدائح معطّرة بالزعفران.
يدفع الأغنياء أكياس الفضة ليشتروا خطبًا طويلة، يتباهون بها في المجالس، بينما يشتري الفقراء ثلاث كلمات للخبز، وكلمتين للماء، وواحدة للاعتذار إذا اضطروا إلى الخطأ.
وكان نديم من أولئك الذين يزنون كلامهم بارتجاف القلب لا بميزان السوق.
نديم وبضع كلمات لا تكفي للحياة
في ذلك الصباح، امتلك نديم خمس كلمات فقط، خبأها في صدره كما يخبئ طفلٌ عصفورًا جريحًا بين كفيه.
قالت له أمه بعينيها إن الطحين نفد، وقال لها بصوتٍ خافت أنفق عليه كلمتين سأعود قريبًا.
خرج إلى السوق، فرأى الناس يتخاصمون عند بئر القرية القديمة؛ عائلة سالم تتهم عائلة ريان بسرقة مجرى الماء، والوجوه مشدودة كحبال سفينة في عاصفة.
أراد نديم أن يسأل، أن يهدئ، أن يقول إن العطش لا يليق به أن يصير سكينًا، لكنه تذكّر ما بقي له من كلمات، فعضّ على صمته ومضى.
يوم اختفى الصوت
عند الظهيرة، وقف نديم أمام بائع الكلمات المستعملة، يساومه على جملة تصلح لطلب عمل.
لكن البائع، وكان رجلاً بعينين ضيقتين كفتحتَي قفل، ضحك حتى اهتزت لحيته وقال ثمن الكلام ارتفع… حتى الصمت سيُفرض عليه رسم قريبًا.
فتح نديم فمه ليرد، فلم يخرج شيء.
لا همسة، لا أنين، لا حرف مكسور.
شعر كأن بابًا داخله أُغلق فجأة، وكأن لسانه صار حجرًا غارقًا في بئر بعيدة.
الصمت الذي فتح بابًا خفيًا
تراجع مذعورًا، والضجيج حوله يتضاعف نداءات الباعة، صرير العجلات، بكاء طفل يريد كلمة أمي ولا يملك ثمنها.
ثم حدث ما لم يتوقعه؛ وسط الضجيج، سمع شيئًا آخر، صوتًا لا يأتي من الأفواه بل من جهة أعمق، دافئة وخافتة كضوء تحت باب مغلق.
سمع امرأة غاضبة تصرخ على جارتها، بينما في داخلها نية مرتجفة تقول ليتها تعرف أني أخاف على أطفالي من العطش.
وسمع رجلاً يرفع عصاه في وجه خصمه، بينما قلبه يهمس لو اعتذر الآن لعانقته، فأنا تعبت من العداوة.
صدى الكلمات المفقودة
عاد نديم إلى بئر القرية، وقد صار صمته أذنًا واسعة.
لم تعد الوجوه أقنعة صلبة كما كانت؛ صار يسمع ما وراءها، رأى الحنان مختبئًا تحت الغضب، والخوف متنكّرًا في هيئة كبرياء، والندم واقفًا خلف العيون ينتظر فرصة للظهور.
كان النزاع قد اشتعل، واتهم كل طرف الآخر بخيانة القرية.
حجارة صغيرة بدأت ترتفع في الأيدي، والأطفال اختبؤوا خلف الجدران، حتى بدت لُغاد كمدينة توشك أن تحرق آخر ما تبقى لها من ماء وكلام.
خطة بلا حرف واحد
لم يستطع نديم أن يصرخ، فركض إلى بيت سالم أولًا، وأخذ من عتبة الباب دلوًا مكسورًا يعرف أن صاحبه كان يصلحه لبيت ريان سرًّا قبل الخصام.
ثم أسرع إلى بيت ريان، وأخرج من خلف التنور كيس حبوب كان مخبأً لإرساله إلى أم سالم المريضة.
حمل الدلو في يد، والكيس في يد، وعاد إلى الساحة.
لم يقل شيئًا، لكنه وضع الدلو عند قدمي سالم، والكيس عند قدمي ريان.
ارتبك الرجلان، وتراجعت الأصوات خطوة كأن الريح نفسها حبست أنفاسها.
حين تكلمت الأفعال
أشار نديم إلى الدلو، ثم إلى البئر، ثم إلى القناة المسدودة بالحجارة والطمي عند طرف الساحة.
كان قد سمع في نوايا الناس أن لا أحد سرق الماء؛ السيول القديمة هي التي دفنت المجرى، لكن الخوف جعل كل قلب يبحث عن عدو.
اقترب من القناة، وجثا على ركبتيه، وبدأ يزيح الحجارة بيديه العاريتين.
سال الدم من أصابعه، لكن الماء لم يسل بعد.
لحظتها، انحنى طفل صغير يساعده، ثم امرأة، ثم شيخ، ثم رجل من عائلة سالم وآخر من عائلة ريان.
الماء الذي غسل الخصومة
شيئًا فشيئًا، تكسّرت صلابة الوجوه.
لم يكن أحد يعتذر بالكلمات، فالكلمات غالية، لكن الأكتاف المتجاورة قالت ما هو أبلغ.
وحين انزاحت الصخرة الأخيرة، اندفع الماء رفيعًا أول الأمر، ثم اتسع مجراه كضحكة عائدة من منفى طويل.
بكى سالم بصمت، ومدّ يده الموحلة إلى ريان.
لم يشترِ أحدهما كلمة اعتذار من السوق، ولم يدفعا فضةً لمديح أو وعد؛ اكتفيا بأن حملا الماء معًا إلى البيوت التي عطشت، ففهمت المدينة ما عجزت عنه خطب الأغنياء.
نهاية الصدى وبداية المعنى
في المساء، وقف نديم أمام سوق الكلام، فرأى الناس يمرّون بهدوء غريب.
لم تعد الصناديق الزجاجية تلمع كما كانت، ولم تعد الجُمل المباعة قادرة على إبهار العيون التي رأت فعلًا صادقًا يولد من الصمت.
اقتربت أمه منه، ووضعت يدها على خده.
حاول أن يقول لها شيئًا، فخرج من صدره نفسٌ مبحوح، ثم كلمة واحدة، رخوة كبرعم بعد مطر أمي.
ابتسمت، لا لأنها سمعت الكلمة، بل لأنها رأت كل ما قاله حين لم يكن قادرًا على الكلام.
ما لا تشتريه الأسواق
منذ ذلك اليوم، لم تختفِ تجارة الكلام من لُغاد، لكنها فقدت عرشها.
صار الناس يتركون عند أبوابهم أفعالًا صغيرة لا تحتاج إلى أثمان دلو ماء، رغيف ساخن، يد تمتد قبل السؤال، ونظرة تقول لصاحبها إن القلب حين يصدق لا يحتاج إلى خطيب.
أما نديم، فقد ظل يتكلم قليلًا، لا فقرًا كما كان، بل احترامًا للكلمة حين تكون ضرورية.
فقد عرف أن بعض الأصوات تُسمع بالأذن، وبعضها لا يبلغنا إلا حين نصمت بما يكفي لنرى الإنسان المختبئ خلف ضجيجه, قصة رسامة رأت الغد قبل أن يحترق من هنا.
