بائع السلال والقطة الصغيرة حكاية دفء في سوق عتيق

الراوي
0

السوق بعد انصراف الجميع، لم يكن خالد بائعا للسلال كما يظن الغرباء، بل كان أمينها الأخير في تلك الأزقة العتيقة.

كان ينتظر حتى يرحل آخر مشتر، وتطوى المظلات القماشية، وتخفت المصابيح الزيتية حتى تتحول إلى بقع ذهبية صغيرة وسط العتمة المحيطة بالسوق.

عندها كان يمر بين الدكاكين بخطوات هادئة، يلتقط السلال التي تركها أصحابها بعد يوم طويل من العمل، ويعيد كل واحدة منها إلى مكانها، وكأنه يجمع شتات السوق قبل أن يخلد للنوم.

كان يعرف أصحاب هذه السلال جميعا من أثر أيديهم عليها، فهذه السلة ذات المقبض الملتوي تعود لبائع التمر، وتلك التي تفوح منها رائحة الريحان تخص المرأة العجوز التي لا تبتسم إلا للأطفال الصغار.

وحتى القش المنسوج بعناية كان يحمل بصمات السنين، إذ يحكي كل خيط فيه قصة تعب صامت لا يسمعه أحد سوى خالد نفسه.

بائع السلال والقطة الصغيرة حكاية دفء في سوق عتيق


الصمت الذي يملك صوتا

في ذلك المساء بدا الصمت مختلفا عن كل مرة، فلم يكن فارغا كما اعتاد خالد أن يشعر به.

كان يحمل همسات الريح وهي تمر بين الأقمشة المعلقة، وصوت ارتطام حبل خشبي بجدار قديم، ورائحة تراب ابتل بندى الليل المبكر.

شعر خالد أن السوق يهمس له بشيء ما، غير أنه لم يعرف بعد كيف يصغي إلى ذلك الهمس الغامض.

السلة الأكبر تخفي سرا صغيرا

حين وصل إلى أكبر سلة في طرف الممر، انحنى ليرفعها كما يفعل في كل ليلة، لكنه توقف فجأة عن حركته.

خرج من أعماقها صوت خافت، بالكاد يسمع، يشبه ارتعاشة لحن ضائع وسط السكون العميق.

أعاد السلة إلى الأرض برفق شديد، ثم مال برأسه ليصغي جيدا، فإذا بخرخرة دافئة تتسلل من بين عيدان القش.

رفع الغطاء المهترئ ببطء، فانكشفت عينان واسعتان تلمعان مثل قطرتين من الليل، وقطة صغيرة التفت حول نفسها داخل السلة وكأنها وجدت فيها العالم كله.

لم تهرب القطة ولم تنفث غضبا، بل اكتفت بالنظر إليه بثقة غريبة، وكأنها كانت تنتظره هو وحده دون سواه.

القرار الذي أبطأ الزمن

ابتسم خالد دون أن يشعر، ومد يده بحذر شديد حتى لا يفزعها من مكانها.

وبدلا من أن يحمل السلة ويواصل جولته سريعا قبل إغلاق الأبواب، خفف من خطواته، وصار يتبع صوت خرخرتها كلما تحركت داخل القش.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يعد الوقت هو سيد جولته، بل ذلك الكائن الصغير الذي جعل الليل أقل وحشة من كل مرة.

جولة تختلف عن كل الليالي

كان خالد يضع كل سلة في مكانها، ثم يعود بعينيه إلى السلة الكبيرة ليتأكد أن القطة ما زالت هناك بأمان.

وبدا كل دكان مر به مختلفا في تلك الليلة، فأكياس البهارات أطلقت روائحها وكأنها تحيي ضيفا جديدا وصل إلى السوق، وصفائح النحاس عكست ضوء المصابيح المرتجفة حتى بدت مثل نجوم صغيرة معلقة على الجدران.

وحين مر بجوار متجر العطار، خرجت القطة برأسها الصغير تستنشق عبير النعناع والبابونج، ثم عادت لتختبئ في القش وهي تخرخر بهدوء تام.

ضحك خالد للمرة الأولى منذ أيام طويلة، ضحكة خافتة لم يسمعها أحد سوى السوق العتيق، وكأن الأزقة نفسها ردت عليه بصدى خفيف يشبه الابتسامة.

أصحاب الدكاكين يتركون آثارهم

كان كل صاحب دكان يظن أنه أغلق متجره وغادر دون أن يترك شيئا، لكنه في الحقيقة كان يترك أثرا خلفه، رائحة قهوة، أو ورقة نعناع، أو خيطا عالقا في سلة، أو قطعة قماش نسيها فوق الطاولة.

وأدرك خالد في تلك الليلة أن السوق لا يغلق أبدا بالمعنى الحقيقي، بل يظل يحتفظ بآثار من مروا فيه، تماما كما احتفظ بهذه القطة الصغيرة حتى جاء من يجدها ويحتضنها.

آخر باب في السوق

حين انتهت جولة خالد، لم يبق أمامه سوى باب السوق الخشبي الكبير الذي يغلق كل ليلة.

كان الحارس ينتظر كعادته ليغلق الأقفال الثقيلة، لكن خالد وقف قبل العتبة، وأعاد النظر إلى السلة التي استقرت فيها القطة الصغيرة.

مدت القطة رأسها نحوه، ثم احتكت بكفه بخفة، وكأنها تشكره لأنها لم تعامل كشيء منسي بين البضائع المتناثرة.

سأل الحارس مبتسما أما زلت تحمل سلة لم تعدها إلى مكانها.

فابتسم خالد وهو يربت على القش برفق قائلا إن بعض السلال لا تعود إلى أصحابها، لأنها في هذه الليلة وجدت صاحبها الحقيقي.

وساد صمت قصير بينهما، لكنه لم يكن صمتا باردا على الإطلاق.

بل كان صمتا دافئا، يشبه نهاية يوم عرف كيف يترك في القلب فسحة من الطمأنينة الهادئة.

خرج خالد من السوق والسلة بين ذراعيه، بينما كانت القطة تنام مطمئنة وكأنها لم تعرف يوما معنى الضياع.

خلفه أغلق الباب الخشبي ببطء، غير أن السوق بدا وكأنه لم يفقد شيئا، بل استعاد جزءا من روحه في تلك الليلة التي تحولت فيها مهمة جمع السلال إلى رحلة للعثور على رفيق صغير، أثبت أن أكثر اللقاءات قيمة تبدأ غالبا حين يظن الجميع أن اليوم قد انتهى.

فليست كل الأعمال العظيمة تلك التي يصفق لها الناس، فبعضها يولد في اللحظات التي لا يراها أحد، حين يختار الإنسان أن يمنح دقائق من وقته لما يبدو صغيرا وعديم الأهمية في نظر الآخرين.

وربما كانت الرحمة، مثل خرخرة قطة في سوق خال، همسا خافتا لا يغير العالم دفعة واحدة، لكنه يغير قلبا واحدا، وذلك يكفي ليبدأ كل شيء من جديد.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.