وردة ليست كالورود، لم أكن أبحث في ذلك المساء عن شيء سوى وردة حمراء أعتذر بها لخطيبتي، وردة تصلح ما أفسدته كلمة طائشة خرجت مني كحجر صغير، لكنها كسرت في قلبها نافذة كاملة، كانت القاهرة تلمع تحت غبار المغيب، وأصوات الباعة تتشابك حتى بدت المدينة كلها سوقا كبيرا للضجيج والندم.
وقفت أمام عربة ورد صغيرة عند ناصية شارع ضيق، فرأيت رجلا كفيفا يجلس خلفها، عيناه مطفأتان، لكن وجهه مضاء بسكينة غريبة، مددت يدي إلى وردة حمراء، فسبقني صوته قائلا إنها غاضبة اليوم، وأن الصفراء أكثر ابتهاجا وإشراقا.
ناصية تفوح بما لا يرى
كانت العربة خشبية قديمة، طلاها الزمن بلون بين البني والرمادي، وفوقها نامت باقات الورد كأسرار ملونة تنتظر من يوقظها، لم يكن البائع يضع لافتة ولا سعرا واضحا، ومع ذلك كان الناس يقفون أمامه باحترام يشبه الوقوف أمام حكيم لا أمام تاجر.
سألته وأنا أحاول إخفاء ارتباكي إن كان يمزح، فالوردة الحمراء لا تغضب، ابتسم، ومد يده نحو الباقة دون أن يخطئ زهرة واحدة، ثم قربها من أنفه كمن يصغي لا كمن يشم.
حين صارت الرائحة لونا
قال بهدوء إن كل وردة تحمل يوما في داخلها، وإن الحمراء التي اخترتها شربت شمسا حادة، وسمعت شجارا طويلا بين رجلين عند الظهيرة، فصارت رائحتها ساخنة حادة لا تصلح للاعتذار، لم أجد جوابا، كان كلامه غريبا إلى حد يجعل الضحك عليه قسوة، وتصديقه حماقة جميلة.
أخذ وردة صفراء وناولني إياها، فاقترب عطرها من وجهي خفيفا، مثل نافذة تفتح صباحا في بيت قديم، قال إن هذه الوردة لا تطلب أن يسامح صاحبها فقط، بل تقول إن في القلب ضوءا ما زال باقيا، سألته من علمه ذلك، فرفع رأسه قليلا كأنه يرى شيئا بعيدا خلف الزحام، وقال إن معلمه كان العتمة نفسها.
زبائن لا يشترون الورد
بينما كنت أبحث في جيبي عن النقود، جاءت امرأة مسنة ترتدي عباءة سوداء، ووقفت أمام العربة دون أن تنطق، أخذ البائع زهرة بنفسجية، شمها طويلا، ثم قال لها إنها اليوم أقل حزنا من أمس، وإن قلبها بدأ يترك الباب مفتوحا، ارتجفت شفتاها، وأخذت الوردة كأنها رسالة من غائب، ودفعت ثمنها ومضت، لا تحمل وردة فحسب، بل طمأنينة صغيرة ملفوفة بساق أخضر.
بعدها جاء موظف شاحب الوجه، ربطة عنقه مرتخية، وعيناه غائرتان من التعب، لم يطلب شيئا، بل طلب من عم صابر أن يقرأ له واحدة، عرفت اسمه عندها، صابر، وكأن اسمه لم يكن اسما بل وصفا طويلا لحياته.
قراءة الورود
اختار له البائع وردة بيضاء لم تكن ناصعة تماما، بل كان في أطرافها اصفرار خفيف كرسالة قديمة، شمها، ثم قال له إنه لا يخاف من الفشل، بل يخاف أن ينجح ثم لا يجد من يفرح له، ضحك الموظف ضحكة مكسورة، ووضع يده على عينيه.
لم يكن بينهما اتفاق سري، ولا خدعة مسرحية، ولا كلام عام يصلح لكل الناس، كانت الجملة كالمفتاح، دخلت موضعها بدقة، وفتحت شيئا لا يرى، سألته بعد أن انصرف الرجل إن كان يقرأ الناس أم الورود، فأجاب أن الناس يتركون أنفسهم على ما يلمسون، وأن ذاكرة الورد أصدق من ذاكرة البشر.
الرجل الذي ولد بلا صباح
حكى لي صابر أنه ولد كفيفا في حارة قريبة من السيدة زينب، وأن أمه كانت تصف له الألوان كما تصف الطعام، فالأحمر مثل حرارة الفرن، والأزرق مثل برودة الماء في الفجر، والأخضر مثل رائحة النعناع بعد غسله، والأصفر مثل ضحكة طفل يأكل مانجو في الصيف.
كبر وهو لا يعرف شكل القاهرة، لكنه عرف أن للمطر رائحة رمادية، وأن ضحك البنات في المدارس له لون وردي، وأن المقاهي القديمة تنفث بنيا متعبا، وأن الحزن إذا طال صار بنفسجيا داكنا يشبه آخر الليل، قال لي إنه كان يظن أن الناس كلهم يشمون الألوان، حتى اكتشف أنهم يرونها فقط، وأن من يرى الشيء كثيرا قد ينسى أن يصغي إليه.
سر الحاسة السادسة
لم يكن صابر ساحرا، ولم يدع كرامة ولا معجزة، كان يضع أصابعه على بتلات الوردة كما يضع عازف يده على وتر عود، ثم يترك لأنفه أن يلتقط ما لا تلتقطه العيون، حرارة المكان، أثر اليد، تعب الماء، خوف المشتري، وشيئا غامضا كان يسميه مزاج اللون.
قال إن الأحمر ليس واحدا، فهناك أحمر عاشق، وأحمر غاضب، وأحمر خجول، وأحمر كاذب، وإن الأبيض ليس دائما سلاما، فأحيانا يكون صمتا باردا لا يريد أن يتكلم، كنت أستمع إليه والشارع من حولي يخف ضجيجه شيئا فشيئا، وشعرت أنني لأول مرة لا أقف أمام عربة ورد، بل أمام نافذة مفتوحة على عالم كان موجودا دائما، لكنني مررت بجانبه أعمى.
وردة لخطيبة غاضبة
تذكرت خطيبتي فجأة، وتذكرت صوتها حين قالت لي إنني لا أسمعها، يومها ظننتها تبالغ، أما أمام صابر فقد فهمت أن الإنسان قد يسمع الكلمات ويفوته العطر المختبئ بينها، سألته إن كانت الصفراء تكفي بعد أن جرحتها بكلامي.
ظل صامتا لحظة، ثم أخذ وردة بيضاء صغيرة ووضعها بجانب الصفراء، وربطهما بخيط رفيع، قال إن الصفراء تقول إن في ضوءا، وإن البيضاء تقول إنني جئت بلا سلاح، ونصحني ألا أعتذر كثيرا، بل أن أسمع جيدا، دفعت النقود، لكنه رد نصفها، وقال إن ثمن الوردة شيء، وثمن النصيحة أن أعمل بها.
الاعتذار الذي تفوح منه الشمس
ذهبت إلى خطيبتي وأنا أحمل الوردتين كمن يحمل قلبه خارج صدره، فتحت الباب، وكانت عيناها ما تزالان غائمتين، لكنهما لم تكونا مغلقتين تماما، ناولتها الباقة، وقلت بصوت منخفض إن هذه ليست وردة اعتذار فقط، بل وعد بأن أتعلم كيف أسمعها.
لم تبتسم فورا، قربت الوردة الصفراء من وجهها، ثم البيضاء، وسكتت طويلا، كان الصمت بيننا هذه المرة ألين، كأنه كرسيان متقابلان لا سيفان متقاطعان، سألتني أخيرا من اختار الوردتين، فقلت رجل لا يرى الألوان لكنه يعرفها أكثر منا.
العودة إلى العربة
بعد أيام، عدت إلى الناصية نفسها، لم أكن أريد شراء ورد، بل أردت أن أرى صابر مرة أخرى، أو لعلني أردت أن أتأكد أن ما حدث لم يكن وهما صنعه الندم، وجدته جالسا في مكانه، يفرز الورد بأصابعه الهادئة، والناس حوله كما يلتف العطشى حول بئر.
أخبرته أن الوردة نجحت، فابتسم وقال إن الوردة لم تنجح وحدها، بل إنني شممت نفسي أخيرا، ثم ناولني وردة زرقاء صغيرة لم أعلم أن مثلها موجود، وقال إنها هذه المرة لنفسي، سألته ماذا تقول هذه الوردة، فأجاب إنها تقول إن بعض العمى رحمة، وبعض البصر حجاب.
اللون الذي لا تراه العين
احتفظت بتلك الوردة بين صفحات كتاب قديم، وحين جفت لم تفقد معناها، صارت هشة كذكرى، لكنها بقيت تحمل رائحة خفيفة، وكلما اقتربت منها تذكرت رجلا أعمى علمني أن العالم لا ينتهي عند حدود العين.
في القاهرة، حيث يبتلع الزحام وجوه العابرين، كان صابر يرى ما لا نراه، غضب الأحمر، وفرح الأصفر، وتعب الأبيض، وارتجافة البنفسجي حين يلمسه الحزن، لم يكن يبيع الورد، بل كان يبيع لحظة انتباه نادرة، يشتريها الناس ليعودوا إلى أنفسهم أقل قسوة، ولعل العبرة ليست في أن من فقد حاسة يكتسب أخرى، بل في أن الفقد أحيانا يفتح في الروح بابا لم نكن نعرفه.
