القبو الذي لم ينس أصحابه، لم تكن سارة تخاف الظلام بل كانت تخاف الأشياء التي تنتظره كي تظهر، ورثت عن جدتها بيتا حجريا يقف على أطراف البلدة مثل حارس متعب، تعكس نوافذه السماء بوداعة في النهار، بينما تصغي جدرانه في الليل وتئن أرضيته تحت الخطوات كأنها تحفظ أسماء الراحلين.
نزلت سارة إلى القبو بحثا عن صناديق ألوان قديمة، تحمل مصباحا صغيرا وفرشاة عالقة في جيب معطفها، كان الهواء باردا له طعم التراب والحديد الصدئ، وكل درجة من السلم كانت تنزل بها أبعد عن البيت وأقرب إلى شيء لا تعرف اسمه، خلف خزانة مغطاة بقماش بني وجدت صندوقا خشبيا محكم الإغلاق، لا قفل عليه بل شريط قماشي أسود مربوط بعقدة رقيقة، وحين فكته انبعثت رائحة شمع قديم كأن أحدا أطفأ زمنا كاملا داخل الصندوق.
لوحة بيضاء لا تشبه الفراغ
في داخل الصندوق استلقت لوحة متوسطة الحجم مشدودة على إطار من خشب داكن، بيضاء تماما لكن بياضها لم يكن بياض النسيان بل بياض انتظار، ذلك النوع من البياض الذي يشعرك بأنه يحدق فيك قبل أن تحدق فيه، رفعتها سارة إلى الضوء فلم يظهر شيء، ومررت أصابعها على سطحها فكان ناعما باردا حتى خيل إليها أنها تلمس ماء متجمدا لا قماشا.
إلى جوار اللوحة وجدت شمعة واحدة ملفوفة بورقة صفراء، كتب عليها بخط جدتها لا تشعليها إلا إذا استطعت دفع ثمن ما سترين.
الضوء الذي يفتح عين اللوحة
ضحكت سارة ضحكة قصيرة أرادت بها طرد القشعريرة لا السخرية، وضعت اللوحة على حامل مكسور، وثبتت الشمعة في فنجان نحاسي قديم، ثم أشعلت الفتيل، لم يكن اللهب عاديا، فلم يتمايل مع الهواء بل وقف مستقيما كإبرة ذهبية، وتمدد ضوؤه على القماش، وفي اللحظة نفسها بدأت خطوط رمادية تظهر ببطء كأن يدا خفية ترسم من الجهة الأخرى.
رأت في اللوحة شارع السوق، ودكان الخباز، وطفلا يسقط قرب نافورة البلدة، وسلة برتقال تتدحرج على الحجارة، كان المشهد حيا إلى درجة أنها سمعت، أو ظنت أنها سمعت، صرير عجلات عربة بعيدة.
الغد الأول
في صباح اليوم التالي خرجت سارة إلى السوق وقلبها يطرق صدرها كما يطرق المطر نافذة مغلقة، وقفت قرب النافورة لا تعرف هل تنتظر معجزة أم فضيحة عقلها، ثم جاء الطفل، تعثر بالحجر نفسه، وسقط بالطريقة نفسها، وتدحرجت سلة البرتقال حتى توقفت عند قدميها، تجمد الدم في عروقها بينما كان الناس يضحكون ويلتقطون الثمار من الأرض، لم تكن اللوحة تتخيل، بل كانت تتذكر الغد قبل أن يحدث.
مشاهد صغيرة تقود إلى رعب كبير
في الليالي التالية أشعلت سارة الشمعة بحذر، ولم تتركها تحترق طويلا كمن يسرق نظرة من باب ممنوع، كلما اقترب الضوء من القماش خرج مشهد جديد، امرأة تفقد خاتمها، وحصان يهرب من مربطه، ونافذة تتحطم قبل العاصفة، وفي كل مرة كان الغد يطيع اللوحة بدقة مخيفة، ولم تتغير التفاصيل إلا حين تدخلت سارة، حين نبهت المرأة إلى خاتمها، وحين ربطت باب الإسطبل، وحين أبعدت طفلا عن النافذة قبل أن يكسرها الحجر.
لكن الشمعة كانت تقصر، وكل نبوءة تلتهم جزءا من جسدها، وكل قطرة شمع تسقط كانت تشبه ثانية تنتزع من يد سارة.
المدينة على حافة اللهب
في الليلة السابعة اشتعلت الشمعة بصعوبة، وكان فتيلها أسود كرمش محترق، وضوؤها أضيق من قبل، لكنه حين لمس اللوحة انفتح المشهد بعنف، رأت سارة برج الساعة في قلب البلدة، وتحته حشد من الناس يحتفلون بمهرجان الربيع، ثم ظهر دخان كثيف من مخزن الزيوت القديم، وانطلقت شرارة صغيرة، ثم نار، ثم صراخ، ثم انهيار البرج على الساحة، تراجعت سارة حتى ارتطم ظهرها بالجدار، وفي زاوية اللوحة كان هناك توقيت واضح، ساعة البرج الخامسة مساء من اليوم التالي.
سباق قبل انطفاء الشمعة
حملت سارة اللوحة والشمعة إلى غرفتها، وأخذت ترسم المشهد على أوراق كثيرة تبحث عن تفصيلة تنقذ البلدة، كانت عيناها تحفران في الظلال، في أماكن النوافذ، وفي اتجاه الريح، وفي وجه رجل واقف قرب المخزن يحمل فانوسا مكسور الزجاج.
مع الفجر ذهبت إلى رئيس البلدة، لكن كلماته سقطت عليها باردة، رؤيا؟ لوحة؟ شمعة؟ يا سارة نحن لا نلغي مهرجانا بسبب خيال فنانة لم تنم، خرجت من عنده وهي تشعر أن المدينة كلها تمشي نحو فم نار مفتوح، ولم يبق لها إلا أن تتحرك وحدها وتقنع من يستطيع أن يسمع قبل أن يصير السمع صراخا.
الفانوس المكسور
عادت إلى اللوحة قبل الظهر وأشعلت آخر ما بقي من الشمعة، كان اللهب ضئيلا، لكنه كشف تفصيلة لم ترها من قبل، الفانوس المكسور لم يكن بيد رجل غريب بل بيد عامل المخزن العجوز حامد، وكان يقف قرب برميل زيت متسرب.
ركضت سارة إلى المخزن، ووجدت حامدا فعلا يصلح فوانيس المهرجان، وبجانبه برميل قديم يلمع حوله خيط رفيع من الزيت، لم تصرخ، بل أمسكت يده بهدوء وأشارت إلى الأرض، وحين رأى الزيت شحب وجهه، أغلقا المخزن ونقلا البراميل بعيدا، لكن رائحة الدخان باغتتهما من الخارج، لم تكن النار قد بدأت من الفانوس، فقد كانت هناك شرارة أخرى في طريقها.
ما لم ترسمه اللوحة كاملا
اندفعت سارة نحو برج الساعة، حيث كانت الزينة الورقية تلتف حول الأعمدة، والناس يضحكون تحتها غير عالمين أن الفرح قد يتحول أحيانا إلى وقود، فوق البرج كان صبي يشعل مصابيح الاحتفال، وإحدى الشرارات تتساقط نحو ستائر قماشية جافة، صرخت سارة باسمه لكن الموسيقى ابتلعت صوتها، فصعدت الدرج الحجري الضيق، وكل خطوة كانت تسرق من رئتيها هواء وتمنح قلبها خوفا جديدا.
وصلت في اللحظة التي سقطت فيها الشرارة، فخلعت معطفها ورمت به فوق القماش، فارتفع دخان أسود، ثم مات اللهب الصغير تحت قدميها قبل أن يولد الحريق الكبير.
الخامسة إلا نفسا واحدا
دقت الساعة الخامسة، واهتز البرج لا بسبب انهيار بل بسبب أجراسه التي ملأت الساحة بصوت عميق، نظر الناس إلى الأعلى فرأوا سارة واقفة بين الدخان والضوء ويداها مغطاتان بالسخام، في تلك اللحظة فهمت أن اللوحة لم تكن حكما نهائيا بل تحذيرا مكتوبا بلغة الضوء، وأن المستقبل لم يكن حجرا بل طينا رطبا ينتظر يدا شجاعة تعيد تشكيله.
عادت إلى البيت مع الغروب، وكانت الشمعة قد انطفأت تماما، ولم يبق منها إلا بحيرة صغيرة من الشمع الأبيض تشبه دمعة جمدت قبل أن تسقط.
اللوحة التي امتلأت أخيرا
في القبو وضعت سارة اللوحة أمامها للمرة الأخيرة، لم تشعل شيئا ولم تنتظر معجزة، لكنها رأت تحت ضوء المساء وحده لونا خفيفا يظهر على القماش، ولم يكن مشهدا من الغد، كانت اللوحة ترسم البلدة كما هي الآن، برج الساعة قائم، والأطفال يركضون، والسوق يلمع بعد المطر، وامرأة رسامة تقف في نافذة بيت قديم تحمل أثر نار صغير على يديها وطمأنينة واسعة في عينيها.
ابتسمت سارة، ثم أخذت فرشاتها ورسمت في زاوية اللوحة شمعة مطفأة، لم تعد تحتاج إلى اللهب كي ترى، فقد تعلمت أن بعض النور لا يأتي من الشموع، بل من القرار الذي يتخذه الإنسان حين يرى الخطر ولا يدير وجهه.
