رسالة من عقد قادم قصة مشوقة تكشف ثمن بيع المستقبل

الراوي
0

الظرف الذي لم يحمله ساعي بريد، لم يكن ذلك الصباح باردا، ومع ذلك شعر إياد بأن صقيعا خفيا تسلل إلى عظامه حين وجد ظرفا أبيض مستلقيا أمام باب شقته، بلا طابع بريدي، وبلا اسم لمرسل، وبخط يعرفه أكثر من معرفته لملامح وجهه في المرآة، فقد كان خطه هو بعينه.

فتح الظرف بأصابع لم تعد تطيعه، فانبعثت منه رائحة ورق قديم، وكأن هذه الرسالة قد قطعت زمنا طويلا لا مجرد طريق قصير حتى وصلت إليه.

وحين وقعت عيناه على التاريخ المدون أعلى الصفحة، تراجع خطوة إلى الوراء حتى اصطدم ظهره بالحائط، إذ كانت الرسالة مؤرخة بيوم يقع بعد عشر سنوات كاملة من هذا اليوم بالذات.

كانت شقة إياد في الطابق السابع تطل على مدينة تستيقظ ببطء، حيث تلتقط واجهات أبراجها الزجاجية شمس الصباح فتتلألأ وكأنها شظايا ذهبية متناثرة.

وعلى مكتبه، كانت عقود البيع تنتظر توقيعه في المساء، عقد بيع مشروعه لشركة نيوكورا العالمية، ذلك المشروع الذي أطلق عليه في ليال طويلة من العمل اسم نبض.

لم يكن نبض تطبيقا عاديا ولا مجرد خوارزمية تجارية، بل كان نظاما قادرا على قراءة أنماط الطاقة الحيوية في المدن، والتنبؤ بانهيار الشبكات ووقوع الأوبئة، بل وحتى استشعار موجات الهلع الجماعي قبل حدوثها فعليا.

غير أن هذا المشروع لم يكن في نظر الشركة الكبرى سوى مفتاح لسلطة خفية لا ترى ولا يمكن مقاومتها.

وحين قرأ إياد السطر الأول من الرسالة، شعر أن الكلمات لم تكن مكتوبة بالحبر، بل محفورة في صدره مباشرة، إذ قالت الرسالة لا توقع الليلة، فإن بعت نبض، فلن تبيع مشروعك، بل ستبيع آخر فرصة لنا.

رسالة من عقد قادم قصة مشوقة تكشف ثمن بيع المستقبل


خط يشبه الرجفة

اقترب إياد من النافذة، ورفع الورقة أمام الضوء ليتفحصها جيدا.

كان الخط خطه هو بلا أدنى شك، فالميل ذاته في حرف الياء موجود، والارتباك القديم في نهايات الكلمات حاضر، حتى البقعة الصغيرة فوق حرف الهاء كانت من عاداته المعروفة حين يكتب بسرعة.

قال لنفسه بصوت خرج غريبا إنها مجرد مزحة سخيفة، لكن قلبه لم يصدق كلماته.

فقد ذكرت الرسالة تفاصيل لا يعرفها أحد غيره، مثل كلمة المرور القديمة لخادم تجريبي أخفاه منذ عامين، واسم الملف الذي دفن فيه النسخة الأولى من نبض، بل وحتى الجملة التي كان ينوي قولها في المساء قبل التوقيع، وهي أريد فقط أن أبدأ حياة عادية.

مساء البيع ورائحة الخيانة

بحلول الظهيرة، صار كل شيء من حوله ملوثا بالشك.

بدا صوت المصعد وكأن أحدا يصعد إليه من قاع بئر عميقة، وكان رنين هاتفه يلسعه في كل مرة تضيء فيها الشاشة برسالة من المدير التنفيذي للشركة المشترية تقول نراك الليلة يا إياد، فالتاريخ ينتظر توقيعك.

خرج إلى الشارع والرسالة مطوية داخل جيبه كأنها جمرة متقدة.

سأل حارس البناية عن الظرف، فأقسم الرجل أنه لم ير أحدا، ثم تذكر فجأة عجوزا يرتدي معطفا رماديا دخل البناية قبل الفجر، ولم تلتقط كاميرات المدخل صورته على الإطلاق.

وحين راجع إياد التسجيلات بنفسه، رأى الفراغ يتحرك أمام عينيه.

لم تظهر صورة العجوز كاملة أبدا، بل كان مجرد تشويش على هيئة جسد، ظل يسير عكس اتجاه الضوء، ثم يختفي عند باب شقته تماما كما تختفي قطرة حبر في ماء أسود.

الاسم المخفي داخل الرسالة

عاد إياد إلى مختبره الخاص، ذلك المكان الضيق تحت الأرض الذي تفوح منه رائحة المعدن الساخن والقهوة المحترقة.

وضع الرسالة تحت ماسح طيفي دقيق، فظهر بين ألياف الورق توقيع مجهري لم يكن بالحبر، بل بنبضات ضوئية دقيقة للغاية.

وكانت هذه النبضات تتحول أمام عينيه إلى اسم واحد لا غير، وهو مريم.

تجمد إياد في مكانه.

فمريم لم تكن مجرد موظفة في شركته ولا مجرد صديقة قديمة، بل كانت العالمة الوحيدة التي حذرته قبل عام كامل من بيع نبض، ثم اختفت بعد ذلك في حادث سيارة غامض.

قيل إنها ماتت، لكن الجثة احترقت حتى لم يتبق منها سوى خاتمها.

وفي تلك اللحظة بالذات، رن هاتفه، وكان الرقم مجهولا.

وحين أجاب، جاءه صوت امرأة متقطع، وكأنه يمر عبر رياح بعيدة، تقول له إياد، لا تذهب وحدك إلى التوقيع.

المدينة التي تهمس قبل الانهيار

لم يسألها إن كانت مريم فعلا، فقد كان الخوف أذكى من طرح الأسئلة في تلك اللحظة.

طلبت منه أن يذهب إلى محطة القطارات القديمة، عند الرصيف الثالث، قبل الساعة السادسة مساء.

وهناك، وسط صفير قطار مهجور ورائحة صدأ مبتل، وجد العجوز صاحب المعطف الرمادي في انتظاره.

كان وجهه مألوفا بطريقة مفزعة، ليس لأنه رآه من قبل، بل لأنه يشبه نسخة محطمة من ملامحه هو نفسه.

عينان متعبتان، وتجاعيد محفورة كخرائط حروب قديمة، وندبة صغيرة فوق الحاجب الأيسر، هي الندبة ذاتها التي يحملها إياد منذ طفولته.

قال العجوز بهدوء أنا أنت، إن وقعت الليلة.

تراجع إياد إلى الخلف، وضحك ضحكة قصيرة يابسة قائلا هذا مستحيل.

أخرج العجوز من جيبه جهازا صغيرا نابضا، يشبه قلبا زجاجيا تدور بداخله عاصفة زرقاء، وقال المستحيل كلمة اخترعناها قبل أن نتعلم كيف يكسر الزمن قوانينه الخاصة.

ما بعد البيع

عرض العجوز تسجيلا ثلاثي الأبعاد في هواء المحطة أمام عيني إياد.

رأى مدنا بلا كهرباء، ومستشفيات تغرق في صمت مطبق، وطائرات تهبط اضطراريا، وأسواقا تنهار لأن نيوكورا استخدمت نبض لا لحماية البشر، بل لتوقع خوفهم ثم شرائه وبيعه.

ظهر في التسجيل رجل أكبر سنا يحمل ملامح إياد، يقف أمام مؤتمر عالمي، وصوته مكسور وهو يقول ظننت أنني أبيع اختراعي، لم أفهم أنني أسلمهم القدرة على توجيه قرارات الملايين قبل أن يولد القرار نفسه في عقولهم.

ثم ظهرت مريم، حية تماما، تعمل في مختبر تحت الأرض، تقول أمام الكاميرا إن هذه الرسالة يجب أن تصل إلى يوم البيع، ليس لإنقاذ إياد وحده، بل لإنقاذ الاختيار الإنساني من أن يتحول إلى مجرد وهم.

التوقيع الذي لم يحدث

في الساعة الثامنة مساء، دخل إياد قاعة الاجتماعات في برج نيوكورا.

كانت الطاولة لامعة كحد سكين، والوجوه المحيطة بها مبتسمة بذلك البرود الذي يميز الآلات لا البشر.

أمامه كان القلم ينتظر، والعقد مفتوحا عند خانة التوقيع.

قال رئيس الشركة هذه فرصتك لتصير أسطورة.

نظر إياد إلى الزجاج خلفه، فرأى المدينة ممتدة تحت قدميه، بملايين النوافذ الصغيرة، وملايين الأرواح التي لا تعرف أن قرارا واحدا قد يحول خوفها إلى سلعة تباع وتشترى.

أخرج الرسالة من جيبه، ووضعها فوق العقد.

قال بصوت ثابت الأسطورة التي تبدأ ببيع ضميرها، تنتهي لعنة.

ثم مزق العقد أمام الجميع.

لم يصرخ أحد في القاعة.

كان الصمت أشد وقعا من أي صراخ.

وفي اللحظة نفسها، انطفأت شاشة العرض خلفهم، وظهر بث مباشر لمريم، تكشف للعالم كله ملفات نيوكورا السرية وخطتها للسيطرة على منظومات الطاقة والسلوك البشري.

آخر رسالة

حين خرج إياد من البرج، كانت السماء تمطر مطرا خفيفا، وكأن المدينة تغسل وجها لم تكن تعلم أنه ملوث طوال الوقت.

بحث عن العجوز في الشارع فلم يجده، لكن الرسالة في جيبه كانت قد تغيرت.

اختفى التحذير القديم، وظهرت مكانه جملة جديدة بخطه هو، تقول لقد لم أعد موجودا كما كنت، وهذا أفضل مصير تمنيته لنا.

ابتسم إياد، لا بفرح كامل، بل براحة من نجا ولم ينس بعد حافة الهاوية التي كان يقف عليها.

وفي صباح اليوم التالي، أعلن أن نبض سيصبح مشروعا مفتوحا تحت رقابة علمية وإنسانية عالمية، لا تملكه شركة واحدة ولا حكومة ولا رجل بمفرده.

وحين يختار الإنسان ألا يبيع غده

ليست كل الرسائل تأتي من صندوق البريد، وبعض التحذيرات لا تكتب كي نعرف المستقبل، بل كي ننتبه إلى الحاضر قبل أن يتحول إلى ندم لا يرد.

لقد فهم إياد أخيرا أن أخطر القرارات لا تبدو دائما شريرة، فأحيانا تأتي أنيقة ومربحة وموقعة بحبر ذهبي.

ومن يملك القدرة على تغيير العالم لا يسأل فقط كم ستربح، بل يسأل أولا من سيدفع الثمن حين تغلق عينيك وتوقع.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.