الضيف الذي لم يطرق الباب قصة الرجل الذي شارك منزله مع زائرٍ لا تلتقطه الكاميرات

الراوي
0

هناك من يخشى الأصوات التي تأتي من العتمة، وهناك من يخشى الصمت حين يصبح أكثر حضوراً من أي صوت.

لكن الخوف الحقيقي يبدأ عندما تستيقظ في منزلك المرتب بعناية، فتجد دليلاً واضحاً على وجود شخص آخر، دون أن يكون أحد قد دخل، ودون أن يكون أحد قد خرج.

في تلك البلدة الصغيرة التي كانت البيوت فيها تتشابه حتى بدا الزمن وكأنه توقف عند أبوابها، عاش علي خمسين عاماً يطارد الكمال كما يطارد البحّار آخر ضوءٍ في الأفق.

لم يكن يؤمن بالفوضى، لأنها في نظره الشرخ الأول الذي تتسلل منه الحياة لتكسر النظام الذي بناه بصبرٍ طويل.

ولم يكن يدرك أن أكثر الضيوف غرابة، لا يحتاجون إلى طرق الباب.

حكاية الضيف الذي لم يطرق الباب قصة الرجل الذي شارك منزله مع زائرٍ لا تلتقطه الكاميرات

المنزل الذي يتنفس النظام

كان منزل علي أشبه بساعةٍ سويسرية؛ كل شيء فيه يعرف مكانه كما تعرف النجوم مداراتها.

السجاد مستقيم كأنه رُسم بمسطرة، والستائر تتمايل بالقدر نفسه مع كل نسمة، أما الأكواب في المطبخ فقد اصطفّت داخل الخزانة بارتفاعات متساوية حتى بدا الزجاج نفسه خجولاً من مخالفة الترتيب.

لم يكن التنظيف بالنسبة إليه عادةً منزلية، بل طقساً يومياً يبدأ مع أول خيط للشمس.

يمرر قطعة القماش على الطاولة أكثر مما تحتاج، ويعيد الوسائد إلى أماكنها حتى لو لم يجلس عليها أحد، ثم يتوقف للحظات يراقب المشهد في رضاٍ صامت، وكأنه يعيد العالم إلى وضعه الصحيح.

كان الجيران يبتسمون حين يرونه يكنس مدخل منزله للمرة الثانية في اليوم نفسه، بينما يكتفي هو بابتسامة مقتضبة، مؤمناً أن النظام ليس ترفاً، بل الطريقة الوحيدة لإبقاء الفوضى خارج حياته.

صباح لم يشبه أي صباح

في صباحٍ هادئ، دخل المطبخ كعادته ليعد قهوته، لكنه توقف قبل أن تمتد يده إلى الغلاية.

كان هناك كوب شاي على الطاولة.

تصاعد منه بخارٌ رقيق يلتف في الهواء كأن أحداً سكبه قبل لحظات.

اقترب ببطء، مد أصابعه نحو الكوب، فوجد حرارته حقيقية، لا وهماً صنعه النعاس.

حدق فيه طويلاً، ثم هز رأسه مبتسماً ابتسامة متعبة.

لابد أنني أعددته، ثم نسيت.

قالها لنفسه، لكنه لم يكن مقتنعاً حتى وهو ينطقها.

البصمة التي لم تكن له

مر اليوم دون حادثة أخرى، إلا أن شيئاً صغيراً بدأ ينقر في داخله كنقرة ماءٍ مستمرة فوق حجر قديم.

حاول تجاهل الفكرة، وأقنع نفسه بأن الإرهاق قادر على صناعة أوهامٍ أكثر إقناعاً من الحقيقة.

لكن الصباح التالي جاء يحمل ما لم يستطع تفسيره.

كان الكوب نفسه في المكان ذاته.

غير أن حافته حملت أثراً واضحاً لبصمة شفة.

لم يكن يشرب الشاي بهذه الطريقة، ولم تكن شفتاه تتركان ذلك اللون الخفيف الذي بدا وكأنه أثر ابتسامة عابرة أكثر منه أثر شراب.

شعر بقشعريرة تسري في ذراعيه، بينما أخذت عيناه تجوبان المنزل غرفةً بعد أخرى، فلم يجد نافذة مفتوحة، ولا باباً مكسوراً، ولا شيئاً ناقصاً.

كل شيء كان مثالياً.

عدا ذلك الأثر الصغير.

حين تعجز الذاكرة عن الدفاع

جلس ساعاتٍ يحاول إقناع نفسه بأنه بدأ ينسى، وأن العمر ربما يعبث بتفاصيله دون أن يشعر.

أخرج مرآة صغيرة، وقارن شكل شفتيه بالأثر المرسوم على الكوب، ثم ضحك من نفسه للحظة قبل أن يختفي الضحك سريعاً.

كان الفرق واضحاً بصورة مزعجة.

ولأول مرة منذ سنوات، لم يستطع إعادة الطمأنينة إلى قلبه بمجرد ترتيب الأشياء.

الكاميرات التي لم ترَ أحداً

في المساء، عاد من متجر الإلكترونيات حاملاً أربع كاميرات مراقبة صغيرة.

أمضى ساعاتٍ يثبتها في زوايا المنزل، حتى لم يبق مكانٌ إلا ووقع تحت عدساتها.

نظر إلى الشاشة وهو يهمس:

إن كان هناك أحد، فسأراه.

أطفأ الأنوار، وصعد إلى غرفته، بينما بقيت الكاميرات تسجل كل ثانية بصبرٍ لا يعرف التعب.

في الصباح، جلس أمام التسجيلات.

الساعات تمر ببطء.

الممرات فارغة.

المطبخ ساكن.

لا أحد يدخل.

لا أحد يخرج.

ومع ذلك،

حين نزل إلى المطبخ، وجد كرسي الطعام قد ابتعد بضعة سنتيمترات عن مكانه المعتاد.

وفي غرفة الجلوس، كانت المزهرية قد استدارت نحو النافذة.

أما الكوب،

فقد كان مغسولاً بعناية، وكأنه أُعيد إلى مكانه بعد استخدامه.

الفراغ الذي يتحرك

أعاد مشاهدة التسجيلات عشرات المرات.

أوقف الصورة.

كبّرها.

أبطأ الحركة.

لكن الفراغ بقي فراغاً.

لم يظهر شخص.

لم يظهر ظل.

لم يظهر حتى انعكاسٌ غريب.

كانت الأشياء تتغير،

دون أن تتحرك.

التعايش مع الضيف الخفي

بعد أيامٍ من الأرق، تعب علي من مقاومة ما لا يستطيع فهمه.

وفي صباحٍ مختلف، وضع كوبين من الشاي على الطاولة.

ابتسم ابتسامة ساخرة وقال بصوتٍ خافت:

إن كنت موجوداً، فلا بأس أن تشرب معي.

خرج إلى الحديقة ساعةً كاملة، وحين عاد، وجد أحد الكوبين فارغاً، بينما بقي الآخر كما تركه.

توقف طويلاً، ثم لم يشعر بالخوف.

بل شعر بشيءٍ يشبه الألفة.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح يترك كوباً إضافياً كل صباح، ويعيد ترتيب الكرسي المقابل لطاولته كأنه ينتظر ضيفاً يعرف موعد حضوره أكثر مما يعرف هو نفسه.

رسائل بلا أسماء

في الليلة التالية، وضع ورقة صغيرة فوق الطاولة.

كتب بخطٍ مرتب:

أتمنى أن يعجبك الشاي.

وفي الصباح.

اختفت الورقة.

عاد إلى المكان نفسه في المساء، فوضع أخرى كتب فيها:

من أنت؟

اختفت هي الأخرى.

تكرر الأمر أياماً، حتى أصبح انتظار اختفاء الورقة أجمل من انتظار طلوع الشمس.

الرسالة التي غيّرت كل شيء

بعد أسبوع، استيقظ مبكراً كعادته، لكنه شعر بشيءٍ مختلف قبل أن يصل إلى المطبخ.

كانت الورقة ما تزال في مكانها.

اقترب ببطء.

رفعها.

وعلى ظهرها، بخطٍ لم يره من قبل، كانت الكلمات تستقر بهدوء:

شكراً على الشاي، أنا هنا لأذكرك بأنك لست وحدك، حتى في ترتيبك المثالي.

قرأها مرة.

ثم ثانية.

ثم ظل يحدق فيها طويلاً، بينما أخذت عيناه تلمعان بشيءٍ لم يعرفه منذ زمن.

لم يحاول البحث عن الكاتب.

ولم يراجع تسجيلات الكاميرات.

ولم يعد يهتم إن كان ما يحدث معجزة، أو وهماً، أو سراً لن يفهمه أبداً.

الضحكة التي كسرت الصمت

في صباح اليوم التالي، تعمد أن يترك كتاباً مائلاً فوق الطاولة، ولم يعدله كما اعتاد.

ترك وسادةً غير مستقيمة.

وترك كوباً في الحوض حتى المساء.

وحين رأى ذلك كله، انفجرت منه ضحكة دافئة، خرجت من أعماقٍ ظلت صامتة سنوات طويلة.

لم يعد المنزل متحفاً يخشى أن تلمسه الحياة.

صار بيتاً.

يحتمل وجود أثرٍ صغير لا يعرف صاحبه.

ويحتمل أن تكون الفوضى الخفيفة رسالة رحمة، لا علامة خلل.

في النهاية ليست كل الأشياء التي نعجز عن تفسيرها سبباً للخوف، فبعض الغموض يأتي ليوقظ فينا جزءاً نام طويلاً تحت ركام العادات الصارمة.

وقد يكون الإنسان، وهو يطارد الكمال بلا هوادة، أكثر احتياجاً إلى لمسةٍ بسيطة من الفوضى تذكره بأن الحياة لا تُقاس بانتظام الأشياء، بل بما تتركه في القلب من دفءٍ وإن كان مصدره ضيفاً، لم يطرق الباب قط, لحن المطر الأخير قصة حب لا تعزف إلا أربعة أيام في السنة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد