سوق الوجوه المستعارة حكاية الرجل الذي باع ملامحه ولم يجد نفسه

الراوي
0

حين صار الوجه سلعة, لم تكن مدينة أُرْجوان قائمة على الأرض، بل معلّقة فوق الغيوم كفكرةٍ هاربة من عقل إلهٍ نائم.

كانت شوارعها من زجاجٍ أزرق، جسورها تتأرجح بين الضباب، وأسواقها تفتح أبوابها فقط حين يكتمل القمر ويصير لون السماء كالحبر المسكوب.

وفي قلب تلك المدينة، كان هناك سوق لا تُباع فيه الفاكهة ولا الحرير ولا الذهب، بل تُباع فيه الوجوه.

سوق الوجوه المستعارة حكاية الرجل الذي باع ملامحه ولم يجد نفسه

مدينة بلا ملامح فوق الغيوم

كان سكان أُرجوان الحقيقيون يُدعون اللامائيين؛ كائنات طويلة هادئة، بيضاء كالعظم المصقول، لا عيون لها ولا أنوف ولا أفواه، ومع ذلك كانوا يرون ويسمعون ويتكلمون كما لو أن العالم كله يدخل إليهم من مسام أرواحهم.

لم يكن غياب الملامح عيباً فيهم، بل كان أصلهم الأول.

لكنهم، مع مرور القرون، صاروا يشتهون الوجوه كما يشتهي الغريق نافذةً تطل على الهواء.

وكان البشر يصعدون إلى أُرجوان عبر مصاعد من بخار، يحملون معهم وجوههم كما يحمل الفقير آخر قطعة خبز، ثم يخرجون من السوق أثرياء, لكن بلا شيء يمكن أن يتعرّف عليهم في المرآة.

فراس يدخل سوق الوجوه المستعارة

دخل فراس السوق في ليلةٍ كانت الغيوم فيها تحت قدميه تتحرك كبحرٍ أبيض.

كان شاباً وسيماً، لكنه كان فقيراً إلى حدّ أن وسامته نفسها بدت له عبئاً لا فائدة منه.

توقف أمام دكانٍ تتدلى من سقفه وجوه داخل قوارير زجاجية، وجوه تبتسم وهي نائمة، وجوه تبكي بلا دموع، وجوه ملوك، شعراء، خونة، عشاق، وأطفال لم يعرفوا بعد معنى الخسارة.

قال له البائع، وكان لامائياً يرتدي وجهاً مستعاراً لرجلٍ ضاحك:

وجهك نادر يا فراس، فيه تعب الفقراء وكبرياء الذين لم ينكسروا بعد.

ابتلع فراس ريقه، وسأل:

وكم يساوي؟

أشار البائع إلى صندوقٍ من الذهب، ومفتاح قصر، وخاتم منصبٍ رفيع، ثم قال:

يساوي حياةً كاملة, إن كنت مستعداً أن تعيشها بلا ملامح.

الصفقة التي لا تعود كما كانت

وقّع فراس بيده المرتجفة على رقٍّ أسود، ثم جلس على كرسي من عاج الغيم.

اقترب منه البائع بإبرة رفيعة تلمع كلسان أفعى، ولم يشعر فراس بالألم حين نُزع وجهه، بل شعر بفراغٍ بارد، كأن نافذةً في صدره أُغلقت إلى الأبد.

حين نظر في المرآة، لم يصرخ.

لم يجد فماً يصرخ به أصلاً.

كان وجهه صفحةً ملساء، صامتة، لا تحمل شاهداً واحداً على أنه كان يوماً إنساناً اسمه فراس.

لكنه لم يهتم طويلاً.

فالذهب كان ثقيلاً في يده، والقصر ينتظره، والأبواب التي كانت تُغلق في وجهه صارت تنحني له كخدمٍ مدرّبين.

الحياة الفاخرة بوجهٍ لا يعرف صاحبه

في الأيام الأولى، عاش فراس كما يحلم الجائع حين يرى وليمة.

ارتدى أثواباً من حريرٍ رمادي، نام على سريرٍ يطفو فوق الماء، وأكل فاكهةً لا تنمو إلا في حدائق معلّقة بين البرق والندى.

استعار من السوق وجهاً جديداً، وجهاً لرجل نبيل تُحيط بعينيه هالة حكمة، وتستريح على شفتيه ابتسامة هادئة.

بهذا الوجه، صار الناس يصغون إليه قبل أن يتكلم، ويفسحون له الطريق قبل أن يخطو.

لكنه في مساء اليوم الثالث، بينما كان جالساً بين ضيوفه في قاعةٍ مضاءة بمصابيح من نجوم صغيرة، انهمرت دموعه فجأة.

تجمّد الجميع.

رفع فراس يده إلى خده، فوجد الدموع ساخنة وحقيقية.

لم يكن حزيناً، ولم يكن متألماً، ومع ذلك كان يبكي كما يبكي من دفن قلبه بيديه.

لعنة المشاعر الغريبة

عاد إلى البائع مذعوراً، والوجه المستعار يرتجف فوق عظامه كقناعٍ يخشى السقوط.

قال فراس:

ما الذي بعتموني إياه؟ لماذا أبكي بلا سبب؟

ابتسم البائع ابتسامةً لم تكن له، وقال:

الوجه لا يحمل الجلد وحده، كل ملامح لها ظلّ، وكل ظلّ مربوط بصاحبه الأول.

اقترب منه وهمس:

إن حزن صاحب هذا الوجه في مكانٍ ما، حزنت أنت، إن خاف، ارتجفت، إن أحب، احترق صدرك باسمٍ لا تعرفه.

خرج فراس من السوق وهو يشعر أن وجهه صار باباً مفتوحاً على غرباء لا يراهم.

حين صار فراس مرآةً للآخرين

بدأت اللعنة تتمدد في حياته كحبرٍ أسود في ماءٍ صافٍ.

كان يضحك في جنازة رجلٍ لا يعرفه، ثم يختنق بالبكاء في وليمةٍ عامرة.

كان يشتاق إلى امرأةٍ لم يرها، ويغضب من طفلٍ لم يؤذه، ويرتجف كلما مرّت رائحة بحرٍ بعيد.

كل وجهٍ يستعيره كان يمنحه حياةً ليست له، وذاكرةً لا يملك مفتاحها.

ومع كل يوم، كان اسم فراس يبتعد عنه، كقاربٍ ينسحب في الضباب.

ذات صباح، وقف أمام المرآة، فرأى وجهاً جميلاً يحدق فيه، لكنه لم يعرف الرجل الذي ينظر إليه من خلف العينين.

لمس خده وسأل بصوتٍ مبحوح:

من أنت؟

لم تجبه المرآة، لكنها بدت كأنها تسخر منه بصمت.

البحث عن الوجه الضائع

قرر فراس أن يستعيد وجهه مهما كلّفه الأمر.

حمل ما تبقى من ذهبه، وعاد إلى سوق الوجوه المستعارة، وقد صار الضوء فيه أكثر برودة، والوجوه المعلقة أكثر قسوة.

قال للبائع:

أريد وجهي.

قلب البائع دفاتره الطويلة، ثم رفع رأسه وقال:

وجهك لم يعد كما كان، لقد اشتراه أحد اللامائيين من الطبقة العليا، صار وجهاً مرغوباً.

شدّ فراس قبضته حتى ابيضّت مفاصله:

سأدفع.

قال البائع بهدوء:

لن تستطيع، سعره ارتفع عشرة أضعاف.

في تلك اللحظة، شعر فراس أن الفقر القديم كان أرحم من هذا الغنى الذي لا يستطيع شراء صاحبه.

العجوز الذي لم يبع وجهه

خرج فراس هائماً في الأزقة الزجاجية، حتى وصل إلى طرف المدينة حيث لا تصل الموسيقى ولا العطور.

هناك، عند جسرٍ مكسور يطل على هاوية من غيوم، وجد رجلاً عجوزاً بوجهٍ بسيط، متعب، لكنه حقيقي على نحوٍ مؤلم.

سأله فراس:

كيف بقي وجهك لك في هذه المدينة؟

ضحك العجوز، وكانت ضحكته خشنة كخشبٍ قديم.

لأنني عرفت مبكراً أن من يبيع وجهه لا يبيع جلده، بل يبيع طريقته في أن يكون نفسه.

جلس فراس بجواره، وكان الهواء يصفّر تحت الجسر كنايٍ حزين.

قال العجوز:

الوجوه المستعارة ليست وجوهاً يا بني، إنها أقنعة تخدع الآخرين قليلاً، ثم تخدع صاحبها طويلاً.

المرآة التي لا تكذب

سأل فراس بصوتٍ خافت:

وأين أجد وجهي إذن؟

أشار العجوز إلى صدره، ثم إلى السماء، ثم إلى الفراغ الذي بينهما.

لا تبحث عنه في السوق، الملامح الحقيقية ليست في الجبهة ولا الأنف ولا الفم، إنها في اللحظة التي تنظر فيها إلى نفسك ولا تساوم على ما ترى.

كانت كلمات العجوز بسيطة، لكنها سقطت في قلب فراس كحجرٍ في بئرٍ عميقة.

لأول مرة منذ باع وجهه، شعر أن شيئاً داخله يضيء، لا كقنديلٍ قوي، بل كشرارةٍ صغيرة ترفض الموت.

عاد فراس إلى قصره تلك الليلة، لكنه لم يستطع النوم.

كانت الجدران المذهبة تضيق عليه، والسرير العائم بدا كنعشٍ فاخر، والوجه المستعار فوقه صار أثقل من صخرة.

الرحيل عن مدينة الغيوم

مع الفجر، ترك فراس القصر، الذهب، الخدم، الثياب، والمنصب.

لم يحمل معه سوى ريشة، ووعاء صغير من حبرٍ أزرق، ومرآة مكسورة لا تُظهر إلا أجزاءً من ملامحه المستعارة.

هبط من أُرجوان عبر درجٍ قديم لا يعرفه إلا المنسيون، وكل درجةٍ كان ينزلها كانت تسحب منه ضجيج السوق، ولمعان الثراء، وندم الأيام التي ظن فيها أن القيمة تُقاس بما يراه الآخرون على وجهك.

وصل إلى جبلٍ بعيد، وسكن كهفاً يطل على وادٍ صامت.

لم يكن في الكهف مرآة كاملة، ولا سوق، ولا أحد يصفق له، ولا أحد يسأله عن اسمه.

وهناك، على الجدار الحجري، بدأ يرسم وجهه.

ألف وجه لفراس واحد

في اليوم الأول، رسم عينين حزينتين.

في اليوم الثاني، رسم فماً يبتسم بتعب.

في اليوم الثالث، رسم جبيناً يحمل ندوب الخوف.

ثم صار كل صباح يرسم وجهاً جديداً، لا ليستعيره، بل ليكتشفه.

رسم وجه الطفل الذي كانه، ووجه الرجل الذي تمنى أن يكونه، ووجه الخائف، ووجه الطامع، ووجه التائب، ووجه من يعرف أن الندم لا يمحو الخطأ، لكنه قد يمنح صاحبه شجاعة أن لا يكرره.

ومع مرور الأيام، امتلأ الكهف بألف وجه.

لم يكن بينها وجه واحد يشبه الآخر، لكنها جميعاً كانت تحمل شيئاً واحداً لا يمكن شراؤه من السوق كانت تشبه فراس.

الوجه الذي عاد دون أن يُشترى

في مساءٍ هادئ، وقف فراس أمام جدار الكهف، والريح تمر على المدخل كأنها تقرأ ما رسم.

رفع يده إلى وجهه الأملس، فلم يشعر بالفراغ كما كان يشعر من قبل.

لم يعد يحتاج أن يشتري وجهه القديم.

لقد فهم أخيراً أن الوجه الذي يُباع لا يعود كما كان، لكن الإنسان يستطيع أن يصنع ملامحه من جديد، لا بالجلد والعظم، بل بالاختيار والصدق والندم النبيل.

ومنذ ذلك اليوم، صار المسافرون الذين يمرون قرب الجبل يقولون إن كهفاً غريباً هناك يضيء ليلاً، وعلى جدرانه ألف وجه مرسوم، إذا نظر المرء إليها طويلاً رأى بينها وجهاً يشبهه هو.

أما فراس، فكان يبتسم بلا فم، ويرى بلا عينين، ويعرف أخيراً أن بعض الملامح لا تظهر على الوجه, بل تظهر حين يرفض الإنسان أن يبيع نفسه مرةً أخرى, سر السلم المهتز ورسائل باطن الأرض قصة نادي الفضائيين الطيبين من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد