مدينة بلا ملامح فوق الغيوم ، لم تكن مدينة أرجوان قائمة على الأرض، بل كانت معلقة فوق الغيوم، كأنها فكرة هربت من عقل إله نائم، شوارعها من زجاج أزرق، وجسورها تتأرجح بين طبقات الضباب، وأسواقها لا تفتح أبوابها إلا حين يكتمل القمر ويصبح لون السماء كالحبر المسكوب.
في قلب هذه المدينة الغريبة، كان هناك سوق لا يشبه أي سوق آخر، سوق لا تعرض فيه الفاكهة ولا الحرير ولا حتى الذهب، بل تعرض فيه الوجوه نفسها للبيع.
كان سكان أرجوان الأصليون يعرفون باللامائيين، كائنات طويلة هادئة، بيضاء كالعظم المصقول، بلا عيون ولا أنوف ولا أفواه، ومع ذلك كانوا يرون ويسمعون ويتكلمون وكأن العالم كله يتسلل إلى أرواحهم مباشرة.
لم يكن غياب الملامح نقصا فيهم، بل كان طبيعتهم الأصلية منذ البداية، لكن مع مرور القرون الطويلة، بدأوا يشتهون الوجوه كما يشتهي الغريق نافذة تطل على الهواء، وكان البشر يصعدون إلى أرجوان عبر مصاعد من بخار، حاملين وجوههم كما يحمل الفقير آخر رغيف خبز، ثم يهبطون من السوق أثرياء، لكن بلا شيء يمكن أن يتعرفوا به على أنفسهم في المرآة.
فراس يدخل سوق الوجوه المستعارة
في ليلة كانت الغيوم فيها تحت قدميه تتحرك كبحر أبيض هادئ، دخل فراس السوق، كان شابا وسيما، لكنه كان فقيرا إلى درجة أن وسامته نفسها صارت عبئا لا فائدة منه.
توقف أمام دكان تتدلى من سقفه وجوه محفوظة داخل قوارير زجاجية، وجوه تبتسم وهي نائمة، وجوه تبكي بلا دموع، وجوه ملوك وشعراء وخونة وعشاق، وحتى وجوه أطفال لم يعرفوا بعد معنى الخسارة.
قال له البائع، وكان لامائيا يرتدي وجها مستعارا لرجل ضاحك: وجهك نادر يا فراس، فيه تعب الفقراء وكبرياء الذين لم ينكسروا بعد.
ابتلع فراس ريقه وسأل بصوت متردد: وكم يساوي؟
أشار البائع إلى صندوق من الذهب، ومفتاح قصر، وخاتم منصب رفيع، ثم قال بهدوء: يساوي حياة كاملة، إن كنت مستعدا أن تعيشها بلا ملامح.
الصفقة التي لا تعود كما كانت
وقع فراس بيد مرتجفة على رق أسود، ثم جلس على كرسي من عاج الغيم، اقترب منه البائع بإبرة رفيعة تلمع كلسان أفعى، ولم يشعر فراس بأي ألم حين نزع وجهه، بل شعر بفراغ بارد، كأن نافذة في صدره أغلقت إلى الأبد.
حين نظر في المرآة، لم يصرخ، إذ لم يكن يملك فما يصرخ به أصلا، كان وجهه صفحة ملساء صامتة، لا تحمل أي شاهد على أنه كان يوما إنسانا اسمه فراس.
لكنه لم يهتم طويلا، فالذهب كان ثقيلا في يده، والقصر ينتظره، والأبواب التي كانت تغلق في وجهه صارت تنحني له كخدم مدربين.
الحياة الفاخرة بوجه لا يعرف صاحبه
في الأيام الأولى، عاش فراس كما يحلم الجائع حين يرى وليمة أمامه، ارتدى أثوابا من حرير رمادي، ونام على سرير يطفو فوق الماء، وأكل فاكهة لا تنمو إلا في حدائق معلقة بين البرق والندى.
استعار من السوق وجها جديدا، وجه رجل نبيل تحيط بعينيه هالة حكمة، وتستريح على شفتيه ابتسامة هادئة، بهذا الوجه، صار الناس يصغون إليه قبل أن يتكلم، ويفسحون له الطريق قبل أن يخطو خطوة واحدة.
لكن في مساء اليوم الثالث، وبينما كان جالسا بين ضيوفه في قاعة مضاءة بمصابيح من نجوم صغيرة، انهمرت دموعه فجأة دون مقدمات، تجمد الجميع في مكانهم، رفع فراس يده إلى خده، فوجد الدموع ساخنة وحقيقية، لم يكن حزينا، ولم يكن متألما، ومع ذلك كان يبكي كمن دفن قلبه بيديه.
لعنة المشاعر الغريبة
عاد فراس إلى البائع مذعورا، والوجه المستعار يرتجف فوق عظامه كقناع يخشى السقوط، سأله بقلق: ما الذي بعتموني إياه؟ لماذا أبكي بلا سبب؟
ابتسم البائع ابتسامة لم تكن له، وقال: الوجه لا يحمل الجلد وحده، كل ملامح لها ظل، وكل ظل مربوط بصاحبه الأول، ثم اقترب منه وهمس: إن حزن صاحب هذا الوجه في مكان ما، حزنت أنت، وإن خاف ارتجفت، وإن أحب احترق صدرك باسم لا تعرفه.
خرج فراس من السوق وهو يشعر أن وجهه صار بابا مفتوحا على غرباء لا يستطيع رؤيتهم أبدا.
حين صار فراس مرآة للآخرين
بدأت اللعنة تتمدد في حياته كحبر أسود ينتشر في ماء صاف، كان يضحك في جنازة رجل لا يعرفه، ثم يختنق بالبكاء في وليمة عامرة بالفرح، كان يشتاق إلى امرأة لم يرها من قبل، ويغضب من طفل لم يؤذه أبدا، ويرتجف كلما مرت رائحة بحر بعيد.
كل وجه كان يستعيره يمنحه حياة ليست له، وذاكرة لا يملك مفتاحها، ومع كل يوم يمر، كان اسم فراس يبتعد عنه أكثر فأكثر، كقارب ينسحب في الضباب.
ذات صباح، وقف أمام المرآة، فرأى وجها جميلا يحدق فيه، لكنه لم يعرف الرجل الذي ينظر إليه من خلف هذه العينين، لمس خده وسأل بصوت مبحوح: من أنت؟ لم تجبه المرآة، لكنها بدت وكأنها تسخر منه بصمت مطبق.
البحث عن الوجه الضائع
قرر فراس أن يستعيد وجهه مهما كلفه الأمر، حمل ما تبقى من ذهبه، وعاد إلى سوق الوجوه المستعارة، وقد صار الضوء فيه أكثر برودة، والوجوه المعلقة أكثر قسوة مما كانت.
قال للبائع بحزم: أريد وجهي، قلب البائع دفاتره الطويلة، ثم رفع رأسه وقال: وجهك لم يعد كما كان، لقد اشتراه أحد اللامائيين من الطبقة العليا، وصار وجها مرغوبا بشدة.
شد فراس قبضته حتى ابيضت مفاصله وقال: سأدفع مهما كان الثمن، أجابه البائع بهدوء قاس: لن تستطيع، سعره ارتفع عشرة أضعاف، في تلك اللحظة، شعر فراس أن الفقر القديم كان أرحم بكثير من هذا الغنى الذي لا يستطيع حتى شراء صاحبه.
العجوز الذي لم يبع وجهه
خرج فراس هائما في الأزقة الزجاجية، حتى وصل إلى طرف المدينة حيث لا تصل الموسيقى ولا العطور، هناك، عند جسر مكسور يطل على هاوية من الغيوم، وجد رجلا عجوزا بوجه بسيط متعب، لكنه حقيقي على نحو مؤلم.
سأله فراس: كيف بقي وجهك لك في هذه المدينة؟ ضحك العجوز ضحكة خشنة كخشب قديم وقال: لأنني عرفت مبكرا أن من يبيع وجهه لا يبيع جلده فقط، بل يبيع طريقته في أن يكون نفسه.
جلس فراس بجواره، والهواء يصفر تحت الجسر كناي حزين، قال العجوز: الوجوه المستعارة ليست وجوها يا بني، إنها أقنعة تخدع الآخرين قليلا، ثم تخدع صاحبها طويلا.
المرآة التي لا تكذب
سأل فراس بصوت خافت: وأين أجد وجهي إذن؟ أشار العجوز إلى صدره، ثم إلى السماء، ثم إلى الفراغ الذي بينهما، وقال: لا تبحث عنه في السوق، فالملامح الحقيقية ليست في الجبهة ولا الأنف ولا الفم، إنها في اللحظة التي تنظر فيها إلى نفسك ولا تساوم على ما ترى.
كانت كلمات العجوز بسيطة، لكنها سقطت في قلب فراس كحجر في بئر عميقة، لأول مرة منذ باع وجهه، شعر أن شيئا بداخله يضيء، لا كقنديل قوي، بل كشرارة صغيرة ترفض أن تموت.
عاد فراس إلى قصره تلك الليلة، لكنه لم يستطع النوم، كانت الجدران المذهبة تضيق عليه، والسرير العائم بدا كنعش فاخر، والوجه المستعار فوقه صار أثقل من صخرة.
الرحيل عن مدينة الغيوم
مع الفجر، ترك فراس القصر والذهب والخدم والثياب والمنصب خلفه، لم يحمل معه سوى ريشة، ووعاء صغير من حبر أزرق، ومرآة مكسورة لا تظهر إلا أجزاء متناثرة من ملامحه المستعارة.
هبط من أرجوان عبر درج قديم لا يعرفه إلا المنسيون، وكل درجة كان ينزلها كانت تسحب منه ضجيج السوق، ولمعان الثراء، وندم الأيام التي ظن فيها أن القيمة تقاس بما يراه الآخرون على وجهه.
وصل إلى جبل بعيد، وسكن كهفا يطل على واد صامت، لم يكن في الكهف مرآة كاملة، ولا سوق، ولا أحد يصفق له، ولا أحد يسأله عن اسمه، وهناك، على الجدار الحجري، بدأ يرسم وجهه من جديد.
ألف وجه لفراس واحد
في اليوم الأول، رسم عينين حزينتين، في اليوم الثاني، رسم فما يبتسم بتعب، في اليوم الثالث، رسم جبينا يحمل ندوب الخوف القديم.
ثم صار كل صباح يرسم وجها جديدا، لا ليستعيره من أحد، بل ليكتشفه بنفسه، رسم وجه الطفل الذي كانه يوما، ووجه الرجل الذي تمنى أن يكونه، ووجه الخائف، ووجه الطامع، ووجه التائب، ووجه من يعرف أن الندم لا يمحو الخطأ، لكنه قد يمنح صاحبه شجاعة ألا يكرره مرة أخرى.
ومع مرور الأيام، امتلأ الكهف بألف وجه، لم يكن بينها وجه واحد يشبه الآخر، لكنها جميعا كانت تحمل شيئا واحدا لا يمكن شراؤه من أي سوق في الدنيا، شيئا كان يشبه فراس نفسه.
الوجه الذي عاد دون أن يشترى
في مساء هادئ، وقف فراس أمام جدار الكهف، والريح تمر على المدخل كأنها تقرأ ما رسمته يداه، رفع يده إلى وجهه الأملس، فلم يشعر بالفراغ كما كان يشعر من قبل.
لم يعد يحتاج أن يشتري وجهه القديم من أحد، لقد فهم أخيرا أن الوجه الذي يباع لا يعود كما كان أبدا، لكن الإنسان يستطيع أن يصنع ملامحه من جديد، لا بالجلد والعظم، بل بالاختيار والصدق والندم النبيل.
ومنذ ذلك اليوم، صار المسافرون الذين يمرون قرب الجبل يقولون إن كهفا غريبا هناك يضيء ليلا، وعلى جدرانه ألف وجه مرسوم، وإذا نظر المرء إليها طويلا رأى بينها وجها يشبهه هو تماما.
أما فراس، فكان يبتسم بلا فم، ويرى بلا عينين، ويعرف أخيرا أن بعض الملامح لا تظهر على الوجه أبدا، بل تظهر حين يرفض الإنسان أن يبيع نفسه مرة أخرى.
