قصة الجمل الذي كان يخاف من كثبان الرمل

الراوي
0

الجمل الذي خاف مما أحبه الجميع، ليست كل الوحوش تملك أنيابا، فبعضها ليس سوى ظلال يرسمها الخوف أمام أعيننا، وفي قلب الصحراء الشاسعة، حيث امتدت الكثبان تحت وهج الشمس كأنها أمواج ذهبية ساكنة، عاش جمل صغير يدعى نجود.

لم يكن نجود كسائر صغار الجمال، ففي كل صباح، كانت القافلة تتجه نحو الكثبان الرملية، فيتسابق الصغار إلى قممها ثم ينزلقون على سفوحها، بينما تتعالى ضحكاتهم وتملأ الصحراء بالحياة.

أما نجود، فكان يختار دائما الطريق المستوي، ويراقب رفاقه من بعيد، وكلما فكر في الاقتراب من تلك التلال الذهبية، شعر كأن قدميه تتشبثان بالأرض، وتسارعت أنفاسه وخفق قلبه بعنف.

قصة الجمل الذي كان يخاف من كثبان الرمل حكاية لتعليم الاطفال


وجوه صنعتها الظلال

في عيني نجود، لم تكن الكثبان مجرد تلال من الرمل، كان يراها وجوها عملاقة تحدق فيه بصمت، وكلما مرت الرياح بينها وغيرت تضاريسها، بدت له ملامح تلك الوجوه أكثر غموضا ورهبة.

وكان خوفه يزداد عند اقتراب الغروب، حين تميل أشعة الشمس فوق الصحراء وتصنع ظلالا طويلة على الرمال، عندها كانت بعض الكثبان تبدو له كوجوه عجوز ذات عيون عميقة وابتسامات غامضة.

كلما لمح نجود واحدا من تلك الوجوه، أشاح ببصره سريعا، وكان يتخيل أن وراء تلك الابتسامات سرا مخيفا، وأن الأفضل له أن يبقى بعيدا ولا يحاول اكتشافه.

العاصفة التي بعثرت القافلة

في أحد الأيام، وبينما كانت القافلة تعبر الصحراء، تبدلت ملامح السماء فجأة، هبت الرياح بقوة وارتفع الرمل في دوامات هائلة، حتى اختفت الشمس وراء ستار ذهبي كثيف.

تعالت أصوات الجمال وسط العاصفة، وراحت الأجراس المعلقة في أعناقها تهتز بعنف، حاول أفراد القافلة البقاء قريبين بعضهم من بعض، لكن الرياح العاتية كانت تمحو آثار الأقدام خلال لحظات وتخفي كل شيء خلف الرمال المتطايرة.

لم يعرف نجود إلى أين يتجه، ولم يعد قادرا على رؤية رفاقه، وحين هدأت الرياح أخيرا وانقشع الرمل من حوله، وجد نفسه وحيدا وسط صمت ثقيل.

مواجهة الوجه العملاق

رفع نجود رأسه، فرأى أمامه كثيبا هائلا، وما إن تأمله حتى تجمد في مكانه، فقد بدا له الكثيب كوجه جدته التي فارقت الحياة منذ سنوات.

اجتمع في قلبه شعوران متناقضان، كانت الملامح المألوفة تمنحه شيئا من الطمأنينة، لكن ضخامة الوجه وسكونه أثارا خوفه القديم، ظل الكثيب أمامه كأنه ينتظر منه قرارا واحدا، إما أن يهرب كما اعتاد، وإما أن يقترب هذه المرة.

بقي نجود مترددا للحظات، ثم حبس أنفاسه وتقدم خطوة صغيرة، تبعتها خطوة أخرى، ثم واصل السير رغم الخوف الذي كان يحثه على العودة.

عندما اقترب نجود اختفى الخوف

مع كل خطوة نحو الكثيب، حدث أمر لم يتوقعه نجود، بدأت ملامح الوجه تتغير، وما كان يبدو من بعيد واضحا ومخيفا أخذ يتلاشى شيئا فشيئا كلما اقترب منه.

وحين بلغ سفح الكثيب، نظر إليه بدهشة، لم تكن العينان سوى صخرتين صغيرتين استقرتا فوق الرمل، أما الفم الغامض فلم يكن إلا انحناءة حفرتها الرياح عبر سنوات طويلة.

مد نجود أنفه نحو إحدى الصخور، فتحرك بعضها وسقط على الرمل، وفي لحظة واحدة، اختفت هيئة الوجه التي أخافته طويلا، ولم يبق أمامه إلا كثيب طبيعي من الرمال والصخور.

حينها أدرك نجود حقيقة لم يكن يستطيع رؤيتها من بعيد، لم يكن الخوف يسكن الكثبان، بل كان ينمو في خياله، وكانت الظلال ترسم أمام عينيه أشياء لا وجود لها إلا عندما ينظر إليها بقلب خائف.

الصعود إلى قمة الكثيب

رفع نجود عينيه نحو القمة، ثم بدأ يصعد، كانت خطواته ثقيلة، وكانت الرمال تنساب من تحت قدميه في كل مرة يحاول فيها التقدم، لكنه لم يتراجع.

واصل الصعود رغم التعب حتى وصل أخيرا إلى أعلى الكثيب، وهناك انفتحت الصحراء أمام عينيه واسعة ومضيئة تحت أشعة الشمس، ولم تعد الرمال تبدو له مخيفة كما كانت من قبل.

نظر نجود بعيدا، فرأى قافلته تتحرك في الأفق كأنها خيط طويل ممتد فوق صفحة الرمال، امتلأ قلبه بالأمل، فصرخ بأعلى صوته محاولا أن ينادي رفاقه، لكن الريح حملت صوته بعيدا، ولم يصل منه شيء إليهم.

الكثيب الذي تحول إلى مسرح

وقف نجود فوق القمة يتأمل المكان من حوله، ثم لاحظ أن الكثيب الذي أخافه طويلا يشبه الآن منصة مرتفعة وسط الصحراء، عندها ارتسمت على وجهه ابتسامة للمرة الأولى منذ أن بدأت محنته.

وبدلا من الاستسلام للوحدة، أخذ يتحدث بصوت مرتفع، بدأ يحكي قصة جمل صغير كان يخاف من كثبان الرمل، ووصف كيف كان يراها وجوها عملاقة تحدق فيه، ثم أخذ يبالغ في وصف خوفه القديم حتى وجد نفسه يضحك من تصرفاته.

وبينما كان مستغرقا في الحكاية، سمع فجأة ضحكات تأتي من أسفل الكثيب، توقف ونظر إلى السفح بدهشة، فإذا بأصدقائه من الجمال قد وصلوا إليه.

كان رفاقه يستمعون إلى حكايته ويقلدون طريقته في سردها، ثم يضحكون معه بمحبة، وما لبثت أصوات ضحكاتهم أن انتشرت في المكان، فامتلأت الصحراء بدفء أذاب آخر ما بقي في قلب نجود من خوف.

من الخوف إلى أجمل الذكريات

في تلك اللحظة، أدرك نجود أن الكثبان لم تكن يوما وحوشا تختبئ تحت الرمال، لقد كانت مسارح عظيمة تنتظر فقط من يجرؤ على اعتلاء قممها ويحكي قصته.

ومنذ ذلك اليوم، تغير نجود تماما، صار أول من يصعد إلى قمم الكثبان في كل رحلة، لا لأنه يريد تحدي الرمال، بل لأنه وجد فوقها المكان الذي يستطيع فيه أن يروي قصة خوفه القديم الذي تحول إلى واحدة من أجمل ذكريات حياته.

وكانت الجمال الصغيرة تجلس حوله كل مساء، تستمع إلى حكايته وتضحك معه، وفي الأفق، كانت الشمس تغيب خلف الكثبان التي لم تعد في عينيه وجوها مخيفة، بل مدرجات ذهبية تحتفظ بأصوات الشجعان وحكاياتهم.

وهكذا تعلم نجود أن الخوف لا يكبر لأن الأشياء مرعبة بالضرورة، بل لأنه ينمو حين نبقى بعيدين عن الحقيقة، وما إن نقترب مما نخشاه بخطوة صادقة، حتى نكتشف أحيانا أن أكثر ما أرعبنا لم يكن سوى وهم رسمته الظلال، وأن الشجاعة الحقيقية ليست غياب الخوف، بل القدرة على مواجهته وتحويله إلى حكاية تمنح الآخرين ابتسامة وأملا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.