نافذة الأزمنة حكاية مؤثرة عن رجل رأى حياته الأخرى

الراوي
0

بداية الصباح الكاذب، لم يكن في شقة زهير ما يستحق الدهشة، سرير ضيق ومكتب خشبي متعب وفنجان قهوة يبرد كل صباح قرب نافذة تطل على جدار إسمنتي باهت في المبنى المقابل، كان الجدار قريبا إلى حد أن زهير كان يشعر أحيانا أن المدينة كلها قد ضاقت حتى صارت تتنفس في وجهه.

لكن في صباح ثلاثاء رمادي، مد يده ليفتح النافذة، فدخلت إلى الغرفة رائحة رمل ساخن لا رائحة عوادم السيارات المعتادة، وحين رفع عينيه لم يجد الجدار، بل صحراء شاسعة تمتد كبحر ذهبي تحت شمس لا تعرف الرحمة.

قصة نافذة الأزمنة حكاية مؤثرة عن رجل رأى حياته الأخرى


الصحراء بدل الجدار

ظل زهير واقفا بملابس نومه يحدق في الأفق كمن عثر على خطأ في خلق العالم، كانت الرمال تتحرك في موجات ناعمة، والهواء يدخل محملا بخشونة الملح والغبار، حتى أحس بحبات صغيرة تعلق برموشه، أغلق النافذة بعنف ثم فتحها من جديد، فوجد الصحراء ما تزال هناك، صامتة وحقيقية، لا تشبه حلما ولا صورة على شاشة، مد أصابعه خارج الإطار فلامسته حرارة لاذعة جعلته يسحب يده كمن لمس ظهر كائن حي.

أمسك هاتفه والتقط صورة، وأرسلها إلى صديقه المصور سامي وكتب له يسأله إن كان يستطيع تفسير ما حدث، فنافذته صارت تطل على صحراء، جاء رد سامي بعد دقائق يمازحه بأن ما رآه ربما مجرد فلتر جميل، أو كابوس بسبب قهوة الأمس.

ستة صباحات لا تشبه بعضها

في اليوم التالي لم تكن الصحراء هناك، بل فتحت النافذة على محيط أزرق هائل تصطدم أمواجه بصخور سوداء تحت سماء فضية، اندفعت رائحة الطحالب والرطوبة إلى الغرفة، وارتجف زهير حين تناثرت قطرات ماء باردة على وجهه.

في الصباح الثالث ظهرت مدينة مزدحمة لا يعرفها، بأبراج زجاجية وقطارات معلقة وجموع تتحرك كأنها دم يسري في عروق معدنية، كانت أصوات الباعة والأقدام والأبواق تصل إليه واضحة، كأن شقته لم تعد في القاهرة بل معلقة في قلب عالم آخر.

صار زهير يوثق كل شيء، صورة للصحراء ومقطعا للمحيط وتسجيلا لأصوات المدينة، وسامي رغم دهشته الخفية ظل يختبئ خلف السخرية، وقال له إنه موهوب في الخداع البصري لكن عليه ألا يجعل الخيال يأكله.

دفتر المشاهد الغريبة

اشترى زهير دفترا أسود وكتب على صفحته الأولى ما تراه النافذة، وصار يسجل الوقت والرائحة والضوء ودرجة الحرارة والأصوات، لم يكن يخشى الجنون بقدر ما كان يخشى أن يكون ما يحدث حقيقيا ولا يفهمه أحد.

في اليوم الرابع رأى حقلا أخضر تحت مطر ناعم، وفي الخامس رأى محطة قطار مهجورة، وفي السادس رأى بيتا قديما يشبه بيت طفولته، لكن بابه كان مطليا بالأزرق لا الأخضر، وكأن الذاكرة نفسها غيرت لونها عمدا، كل مشهد كان يترك أثرا في الغرفة، غبارا أو رطوبة أو رائحة خبز بعيد أو صدى صوت لا يعرف صاحبه، عندها بدأ زهير يصدق أن النافذة لا تعرض صورا، بل تفتح فعلا على شيء ما.

اليوم السابع النافذة التي نظرت إلى الداخل

في صباح اليوم السابع استيقظ زهير قبل المنبه، وكان قلبه يدق كأن أحدا يطرق من داخله، اقترب من النافذة ببطء، ووضع يده على المقبض ثم فتحها، فلم ير صحراء ولا محيطا ولا مدينة، بل رأى غرفة نومه بعينها، السرير نفسه والمكتب نفسه والفنجان نفسه.

لكن هناك على السرير كان زهير نائما، غارقا في نوم عميق ووجهه أصغر قليلا، كما لو أن الزمن قد مسحه بإصبع رقيق وأعاد إليه يوما قديما، تراجع زهير خطوة واصطدم ظهره بالخزانة، لم يكن ينظر إلى مكان آخر، بل كان ينظر إلى الأمس، إلى صباح مضى ولم يعد، فهم أن النافذة لم تكن تخونه بالجغرافيا، بل كانت تكسر له الزمن قطعة قطعة.

رسالة سامي الأخيرة

اتصل زهير بسامي ويده ترتجف، وقال له بصوت مبحوح أن يأتي فورا دون أن يسأل، ضحك سامي أولا ثم صمت حين سمع في الخلفية صوت نفس نائم يشبه نفس زهير تماما، بعد ساعة وصل وهو يحمل كاميرته، لكن النافذة عادت تطل على جدار المبنى المقابل كأن شيئا لم يحدث، تفحص سامي الإطار وقال إن زهير ربما يرى ما يتمنى رؤيته، فهمس زهير أنه يرى ما لم يختره.

كل نافذة كانت حياة لم تحدث

منذ ذلك اليوم تغير معنى المشاهد بالنسبة لزهير، لم تعد الصحراء مجرد صحراء، بل ربما كانت حياة لو أنه ترك المدينة وسافر، ولم يعد المحيط مجرد ماء، بل ربما كان عمرا آخر لو قبل عرض العمل في مدينة بعيدة، أما البيت القديم ذو الباب الأزرق فكان احتمالا صغيرا لقرار لم يتخذه أبوه، أو رسالة لم يرسلها هو في شبابه.

بدأ زهير ينتظر الصباح كمن ينتظر حكما، رأى نفسه في نافذة يرتدي بدلة فاخرة ويدخل برجا عاليا، لكنه كان وحيدا وعيناه ذابلتان، ورأى نفسه في نافذة أخرى أبا لطفلة تضحك، لكن خلف الضحكة امرأة تبكي بصمت في المطبخ، كان كل مشهد يلمع من بعيد كالوعد، ثم ينكشف من قريب كجرح، وكانت كل حياة تبدو كاملة من زاوية النافذة، ناقصة من زاوية القلب.

البحث عن المشهد المثالي

قال زهير لسامي في إحدى الليالي إنه سيجد المشهد الصحيح، وإنه لا بد أن هناك حياة لم يخطئ فيها، أجابه سامي بهدوء متسائلا وماذا لو كان الخطأ هو أنه يبحث عن حياة بلا نقص، لم يرد زهير، وظل ينظر إلى النافذة المغلقة يشعر أنها تسمعه وتبتسم في الظلام، في داخله كان طفل قديم يركض بين احتمالات كثيرة، يريد أن يختار بابا لا يؤدي إلى ندم.

المشهد الأخير الجدار الحقيقي

في الصباح التالي فتحت النافذة على حديقة واسعة، وفيها زهير آخر يجلس تحت شجرة مع امرأة أحبها يوما ولم يصارحها، ضحكت المرأة فشعر زهير أن شيئا حادا انغرس في صدره، لكن حين اقترب من المشهد رأى على وجه نسخته تعبا عميقا، ورأى بين الضحكة والضحكة مسافة باردة لا يملؤها حب.

أغلق زهير النافذة ببطء، لم يغلقها خوفا هذه المرة بل رحمة بنفسه، ثم فتحها من جديد فعادت تطل على الجدار الإسمنتي القديم، كان الجدار قبيحا متشققا، تخرج من أحد شروخه نبتة صغيرة عنيدة، مد زهير يده ولمس الحافة الباردة، ثم ابتسم لأول مرة منذ أيام، وكتب لسامي رسالة قصيرة يخبره أنه وجد المشهد الوحيد الذي يستطيع العيش فيه، ولم يرسل له صورة.

النافذة التي أغلقت لتفتح الحياة

لم تختف النافذة بعد ذلك لكنها صمتت، بقي الجدار في مكانه كل صباح، بثقوبه ورطوبته وظله الثقيل، وصار زهير يراه كما لم يره من قبل، شاهدا لا سجنا، وحقيقة لا عقوبة.

فهم زهير أخيرا أن الحياة ليست المشهد الأجمل خلف الزجاج، بل اليد التي تلمس ما أمامها وتقبله رغم خشونته، فكل احتمال بعيد يحمل نقصه الخفي، أما الواقع مهما كان ضيقا فهو الباب الوحيد الذي نستطيع أن نعبر منه دون أن نفقد أنفسنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.