قصة نادي الفضائيين الطيبين سر السلم المهتز كل ثلاثاء

الراوي
0

السلم الذي لا يهتز إلا يوم الثلاثاء، في ليلة ثلاثاء هادئة، حين كانت المصابيح الصفراء ترسم ظلالا طويلة على جدران المنزل القديم، سمع الأطفال الأربعة صوتا خافتا يتسلل من السلم الخشبي، دقة، ثم صمت، ثم دقتان، يتبعهما اهتزاز ناعم كأن البيت نفسه يتنفس من تحت أقدامهم.

لم يكن الصوت صرير خشب عتيق ولا عبث ريح تتسلل من النوافذ، بل كان إيقاعا منتظما غريبا يوقظ في القلب رعشة صغيرة تشبه بداية سر عظيم.

وقف سامر حافي القدمين على الدرجة الخامسة، والبرد يلتصق بأصابعه كقطرات من زجاج، وخلفه كانت ليان تحمل مصباحا يدويا، بينما ضمت ندى دفترها إلى صدرها، وحدق ياسر في الدرجات وكأنها وحش نائم قد يستيقظ في أي لحظة.

همست ليان أن هذا يحدث كل ثلاثاء، في الساعة ذاتها، وحين انخفض الضوء عند الدرجة السابعة، اهتزت ثلاث مرات متتالية، ففتحت ندى دفترها بسرعة وبدأت تدون الإيقاع، دقة، صمت، دقتان، صمت طويل، ثم ثلاث دقات.

قصة نادي الفضائيين الطيبين سر السلم المهتز كل ثلاثاء


دفتر ندى السري

لم تكن ندى تؤمن بأن الأشياء الغريبة تحدث بلا معنى، فراحت تقارن الاهتزازات بالحروف، وتضع إشارة صغيرة بجانب كل دقة، حتى صار الإيقاع أمامها أشبه برسالة مشفرة تنتظر من يفك رموزها.

تمتمت وهي تحدق في الدفتر: هذه ليست ضوضاء، إنها تقول شيئا، وفي تلك اللحظة بالذات ارتجت الدرجة الأخيرة بقوة، فانفتح تحتها شق ضيق تسرب منه ضوء أخضر دافئ، وكأن نجمة صغيرة سقطت في جوف البيت.

الرسالة القادمة من أسفل لا من السماء

انحنى الأطفال حول الشق المضيء، فسمعوا صوتا رفيعا يخرج منه، ناعما كاحتكاك جناح فراشة بورقة شجر: لا تخافوا، نحن لسنا من فوق، تراجع ياسر خطوة إلى الوراء وهو يهمس: إذن من أين أتيتم؟ فأجاب الصوت: من تحتكم، من باطن الأرض.

عندئذ ظهرت أربع كائنات صغيرة فوق حافة الشق، لا يتجاوز طول الواحد منها إصبعا، بوجوه مضيئة بلون العسل وعيون واسعة تلمع كقطرات المطر، وعلى ظهورها حقائب شفافة مليئة بحبوب تشع نورا أزرق ناعما.

الفضائيون الطيبون وبذور الضوء

قال أكبرهم، وهو يضع خوذة مصنوعة من قشرة جوز لامعة: نحن حراس التربة، نزرع بذور الضوء تحت المنازل القديمة فتستيقظ الجذور وتلين الأرض وتصبح الحدائق أكثر خصوبة.

مدت ليان يدها بحذر، فسقطت في كفها بذرة صغيرة تنبض بدفء لطيف، لم تكن تشبه بذور الفول أو القمح، بل بدت كنجمة مطوية داخل قشرة شفافة رقيقة، لكن وجه الكائن الصغير انطفأ فجأة وهو يقول: لدينا مشكلة كبيرة، كبيرة جدا.

الفأر العملاق الذي يلتهم النور

قاد الفضائيون الأطفال عبر ممر ضيق تحت السلم، حتى وصلوا إلى تجويف واسع تحت المنزل، حيث كانت جذور الأشجار تتدلى من السقف كضفائر بنية، وحيث غرست عشرات البذور الضوئية في التربة، لكن آثار قضم هائلة أحاطت بها من كل جانب.

ثم سمع الصوت، خرخرة عميقة يتبعها شهيق طويل، ثم ارتطام ثقيل هز التراب فوق رؤوسهم، ومن خلف صخرة مستديرة ظهر فأر عملاق بحجم عجل صغير، له شاربان يرتجفان كأنهما هوائيان يبحثان عن وليمة، قال سامر وهو يبتلع ريقه: هذا ليس فأرا، هذا كارثة لها ذيل.

لماذا يحب الفأر بذور الضوء؟

شرح الفضائي الصغير أن الفأر لا يقصد الأذى، لكنه يظن أن البذور الضوئية قطع جبن سماوية، فكلما زرعت بذرة جديدة شم رائحتها والتهمها قبل أن تتمكن جذورها من التربة.

قالت ندى بثقة: إذن لا نحتاج إلى محاربته، بل إلى إلهائه، فلمعت عينا ياسر فجأة وهو يقول: وماذا لو أعطيناه رائحة جبن أقوى من رائحة البذور؟

المكنسة الكهربائية العكسية

في صباح اليوم التالي، اجتمع الأطفال في العلية بين صناديق الغبار والألعاب القديمة، وجد سامر مكنسة كهربائية معطلة، وجلبت ليان أنبوبا مطاطيا طويلا، بينما أحضر ياسر مروحة صغيرة من لعبة مكسورة، وكتبت ندى على ورقة كبيرة: بدلا من أن تسحب، ستدفع.

عملوا ساعات طويلة حتى امتلأت العلية برائحة الأسلاك الساخنة والخشب القديم، وحين انتهوا بدت الآلة كوحش مضحك بخرطوم طويل وفم واسع وبطن يهتز، سماها سامر بفخر: نافخة الجبن الطائر.

الخطة التي بدأت من التفكير بالعكس

لم تكن الآلة تمتص الهواء كالمكانس العادية، بل تنفخه بقوة، وضع الأطفال داخلها فتات جبن وقشور بسكويت وقطرات حليب، ثم وجهوا الخرطوم نحو قبو الفأر تحت الأرض.

قالت ليان: عندما يشم الرائحة سيتبعها إلى قبو بعيد عن البذور، ضغط ياسر على الزر، فاهتزت الآلة وأطلقت نفخة عطرية هائلة جعلت المكان كله يشبه مخبزا يخبز الجبن في قلب سحابة.

مطاردة الرائحة الطائرة

رفع الفأر العملاق رأسه، فارتجف شاربه الأيسر ثم الأيمن، ودار حول نفسه وكأنه فقد صوابه من فرط اللذة، ترك البذور الضوئية فورا وراح يركض خلف الرائحة المتدفقة نحو قبوه.

كان المشهد عجيبا حقا، فأر هائل يطارد رائحة لا ترى، وأربعة أطفال يركضون خلف الآلة، وفضائيون صغار يصفقون بأيديهم المضيئة كأنهم في مهرجان تحت الأرض، لكن الخرطوم انفلت فجأة، فاندفعت رائحة الجبن في الاتجاه الخطأ، نحو حقل البذور مباشرة.

لحظة الخطر الأخيرة

صرخت ندى: سيعود إلى البذور فقفز سامر فوق حجر مبلل وأمسك الخرطوم بيديه، بينما دفعت ليان الآلة بكل ما تملك من قوة، وخلع ياسر حذاءه وربط الخرطوم برباطه حول عمود خشبي قديم.

عاد تيار الرائحة نحو قبو الفأر بقوة، فاندفع خلفه مسرورا، ودخل القبو وبدأ يحفر في صندوق جبن وهمي صنعته الرائحة وحدها.

نادي الفضائيين الطيبين

في تلك الليلة، زرع الفضائيون بذور الضوء من جديد، واحدة تحت شجرة الليمون، وأخرى قرب نافذة المطبخ، وثالثة تحت السلم نفسه، ومع كل بذرة كانت التربة تلمع للحظة ثم تهدأ وكأنها ابتسمت في الظلام.

قدم الفضائي ذو خوذة الجوز للأطفال أوسمة صغيرة مصنوعة من قشور البذور، وقال: من اليوم أنتم أعضاء في نادي الفضائيين الطيبين، ضحكت ليان وهي تتأمل الوسام: وهل للنادي اجتماعات؟ فأجاب الفضائي: كل ثلاثاء، عندما يهتز السلم.

نهاية السر وبداية الصداقة

مرت أسابيع، وأزهرت الحديقة أمام المنزل القديم كما لم تزهر من قبل، كبرت أوراق النعناع، وامتلأت شجرة الليمون بثمار صفراء لامعة، وصارت الفراشات تحوم حول النوافذ وكأنها تعرف سرا لا يعرفه الكبار.

أما الفأر العملاق، فقد ظل في قبوه مشغولا برائحة الجبن الطائر، سعيدا بما يكفي ليترك البذور تنمو بسلام، وفي كل ليلة ثلاثاء كان الأطفال الأربعة يجلسون قرب السلم، لا خوفا من الاهتزازات بل انتظارا لها، فقد عرفوا أن بعض الرسائل لا تأتي من السماء، وأن بعض الحلول لا تبدأ بالقوة بل بسؤال ذكي: ماذا لو فعلنا العكس؟

درس تحت الدرج

لم يخبر الأطفال أحدا بما حدث، لكنهم كلما رأوا زهرة جديدة تشق التراب تبادلوا نظرة صامتة تلمع فيها الحكاية كلها، فقد تعلموا أن الأرض تخبئ أصدقاء لا نراهم، وأن التعاون يستطيع أن يحول آلة معطلة إلى خطة إنقاذ، وأن التفكير العكسي قد يفتح بابا لا تفتحه المفاتيح العادية.

وهكذا بقي المنزل القديم هادئا في ظاهره، عامرا بالأسرار في أعماقه، وكلما اهتز السلم يوم الثلاثاء ابتسم الأطفال، لأنهم كانوا يعرفون أن نادي الفضائيين الطيبين لم يغلق أبوابه بعد.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.