صدى الكلمات المفقودة حكاية الصمت الذي أنقذ مدينة

الراوي
0

مدينة الكلام الموزون، كانت مدينة لغاد تستيقظ كل صباح على رنين الموازين النحاسية في سوق الكلام، حيث يقف الباعة خلف صناديق زجاجية تحفظ الكلمات الطازجة، من اعتذارات ناعمة ووعود لامعة، إلى شتائم رخيصة ومدائح معطرة بالزعفران، كان الأغنياء يدفعون أكياس الفضة ليشتروا خطبا طويلة يتباهون بها في مجالسهم، بينما لا يملك الفقراء إلا أن يشتروا ثلاث كلمات للخبز، وكلمتين للماء، وواحدة للاعتذار إذا اضطروا إلى الخطأ، وكان نديم واحدا من أولئك الذين يزنون كلامهم بارتجاف قلوبهم، لا بميزان السوق.

قصة صدى الكلمات المفقودة حكاية الصمت الذي أنقذ مدينة


نديم وبضع كلمات لا تكفي للحياة

في ذلك الصباح لم يكن نديم يملك سوى خمس كلمات، خبأها في صدره كما يخبئ الطفل عصفورا جريحا بين كفيه، قالت له أمه بعينيها إن الطحين قد نفد، فأجابها بصوت خافت أنه سينفق كلمتين، وسيعود قريبا، خرج إلى السوق فوجد الناس يتخاصمون عند بئر القرية القديمة، فعائلة سالم تتهم عائلة ريان بسرقة مجرى الماء، والوجوه مشدودة كحبال سفينة في عاصفة، أراد نديم أن يسأل، أن يهدئ، أن يقول إن العطش لا يليق به أن يتحول إلى سكين، لكنه تذكر ما بقي له من كلمات، فعض على صمته ومضى في طريقه.

يوم اختفى الصوت

عند الظهيرة وقف نديم أمام بائع الكلمات المستعملة، يساومه على جملة تصلح لطلب عمل، لكن البائع، وكان رجلا ضيق العينين كفتحتي قفل، ضحك حتى اهتزت لحيته، وقال إن ثمن الكلام قد ارتفع، وإن الصمت نفسه سيفرض عليه رسم قريبا، فتح نديم فمه ليرد، فلم يخرج منه شيء، لا همسة ولا أنين ولا حرف مكسور، شعر كأن بابا في داخله قد أغلق فجأة، وكأن لسانه صار حجرا غارقا في بئر بعيدة.

الصمت الذي فتح بابا خفيا

تراجع نديم مذعورا، والضجيج من حوله يتضاعف، بين نداءات الباعة وصرير العجلات وبكاء طفل يريد كلمة أمي ولا يملك ثمنها، ثم حدث ما لم يكن يتوقعه، فقد سمع وسط الضجيج صوتا آخر لا يأتي من الأفواه، بل من جهة أعمق، دافئة وخافتة كضوء يتسلل من تحت باب مغلق، سمع امرأة غاضبة تصرخ على جارتها، بينما في داخلها نية مرتجفة تقول ليتها تعرف أني أخاف على أطفالي من العطش، وسمع رجلا يرفع عصاه في وجه خصمه، بينما يهمس قلبه لو اعتذر الآن لعانقته، فأنا تعبت من العداوة.

صدى الكلمات المفقودة

عاد نديم إلى بئر القرية، وقد صار صمته أذنا واسعة، لم تعد الوجوه أقنعة صلبة كما كانت من قبل، بل صار يسمع ما وراءها، فرأى الحنان مختبئا تحت الغضب، والخوف متنكرا في هيئة كبرياء، والندم واقفا خلف العيون ينتظر فرصة كي يظهر، كان النزاع قد اشتعل، واتهم كل طرف الآخر بخيانة القرية، وبدأت حجارة صغيرة ترتفع في الأيدي، بينما اختبأ الأطفال خلف الجدران، حتى بدت لغاد كمدينة توشك أن تحرق آخر ما تبقى لها من ماء وكلام.

خطة بلا حرف واحد

لم يستطع نديم أن يصرخ، فركض أولا إلى بيت سالم، وأخذ من عتبة الباب دلوا مكسورا يعرف أن صاحبه كان يصلحه سرا لبيت ريان قبل أن يشتعل الخصام بينهما، ثم أسرع إلى بيت ريان، وأخرج من خلف التنور كيس حبوب كان مخبأ لإرساله إلى أم سالم المريضة، حمل الدلو في يد، والكيس في اليد الأخرى، وعاد إلى الساحة، لم يقل شيئا، لكنه وضع الدلو عند قدمي سالم، والكيس عند قدمي ريان، فارتبك الرجلان، وتراجعت الأصوات خطوة، وكأن الريح نفسها قد حبست أنفاسها.

حين تكلمت الأفعال

أشار نديم إلى الدلو، ثم إلى البئر، ثم إلى القناة المسدودة بالحجارة والطمي عند طرف الساحة، كان قد أدرك من نوايا الناس أن لا أحد سرق الماء، وأن السيول القديمة هي التي دفنت المجرى، لكن الخوف جعل كل قلب يبحث عن عدو، اقترب من القناة وجثا على ركبتيه، وبدأ يزيح الحجارة بيديه العاريتين، سال الدم من أصابعه، لكن الماء لم يسل بعد، عندها انحنى طفل صغير يساعده، ثم امرأة، ثم شيخ، ثم رجل من عائلة سالم وآخر من عائلة ريان.

الماء الذي غسل الخصومة

شيئا فشيئا تكسرت صلابة الوجوه، لم يعتذر أحد بالكلمات، فالكلمات غالية، لكن الأكتاف المتجاورة قالت ما هو أبلغ من أي خطاب، وحين انزاحت الصخرة الأخيرة، اندفع الماء رفيعا في أول الأمر، ثم اتسع مجراه كضحكة عائدة من منفى طويل، بكى سالم بصمت، ومد يده الموحلة إلى ريان، لم يشتر أحدهما كلمة اعتذار من السوق، ولم يدفعا فضة لمديح أو وعد، بل اكتفيا بأن حملا الماء معا إلى البيوت التي عطشت، ففهمت المدينة كلها ما عجزت خطب الأغنياء عن أن تفهمه.

نهاية الصدى وبداية المعنى

في المساء وقف نديم أمام سوق الكلام، فرأى الناس يمرون بهدوء غريب، لم تعد الصناديق الزجاجية تلمع كما كانت من قبل، ولم تعد الجمل المعروضة للبيع قادرة على إبهار العيون التي رأت للتو فعلا صادقا يولد من الصمت، اقتربت أمه منه، ووضعت يدها على خده، حاول أن يقول لها شيئا، فخرج من صدره نفس مبحوح، ثم كلمة واحدة رخوة كبرعم بعد مطر، أمي، ابتسمت الأم، لا لأنها سمعت الكلمة، بل لأنها رأت كل ما قاله حين كان عاجزا عن الكلام.

ما لا تشتريه الأسواق

منذ ذلك اليوم لم تختف تجارة الكلام من لغاد، لكنها فقدت عرشها، صار الناس يتركون عند أبوابهم أفعالا صغيرة لا تحتاج إلى ثمن، دلو ماء أو رغيفا ساخنا، أو يدا تمتد قبل أن يسأل صاحبها، أو نظرة تقول إن القلب حين يصدق لا يحتاج إلى خطيب، أما نديم فقد ظل يتكلم قليلا، لا فقرا كما كان من قبل، بل احتراما للكلمة حين تكون ضرورية حقا، فقد عرف أن بعض الأصوات تسمع بالأذن، وبعضها لا يبلغنا إلا حين نصمت بما يكفي لنرى الإنسان المختبئ خلف ضجيجه.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.