لوحة بضوء الشموع قصة رسامة رأت الغد قبل أن يحترق

الراوي
0

لم تكن سارة تخاف الظلام، بل كانت تخاف الأشياء التي تنتظره كي تظهر.

في قبو منزلها القديم، حيث تتدلّى خيوط العنكبوت كستائر جنازة صغيرة، وجدت لوحة بيضاء لا تحمل لونًا ولا خدشًا ولا أثر يد، كأنها صفحة اقتُطعت من صمت العالم.

كانت الشمعة بجانبها قصيرة، عتيقة، بلون العاج المحروق، تفوح منها رائحة عسل مرّ وخشب مبتل.

وما إن أشعلتها حتى ارتعش الضوء فوق القماش، وبدأ البياض يتشقق عن مشهد لم ترسمه يد بشرية.

لوحة بضوء الشموع قصة غامضة عن رسامة رأت الغد قبل أن يحترق

القبو الذي لم ينسَ أصحابه

كان المنزل قد ورثته سارة عن جدتها، بيتًا حجريًا يقف على أطراف البلدة مثل حارس متعب.

في النهار، كانت نوافذه تعكس السماء بوداعة، أما في الليل فكانت الجدران تصغي، والأرضية تئن تحت الخطوات كأنها تحفظ أسماء الراحلين.

نزلت إلى القبو بحثًا عن صناديق ألوان قديمة، تحمل مصباحًا صغيرًا وفرشاة عالقة في جيب معطفها.

الهواء كان باردًا، له طعم التراب والحديد الصدئ، وكل درجة من السلم كانت تنزل بها أبعد عن البيت وأقرب إلى شيء لا تعرف اسمه.

خلف خزانة مغطاة بقماش بني، وجدت صندوقًا خشبيًا محكم الإغلاق.

لم يكن عليه قفل، بل شريط قماشي أسود مربوط بعقدة رقيقة، وحين فكّته انبعثت رائحة شمع قديم كأن أحدًا أطفأ زمنًا كاملًا داخل الصندوق.

لوحة بيضاء لا تشبه الفراغ

في الداخل، استلقت لوحة متوسطة الحجم، مشدودة على إطار من خشب داكن.

كانت بيضاء تمامًا، لكن بياضها لم يكن بياض النسيان، بل بياض انتظار؛ ذلك النوع من البياض الذي تشعر أنه يحدّق فيك قبل أن تحدّق فيه.

رفعتها سارة إلى الضوء فلم يظهر شيء.

مررت أصابعها على سطحها فكان ناعمًا وباردًا، حتى خُيّل إليها أنها لا تلمس قماشًا، بل تلمس ماءً متجمّدًا.

إلى جوار اللوحة وجدت شمعة واحدة، ملفوفة بورقة صفراء كُتب عليها بخط جدتها لا تُشعليها إلا إذا استطعتِ دفع ثمن ما سترين.

الضوء الذي يفتح عين اللوحة

ضحكت سارة ضحكة قصيرة، أرادت بها طرد القشعريرة لا السخرية.

وضعت اللوحة على حامل مكسور، وثبّتت الشمعة في فنجان نحاسي قديم، ثم أشعلت الفتيل.

لم يكن اللهب عاديًا؛ لم يتمايل مع الهواء، بل وقف مستقيمًا كإبرة ذهبية.

تمدد ضوؤه على القماش، وفي اللحظة نفسها بدأت خطوط رمادية تظهر ببطء، كأن يدًا خفية ترسم من الجهة الأخرى.

رأت في اللوحة شارع السوق، دكان الخباز، طفلًا يسقط قرب نافورة البلدة، وسلة برتقال تتدحرج على الحجارة.

كان المشهد حيًا إلى درجة أنها سمعت، أو ظنت أنها سمعت، صرير عجلات عربة بعيدة.

الغد الأول

في صباح اليوم التالي، خرجت سارة إلى السوق وقلبها يطرق صدرها كما يطرق المطر نافذة مغلقة.

وقفت قرب النافورة، لا تعرف هل تنتظر معجزة أم فضيحة عقلها.

ثم جاء الطفل.

تعثر بالحجر نفسه، وسقط بالطريقة نفسها، وتدحرجت سلة البرتقال حتى توقفت عند قدميها.

تجمد الدم في عروقها، بينما كان الناس يضحكون ويلتقطون الثمار من الأرض.

لم تكن اللوحة تتخيل.

كانت تتذكر الغد قبل أن يحدث.

مشاهد صغيرة تقود إلى رعب كبير

في الليالي التالية، أشعلت سارة الشمعة بحذر.

كانت لا تتركها تحترق طويلًا، كمن يسرق نظرة من باب ممنوع.

كلما اقترب الضوء من القماش، خرج مشهد جديد امرأة تفقد خاتمها، حصان يهرب من مربطه، نافذة تتحطم قبل العاصفة.

وفي كل مرة، كان الغد يطيع اللوحة بدقة مخيفة.

لم تتغير التفاصيل إلا حين تدخلت سارة؛ حين نبهت المرأة إلى خاتمها، وحين ربطت باب الإسطبل، وحين أبعدت طفلًا عن النافذة قبل أن يكسرها الحجر.

لكن الشمعة كانت تقصر.

كل نبوءة تلتهم جزءًا من جسدها، وكل قطرة شمع تسقط كانت تشبه ثانية تُنتزع من يد سارة.

المدينة على حافة اللهب

في الليلة السابعة، اشتعلت الشمعة بصعوبة.

كان فتيلها أسود كرمش محترق، وضوؤها أضيق من قبل، لكنه حين لمس اللوحة انفتح المشهد بعنف.

رأت سارة برج الساعة في قلب البلدة، ورأت تحته حشدًا من الناس يحتفلون بمهرجان الربيع.

ثم ظهر دخان كثيف من مخزن الزيوت القديم، وانطلقت شرارة صغيرة، ثم نار، ثم صراخ، ثم انهيار البرج على الساحة.

تراجعت سارة حتى ارتطم ظهرها بالجدار.

في زاوية اللوحة، كان هناك توقيت واضح على ساعة البرج الخامسة مساءً من اليوم التالي.

سباق قبل انطفاء الشمعة

حملت سارة اللوحة والشمعة إلى غرفتها، وأخذت ترسم المشهد على أوراق كثيرة، تبحث عن تفصيلة تنقذ البلدة.

كانت عيناها تحفران في الظلال، في أماكن النوافذ، في اتجاه الريح، في وجه رجل واقف قرب المخزن يحمل فانوسًا مكسور الزجاج.

مع الفجر، ذهبت إلى رئيس البلدة، لكن كلماته سقطت عليها باردة رؤيا؟ لوحة؟ شمعة؟ يا سارة، نحن لا نلغي مهرجانًا بسبب خيال فنانة لم تنم.

خرجت من عنده وهي تشعر أن المدينة كلها تمشي نحو فم نار مفتوح.

لم يبقَ لها إلا أن تتحرك وحدها، وأن تقنع من يستطيع أن يسمع قبل أن يصير السمع صراخًا.

الفانوس المكسور

عادت إلى اللوحة قبل الظهر، وأشعلت آخر ما بقي من الشمعة.

كان اللهب ضئيلًا، لكنه كشف تفصيلة لم ترها من قبل الفانوس المكسور لم يكن بيد رجل غريب، بل بيد عامل المخزن العجوز، حامد، وكان يقف قرب برميل زيت متسرب.

ركضت سارة إلى المخزن.

وجدت حامدًا فعلًا يصلح فوانيس المهرجان، وبجانبه برميل قديم يلمع حوله خيط رفيع من الزيت.

لم تصرخ؛ أمسكت يده بهدوء، وأشارت إلى الأرض.

حين رأى الزيت، شحب وجهه.

أغلقا المخزن، ونقلا البراميل بعيدًا، لكن رائحة الدخان باغتتهما من الخارج.

لم تكن النار قد بدأت من الفانوس؛ كانت هناك شرارة أخرى في طريقها.

ما لم ترسمه اللوحة كاملًا

اندفعت سارة نحو برج الساعة.

كانت الزينة الورقية تلتف حول الأعمدة، والناس يضحكون تحتها غير عالمين أن الفرح قد يتحول أحيانًا إلى وقود.

فوق البرج، كان صبي يشعل مصابيح الاحتفال، وإحدى الشرارات تتساقط نحو ستائر قماشية جافة.

صرخت سارة باسمه، لكن الموسيقى ابتلعت صوتها.

صعدت الدرج الحجري الضيق، وكل خطوة كانت تسرق من رئتيها هواءً وتمنح قلبها خوفًا جديدًا.

وصلت في اللحظة التي سقطت فيها الشرارة.

خلعت معطفها ورمت به فوق القماش، فارتفع دخان أسود، ثم مات اللهب الصغير تحت قدميها قبل أن يولد الحريق الكبير.

الخامسة إلا نفسًا واحدًا

دقّت الساعة الخامسة.

اهتز البرج، لا بسبب انهيار، بل بسبب أجراسه التي ملأت الساحة بصوت عميق.

نظر الناس إلى الأعلى، فرأوا سارة واقفة بين الدخان والضوء، ويداها مغطاتان بالسخام.

في تلك اللحظة، فهمت أن اللوحة لم تكن حكمًا نهائيًا، بل تحذيرًا مكتوبًا بلغة الضوء.

المستقبل لم يكن حجرًا، بل طينًا رطبًا ينتظر يدًا شجاعة تعيد تشكيله.

عادت إلى البيت مع الغروب.

كانت الشمعة قد انطفأت تمامًا، ولم يبقَ منها إلا بحيرة صغيرة من الشمع الأبيض، تشبه دمعة جمدت قبل أن تسقط.

النهاية اللوحة التي امتلأت أخيرًا

في القبو، وضعت سارة اللوحة أمامها للمرة الأخيرة.

لم تشعل شيئًا، ولم تنتظر معجزة.

لكنها رأت، تحت ضوء المساء وحده، لونًا خفيفًا يظهر على القماش.

لم يكن مشهدًا من الغد.

كانت اللوحة ترسم البلدة كما هي الآن برج الساعة قائم، الأطفال يركضون، السوق يلمع بعد المطر، وامرأة رسامة تقف في نافذة بيت قديم، تحمل أثر نار صغير على يديها وطمأنينة واسعة في عينيها.

ابتسمت سارة، ثم أخذت فرشاتها ورسمت في زاوية اللوحة شمعة مطفأة.

لم تعد تحتاج إلى اللهب كي ترى؛ فقد تعلمت أن بعض النور لا يأتي من الشموع، بل من القرار الذي يتخذه الإنسان حين يرى الخطر ولا يدير وجهه.

العبرة التي تركها الضوء

ليست كل معرفة نعمة، ولا كل خوف لعنة.

أحيانًا يمنحنا القدر لمحة قصيرة لا كي نهرب مما سيأتي، بل كي نعرف أن الغد ليس وحشًا مكتمل الخلق، وأن يدًا واحدة، إذا آمنت بالفعل، تستطيع أن تغيّر اتجاه النار قبل أن تبتلع المدينة, رسالة من عقد قادم البريد الغامض الذي غير مصير البشرية من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد