حين رنّ الهاتف الأحمر في الساعة السابعة وثلاث دقائق مساءً، كانت ندى قد أغلقت سجل الوردية، وارتدت معطفها، وكتبت لهيثم ملاحظة أخيرة بخط مستقيم لا يعرف التردد، لا تثق بالضوء الأخضر في القاطع السابع عشر.
كان يفترض أن تغادر قبل وصوله، كما فعلت طوال عامين، وأن يجد هو كلماتها تنتظره فوق المكتب بدلًا من صاحبتها.
غير أن صفارات الإنذار التي انفجرت في غرفة التحكم، ثم الصوت المختنق الذي تسلل من الهاتف، جعلا الوردية النهارية تمتد إلى قلب الليل.
وعلى الطرف الآخر من الخط، تحت أمتار من الخرسانة والدخان، قال رجل لا يعرف إن كان سيخرج حيًّا:
نحن عالقون داخل النفق، والكهرباء لم تنقطع.
المكتب الذي عاش حياتين
لم يكن المكتب رقم أربعة في مركز التحكم الكهربائي مختلفًا عن بقية المكاتب، سوى أنه بدا ككائن يستيقظ مرتين كل يوم.
تحت ضوء النهار كان مرتبًا ودقيقًا، وفي الليل يمتلئ بأكواب القهوة والخرائط المطوية، بينما تظل شاشة المراقبة مضاءة كعين لا تنام.
كانت ندى تصل قبل الثامنة صباحًا بدقائق، وتغادر قبيل السابعة مساءً لتلحق بالحافلة الوحيدة التي تمر قرب منزلها.
أما هيثم فكان يبدأ مناوبته في السابعة، لكنه اعتاد الدخول من الباب الخلفي المؤدي إلى غرفة المولدات، فلا يتقاطع طريقهما إلا على الورق.
الرسالة الأولى فوق لوحة المفاتيح
في البداية، لم تكن الملاحظات بينهما أكثر من تعليمات جافة يقتضيها العمل، مكتوبة على أوراق صفراء صغيرة تُلصق بجانب لوحة المفاتيح.
كانت ندى تسجل أرقام القواطع التي تحتاج إلى مراقبة، بينما يجيب هيثم بملاحظات عن تغير الأحمال خلال الليل.
كتبت له في أحد الأيام، المحول الثالث ترتفع حرارته بعد الظهر، أبلغ الصيانة إن تجاوزت القراءة اثنتين وثمانين درجة.
وحين عادت في الصباح التالي، وجدت أسفل عبارتها جوابًا بقلم أزرق، لم يتجاوز الثمانين، لكنه يصدر أزيزًا خافتًا عند انخفاض الحمل.
توقفت عند كلمة أزيزًا.
لم يكن موظفو غرفة التحكم يستعملون مثل تلك الكلمات في السجلات؛ كانوا يكتبون صوت غير طبيعي، ثم يتركون الآلات تبتلع التفاصيل.
لكن هيثم كان يسمع ما بين الأرقام، ويمنح المعدن صوتًا يشبه أنين كائن متعب.
في اليوم نفسه، تركت له سماعة احتياطية بعد أن لاحظت أن غلاف سماعته القديمة متشقق.
لم تكتب أنها اشترتها من حسابها، بل اكتفت بعبارة، السماعة الجديدة أوضح عند استقبال بلاغات المحطات البعيدة.
ردّ في الصباح التالي، والصمت فيها أقل قسوة أيضًا.
صورة رجل لم تره ندى
مع مرور الشهور، صنعت ندى لهيثم وجهًا لم تره قط.
تخيلته رجلًا في أواخر الأربعينيات، له شعر رمادي وأصابع طويلة تتحرك بهدوء فوق لوحة التحكم، ولا يتكلم إلا بعد أن يصغي إلى كل الأصوات التي لا يسمعها الآخرون.
كان خطه مائلًا، واسع الحروف، وفيه ثقة جعلتها تتخيله أطول منها بكثير.
أما تعليقاته الساخرة عن القهوة والآلات العنيدة، فقد أوحت إليها بأنه خبر من الأعطال ما يكفي كي لا يفزع من شيء.
حين كانت تواجه يومًا قاسيًا، كانت تجد في نهاية ورديتها سببًا صغيرًا لترتيب المكتب بعناية أكبر.
تمسح آثار الغبار عن الشاشة، وتستبدل الأوراق القديمة، وتترك كوبًا نظيفًا مقلوبًا فوق المنديل، ثم تقنع نفسها بأن هذا مجرد احترام للوردية التالية.
ذات مساء كتبت له، أعدت تصنيف بلاغات المحطة الشرقية بحسب مصدر العطل، لأن البحث بينها كان يستهلك وقتًا غير ضروري.
جاءها جوابه في اليوم التالي، كنت أظن أن الفوضى جزء من أثاث المكان، لكن يبدو أنها كانت تنتظر شخصًا يطردها.
ابتسمت ندى أمام الورقة، ثم نزعتها قبل أن يراها أحد، واحتفظت بها في الدرج السفلي للمكتب.
امرأة رسمها هيثم من الحبر
أما هيثم، فقد تخيل ندى امرأة صارمة لا تبتسم، ترتدي نظارة ذات إطار أسود، وتضع المسطرة بمحاذاة حافة المكتب قبل أن تبدأ العمل.
كانت ملاحظاتها خالية من الشطب تقريبًا، وتبدأ دائمًا بفعل واضح، راقب، افصل، اتصل، تحقق.
ومع ذلك، كانت التفاصيل الصغيرة تفضح رقة لا تعترف بها الكلمات.
فإذا كان أحد عمال الصيانة مريضًا، كتبت اسمه إلى جوار المهام الأخف.
وإذا توقعت موجة حر، تركت زجاجتي ماء باردتين في الثلاجة، ووضعت على إحداهما ورقة تحمل اسمه.
كان هيثم يبتسم كلما وجد الماء، لكنه لم يشكرها مباشرة.
يكتب بدلًا من ذلك، تم إنقاذ الوردية الليلية من الجفاف، ولا توجد خسائر بشرية حتى الآن.
في إحدى الليالي، انقطع التيار عن الحي الذي يقع فيه منزل والدته، فظل يتنقل بين الهاتف ولوحة التحكم حتى أعاد توجيه الأحمال.
وفي الصباح وجد ندى قد أضافت إلى سجل الحالات بندًا جديدًا يسمح للموظف بمراقبة المناطق التي يقيم فيها أقاربه دون الحاجة إلى طلب خاص.
لم تقل إنها فعلت ذلك لأجله، ولم يسألها.
لكن صورة المرأة الصارمة في ذهنه اكتسبت يومها يدين دافئتين، وإن ظل وجهها مجهولًا.
مساء خرج عن الجدول
كان آخر أيام الصيف أثقل من أن يحمله الهواء.
تراكمت السحب الترابية فوق المدينة، وتحولت الشمس عند الغروب إلى قرص نحاسي باهت، بينما أخذت خطوط الضغط العالي تهتز تحت ريح حارة قادمة من الصحراء.
انتهت ندى من مراجعة الأحمال، لكن الحافلة تأخرت بسبب العاصفة، فجلست قرب النافذة تنتظر اتصال السائق.
عندها فُتح الباب الخلفي لغرفة التحكم، ودخل رجل يحمل خوذة دراجة نارية سوداء، وقد التصق قميصه بكتفيه من شدة الحر.
اللقاء الذي لم يشبه الخيال
نظر الرجل إلى ندى، ثم إلى الرقم المثبت على المكتب، قبل أن يسأل بنبرة مترددة:
حضرتك من قسم الصيانة؟
عقدت حاجبيها وقالت:
أنا ندى.
بقي الاسم معلقًا بينهما لحظة، كأن الغرفة احتاجت إلى وقت كي تتعرف إليه خارج الأوراق.
أنزل الرجل خوذته ببطء، وكشف عن وجه أصغر مما تخيلته ندى بعشرين عامًا، وشعر أسود مبعثر لم يقترب منه الشيب بعد.
قال وهو يرمش بدهشة:
ندى، صاحبة الخط المستقيم؟
أجابت، وقد أدركت قبل أن ينطق اسمه:
وأنت هيثم، صاحب الأزيز الخافت.
كان أقصر من الصورة التي صنعتها، وأكثر حركة منها؛ عيناه لا تثبتان على شيء طويلًا، وأصابعه تطرق سطح الخوذة كما لو أنها تلاحق إيقاعًا لا يسمعه سواه.
أما هو فلم يجد النظارة السوداء ولا الملامح المتجهمة، بل امرأة ذات وجه هادئ وعينين عسليتين، تركت خصلة متمردة تنفلت من رباط شعرها.
قال هيثم:
كنت أظنك أكبر سنًا.
رفعت ندى حاجبًا واحدًا:
وأنا كنت أظنك أكثر حكمة.
ضحك للمرة الأولى، لكن ضحكته انقطعت حين اشتعلت على الجدار ثلاثة مصابيح حمراء في وقت واحد.
الإنذار القادم من محطة المرسى
صدر صوت آلي من مكبرات الغرفة، هبوط مفاجئ في الجهد بمحطة المرسى.
تعطل الاتصال بالقاطع السابع عشر.
إنذار دخان في نفق الكابلات الجنوبي.
نزعت ندى معطفها فورًا، وعادت إلى المقعد كما لو أنها لم تكن على وشك المغادرة.
ألقى هيثم خوذته على الكرسي المجاور، وانحنى فوق لوحة التحكم، بينما كانت خرائط الشبكة تتبدل على الشاشات بسرعة مذهلة.
قالت ندى:
افصل المغذي الجنوبي، ثم حوّل المستشفى إلى الخط الاحتياطي.
حرّك هيثم المؤشر فوق الخريطة، لكنه لم ينفذ الأمر.
الخط الاحتياطي يحمل المنطقة الصناعية منذ السادسة.
إن حولنا المستشفى إليه الآن، سيسقط الاثنان.
المصانع بدأت الإخلاء بسبب العاصفة، يمكننا قطعها.
هزّ رأسه وهو يراقب منحنى الحمل:
ليس كلها.
مصنع الأوكسجين الطبي يعمل ليلًا، وإذا قطعناه فسيتوقف الضخ إلى ثلاثة مستشفيات.
التفتت إليه ندى.
كانت تعرف أحمال النهار كما تعرف خطوط كفها، لكنه كان يرى المدينة التي تستيقظ بعد مغادرتها؛ المصانع الصامتة ظاهريًا، ومخازن التبريد، ومضخات المياه التي تعمل حين ينام السكان.
قالت بصرامة:
لدينا حريق محتمل داخل النفق.
الأولوية لمنع انتشار القوس الكهربائي.
أجاب وهو يكتب أوامر سريعة:
ولدينا وحدات عناية مركزة ستنطفئ بعد سبع دقائق إذا اتبعنا التسلسل المعتاد.
وقبل أن ترد، رن الهاتف الأحمر.
حين اصطدمت الطريقتان
كان الهاتف الأحمر مخصصًا للبلاغات التي لا تحتمل المرور عبر الشبكة الداخلية.
لم يرن منذ ثلاثة أعوام، وحين رفعت ندى السماعة شعرت بخشونة البلاستيك البارد تحت أصابعها، كأن الجهاز نفسه خرج لتوه من نوم طويل.
لم يصلها في البداية إلا احتكاك متقطع، ثم سعال ثقيل أعقبه صوت رجل يحاول أن يتنفس من خلال قطعة قماش.
المكالمة من تحت الدخان
قال الصوت:
غرفة التحكم، هنا فريق الصيانة في النفق الجنوبي.
وقع انفجار عند بوابة القطاع الثالث، والباب المغناطيسي أغلق خلفنا.
اقترب هيثم من السماعة حتى صار يسمع المكالمة معها.
سألت ندى:
كم عددكم؟
أربعة.
أحدنا مصاب في ساقه، والدخان يتزايد.
حاولنا فتح الباب يدويًا، لكنه لا يتحرك.
قال هيثم:
هل تسمعون طنينًا مستمرًا قرب الجدار الشرقي؟
ساد صمت قصير، ثم جاء الرد:
نعم، كأنه محول صغير.
نظر هيثم إلى ندى.
الخط لم يُعزل بالكامل.
أشارت الشاشة إلى أن القاطع السابع عشر مفتوح، وأن التغذية انقطعت عن القطاع.
لكن صوت الطنين القادم عبر الهاتف أخبر هيثم بعكس ذلك، كما أخبرته من قبل أصوات المحولات التي كان يصفها في ملاحظاته الليلية.
قالت ندى:
قد يكون مولد الباب الاحتياطي.
مولد الباب يصدر نبضات، لا طنينًا ثابتًا.
ردت بحدة:
لا يمكننا بناء قرار على صوت مشوش عبر هاتف مدفون تحت الخرسانة.
ولا يمكننا تجاهل رجل يقف بجوار كابل حي لأن الشاشة تقول إنه ميت.
التقت عيناهما للمرة الأولى دون دهشة أو فضول.
كان بينهما الآن شيء أصلب من الصور القديمة؛ خوف حقيقي من أن يكون أحدهما مخطئًا، وأن يدفع أربعة رجال ثمن ذلك.
النظام في مواجهة الحدس
فتحت ندى دليل الطوارئ، ومررت إصبعها على خطوات العزل المتتابعة.
كان البروتوكول يقتضي فصل ثلاثة قطاعات كاملة، ثم إرسال فريق خارجي لاختبار الجهد قبل تحرير الباب المغناطيسي.
قالت:
نحتاج إلى ثماني دقائق.
ضرب هيثم طرف المكتب بكفه.
هم لا يملكون ثماني دقائق.
جاء السعال عبر الهاتف أشد قربًا، ثم قال قائد الفريق إن المصاب بدأ يفقد الوعي.
شعرت ندى بأن هواء الغرفة صار أكثر كثافة، وأن كل ثانية تمر تترك طبقة جديدة من الدخان في رئتي رجل لا تراه.
قال هيثم:
نستطيع إعادة تغذية لوحة الباب من حلقة المستشفى الاحتياطية، نفتح القفل لثلاث ثوانٍ ثم نفصلها.
أجابته ندى:
إذا كان هناك جهد مرتد داخل القطاع، فستصنع قوسًا كهربائيًا عند البوابة، وقد تقتلهم جميعًا.
وإذا انتظرنا الفحص الميداني، سيختنقون قبل أن يصل أحد.
أغلقت ندى الدليل ببطء، لا لأنها اقتنعت، بل لأنها أدركت أن الكلمات المطبوعة لم تُكتب لهذه اللحظة تحديدًا.
كانت القواعد جدرانًا تحميهم من الفوضى، لكنها قد تتحول إلى سجن حين يتغير شكل الخطر.
قالت:
لن نعيد التغذية قبل أن نعرف مصدر الطنين.
أجاب هيثم:
إذن فلنبحث أسرع من الدخان.
الخيط المكتوب بالحبر الأزرق
انتشرت خرائط المحطة فوق الشاشات، خطوطًا حمراء وخضراء تتقاطع مثل شرايين مكشوفة.
أخذت ندى تراجع أوامر الصيانة التي صدرت خلال الأشهر السابقة، بينما استدعى هيثم تسجيلات الأحمال الليلية باحثًا عن أي تيار لا يظهر في المخطط الرسمي.
وفي قلب الضوضاء، لم يكن ما أنقذهما تقريرًا حديثًا أو نظامًا ذكيًا، بل ملاحظة قديمة كُتبت على ورقة صفراء، ثم نُقلت مصادفة إلى سجل الأعطال.
التحذير الذي انتظر سبعة أشهر
قالت ندى فجأة:
القاطع السابع عشر.
ماذا به؟
فتحت الدرج السفلي وأخرجت ملفًا رفيعًا احتفظت فيه بنسخ من الملاحظات المهمة.
قلبت الأوراق حتى وجدت ورقة باهتة تحمل خط هيثم الأزرق، ضوء القاطع السابع عشر يتأخر عن الحالة الفعلية بثانيتين أو ثلاث، ويحتمل أن يكون سلك الإشارة موصولًا بحساس القاطع الثاني عشر.
تذكر هيثم الليلة على الفور.
كان فريق صيانة مؤقت قد بدّل وحدات القياس، ثم أغلق البلاغ بعدما عادت الإشارات إلى طبيعتها.
لم يثبت أحد خطأ التوصيل، فبقيت الملاحظة احتمالًا هامشيًا بين مئات الاحتمالات.
قالت ندى:
لهذا كتبت لك اليوم ألا تثق بالضوء الأخضر.
ظهر التأخير مرة أخرى في اختبار الصباح.
اتسعت عيناه وهو ينقل الخريطة إلى القاطع الثاني عشر.
الشاشة تقول إن السابع عشر مفتوح، لكنها ربما تعرض حالة الثاني عشر.
وحين أصدرنا أمر الفصل للسابع عشر،
ربما فصلنا الثاني عشر بدلًا منه، وتركنا السابع عشر حيًّا.
جاء الطنين عبر الهاتف ثابتًا، عنيدًا، كأنه يؤكد اعترافهما المتأخر.
كان الفريق المحاصر يقف خلف باب معدني، وعلى الجانب الآخر منه كابل ما زال يحمل جهدًا كافيًا لتحويل الهواء إلى نار.
قال هيثم:
يجب أن نفصل السابع عشر يدويًا من وحدة التحكم المحلية.
رد قائد الفريق بصوت متقطع:
الوحدة المحلية خلف منطقة الانفجار، لا يمكننا الوصول إليها.
نظرت ندى إلى المخطط، ثم تتبعت خطًا رماديًا رفيعًا يصل المحطة بمحطة ضخ المياه القديمة.
توجد وصلة حماية ثانوية.
لم تعد مستخدمة في التشغيل، لكنها تستطيع إسقاط القاطع إذا غذينا مرحل الحماية.
قال هيثم:
الوصلة لا تستجيب منذ سنوات.
أشارت إلى ملاحظة أخرى في السجل، مكتوبة هذه المرة بخطها:
أصلحتها الصيانة الشهر الماضي.
طلبت منهم إبقاءها خارج النظام إلى أن تُختبر ليلًا.
ابتسم هيثم رغم العرق الذي سال عند صدغه.
وكنت سأختبرها الليلة.
قالت ندى:
يبدو أن الاختبار بدأ دون إذننا.
تسعون ثانية بين الحياة والنار
احتاج تشغيل وصلة الحماية إلى سحب تيار مؤقت من حلقة المستشفى الاحتياطية.
وإذا استغرق الأمر أكثر من تسعين ثانية، فقد تنخفض قدرة المولدات الاحتياطية عن تشغيل أجهزة التنفس في قسم العناية المركزة.
وزعت ندى الأحمال بسرعة؛ أطفأت إنارة الواجهات الحكومية، وأوقفت مضخات الزينة في الساحات، وخفضت التغذية عن مجمع تجاري كان قد أخلي بسبب العاصفة.
انخفض منحنى الاستهلاك، لكنه ظل أعلى من الحد الآمن بقليل.
قال هيثم:
يمكنني فصل مخزن التبريد في الميناء.
ستفسد الأدوية الموجودة فيه.
لديه بطاريات مستقلة تكفي أربع دقائق، رأيت اختبارها الأسبوع الماضي في الوردية الليلية.
نظرت إليه لحظة، ثم نفذت الأمر دون جدال.
هبط الحمل إلى المستوى المطلوب، وأصبح أمامهما ممر ضيق لا يتجاوز دقيقة ونصف، يمكن أن يعبر عبره التيار من المستشفى إلى مرحل الحماية، ثم إلى قفل الباب.
رفعت ندى الهاتف وقالت للفريق:
حين ينقطع الطنين، لا تلمسوا الباب.
انتظروا حتى تسمعوا ثلاث نبضات قصيرة من القفل، ثم ادفعوه بقوة.
سأل قائد الفريق:
وماذا لو لم تأت النبضات؟
تبادلت ندى وهيثم نظرة صامتة.
قالت:
ستأتي.
ضغط هيثم أمر التشغيل، وبدأ عداد صغير في زاوية الشاشة يتقدم، ثانية، ثانيتان، ثلاث.
امتلأت الغرفة بأزيز المراوح، وانخفض ضوء المصابيح لحظة كأن المبنى أخذ شهيقًا عميقًا.
عند الثانية السابعة عشرة، صاح هيثم:
مرحل الحماية لا يستجيب.
قالت ندى:
أعد الإشارة.
إذا أعدتها فورًا قد يتشبع الملف.
انتظر ثلاث ثوانٍ، ثم أرسلها بنبضة واحدة.
نفذ الأمر، وتحرك مؤشر صغير على المخطط.
عند الثانية السادسة والعشرين، انقطع الطنين القادم من الهاتف، لكن القاطع لم يسجل حالة الفتح.
قال هيثم:
انقطع الصوت.
القاطع سقط.
أجابت ندى:
لا نملك تأكيدًا.
أذناي هما التأكيد.
وأربعة رجال يقفون هناك، لذلك نحتاج إلى أكثر من أذنيك.
ضرب هيثم زر اختبار الإشارة، فظهر على الشاشة خط متقطع لا يحمل رقمًا واضحًا.
مرّت الثواني، وانخفض احتياطي المستشفى، بينما أخذ قائد الفريق يسعل بعنف.
عند الثانية الثانية والأربعين، التقطت ندى من الهاتف صوتًا معدنيًا خافتًا؛ لم يكن طنينًا هذه المرة، بل نقرة منفردة أعقبها صمت.
قالت:
لقد فتح القاطع ميكانيكيًا، لكن حساس الموضع لم يتحرك.
حدق فيها هيثم بدهشة قصيرة.
كيف عرفت؟
لأنني قرأت وصفك للأصوات طوال عامين.
لم يمنحهما الوقت فرصة للابتسام.
أعادت ندى توجيه التيار إلى لوحة الباب، وبدأت الأرقام ترتفع.
عند الثانية الخامسة والخمسين، سمعا النبضة الأولى، ثم الثانية.
لم تأت الثالثة.
صرخ قائد الفريق:
القفل لم يفتح!
اقترب هيثم من الهاتف، وأغمض عينيه كأن إغلاقهما سيجعله يرى النفق.
وسط السعال والاحتكاك، التقط صوت ارتداد معدني ضعيف.
الباب واقع تحت ضغط من جهة الممر.
اطلب منهم سحبه أولًا، لا دفعه.
قالت ندى بسرعة:
اسحبوا الباب نحوكم نصف خطوة، ثم ادفعوه عند النبضة.
أرسل هيثم أمرًا ثالثًا إلى القفل.
ارتفع عداد الزمن إلى الثانية الثالثة والسبعين، وبدأت إنذارات المستشفى تظهر تباعًا.
جاءت النبضة.
تبعها صرير طويل، ثم أصوات أقدام وصرخة بعيدة.
للحظة لم يفهم الاثنان ما حدث، حتى عاد قائد الفريق إلى الهاتف وهو يلهث:
فتح الباب، خرجنا نحن الثلاثة.
سنحمل المصاب الآن.
قالت ندى:
ابتعدوا عن القطاع واتجهوا إلى مخرج الطوارئ الغربي.
عند الثانية الخامسة والثمانين، فصل هيثم الوصلة، وأعادت ندى تغذية المستشفى كاملة.
استقرت المؤشرات قبل نهاية المهلة بثلاث ثوانٍ فقط.
بقيت المدينة غارقة في ظلام جزئي، لكن أجهزة التنفس لم تتوقف، ومصنع الأوكسجين ظل يعمل، وأربعة رجال خرجوا من النفق قبل أن يمتلئ بالدخان.
ما كشفه الضوء بعد العاصفة
استمرت فرق الطوارئ في العمل حتى ما بعد منتصف الليل.
جلس هيثم وندى إلى المكتب نفسه، تتلامس أحيانًا أطراف الأوراق بينهما، بينما راجعا القطاعات واحدًا بعد الآخر وأعادا التيار إلى أحياء المدينة.
لم يعد أي منهما يشبه الصورة التي عاش في ذهن الآخر، ومع ذلك لم يشعر أحدهما بأنه خُدع.
كانت الحقيقة أكثر ارتباكًا، وأكثر إنسانية، وأشد قربًا مما تستطيع الملاحظات أن تقوله.
اعترافان بلا بطولة
حين تأكد وصول فريق الصيانة إلى المستشفى، مال هيثم إلى الخلف، وفرك وجهه براحتيه.
كان الإرهاق قد أطفأ حركته الدائمة، فلم يعد يطرق المكتب أو يتنقل بين الشاشات.
قال بصوت خافت:
كدت أعيد تغذية الباب قبل إسقاط القاطع.
أجابته ندى:
وكنت سأنتظر فريق الفحص حتى يختنقوا.
نظر إليها، منتظرًا أن تخفف عبارتها أو تستبدلها بمديح مريح، لكنها تركت الحقيقة بينهما كما هي؛ حادة وعادلة، لا تحمل بطلًا واحدًا ولا مذنبًا واحدًا.
قالت:
طريقتك رأت ما لم تره الشاشة.
وأضاف بعد لحظة:
وطريقتك منعتني من تحويل ما رأيته إلى كارثة أخرى.
خارج النوافذ، كانت الريح قد هدأت.
أخذت أضواء الشوارع تعود في خطوط متتابعة، فيشتعل حي بعد حي، كأن المدينة تفتح عينيها ببطء بعد إغماءة ثقيلة.
أخرج هيثم من جيبه الورقة التي تركتها ندى قرب لوحة المفاتيح، وقرأ بصوت مسموع:
لا تثق بالضوء الأخضر في القاطع السابع عشر.
ثم أدار الورقة وكتب على ظهرها بقلمه الأزرق.
سألته:
ماذا تكتب؟
أخفى الورقة بكفه وقال:
ملاحظة للوردية التالية.
آخر ما كُتب فوق المكتب
في الصباح، وصل مدير المركز محاطًا بالمهندسين والمحققين، وبدأ الجميع يتحدث عن البروتوكولات وتحديث الحساسات وتقارير الحادث.
سُجلت أسماء ندى وهيثم في تقرير الإنقاذ، لكن أياً منهما لم يشعر بأن الجمل الرسمية وصفت ما وقع حقًا.
كان التقرير يقول إن التنسيق بين المناوبتين أدى إلى استعادة السيطرة على الشبكة، دون أن يذكر الأوراق الصفراء، أو زجاجات الماء، أو الأزيز الذي وصفه رجل لم تره امرأة، فحفظت وصفه حتى جاء اليوم الذي أنقذ فيه أربعة أشخاص.
حين أشرقت الشمس، وقف هيثم واستعد للمغادرة، بينما بقيت ندى لبدء ورديتها الجديدة.
بدا الأمر ساخرًا؛ فقد انتهت الليلة، وعادت الساعة تطالبهما بأن يتبادلا المكان.
قال هيثم:
هل ستتركين لي ملاحظة مساء اليوم؟
أجابت وهي تنظر إلى الفوضى التي غطت المكتب:
سأترك لك قائمة طويلة بما أفسدته في ترتيب أوراقي.
ابتسم، ثم أشار إلى الهاتف العادي الموضوع بينهما:
أو يمكنك الاتصال.
لم تجبه مباشرة.
تناولت الورقة التي كتب عليها قبل قليل، وقلبتها لتقرأ عبارته:
الضوء الأخضر قد يكذب، والأرقام قد تتأخر، والصوت قد يضللنا أحيانًا؛ لكن الإنسان الذي يصغي جيدًا يمنح الحقيقة فرصة للوصول.
وضعت ندى الورقة في درجها السفلي، إلى جوار الملاحظات القديمة التي احتفظت بها سرًا، ثم رفعت عينيها إليه.
اتصل عند بداية ورديتك.
لدينا قاطع يجب أن نختلف بشأنه.
المكالمة بين ورديتين
بعد أسبوعين، أصلحت الشركة حساس القاطع السابع عشر، وأصدرت قرارًا يفرض تسليمًا صوتيًا مباشرًا بين المناوبات.
صار على موظف النهار أن يبقى عشر دقائق بعد موعده، وعلى موظف الليل أن يصل قبل بداية ورديته، حتى لا تُترك المدينة مرة أخرى بين خطين في سجل.
ومع ذلك، استمرت ندى في ترك أوراقها الصفراء، واستمر هيثم في الرد بالحبر الأزرق.
لم تعد الملاحظات بديلًا عن اللقاء، بل أصبحت ذاكرة صغيرة تحفظ ما تعجز المكالمات السريعة عن حمله.
في مساء هادئ، جلست ندى في الحافلة وهي تراقب أضواء المدينة تمر خلف الزجاج.
عند السابعة تمامًا، اهتز هاتفها، وظهر اسم هيثم على الشاشة للمرة الأولى بدلًا من رقم غرفة التحكم.
رفعت الهاتف وقالت:
هل تعطّل شيء؟
جاءها صوته محاطًا بأزيز الأجهزة المألوف:
لا، كل شيء يعمل على نحو مريب.
ولماذا تتصل إذن؟
صمت قليلًا، ثم قال:
وجدت كوب القهوة نظيفًا، والخرائط مرتبة، ولا توجد ملاحظة فوق لوحة المفاتيح.
ظننت أن الوردية النهارية ربما اختفت.
نظرت ندى إلى انعكاس وجهها في زجاج الحافلة، فرأت ابتسامة صغيرة لم تستطع إخفاءها.
الوردية النهارية لم تختفِ.
كانت تنتظر أن تتعلم الوردية الليلية استعمال الهاتف.
خلفها، كانت المدينة تمتد تحت عتمة المساء، مضاءة بآلاف النوافذ التي لا يعرف أصحابها شيئًا عن المكتب رقم أربعة، ولا عن الصوتين اللذين بقيا مستيقظين ذات ليلة كي لا تنطفئ تلك النوافذ.
وللمرة الأولى، لم تكن المكالمة بلاغًا عن حريق أو قاطع معطّل، ولم يكن بين الوردتين رجل محاصر أو مدينة مهددة.
كان هناك فقط سؤال بسيط عن يوم مضى، وضحكة تعبر المسافة التي صنعتها المواعيد، ثم تهزمها.
لا نعرف الناس دائمًا من وجوههم، بل من الآثار التي يتركونها في أيامنا؛ كوب نظيف، وتحذير مكتوب بعناية، وصوت يتذكر ما أهملته الآلات.
وقد نصنع في الغياب صورًا ناقصة للآخرين، لكن الحقيقة لا تهدم تلك الصور بقدر ما تفتح فيها نافذة، فنرى أن الاختلاف الذي حسبناه عيبًا كان أحيانًا اليد الأخرى التي تنقصنا للنجاة.
