رواية حفارو الجليد الأسود السر المدفون تحت القارة المتجمدة

الراوي
0

حين نزع حمزة قفازه ووضع كفّه فوق الجليد الأسود، لم يشعر ببرودة القارة التي كانت تقضم أطراف الرجال من حوله، بل أحسّ بحرارة يده القديمة ترتدّ إليه من الأعماق، كما لو أن شيئًا تحت السطح كان يتذكّره.

ظلّت بصماته مضيئة لثوانٍ داخل السواد، خمس لطخات حمراء شاحبة تنبض تحت طبقة مصقولة لا تعكس السماء ولا الوجوه.

ثم انطفأت البصمات واحدة تلو الأخرى، بينما صدر من أسفل الجليد طنين خفيض، أقرب إلى زفير مخلوق هائل يحلم تحت الأرض.

خلفه، ارتفعت عدسات الكاميرات، وانطلقت أجهزة القياس، وتعالت أصوات العلماء والمهندسين.

غير أن حمزة لم يسمع شيئًا سوى ذلك الطنين، ولم يرَ سوى خيط أسود رفيع يمتد بعيدًا تحت الثلج الأبيض، كأن القارة المتجمّدة قد فتحت عينًا ولم تطرف.

رواية حفارو الجليد الأسود السر المدفون تحت القارة المتجمدة قصص وروايات

القارة التي لا تنام

هبطت بعثة أورورا في أقصى الجنوب خلال أسبوع لم تطلع فيه الشمس إلا كجرح فضّي عند الأفق.

كانت الريح تجلد جدران المحطة المتنقلة، وتملأ الهواء بذرات جليد حادة تصطكّ بأقنعة الوجوه كالرمل على زجاج نافذة مهجورة.

امتدّ المعسكر فوق هضبة بيضاء تحاصرها جبال منخفضة، وقد غاصت أرجل الحاويات المعدنية في الثلج حتى بدت كتوابيت ضخمة عُلّقت عليها أضواء برتقالية.

أمّا خلف الهضبة، حيث انشقّ الغطاء الجليدي قبل ثلاثة أشهر، فقد ظهرت البقعة السوداء للمرة الأولى.

لم تكن البقعة حفرة ولا صخرًا بركانيًّا، بل سطحًا أملس يمتدّ مئات الأمتار تحت الثلج، شديد السواد حتى إن ضوء المصابيح كان يختفي فوقه بدل أن ينعكس عنه.

وقد سجّلت الأقمار الاصطناعية أن حرارته ترتفع كلما لامسه جسم حي.

كان هذا وحده كافيًا لجلب العلماء، لكنه كان كافيًا أيضًا لجلب رجال الشركات.

بعثة علمية بتمويل لا يعرف الرحمة

كان حمزة السالمي مختصًّا في الكائنات المجهرية البحرية، وقد انضم إلى البعثة معتقدًا أنها مهمة بحثية لدراسة شقّ جيولوجي نادر.

غير أنه أدرك منذ اليوم الأول أن العلم لم يكن سوى اللافتة النظيفة المعلّقة فوق باب مزدحم بالمصالح.

ترأست البعثة الدكتورة ليلى ناصر، عالمة مناخ ذات وجه نحيل وعينين لا تفوتهما حركة.

كانت تتحدث بهدوء، لكن أصابعها تنقبض حول جهازها اللوحي كلما اقترب المهندس رائد منصور، ممثل شركة نوفا للطاقة.

وصل رائد بطائرة منفصلة، ومعه فريق حفر وأجهزة استخراج لم ترد في الخطة الأصلية.

كان طويلًا، أنيق اللحية حتى وسط العاصفة، ويرتدي فوق بذلته القطبية شارة الشركة الزرقاء كما لو أنها رتبة عسكرية.

قال في الاجتماع الأول، بينما كانت الريح تهزّ جدران غرفة القيادة:

لسنا هنا لسرقة اكتشافكم، بل لتحويله إلى شيء ينقذ الناس.

ثلاث عشرة مدينة في الشمال تعاني انهيار شبكات التدفئة، وهذا الجليد قد يكون أكبر مخزن حراري عرفه البشر.

رفع حمزة عينيه عن البيانات المعروضة على الشاشة.

أو قد يكون شيئًا لا نفهمه بعد.

ابتسم رائد ابتسامة قصيرة لم تصل إلى عينيه.

كل شيء لا نفهمه يبدو مقدسًا في البداية، ثم يصبح مفيدًا عندما نتعلم كيف نستخرجه.

جليد يتذكّر حرارة الأحياء

في اليوم التالي، بدأت التجارب الأولية عند حافة البقعة السوداء.

ثبّت الفريق أسلاكًا حرارية وأجهزة تحليل طيفي، ثم وضعوا فوق الجليد قطعًا من الحديد والحجر والخشب، فلم يحدث شيء.

لكن عندما وضع أحد الفنيين كفّه المغطاة بقفاز رقيق فوق السطح، ارتفعت الحرارة تحت يده خلال ثوانٍ.

لم يسخن الجليد عشوائيًّا، بل احتفظ بالحرارة في شكل كفّ كامل، محدد الأصابع والخطوط.

بعد أن ابتعد الفني، بقيت صورة يده داخل السطح قرابة دقيقة، ثم تلاشت ببطء.

وحين وضع يده ثانية، أعاد الجليد إطلاق مقدار من الحرارة يكاد يطابق ما امتصّه منه في اللمسة الأولى.

شهق أحد المهندسين وقال:

إنه لا يخزن الحرارة فحسب، بل يفرّق بين المصادر الحية وغير الحية.

اقترب حمزة حتى لامست ركبتاه حافة الثلج الأبيض.

تحت السواد، لمح نقاطًا دقيقة تضيء وتنطفئ، متناثرة كنجوم محتجزة في بئر عميق.

لم تكن تلك النقاط فقاعات غاز، كما قال رائد، ولم تكن شوائب معدنية، كما اقترح فريق الحفر.

كانت تتحرك.

العيّنة الأولى

استُخرجت أول أسطوانة من الجليد عند الظهيرة.

كان المثقاب الماسي يدور ببطء، ويطلق صريرًا حادًّا جعل الطيور البحرية تحلّق بعيدًا عن الساحل.

حين اخترق رأس المثقاب الطبقة السوداء، انبعث بخار دافئ من الفتحة، تبعه صوت مكتوم يشبه حفيف آلاف الأوراق تحت الماء.

توقفت أجهزة الاستشعار لثانية واحدة، ثم امتلأت شاشاتها بقراءات متضاربة.

هبطت حرارة الهواء حول الفتحة خمس درجات، بينما ارتفعت حرارة العيّنة نفسها إلى سبع عشرة درجة مئوية.

كان ذلك مستحيلًا في قارة تهبط فيها الحرارة خارج الخيام إلى ما دون الأربعين.

حمل حمزة الأسطوانة داخل صندوق عزل شفاف.

بدت سوداء تمامًا من الخارج، لكن حين مرّر ضوءًا أزرق عبرها، ظهرت في قلبها خيوط دقيقة ملتفة، تتقلص وتتسع كما تتنفس الرئة.

قالت ليلى خلفه:

هل هي بلورات عضوية؟

اقترب حمزة من الزجاج، وحدق حتى احترقت عيناه من ضوء المجهر.

لا.

إنها مستعمرة.

ساد الصمت في المختبر.

حرّك حمزة العدسة، فظهرت آلاف الأجسام المجهرية، بيضاوية الشكل، تتصل ببعضها عبر أغشية شفافة.

كانت تمتص الحرارة من جدران العينة، ثم تمررها في موجات منتظمة من كائن إلى آخر.

همست ليلى:

كائنات حية داخل الجليد؟

أجاب حمزة دون أن يرفع رأسه:

ليست داخل الجليد فقط.

أظن أن الجليد نفسه جزء منها.

مدن ترتجف خلف الشاشات

انتشر الخبر داخل المحطة قبل أن ينتهي تحليل العيّنة.

وفي المساء، وصلت رسائل مشفرة من مقر الشركة، تطالب بتسريع الحفر وتقدير كمية الطاقة القابلة للاستخراج.

عرض رائد في قاعة القيادة صورًا لمدن شمالية غارقة في الظلام.

عمارات مغطاة بالصقيع، طوابير أمام مراكز التدفئة، أطفال ينامون بقبعات صوفية داخل المستشفيات، وعجائز يلتفون حول مواقد صغيرة لا تكفي لإذابة الثلج عن النوافذ.

قال وهو يشير إلى الصور:

هذه ليست أرقامًا في تقرير مناخي.

هؤلاء بشر ينتظرون أي مصدر حرارة يمكننا الوصول إليه.

جلست ليلى في الطرف الآخر من الطاولة، ينعكس الضوء الأزرق على وجهها المتعب.

لم يثبت بعد أن استخراج الجليد آمن.

رد رائد:

ولم يثبت أنه خطر.

قال حمزة:

وجوده مرتبط بالمحيط.

وجدنا في العينة بروتينات تشبه بروتينات العوالق البحرية التي تنظّم تبادل الغازات والحرارة.

مال رائد إلى الأمام.

تشبهها، أم أنها هي؟

تردد حمزة لحظة.

لم أحصل على وقت كافٍ.

ضرب رائد سطح الطاولة بإصبعين.

إذن احصل على الوقت أثناء الحفر.

لا يمكننا تعليق مستقبل مدن كاملة لأنك رأيت خلايا تحت المجهر.

العرض الذي قسّم الطاقم

بعد الاجتماع، انقسمت البعثة كما ينقسم الجليد تحت ضغط خفي.

رأى فريق الحفر في المادة السوداء حلًّا لأزمة إنسانية، بينما رأى بعض العلماء أن أي تدخل قبل فهم النظام قد يطلق كارثة لا يمكن عكسها.

وقف المهندس سامر، وهو أصغر أفراد الطاقم، أمام حمزة في ممر المحطة وقال:

أختي في مدينة نوردهافن.

انقطعت التدفئة عن حيّها مرتين هذا الشهر.

كيف أطلب منها الانتظار لأن كائنات مجهرية قد تتأذى؟

أراد حمزة أن يجيبه، لكن صورة طفلة نائمة تحت أربعة أغطية بقيت عالقة في ذهنه.

لم يكن الخلاف بين الرحمة والقسوة، بل بين رحمتين تتنازعان اليد نفسها.

قال أخيرًا:

لن أطلب منك أن تختار الكائنات بدل أختك.

لكن ماذا لو كانت هذه الكائنات هي ما يمنع البحر من تجميد مدينتها إلى الأبد؟

ابتعد سامر دون جواب، وظل وقع خطواته يتردد في الممر المعدني كعدّ تنازلي.

تحت الجليد الأسود محيط آخر

قضى حمزة الليل بين المجهر ونماذج المحاكاة المناخية.

عزل الخلايا، وعرّضها لدرجات حرارة مختلفة، ثم راقب الطريقة التي تتبادل بها الطاقة.

لم تكن الكائنات تخزن الحرارة لاستخدامها وحدها.

كانت تمتص الفائض الحراري من تيارات المحيط الدافئة، وتطلقه ببطء عند انخفاض درجات الحرارة، فتمنع تشكّل كتل جليدية مفاجئة وتبقي حركة المياه العميقة مستقرة.

كانت المستعمرات موزعة تحت القارة كشبكة من الأوعية السوداء.

وكل بقعة منها تعمل كصمام حراري، يفتح ويغلق وفق إيقاع المدّ وملوحة المياه ومواسم الظلام.

فتح حمزة بيانات الأقمار الاصطناعية القديمة، وقارنها بمواقع البقع المكتشفة حديثًا.

شعر بجلده يقشعر داخل المختبر الدافئ.

كل موجة برد كبرى خلال العقود الماضية سبقتها إصابة أو انكماش في إحدى المستعمرات.

الحساب الذي لم يترك مجالًا للشك

دخلت ليلى المختبر قبل الفجر، فوجدت حمزة واقفًا أمام شاشة مغطاة بالخطوط الحمراء.

قالت:

لم تنم.

أشار إلى المحاكاة.

إن استخرجوا خمسة في المئة فقط من الحقل، ستضعف الدورة الحرارية في هذا الجزء من المحيط.

لن يحدث شيء فورًا، ولهذا سيظنون أن العملية نجحت.

اقتربت ليلى من الشاشة.

ثم ماذا؟

حرّك حمزة النموذج إلى الأمام.

انكمشت التيارات الدافئة، واتسعت البقع الزرقاء فوق نصف الكرة الشمالي.

بعد ثمانية عشر شهرًا، تتباطأ تيارات المحيط.

بعد ثلاث سنوات، تنخفض الحرارة في السواحل الشمالية بمقدار قد يصل إلى سبع درجات.

المدن التي يريدون تدفئتها بالجليد ستدخل شتاء أطول وأقسى.

قالت ليلى بصوت خفيض:

سينقذونها هذا العام، ويجمدونها بعد ثلاثة أعوام.

أومأ حمزة، ثم كبّر صورة الخلايا.

وهذا ليس أسوأ ما في الأمر.

المستعمرة التي أخذنا منها العينة بدأت تموت، والطبقة المحيطة بموقع الحفر فقدت قدرتها على استعادة الحرارة.

رفعت ليلى رأسها فجأة.

من خارج المختبر، دوّى صوت المحركات الثقيلة.

كان فريق رائد قد بدأ الحفر الرئيسي.

الحفّار الأول

خرج حمزة وليلى إلى العاصفة.

كانت الأضواء الكاشفة تمزق الظلام، وتكشف منصة حفر ضخمة نُصبت فوق مركز البقعة السوداء.

دار المثقاب العمودي كرمح معدني، وغاص في السطح بينما تصاعد بخار كثيف حوله.

وقف رائد إلى جوار لوحة التحكم، محاطًا بالمهندسين، وقد غطت بلورات الثلج كتفيه.

صرخت ليلى عبر جهاز الاتصال:

أوقف الحفر فورًا!

التفت رائد إليها، ثم رفع يده طالبًا من المشغّل خفض السرعة، لا إيقاف الآلة.

وصل حمزة إلى المنصة وهو يلهث.

الجليد ليس وقودًا.

إنه غطاء حي ينظّم حرارة المحيط.

إن مزقتم الشبكة، ستنهار التيارات البحرية.

قال رائد:

أرسل بياناتك إلى الشركة، وسيقيّمها الخبراء.

لن يبقى ما يقيّمونه إن واصلتم الحفر.

نظر رائد إلى الفتحة التي اتسعت حول المثقاب، ثم إلى خزانات التخزين المنتظرة خلف المنصة.

لديّ تصريح بالاستخراج التجريبي.

أجاب حمزة:

لديك تصريح لاستخراج مادة جيولوجية.

هذا كائن حي، ونظام مناخي كامل.

تصلب فك رائد.

ولديّ مدن تموت من البرد الآن، لا بعد ثلاث سنوات داخل نموذج حاسوبي.

حين نزف الجليد

قبل أن يرد حمزة، اهتزّت المنصة بعنف.

انشقّ السطح الأسود حول المثقاب، واندفعت من الشقوق مادة داكنة لزجة تشبه الماء الممزوج بالحبر.

لم تتجمد المادة في الهواء، بل سارت فوق الجليد في خيوط متعرجة، متجهة نحو أقدام الطاقم.

ومع كل سنتيمتر تقطعه، كانت المصابيح تخفت والأجهزة تفقد حرارتها.

صرخ المشغّل:

درجة حرارة المحرك تهبط!

صدر من أعماق الحقل طنين هائل، لم يعد حفيفًا خافتًا، بل نغمة ثقيلة هزّت العظام داخل الأجساد.

انطفأت إحدى العربات، ثم تشققت نافذتها من شدة البرد المفاجئ.

تراجع الطاقم، غير أن سامر ظل عند لوحة التحكم يحاول رفع المثقاب.

تجمدت ذراع الرافعة بين يديه، وتصلبت أصابعه داخل القفاز.

ركض حمزة نحوه، أمسكه من كتفيه، وسحبه قبل أن ينشق جزء من المنصة ويسقط داخل الفتحة.

ومن جوفها ارتفع بخار أسود دافئ، حمل معه رائحة ملح وطحالب ومعدن محترق.

نظر حمزة إلى الشاشة الجانبية، فرأى موجة حرارية تتحرك تحت الحقل نحو الساحل.

قالت ليلى:

المستعمرة تدفع حرارتها بعيدًا عن منطقة الجرح.

أجاب حمزة:

إنها تحاول إنقاذ ما تبقى منها.

القرار الذي لا ينجو منه أحد

أُخليت منصة الحفر، لكن المثقاب بقي عالقًا في قلب الحقل.

كان رأسه قد مزق طبقات مترابطة تمتدّ إلى أعماق لا تصل إليها المجسات، وبدأ الشق يتسع ببطء نحو البحر.

داخل غرفة القيادة، عرض حمزة الحل الوحيد الذي توصّل إليه.

كان عليهم إعادة الحرارة المخزنة في وحدات الطاقة بالمحطة إلى المستعمرة المصابة، ثم تفجير قاعدة المثقاب تفجيرًا محدودًا لتحريره وإغلاق الشق بالماء المضغوط.

قال رائد:

إن أعدنا كل طاقة المحطة، سنفقد التدفئة والاتصال حتى وصول سفينة الإمداد.

أجابت ليلى:

بعد أربعة أيام.

ضحك أحد المهندسين بمرارة.

أربعة أيام في هذه الحرارة تعني أننا قد لا نكون أحياء عندما تصل.

فتح رائد ملفًّا على الشاشة.

ظهر مخزون العينات السوداء التي استُخرجت قبل الحادث.

لدينا ما يكفي من الجليد لتشغيل مولدات الطوارئ.

نحتفظ بالعينات، نغلق الشق بالمتفجرات، ونغادر.

قال حمزة:

العينات جزء من الشبكة.

إن استخدمناها، سنقتلها ونحوّلها إلى بطاريات مؤقتة.

بطاريات تبقينا أحياء.

وتثبت للشركة أن الاستخراج ممكن.

ساد الصمت، ثقيلًا كالجليد فوق سقف المحطة.

تصويت في آخر الأرض

اقترحت ليلى تصويتًا، رغم معرفتها أن الأرقام لن تجعل القرار أكثر عدلًا.

وقف أفراد الطاقم على جانبي الغرفة، وجوههم شاحبة تحت أضواء الطوارئ.

اختار سبعة منهم إعادة الحرارة إلى الحقل.

واختار سبعة الاحتفاظ بالعينات وتشغيل المحطة.

بقي صوت واحد.

كان سامر جالسًا قرب الجدار، ويداه ملفوفتين بالضمادات الحرارية.

نظر إلى صورة أخته على جهازه، ثم نظر إلى حمزة.

قال بصوت متقطع:

إن أنقذنا مدينتها هذا الشتاء، ثم جعلنا كل شتاء بعدها أسوأ، فلن يكون ذلك إنقاذًا.

رفع يده السليمة.

أعيدوا الحرارة.

أغمض رائد عينيه لحظة، ثم أغلق ملف العينات.

لم يعترض، لكنه بدا كمن سمع بابًا ضخمًا يُغلق خلفه.

النزول إلى قلب السواد

لم يكن بالإمكان تفجير قاعدة المثقاب من السطح، لأن الشق صار غير مستقر.

كان على شخص أن ينزل عبر أنبوب الخدمة إلى الحجرة السفلية، يثبت الشحنة يدويًّا، ويفتح صمامات ضخ المياه قبل الانفجار.

تطوع حمزة قبل أن ينطق أحد باسمه.

ارتدى بذلة عزل مزدوجة، وربط حول صدره حبل الأمان.

وضعت ليلى في يده وحدة تحتوي على مزرعة صغيرة من الخلايا السليمة التي عزلها قبل الحادث.

قالت:

قد تساعد على إعادة ربط الشبكة.

ابتسم حمزة خلف قناع التنفس.

أو قد تكون أول حبة رمل في صحراء.

أجابته:

الصحارى تبدأ بحبة أيضًا.

هبط داخل الأنبوب، وكانت جدرانه ترتجف مع الطنين القادم من الأعماق.

كلما اقترب من الحقل، ارتفعت الحرارة داخل البذلة، رغم أن أجهزة القياس حوله سجّلت درجات تحت الصفر.

عند نهاية الأنبوب، فتح البوابة اليدوية وخرج إلى تجويف أسود واسع.

فوقه كان الجليد، وتحته ماء المحيط، وبينهما شبكة من الأغشية الحية تتوهج باللون الأحمر الداكن.

لم يشعر حمزة أنه داخل كهف، بل داخل عضو من جسد كائن أكبر من القارة.

الأصوات المحفوظة في الجليد

تحرك بين الخيوط الحية بحذر، باحثًا عن قاعدة المثقاب.

وحين وضع يده على أحد الأغشية ليتوازن، اندفعت الحرارة إلى كفّه، ثم اجتاحه إحساس لم يكن حرارة ولا ألمًا.

سمع أصواتًا.

ضحكة أمه في مطبخ بعيد، صرير باب بيت الطفولة، أنفاس أبيه في ليلة مرضه الأخيرة، وصوت المطر فوق شرفة لم يرها منذ عشرين عامًا.

كانت كلها ذكريات ارتبطت بحرارة جسده، وقد امتصّتها المستعمرة من لمسته الأولى وأعادتها إليه.

فهم عندها أن الجليد لا يحتفظ بدرجة الحرارة وحدها.

كان يحتفظ بأثر الكائن الذي منحه إياها؛ بنمط نبضه، وارتجاف عضلاته، وربما بالخوف الذي كان يسري في دمه.

وصل إلى المثقاب، فوجد الأغشية ملتفة حوله كأصابع تحاول دفع شظية من لحمها.

ثبت الشحنة، ثم فتح صمام الماء.

قالت ليلى عبر الاتصال:

أصبحت وحدات الطاقة جاهزة.

بمجرد أن تعطينا الإشارة، سنفرغها كلها.

نظر حمزة إلى وحدة الخلايا في يده، ثم غرسها داخل أحد الشقوق.

ابدؤوا الآن.

آخر دفء في المحطة

في الأعلى، أطفأت ليلى أنظمة التدفئة واحدًا تلو الآخر.

خفتت الأضواء، توقفت أجهزة المطبخ، وسكنت المراوح في الممرات.

اندفعت الطاقة عبر الكابلات المدفونة نحو الحقل.

أضاءت الخطوط السوداء تحت الثلج، لا بلون النار، وإنما بحمرة عميقة تشبه الدم حين يمر خلف جلد رقيق.

داخل التجويف، رأى حمزة الخلايا تستيقظ.

تمددت الأغشية، واتصلت أطرافها الممزقة بالمزرعة التي زرعها، ثم تحركت موجة من الضوء عبر الشبكة نحو البحر.

صاحت ليلى:

التدفق مستقر.

فجّر الشحنة واصعد.

ضغط حمزة زر التفجير.

اهتزّ العالم.

انفصل رأس المثقاب عن عموده، واندفع الماء المضغوط داخل الشق.

التفّت الأغشية الحية حول الفتحة، وبدأت تبني طبقة سوداء جديدة فوق الجرح.

لكن الانفجار قطع الحبل.

اليد التي اختار الجليد أن يتذكرها

سقط حمزة في الماء حتى كتفيه.

كانت البرودة سكينًا تدخل بين عظامه، وتعطل أصابعه خلال ثوانٍ.

حاول الإمساك بحافة الأنبوب، لكنها كانت أعلى من ذراعه.

فوقه، كان يسمع ليلى تصرخ باسمه عبر جهاز الاتصال، بينما تغمر المياه دوائره الكهربائية بالتشويش.

مدّ يده نحو الغشاء الأسود.

أنت تحتفظ بالحرارة، أعدها إليّ.

التصقت كفّه بالسطح، وانتشرت بصمته داخله.

للحظة، لم يحدث شيء، ثم توهجت آلاف النقاط المجهرية حوله.

تدفقت الحرارة من الغشاء إلى ذراعه، لا دفعة واحدة، بل في نبضات تحاكي دقات قلبه.

تحركت الخيوط الحية، والتفت حول معصمه وكتفه، ثم رفعته ببطء نحو فتحة الأنبوب.

أمسكت ليلى بذراعه من الأعلى، وساعدها سامر ورائد حتى سحبوه خارج التجويف.

وما إن ابتعد جسده عن الغشاء حتى انكمشت الخيوط وعادت إلى الماء، كأن شيئًا لم يكن.

بقيت صورة كفّه مضيئة تحت الجليد.

لكنها لم تنطفئ.

أربعة أيام بلا نار

عاشت البعثة الأيام الأربعة التالية داخل المحطة المظلمة.

تجمع أفراد الطاقم في غرفة واحدة، وارتدوا كل ما لديهم من ملابس، واقتسموا أكياس التدفئة الكيميائية وكؤوس الماء الفاتر.

لم يتحدث أحد كثيرًا.

كانت الأنفاس تتصاعد كسحب صغيرة، وكان صوت الريح يمرّ عبر الجدران كحيوان يختبر مواضع الضعف.

جلس رائد قرب الباب، ممسكًا بجهاز لا يعمل.

قال لحمزة في الليلة الثانية:

ستسحب الشركة تمويل المشروع، وقد تتهمنا بتخريب ممتلكاتها.

أجاب حمزة، وهو يحرك أصابعه المصابة قرب مصباح كيميائي:

هل ندمت؟

ظل رائد صامتًا طويلًا.

لا أعرف.

كنت أريد أن أعود إليهم بشيء يمكن بيعه، لأن الأشياء التي لا يمكن بيعها لا يصغي إليها أحد.

نظر إلى النافذة المغطاة بالصقيع.

ربما كان علينا أن نتعلم كيف نجعل الحماية أكثر إقناعًا من الأرباح.

في صباح اليوم الرابع، ظهرت أضواء سفينة الإمداد عند الأفق.

كانت ثلاث نقاط صفراء صغيرة، لكنها بدت للطاقم مثل شروق شمس جديدة.

ما كشفه المحيط بعد الصمت

بعد العودة، حاولت شركة نوفا تصنيف البيانات سرّية، غير أن ليلى أرسلت نسخًا منها إلى جامعات وهيئات مناخية في اثنتي عشرة دولة.

نشر حمزة التسلسل الجيني للكائنات المجهرية قبل أن تصل إليه أوامر المنع.

أطلق العلماء على المستعمرات اسم الحافظات الحرارية القطبية، لكن الصحافة أطلقت عليها اسمًا أبسط، الجليد الحي.

أثبتت الدراسات اللاحقة أن الشبكة السوداء تمتد تحت مساحات واسعة من القطب، وأنها تشارك في تنظيم انتقال الحرارة بين أعماق المحيط وسطحه.

لم تكن وحدها المسؤولة عن توازن المناخ، لكنها كانت خيطًا أساسيًّا في نسيج لم يكن البشر يعرفون بوجوده.

فُرض حظر دولي مؤقت على استخراجها، ثم تحوّل الحظر إلى اتفاقية حماية.

أمّا المدن الباردة، فلم تُترك لمصيرها، بل وُجّهت الأموال التي كانت مخصّصة للحفر إلى تطوير شبكات حرارية جوفية ومفاعلات صغيرة ومنظومات تخزين موسمية.

لم يكن الحل سريعًا ولا معجزًا، لكنه لم يحتج إلى تمزيق قلب المحيط كي يمنح البيوت دفئًا.

آخر عينة

بعد عام، عاد حمزة إلى مختبره فوجد طردًا صغيرًا بلا اسم مرسل.

في داخله كانت شريحة زجاجية تحمل قطرة سوداء من آخر عينة احتفظ بها رائد سرًّا قبل قرار الإعادة.

أرفق بها رسالة قصيرة:

لم أستخدمها.

لم أستطع إتلافها.

وأظن أنها ما زالت تنتظر يدك.

وضع حمزة الشريحة تحت المجهر.

كانت الخلايا ساكنة في البداية، منكمشة كرماد بارد.

قرب إصبعه من الزجاج.

قبل أن يلمسه، بدأت الخلايا تتوهج.

تراجعت يده، وتسارعت أنفاسه.

لم يكن بينه وبين العينة اتصال مباشر، ومع ذلك تحركت الخيوط المجهرية في اتجاه إصبعه، كأنها تعرّفت إلى حرارته من خلف الزجاج.

وضع كفّه فوق الشريحة.

فانطلقت على شاشة المجهر موجة ضوئية، ورسمت الخلايا شكل يد بشرية كاملة.

لم تكن يد حمزة.

كانت أصغر، ذات أصابع طويلة ونحيلة، وفي منتصف راحة الكفّ علامة دائرية سوداء لم يرها من قبل.

ثم ظهر تحتها نمط حراري جديد، منتظم وبطيء، يشبه نبضًا قادمًا من مكان بعيد.

فتح حمزة خريطة المستعمرات القطبية، وأدخل النمط إلى برنامج المطابقة.

أضاءت نقطة على الطرف الآخر من القارة، في منطقة لم تصل إليها أي بعثة مسجلة.

وبعد ثوانٍ، أضاءت نقطة ثانية.

ثم ثالثة.

راح الضوء ينتشر فوق الخريطة، بقعة بعد أخرى، حتى بدا القطب كله كشبكة أعصاب استيقظت من نوم طويل.

وعند حافة الشاشة، ظهر قياس واحد لم يجد له البرنامج تفسيرًا:

مصدر الحرارة، غير بشري.

الرسالة القادمة من الأعماق

لم يبلغ حمزة الصحافة بما رآه.

جمع ليلى ورائد في غرفة مغلقة، ووضع أمامهما صور اليد المجهولة ونبض الشبكة المتسارع.

قالت ليلى وهي تحدق في الخريطة:

ربما تتواصل المستعمرات مع بعضها بعد أن أعدنا تنشيط الحقل.

سأل رائد:

وهذه اليد؟

مرر حمزة الصورة ببطء.

قد تكون ذاكرة حرارية لكائن لمس الشبكة قبلنا.

أو قد تكون طريقة الشبكة في استخدام شكل نفهمه.

قالت ليلى:

لتقول ماذا؟

عادت النقاط المضيئة على الخريطة إلى الحركة.

لم تعد تنتشر عشوائيًّا، بل رسمت خطوطًا متتابعة، انحنت حول القارة واتجهت نحو مسارات التيارات البحرية الكبرى.

قرأ البرنامج النمط، ثم حوّله إلى سلسلة من الفترات الزمنية ودرجات الحرارة.

وبعد ساعات من التحليل، ظهرت النتيجة على الشاشة.

لم تكن رسالة بلغة بشرية، ولا تحذيرًا مكتوبًا، وإنما خريطة لما سيحدث إذا استمر ارتفاع حرارة المحيطات على معدله الحالي.

كانت المستعمرات لا تطلب الحماية لنفسها وحدها؛ كانت تعرض آخر ما تستطيع فعله قبل أن تفقد قدرتها على حفظ التوازن.

نظر حمزة إلى الموجات الحمراء وهي تقترب من حدود الانهيار.

قال بهدوء:

ظننا أننا أنقذنا الجليد منهم.

رفع عينيه إلى الآخرين.

لكن يبدو أنه كان يحاول إنقاذنا منذ البداية.

ليست كل الثروات المدفونة في الأرض هدايا تنتظر من يستخرجها، فبعضها أقفال تحفظ أبوابًا لا ينبغي فتحها، وبعضها أيدٍ خفية تحمل العالم دون أن يراها أحد.

وقد يكون أخطر ما يفعله الإنسان أنه يقيس قيمة الأشياء بما تمنحه له فورًا، وينسى أن أكثر النعم صمتًا هي التي تمنع الكارثة من الحدوث.

ظلّت بصمة حمزة مضيئة تحت الجليد الأسود سنوات طويلة، لا بوصفها أثر رجل نجا من الموت، بل شاهدًا على لحظة اختار فيها البشر أن يعيدوا إلى الكوكب شيئًا من الدفء الذي أخذوه منه.

وفي عالم اعتاد أن يحفر كلما جاع، كان أعظم الاكتشافات أن النجاة قد تبدأ أحيانًا بالتوقف عن الحفر.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد