حكاية حبة الفشار التي استعجلت النضج فكادت تحترق

الراوي
0

الليلة التي انتظرتها حبات الذرة، في قلب المطبخ المدرسي، وتحت أضواء صفراء ترتجف فوق الأواني اللامعة، كان ثمة صوت غامض يتنامى داخل مقلاة سوداء، همسات صغيرة واحتكاكات متوترة ونقرات تشبه دقات ساعة تقترب من موعد لا يعرفه أحد، كانت حبات الذرة تنتظر حفلة المدرسة منذ أسابيع، وكل واحدة منها تحلم باللحظة التي ينشق فيها قميصها الذهبي فتنطلق بيضاء هشة كغيمة صغيرة، غير أن حبة واحدة تدعى فوفو لم تكن تعلم أن ليلتها ستصبح امتحانا قاسيا للصبر، وأن استعجالها كاد يحول حلمها إلى رماد.

اصطفت حبات الذرة في قاع الوعاء مثل تلاميذ يستعدون للصعود إلى منصة المسرح، كانت أجسادها الصفراء تلمع تحت قطرات الزيت، فيما ارتفعت حولها رائحة الزبدة الذائبة، دافئة وحلوة، كأن المطبخ يخبئ احتفالا سريا، قالت حبة ممتلئة تدعى لولو وهي تتمايل بفخر إنها سمعت أن طلاب المدرسة سيشاهدون مسرحية الليلة، وأنهن سيكن ضيوف الشرف، ضحكت الحبات، وارتطمت جوانبها المعدنية بقاع المقلاة في رنين خافت، أما فوفو، وكانت أصغرهن حجما، فظلت تتأمل الغطاء الزجاجي فوقها، حيث انعكس وجهها الصغير على الضباب المتصاعد.

حكاية حبة الفشار التي استعجلت النضج فكادت تحترق


حلم فوفو الأبيض

تخيلت فوفو نفسها بعد الفرقعة كبيرة وناعمة، تتدحرج في كيس مخطط بالأحمر والأبيض، ثم تحملها يد طفل يضحك تحت أضواء الحفل، كان الحلم واضحا إلى درجة أنها كادت تشم رائحة القاعة وتسمع تصفيق الجمهور، همست لجارتها سائلة إن كانت ستصبح جميلة حين يحين دورها، فأجابتها الجارة برقة أن كل حبة تخبئ داخلها غيمة، لكنها لا تظهر إلا حين تصلها الحرارة المناسبة، لم تفهم فوفو معنى العبارة كاملا، لكنها حفظتها في قلبها الصغير، منتظرة أن تبدأ الموسيقى الساخنة.

رقصة الفرقعات الأولى

مد أحمد يده إلى مقبض الموقد، فاندفع اللهب الأزرق أسفل المقلاة مثل لسان تنين هادئ، أخذ الزيت يرتجف، وراحت الحبات تتحرك ببطء ثم أسرع، حتى بدا قاع المقلاة كساحة رقص مزدحمة، وفجأة دوى الصوت الأول، فرقع، قفزت لولو في الهواء، وانفتح جسدها الذهبي عن تاج أبيض ملتف، ارتطمت بالغطاء ثم سقطت بخفة فوق الحبات، وهي تصرخ بسعادة أنها فعلتها أخيرا.

تتابعت الفرقعات كالمطر على سقف من صفيح، فرقع فرقع فرقع، كانت الحبات تقفز في كل اتجاه، وتتحول الواحدة تلو الأخرى إلى زهور بيضاء ساخنة، حتى امتلأ الوعاء بضباب عطري كثيف، اندفعت موجة من الفشار نحو الأعلى، وراحت القطع البيضاء تتدافع وتضحك، بينما بقيت فوفو في زاوية بعيدة من المقلاة، شعرت بحرارة خفيفة تلامس جانبها، لكنها لم تكن تلك النار العميقة التي تحدثت عنها الحبات، انتظرت فرقعتها، فلم تأت.

الحبة التي بقيت صغيرة

عندما هدأت العاصفة قليلا، كانت فوفو ما تزال حبة صفراء صلبة وسط بحر من الفشار الأبيض، بدت كحجر صغير ضائع بين الغيوم، وشعرت بأن كل الأنظار تتجه إليها، اهتز وعاء الفشار بصوت معدني أجش، وتساءل ساخرا كيف أقيمت حفلة فرقعة كاملة وما زالت هناك حبة نائمة في الزاوية، تعالت ضحكات بعض قطع الفشار، فتقلصت فوفو في مكانها، حاولت أن تختبئ تحت حبة بيضاء كبيرة، إلا أن انحناءات جسدها الصلب دفعتها إلى الظهور من جديد.

كلمات أشد حرارة من النار

قال الوعاء وهو يرن بجوانبه إن فوفو ربما لا تحمل غيمة في داخلها، وربما خلقت لتبقى صغيرة إلى الأبد، دخلت الكلمات إلى فوفو كإبر باردة، لم تعد تسمع فرقعات رفيقاتها ولا صوت الزبدة، بل سمعت في رأسها جملة واحدة تتكرر، صغيرة إلى الأبد، صرخت في نفسها أنها لن تبقى هكذا، وأنها ستقفز قبل أن يسخر منها أحد مرة أخرى، لم تسأل نفسها كيف يمكن لحبة ذرة أن تقفز دون أن تنضج، فقد كان الخجل قد غطى عقلها بدخان كثيف، فلم تعد ترى الفرق بين الشجاعة والتهور.

القفزة التي سبقت أوانها

دفعت فوفو نفسها بقوة نحو حافة المقلاة، واستغلت اهتزاز الوعاء لتتدحرج بعيدا عن زاويتها الباردة، عبرت بين قطع الفشار الساخنة، واصطدمت بالقاع المعدني الذي كان يزداد اشتعالا كلما اقتربت من منتصف النار، حاولت جارتها المذعورة أن توقفها، محذرة إياها من أنها لا تستطيع إجبار نفسها على الفرقعة، لكن فوفو لم تصغ إليها، راحت تقفز فوق طبقة الزيت، وتضرب جسدها بالقاع الساخن، محاولة أن تصنع صوتا يشبه صوت النضج.

حين صار الحلم رائحة احتراق

وصلت فوفو إلى بقعة شديدة السخونة، فشعرت بوخزة حادة تخترق قشرتها، لم تكن حرارة لطيفة تتسلل إلى الداخل، بل لهبا قاسيا يهاجم سطحها من جهة واحدة، تصاعد منها خيط رفيع من الدخان، وانتشرت رائحة مرة وسط عبير الزبدة، شهقت فوفو، وأدركت أن القفزة التي ظنتها طريقا إلى الغيمة قد تقودها إلى السواد، فصرخت طلبا للنجدة قائلة إنها تحترق، اهتزت قطع الفشار حولها، وحاولت دفعها بعيدا عن مركز المقلاة، لكن أجسادها الهشة لم تستطع الوصول إليها، أما الوعاء، فقد اختفت سخريته، وصار صوته مرتجفا وهو ينادي أحمد.

السر المختبئ في زاوية المقلاة

كان أحمد يرتب أكياس الفشار قرب الطاولة حين وصل إلى أنفه أثر الرائحة المحترقة، عقد حاجبيه، وأطفأ الموقد بسرعة، ثم رفع الغطاء بحذر، فانطلقت سحابة بخار نحو وجهه، راح يقلب الفشار بملعقة خشبية، حتى لمح فوفو عند منتصف المقلاة، وقد اسود جانب صغير من قشرتها، حملها برفق ووضعها على طبق بارد، ثم نظر إلى قاع المقلاة طويلا، لاحظ أن الزيت في إحدى الزوايا لم يكن يتحرك مثل بقية الزيت، وأن لون القاع هناك أفتح قليلا، مد يده إلى المقبض، فاكتشف أن المقلاة كانت مائلة، وأن جزءا منها ابتعد عن مركز اللهب.

لم يكن العيب في فوفو

قال أحمد وهو يعدل موضع المقلاة إن هذه هي المشكلة، فالحرارة لم تصل إلى جميع الحبات بالتساوي، سمعت فوفو كلماته، وشعرت كأن نافذة قد فتحت داخلها بعد ليلة من الدخان، لم تكن فارغة، ولم تخلق لتبقى صغيرة، ولم يكن تأخرها دليلا على ضعفها، فقد كانت فقط في مكان لم تصله الحرارة الكافية، اقتربت منها لولو بحزن طالبة السماح، فقد ظنت أن الجميع يشعر بما تشعر به، ولم تر أن زاوية فوفو كانت أبرد، أما وعاء الفشار فصدر عنه طنين خافت، واعترف بأنه سخر منها قبل أن يفهم ما يحدث، وأنه كان مرتفع الصوت لكنه لم يكن واسع النظر.

فرصة ثانية فوق لهب هادئ

أعاد أحمد الحبات التي لم تفرقع إلى المقلاة، لكنه هذه المرة وزعها بعناية وسوى الوعاء فوق النار، خفف اللهب قليلا، وحرك المقلاة في دوائر هادئة حتى تنتشر الحرارة بالتساوي، أعاد فوفو بعد أن برد جانبها المحترق، ووضعها قرب منتصف القاع، لا في أشد البقع حرارة ولا في أبردها، أحاطت بها قطرات الزيت الدافئ، وشعرت للمرة الأولى بأن الحرارة تصل إلى جسدها كله دون قسوة.

الصوت الذي خرج من الداخل

لم تحاول فوفو أن تقفز، ولم تضرب نفسها بالقاع، ولم تراقب الحبات الأخرى، أغمضت عينيها، وتركت الدفء يتسلل عبر قشرتها طبقة بعد طبقة، في داخلها، تمددت قطرة الماء الصغيرة المختبئة في قلبها، وصارت بخارا يبحث عن طريق إلى الخارج، شعرت فوفو بالضغط يزداد، لكنه لم يكن ألما مخيفا، بل كان أشبه بجناحين ينفتحان ببطء، ثم دوى صوت واضح تحت الغطاء، فرقع، ارتفعت فوفو في الهواء، وانشقت قشرتها عن زهرة بيضاء كبيرة ذات أطراف ملتفة، اصطدمت بالغطاء وضحكت، ثم سقطت بين رفيقاتها كغيمة وجدت أخيرا سماءها.

الضيفة الأخيرة في حفلة المدرسة

وضع أحمد الفشار في أكياس ملونة، وتناثرت رائحة الزبدة في ممرات المدرسة، حمل أحد الأطفال الكيس الذي استقرت فيه فوفو، وركض به نحو قاعة الحفل، حيث كانت الستائر الحمراء تنفتح ببطء، جلست فوفو فوق قطع الفشار، ترى الأضواء تلمع وتسمع أصوات الطلاب تملأ المكان، لم تعد تخجل من البقعة الصغيرة الداكنة التي بقيت عند طرفها، فقد صارت علامة تذكرها باللحظة التي حاولت فيها أن تصبح شيئا قبل أن يكتمل وقتها.

آخر فرقعة قبل إسدال الستار

قبل أن تبدأ المسرحية، رفع الطفل حفنة من الفشار، وكانت فوفو بينها، نظرت إلى المسرح، ثم إلى رفيقاتها، وقالت مبتسمة إنها ظنت أن وصولها متأخرا يعني أنها فشلت، لكنها كانت فقط تنتظر حرارة تصل إليها كاملة، أجابتها لولو بأن أجمل الفرقعات ليست دائما أولها، عندها أطفئت أنوار القاعة، وظهر أول ممثل فوق المسرح، وفي الظلام، لم تعد فوفو الحبة التي بقيت صغيرة، بل صارت آخر غيمة بيضاء اكتملت في الوقت الذي يناسبها.

لا تتفتح الأشياء كلها تحت الشمس نفسها، ولا تصل الحرارة إلى القلوب بالقدر ذاته، قد يقف أحدهم في زاوية باردة، بينما يظن الآخرون أنه يتكاسل أو يعجز، وقد يحاول الهرب من سخريتهم فيلقي بنفسه داخل نار لا تناسبه، غير أن التأخر لا يعني الخواء، والهدوء لا يدل على غياب الموهبة، فلكل بذرة موسمها، ولكل غيمة لحظة تمتلئ فيها، وحين يأتي الوقت الصحيح لا يحتاج المرء إلى إجبار نفسه على اللمعان، إذ يخرج النور من داخله وحده.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.