قصة بائع الورد الأعمى الرجل الذي كان يشمّ ألوان القاهرة

الراوي
0

وردة لم تكن حمراء, لم أكن أبحث في ذلك المساء إلا عن وردة حمراء أعتذر بها لخطيبتي، وردة تنقذ ما أفسدته كلمة طائشة خرجت مني كحجر صغير، لكنها كسرت في قلبها نافذة كاملة.

كانت القاهرة تلمع تحت غبار المغيب، والباعة ينادون بأصوات متشابكة، كأن المدينة كلها سوقٌ كبير للضجيج والندم.

وقفت أمام عربة ورد صغيرة عند ناصية شارع ضيق، ورأيت رجلاً كفيفاً يجلس خلفها، عيناه مطفأتان، لكن وجهه مضاء بسكينة غريبة.

قصة بائع الورد الأعمى الرجل الذي كان يشمّ ألوان القاهرة

مددت يدي إلى وردة حمراء، فإذا بصوته يسبقني:

لا تأخذ الحمراء هي غاضبة اليوم، خذ الصفراء، فهي مبتهجة ومشرقة.

ناصية تفوح بما لا يُرى

كانت العربة خشبية قديمة، طلاها الزمن بلون بين البني والرمادي، وفوقها نامت باقات الورد كأسرار ملونة تنتظر من يوقظها.

لم يكن البائع يضع لافتة ولا سعراً واضحاً، ومع ذلك كان الناس يقفون أمامه باحترام يشبه الوقوف أمام حكيم لا أمام تاجر.

قلت له وأنا أحاول أن أخفي ارتباكي:

هل تمزح معي؟ الوردة الحمراء لا تغضب.

ابتسم، ومدّ يده نحو الباقة دون أن يخطئ زهرة واحدة، ثم قرّبها من أنفه كمن يصغي لا كمن يشم.

قال بهدوء:

كل وردة تحمل يوماً في داخلها، الحمراء التي اخترتها شربت شمساً حادّة، وسمعت شجاراً طويلاً من رجلين عند الظهيرة، رائحتها الآن ساخنة، حادّة لا تصلح للاعتذار.

حين صارت الرائحة لوناً

لم أجد جواباً.

كان كلامه غريباً إلى حد يجعل الضحك عليه قسوة، وتصديقه حماقة جميلة.

أخذ وردة صفراء وناولني إياها، فاقترب عطرها من وجهي خفيفاً، مثل نافذة تُفتح صباحاً في بيت قديم.

قال:

هذه لا تطلب أن تُسامَح فقط، بل تقول ما زال في القلب ضوء.

سألته ومن علّمك ذلك؟

فرفع رأسه قليلاً، كأنه يرى شيئاً بعيداً خلف الزحام، وقال العتمة.

زبائن لا يشترون الورد

وبينما كنت أبحث في جيبي عن النقود، جاءت امرأة مسنّة ترتدي عباءة سوداء، ووقفت أمام العربة دون أن تنطق.

أخذ البائع زهرة بنفسجية، شمّها طويلاً، ثم قال لها:

اليوم أقل حزناً من أمس يا حاجة زينب قلبك بدأ يترك الباب مفتوحاً.

ارتجفت شفتاها، وأخذت الوردة كأنها رسالة من غائب.

دفعت ثمنها ومضت، لا تحمل وردة فحسب، بل تحمل طمأنينة صغيرة ملفوفة بساق أخضر.

بعدها جاء موظف شاحب الوجه، ربطة عنقه مرتخية، وعيناه غائرتان من التعب.

لم يطلب شيئاً، فقط قال اقرأ لي واحدة يا عم صابر.

عرفت اسمه عندها، صابر وكأن اسمه لم يكن اسماً بل وصفاً طويلاً لحياته.

قراءة الورود

اختار له البائع وردة بيضاء لم تكن ناصعة تماماً، بل كان في أطرافها اصفرار خفيف كرسالة قديمة.

شمّها، ثم قال:

أنت لا تخاف من الفشل، بل تخاف أن تنجح ثم لا تجد من يفرح لك.

ضحك الموظف ضحكة مكسورة، ووضع يده على عينيه.

لم يكن بينهما اتفاق سرّي، ولا خدعة مسرحية، ولا كلام عام يصلح لكل الناس.

كانت الجملة كالمفتاح، دخلت موضعها بدقة، وفتحت شيئاً لا يُرى.

سألته بعد أن انصرف الرجل:

هل تقرأ الناس أم الورود؟

قال الناس يتركون أنفسهم على ما يلمسون.

والورد، يا ابني، ذاكرته أصدق من ذاكرة البشر.

الرجل الذي وُلد بلا صباح

حكى لي صابر أنه وُلد كفيفاً في حارة قريبة من السيدة زينب، وأن أمه كانت تصف له الألوان كما تصف الطعام الأحمر مثل حرارة الفرن، الأزرق مثل برودة الماء في الفجر، الأخضر مثل رائحة النعناع بعد غسله، والأصفر مثل ضحكة طفل يأكل مانجو في الصيف.

كبر وهو لا يعرف شكل القاهرة، لكنه عرف أن للمطر رائحة رمادية، وأن ضحك البنات في المدارس له لون وردي، وأن المقاهي القديمة تنفث بنياً متعباً، وأن الحزن إذا طال صار بنفسجياً داكناً يشبه آخر الليل.

قال لي:

كنت أظن أن الناس كلهم يشمون الألوان، حتى اكتشفت أنهم يرونها فقط، ومن يرى الشيء كثيراً قد ينسى أن يصغي إليه.

سرّ الحاسة السادسة

لم يكن صابر ساحراً، ولم يدّعِ كرامة ولا معجزة.

كان يضع أصابعه على بتلات الوردة كما يضع عازفٌ يده على وتر عود، ثم يترك لأنفه أن يلتقط ما لا تلتقطه العيون حرارة المكان، أثر اليد، تعب الماء، خوف المشتري، وشيئاً غامضاً يسميه مزاج اللون.

قال:

الأحمر ليس واحداً، هناك أحمر عاشق، وأحمر غاضب، وأحمر خجول، وأحمر كاذب، والأبيض ليس دائماً سلاماً؛ أحياناً يكون صمتاً بارداً لا يريد أن يتكلم.

كنت أستمع إليه والشارع من حولي يخفّ ضجيجه شيئاً فشيئاً.

شعرت أنني، لأول مرة، لا أقف أمام عربة ورد، بل أمام نافذة مفتوحة على عالم كان موجوداً دائماً، لكنني مررت بجانبه أعمى.

وردة لخطيبة غاضبة

تذكرت خطيبتي فجأة، وتذكرت صوتها حين قالت لي أنت لا تسمعني.

يومها ظننتها تبالغ، أما أمام صابر فقد فهمت أن الإنسان قد يسمع الكلمات ويفوته العطر المختبئ بينها.

قلت له:

هل تكفي الصفراء؟ لقد جرحتها.

ظل صامتاً لحظة، ثم أخذ وردة بيضاء صغيرة ووضعها بجانب الصفراء، وربطهما بخيط رفيع.

قال:

الصفراء تقول إن فيك ضوءاً، والبيضاء تقول إنك جئت بلا سلاح، لا تعتذر كثيراً، فقط اسمع جيداً.

دفعت النقود، لكنه ردّ نصفها.

قال ثمن الوردة شيء، وثمن النصيحة أن تعمل بها.

الاعتذار الذي تفوح منه الشمس

ذهبت إلى خطيبتي وأنا أحمل الوردتين كمن يحمل قلبه خارج صدره.

فتحت الباب، وكانت عيناها ما تزالان غائمتين، لكنهما لم تكونا مغلقتين تماماً.

ناولتها الباقة، وقلت بصوت منخفض:

هذه ليست وردة اعتذار فقط هذه وعد أن أتعلم كيف أسمعك.

لم تبتسم فوراً.

قرّبت الوردة الصفراء من وجهها، ثم البيضاء، وسكتت طويلاً.

كان الصمت بيننا هذه المرة ألين، كأنه كرسيان متقابلان لا سيفان متقاطعان.

قالت أخيراً:

من اختارها؟

قلت رجل لا يرى الألوان لكنه يعرفها أكثر منا.

العودة إلى العربة

بعد أيام، عدت إلى الناصية نفسها.

لم أكن أريد شراء ورد، بل أردت أن أرى صابر مرة أخرى، أو لعلني أردت أن أتأكد أن ما حدث لم يكن وهماً صنعه الندم.

وجدته جالساً في مكانه، يفرز الورد بأصابعه الهادئة، والناس حوله كما يلتف العطشى حول بئر.

قلت له:

نجحت الوردة.

ابتسم وقال لم تنجح الوردة وحدها.

أنت شممت نفسك أخيراً.

ثم ناولني وردة زرقاء صغيرة، لم أعلم أن مثلها موجود.

قال:

خذها هذه المرة لنفسك.

سألته وماذا تقول؟

قال تقول إن بعض العمى رحمة، وبعض البصر حجاب.

اللون الذي لا تراه العين

احتفظت بتلك الوردة بين صفحات كتاب قديم، وحين جفّت لم تفقد معناها.

صارت هشة كذكرى، لكنها بقيت تحمل رائحة خفيفة، كلما اقتربت منها تذكرت رجلاً أعمى علّمني أن العالم لا ينتهي عند حدود العين.

في القاهرة، حيث يبتلع الزحام وجوه العابرين، كان صابر يرى ما لا نراه غضب الأحمر، فرح الأصفر، تعب الأبيض، وارتجافة البنفسجي حين يلمسه الحزن.

لم يكن يبيع الورد، بل كان يبيع لحظة انتباه نادرة، يشتريها الناس ليعودوا إلى أنفسهم أقل قسوة.

ولعل العبرة ليست في أن من فقد حاسة يكتسب أخرى، بل في أن الفقد أحياناً يفتح في الروح باباً لم نكن نعرفه.

فكم من مبصر لا يرى، وكم من أعمى يضيء الطريق للذين أرهقتهم الألوان, قصة نوم غامضة عن الأفكار التي تثقل القلب في مكتبة الظلال الهادئة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد