مدينة الرماد التي نسيت الألوان، كان الرماد يتنفس في كل زاوية من زوايا تلك المدينة، وكانت تستيقظ كل صباح وكأن الليل قد نسي عباءته السوداء فوق أسطحها، جدران رمادية، ونوافذ رمادية، وأرصفة تشبه الغبار العالق في ذاكرة قديمة، حتى السماء بدت كصفحة ممسوحة لا تجرؤ الشمس على الكتابة فوقها.
لم يكن الأطفال يعرفون اللون الأحمر إلا ككلمة تتردد في الحكايات، ولا الأزرق إلا كحلم بعيد يلمع في عيون الجدات حين يروين عن بحر لم يرينه قط بأعينهن.
وفي زقاق ضيق خلف مخبز صامت، عاشت قطة صغيرة تدعى فريده، لها عينان واسعتان تلتقطان الأسرار من بين الشقوق، وشوارب رفيعة ترتجف كلما شمت رائحة سؤال معلق في الهواء.
لم تكن شواربها كسائر الشوارب، فحين يوقظها الفضول كانت تطول شيئا فشيئا، ثم تتوهج كخيوط فجر تسللت للتو من صندوق مغلق.
المدينة التي نسيت أسماء الألوان
لم يكن في تلك المدينة سوق للزهور، ولا ستائر مزركشة، ولا ألعاب تلمع في أيدي الصغار، كانت الأشياء كلها ترتدي لونا واحدا، كأنها تعاهدت جميعا على الصمت.
حتى أصوات الباعة كانت باهتة، تخرج من حناجرهم كحصى صغيرة تتدحرج على أرض باردة لا صدى فيها.
كانت فريده تمشي فوق الحواف العالية، تضع كفوفها بخفة على الأسوار، وتحدق في الوجوه العابرة، كان الناس يمضون منكسي الرؤوس، لا يلتفتون إلى شيء، وكأنهم يخشون أن يكتشفوا أن العالم كان يوما أوسع من هذا الرماد.
وفي مساء بارد، سمعت فريده طفلة تهمس لأخيها قرب نافذة مغلقة: هل كان الأصفر دافئا حقا؟ فارتجفت شوارب فريده، لا من البرد، بل من سؤال أيقظ في قلبها بابا لم تكن تعلم بوجوده من قبل.
الوميض الأول على الجدار
اقتربت فريده من الجدار المقابل للنافذة، وكان خشنا باردا، تفوح منه رائحة المطر القديم، وما إن لامسته إحدى شواربها حتى انسكب خط رفيع من الضوء فوقه، خط ذهبي ناعم، كأن الشمس تركت خصلة من شعرها هناك ثم هربت.
تراجعت فريده مذعورة، وانتفش ذيلها كغيمة صغيرة، لكن الخط بقي يلمع في مكانه، فتحت الطفلة النافذة، ومدت أصابعها نحوه، وحين لامسته ابتسمت ابتسامة لم تشهدها المدينة منذ زمن طويل.
قالت الطفلة بدهشة: هذا، هذا دافئ أما فريده فحدقت في شواربها، فرأتها أطول وأشد توهجا، كأنها تقول لها امضي، فما زالت الجدران عطشى للون.
أثر متلألئ يقود الأطفال
في صباح اليوم التالي، خرجت فريده من الزقاق كمن يحمل سرا أكبر من جسده الصغير، سارت بمحاذاة الجدران، وكلما لامست شواربها حجرا أو بابا أو سورا، تركت خلفها أثرا جديدا، مرة أخضر كعشب ولد للتو، ومرة أزرق كضحكة ماء، ومرة بنفسجي يشبه آخر همسة للمساء.
لم تكن فريده تقصد أن ترسم طريقا، لكنها فعلت، فقد أخذ الأطفال يتبعون الخطوط المتوهجة، يركضون خلفها بأقدام مترددة أولا، ثم بضحكات صافية راحت تكسر صمت الأزقة كأجراس صغيرة.
كان الغبار المتساقط من شواربها يلمع في الهواء، فيلتقطه الأطفال بأكفهم، ويمسحون به أبواب بيوتهم، فإذا بالخشب الرمادي يشتعل بلون الكرز، وإذا بالعتبات ترتدي صفرة الليمون، وإذا بالنوافذ تفتح عيونها الخضراء لأول مرة في تاريخها.
حين صارت الضحكة فرشاة
قال صبي نحيل وهو يلطخ جدار بيته بلون أزرق: انظري يا أمي، السماء نزلت عندنا فخرجت أمه من الداخل، ووقفت طويلا أمام الجدار، ثم رفعت يدها إلى فمها كأنها تخشى أن تهرب الدهشة إن تنفست.
لم تعد المدينة صامتة تماما، بدأت الأبواب تصدر صريرا مرحا وهي تفتح، وارتفعت من النوافذ أصوات الأطفال وهم ينادون فريده: هنا يا فريده، مري من هنا
وكانت القطة تقفز بخفة، شواربها تلمع كستة أقواس صغيرة، وتترك وراءها دروبا من ألوان لم تكن المدينة تعرف أنها تشتاق إليها طيلة هذا الوقت.
السر المخيف خلف قوس قزح
لكن فريده لم تنتبه في البداية إلى ما كان يحدث لها، كانت فرحتها تكبر كلما اتسعت الألوان، وكلما رأت وجها رماديا يستعيد دفأه من جديد.
غير أنها حين توقفت قرب نافورة قديمة ونظرت إلى انعكاسها في الماء، انقبض قلبها الصغير، كانت شواربها أقصر، اقتربت أكثر، ورفعت كفها المرتجف إلى وجهها.
الشوارب التي كانت تمتد كالخيوط المضيئة صارت نصف طولها تقريبا، وبعضها فقد بريقه عند الأطراف، شعرت فريده بأن المدينة كلها تدور حولها، وأن الألوان التي منحتها للناس أخذت منها في المقابل شيئا ثمينا.
بكاء صغير في ظل النافورة
اختبأت فريده خلف قاعدة النافورة، ولفت ذيلها حول جسدها، لم تبك بصوت مسموع، لكن عينيها امتلأتا بلمعان حزين يشبه المطر حين يتردد قبل أن يسقط.
قالت الطفلة التي رأت اللون الذهبي أول مرة: فريده؟ لماذا توقفت؟ نظرت القطة إليها، ثم إلى شواربها القصيرة، ففهم الأطفال ما لم تستطع قوله بلسانها.
جلسوا حولها في دائرة صامتة، وكانت أيديهم ملونة بالغبار المتلألئ، كأنهم عادوا للتو من لمس النجوم، قال صبي صغير بهدوء: أنت لا تحتاجين إلى شواربك وحدها كي ترسمي، ثم أشار إلى ذيلها الكثيف وأضاف: سنعلمك كيف تجعلين ذيلك فرشاة.
فرشاة من ذيل وقلب من شجاعة
لم تصدق فريده في البداية، حركت ذيلها في الهواء بحذر، فلم يحدث شيء سوى خفقة رمادية صغيرة من الغبار، ضحك الأطفال برفق، لا سخرية فيه، ثم جاؤوا بأوعية صغيرة جمعوا فيها ألوان الشوارب المتساقطة من الأزقة.
غمسوا طرف ذيلها في الأزرق، فصار كريشة بحرية، ثم طلبوا منها أن تدور، دارت فريده دورة خجولة، فارتسم في الهواء خط أزرق شفاف، ظل معلقا لحظة قبل أن يستقر على حجر النافورة كوشاح من ماء.
اتسعت عينا فريده دهشة، دارت مرة أخرى، وهذه المرة غمس الأطفال ذيلها في الأحمر والأصفر معا، فانطلقت من حركتها شرارة برتقالية دافئة، ورقصت فوق البلاط كضحكة مشتعلة.
المدينة تخلع رمادها
انتشر الخبر كنسمة ملونة، فريده لا تزال ترسم، خرج الناس من بيوتهم، بعضهم يحمل دلاء، وبعضهم يحمل قطع قماش، وبعضهم جاء فقط بعينين لا تصدقان ما تريان.
ولم تعد فريده وحدها تصنع المعجزة، صار الأطفال يرسمون معها، يخلطون الألوان، يطبعون أكفهم على الجدران، ويتركون فوق الأبواب زهورا وشموسا وطيورا لم تطر من قبل.
تحولت الأزقة إلى أنهار من ضوء، والسطوح إلى حدائق معلقة، والنوافذ إلى مربعات فرح تطل على عالم جديد، أما فريده، فكانت تركض في الساحة الكبرى، وذيلها يلون الهواء بقوس قزح عريض، ينساب خلفها كأن السماء أخيرا عثرت على طريقها إلى الأرض.
وفي نهاية النهار، جلس الأطفال حولها، ورسموا لها شوارب جديدة على وجهها، شوارب من الأزرق والأخضر والذهبي والبنفسجي، لا تنمو بالسحر هذه المرة، بل بالمحبة.
قوس قزح لا يسكن السماء وحدها
عندما أقبل المساء، لم تعد المدينة رمادية، كانت البيوت تتوهج بألوانها، والشوارع تحمل آثار خطوات صغيرة وكفوف قطة شجاعة، والنافورة القديمة تعكس وجها جديدا للعالم.
جلست فريده في وسط الساحة، ترفع ذيلها كفرشاة ملكية، وكلما حركته في الهواء ظهرت خطوط ناعمة تلمع ثم تتلاشى، كأنها تذكر الجميع بأن اللون يبدأ من جرأة صغيرة.
لم تستعد فريده شواربها كما كانت من قبل، لكنها كسبت شيئا أوسع من السحر، كسبت أصدقاء يعرفون كيف يحرسون الضوء حين يتعب صاحبه، وكيف يحولون الخوف إلى لعبة، والفقد إلى بداية جديدة.
وهكذا فهمت المدينة أن الجمال لا يولد دائما من قوة لا تنفد، بل من قلب يجرؤ على العطاء، ومن أيد تمتد في اللحظة المناسبة لتقول لسنا بحاجة إلى معجزة واحدة، ما دمنا نستطيع أن نصنع المعجزات معا.
