القطة التي رسمت قوس قزح بشواربها حكاية فريده والمدينة الرمادية

الراوي
0

حين تنفّس الرماد في الشوارع, كانت المدينة تستيقظ كل صباح كما لو أنّ الليل نسي عباءته فوق أسطحها؛ جدران رمادية، نوافذ رمادية، أرصفة تشبه الغبار العالق في ذاكرة قديمة، حتى السماء بدت كصفحة ممسوحة لا تجرؤ الشمس على الكتابة فوقها.

لم يكن الأطفال يعرفون الأحمر إلا ككلمة في الحكايات، ولا الأزرق إلا كحلم بعيد يلمع في عيون الجدّات حين يتحدثن عن بحر لم يروه قط.

في زقاق ضيق خلف مخبز صامت، عاشت قطة صغيرة اسمها فريده، لها عينان واسعتان تلتقطان الأسرار من بين الشقوق، وشوارب رفيعة ترتجف كلما شمّت رائحة سؤال.

ولم تكن شواربها عادية؛ فحين يوقظها الفضول، كانت تطول شيئاً فشيئاً، ثم تتوهج كخيوط فجرٍ تسللت من صندوق مغلق.

قصة اطفال القطة التي رسمت قوس قزح بشواربها حكاية فريده والمدينة الرمادية

المدينة التي نسيت أسماء الألوان

لم يكن في المدينة سوق للزهور، ولا ستائر مزركشة، ولا ألعاب تلمع في أيدي الصغار؛ كانت الأشياء كلها ترتدي لوناً واحداً كأنها تعاهدت على الصمت.

حتى أصوات الباعة كانت باهتة، تخرج من حناجرهم مثل حصى صغيرة تتدحرج على أرض باردة.

كانت فريده تمشي فوق الحواف العالية، تضع كفوفها بخفة على الأسوار، وتحدّق في الوجوه العابرة.

كان الناس يمضون منكسي الرؤوس، لا يلتفتون إلى شيء، كأنهم يخشون أن يكتشفوا أن العالم كان أوسع من هذا الرماد.

وفي مساء بارد، سمعت فريده طفلة تهمس لأخيها قرب نافذة مغلقة:

هل كان الأصفر دافئاً حقاً؟

فارتجفت شوارب فريده، لا من البرد، بل من سؤالٍ أيقظ في قلبها باباً لم تعرف أنه موجود.

الوميض الأول على الجدار

اقتربت فريده من الجدار المقابل للنافذة، وكان خشناً بارداً، تفوح منه رائحة المطر القديم.

وما إن لامسته إحدى شواربها حتى انسكب خط رفيع من الضوء فوقه، خط ذهبي ناعم، كأن الشمس تركت خصلة من شعرها هناك وهربت.

تراجعت فريده مذعورة، وانتفش ذيلها كغيمة صغيرة، لكن الخط بقي يلمع.

فتحت الطفلة النافذة، ومدّت أصابعها نحوه، وحين لامسته ابتسمت ابتسامة لم ترها المدينة منذ زمن طويل.

قالت الطفلة بدهشة:

هذا، هذا دافئ!

أما فريده فحدّقت في شواربها، فرأتها أطول وأشد توهجاً، كأنها تقول لها امضي، فما زالت الجدران عطشى.

أثرٌ متلألئ يقود الأطفال

في صباح اليوم التالي، خرجت فريده من الزقاق كمن يحمل سراً أكبر من جسده الصغير.

سارت بمحاذاة الجدران، وكلما لامست شواربها حجراً أو باباً أو سوراً، تركت خلفها أثراً جديداً؛ مرة أخضر كعشبٍ وُلد للتو، ومرة أزرق كضحكة ماء، ومرة بنفسجي يشبه آخر همسة للمساء.

لم تكن فريده تقصد أن ترسم طريقاً، لكنها فعلت.

فقد أخذ الأطفال يتبعون الخطوط المتوهجة، يركضون خلفها بأقدام مترددة أولاً، ثم بضحكات صافية راحت تكسر صمت الأزقة مثل أجراس صغيرة.

كان الغبار المتساقط من شواربها يلمع في الهواء، فيلتقطه الأطفال بأكفهم، ويمسحون به أبواب بيوتهم.

فإذا بالخشب الرمادي يشتعل بلون الكرز، وإذا بالعتبات ترتدي صفرة الليمون، وإذا بالنوافذ تفتح عيونها الخضراء لأول مرة.

حين صارت الضحكة فرشاة

قال صبي نحيل وهو يلطخ جدار بيته بلون أزرق:

انظري يا أمي، السماء نزلت عندنا!

فخرجت أمه من الداخل، ووقفت طويلاً أمام الجدار، ثم رفعت يدها إلى فمها كأنها تخشى أن تهرب الدهشة إن تنفست.

لم تعد المدينة صامتة تماماً.

بدأت الأبواب تصدر صريراً مرحاً وهي تُفتح، وارتفعت من النوافذ أصوات الأطفال وهم ينادون فريده:

هنا يا فريده! مرّي من هنا!

وكانت القطة تقفز بخفة، شواربها تلمع كستة أقواس صغيرة، وتترك وراءها دروباً من ألوان لم تعرف المدينة أنها تشتاق إليها.

السر المخيف خلف قوس قزح

لكن فريده لم تنتبه في البداية إلى ما يحدث لها.

كانت فرحتها تكبر كلما اتسعت الألوان، وكلما رأت وجهاً رمادياً يستعيد الدفء.

غير أنها حين توقفت قرب نافورة قديمة ونظرت إلى انعكاسها في الماء، انقبض قلبها الصغير.

كانت شواربها أقصر.

اقتربت أكثر، ورفعت كفها المرتجف إلى وجهها.

الشوارب التي كانت تمتد كالخيوط المضيئة صارت نصف طولها تقريباً، وبعضها فقد بريقه عند الأطراف.

شعرت فريده بأن المدينة كلها دارت حولها، وأن الألوان التي منحتها للناس أخذت شيئاً ثميناً منها في المقابل.

بكاء صغير في ظل النافورة

اختبأت فريده خلف قاعدة النافورة، ولفّت ذيلها حول جسدها.

لم تبكِ بصوت مسموع، لكن عينيها امتلأتا بلمعان حزين يشبه المطر حين يتردد قبل السقوط.

قالت الطفلة التي رأت اللون الذهبي أول مرة:

فريده؟ لماذا توقفتِ؟

نظرت القطة إليها، ثم إلى شواربها القصيرة، ففهم الأطفال ما لم تستطع قوله.

جلسوا حولها في دائرة صامتة، وكانت أيديهم ملوّنة بالغبار المتلألئ، كأنهم عادوا من لمس النجوم.

قال صبي صغير بهدوء:

أنتِ لا تحتاجين إلى شواربك وحدها كي ترسمي.

ثم أشار إلى ذيلها الكثيف وأضاف:

سنعلّمك كيف تجعلين ذيلك فرشاة.

فرشاة من ذيل وقلب من شجاعة

لم تصدق فريده في البداية.

حرّكت ذيلها في الهواء بحذر، فلم يحدث شيء سوى خفقة رمادية صغيرة من الغبار.

ضحك الأطفال برفق، لا سخرية فيه، ثم جاؤوا بأوعية صغيرة جمعوا فيها ألوان الشوارب المتساقطة من الأزقة.

غمسوا طرف ذيلها في الأزرق، فصار كريشة بحرية.

ثم طلبوا منها أن تدور.

دارت فريده دورة خجولة، فارتسم في الهواء خط أزرق شفاف، ظل معلقاً لحظة قبل أن يستقر على حجر النافورة كوشاح من ماء.

اتسعت عينا فريده.

دارت مرة أخرى، وهذه المرة غمس الأطفال ذيلها في الأحمر والأصفر معاً، فانطلقت من حركتها شرارة برتقالية دافئة، ورقصت فوق البلاط كضحكة مشتعلة.

المدينة تخلع رمادها

انتشر الخبر كنسمة ملونة فريده لا تزال ترسم.

خرج الناس من بيوتهم، بعضهم يحمل دلاء، وبعضهم يحمل قطع قماش، وبعضهم جاء فقط بعينين لا تصدقان.

ولم تعد فريده وحدها تصنع المعجزة؛ صار الأطفال يرسمون معها، يخلطون الألوان، يطبعون أكفهم على الجدران، ويتركون فوق الأبواب زهوراً وشموساً وطيوراً لم تطِر من قبل.

تحولت الأزقة إلى أنهار من ضوء، والسطوح إلى حدائق معلقة، والنوافذ إلى مربعات فرح تطل على عالم جديد.

أما فريده، فكانت تركض في الساحة الكبرى، وذيلها يلوّن الهواء بقوس قزح عريض، ينساب خلفها كأن السماء أخيراً عثرت على طريقها إلى الأرض.

وفي نهاية النهار، جلس الأطفال حولها، ورسموا لها شوارب جديدة على وجهها؛ شوارب من الأزرق والأخضر والذهبي والبنفسجي، لا تنمو بالسحر هذه المرة، بل بالمحبة.

قوس قزح لا يسكن السماء وحدها

عندما أقبل المساء، لم تعد المدينة رمادية.

كانت البيوت تتوهج بألوانها، والشوارع تحمل آثار خطوات صغيرة وكفوف قطة شجاعة، والنافورة القديمة تعكس وجهاً جديداً للعالم.

جلست فريده في وسط الساحة، ترفع ذيلها كفرشاة ملكية، وكلما حركته في الهواء ظهرت خطوط ناعمة تلمع ثم تتلاشى، كأنها تذكّر الجميع بأن اللون يبدأ من جرأة صغيرة.

لم تستعد فريده شواربها كما كانت، لكنها كسبت شيئاً أوسع من السحر؛ كسبت أصدقاء يعرفون كيف يحرسون الضوء حين يتعب صاحبه، وكيف يحوّلون الخوف إلى لعبة، والفقد إلى بداية جديدة.

وهكذا فهمت المدينة أن الجمال لا يولد دائماً من قوة لا تنفد، بل من قلب يجرؤ على العطاء، ومن أيدٍ تمتد في اللحظة المناسبة لتقول لسنا بحاجة إلى معجزة واحدة، ما دمنا نستطيع أن نصنع المعجزات معاً, قصة النافذة التي كانت تفتح على أزمنة لم يعشها زهير من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد