حين صار الصباح كاذباً, لم يكن في شقة زهير ما يستحق الدهشة؛ سرير ضيق، مكتب خشبي متعب، فنجان قهوة يبرد كل صباح قرب نافذة تطل على جدار إسمنتي باهت في المبنى المقابل.
كان الجدار قريباً حتى إن زهير كان يشعر أحياناً أن المدينة كلها قد ضاقت حتى صارت تتنفس في وجهه.
لكن في صباح ثلاثاء رمادي، مدّ يده ليفتح النافذة، فدخلت إلى الغرفة رائحة رمل ساخن، لا رائحة عوادم السيارات.
وحين رفع عينيه، لم يجد الجدار، بل صحراء شاسعة تمتد كبحر ذهبي تحت شمس لا تعرف الرحمة.
الصباح الأول صحراء بدل الجدار
ظل زهير واقفاً بملابس نومه، يحدق في الأفق كمن عثر على خطأ في خلق العالم.
كانت الرمال تتحرك في موجات ناعمة، والهواء يدخل محملاً بخشونة الملح والغبار، حتى أحس بحبات صغيرة تعلق برموشه.
أغلق النافذة بعنف، ثم فتحها مرة أخرى.
الصحراء هناك، صامتة، حقيقية، لا تشبه حلماً ولا صورة شاشة.
مدّ أصابعه خارج الإطار، فلامستها حرارة لاذعة جعلته يسحب يده كمن لمس ظهر كائن حي.
أمسك هاتفه والتقط صورة.
أرسلها إلى سامي، صديقه المصور، وكتب:
هل تستطيع تفسير هذا؟ نافذتي صارت تطل على صحراء.
جاء رد سامي بعد دقائق:
فلتر جميل، أو كابوس بسبب قهوة الأمس.
ستة صباحات لا تشبه بعضها
في اليوم التالي، لم تكن الصحراء هناك.
فتحت النافذة على محيط أزرق هائل، تصطدم أمواجه بصخور سوداء تحت سماء فضية.
اندفعت رائحة الطحالب والرطوبة إلى الغرفة، وارتجف زهير حين تناثرت قطرات ماء باردة على وجهه.
في الصباح الثالث، ظهرت مدينة مزدحمة لا يعرفها؛ أبراج زجاجية، قطارات معلقة، وجموع تتحرك كأنها دم يسري في عروق معدنية.
كانت أصوات الباعة والأقدام والأبواق تصل إليه واضحة، كأن شقته لم تعد في القاهرة، بل معلقة في قلب عالم آخر.
صار زهير يوثق كل شيء.
صورة للصحراء، مقطع للمحيط، تسجيل لأصوات المدينة.
وسامي، رغم دهشته الخفية، ظل يختبئ خلف السخرية:
أنت موهوب في الخداع البصري، لكن لا تجعل الخيال يأكلك.
دفتر المشاهد الغريبة
اشترى زهير دفتراً أسود وكتب على صفحته الأولى ما تراه النافذة.
كان يسجل الوقت، الرائحة، الضوء، درجة الحرارة، والأصوات.
لم يكن يخشى الجنون بقدر ما كان يخشى أن يكون ما يحدث حقيقياً ولا يفهمه أحد.
في اليوم الرابع رأى حقلاً أخضر تحت مطر ناعم، وفي الخامس رأى محطة قطار مهجورة، وفي السادس رأى بيتاً قديماً يشبه بيت طفولته، لكن بابه كان مطلياً بالأزرق لا الأخضر، وكأن الذاكرة نفسها غيرت لونها عمداً.
كل مشهد كان يترك أثراً في الغرفة؛ غباراً، رطوبة، رائحة خبز بعيد، أو صدى صوت لا يعرف صاحبه.
عندها بدأ زهير يصدق أن النافذة لا تعرض صوراً، بل تفتح فعلاً على شيء ما.
اليوم السابع النافذة التي نظرت إلى الداخل
في صباح اليوم السابع، استيقظ قبل المنبه.
كان قلبه يدق كأن أحداً يطرق من داخله.
اقترب من النافذة ببطء، ووضع يده على المقبض، ثم فتحها.
لم ير صحراء ولا محيطاً ولا مدينة.
رأى غرفة نومه.
رأى السرير نفسه، المكتب نفسه، الفنجان نفسه.
لكن هناك، على السرير، كان زهير نائماً، غارقاً في نوم عميق، ووجهه أصغر قليلاً، كما لو أن الزمن قد مسحه بإصبع رقيق وأعاد إليه يوماً قديماً.
تراجع زهير خطوة، واصطدم ظهره بالخزانة.
لم يكن ينظر إلى مكان آخر؛ كان ينظر إلى الأمس، أو إلى صباح مضى ولم يعد.
النافذة لم تكن تخونه بالجغرافيا، بل كانت تكسر له الزمن قطعة قطعة.
رسالة سامي الأخيرة
اتصل بسامي، ويده ترتجف.
قال بصوت مبحوح:
تعال الآن، لا تسأل، فقط تعال.
ضحك سامي أولاً، ثم صمت حين سمع في الخلفية صوت نفس نائم يشبه نفس زهير تماماً.
بعد ساعة، وصل وهو يحمل كاميرته، لكن النافذة عادت تطل على جدار المبنى المقابل كأن شيئاً لم يحدث.
قال سامي وهو يتفحص الإطار:
ربما أنت ترى ما تتمنى رؤيته.
همس زهير:
بل أرى ما لم أختره.
كل نافذة كانت حياة لم تحدث
منذ ذلك اليوم، تغير معنى المشاهد.
لم تعد الصحراء مجرد صحراء؛ ربما كانت حياة لو أنه ترك المدينة وسافر.
ولم يعد المحيط مجرد ماء؛ ربما كان عمراً آخر لو قبل عرض العمل في مدينة بعيدة.
أما البيت القديم ذو الباب الأزرق، فكان احتمالاً صغيراً لقرار لم يتخذه أبوه، أو رسالة لم يرسلها هو في شبابه.
بدأ زهير ينتظر الصباح كمن ينتظر حكماً.
رأى نفسه في نافذة يرتدي بدلة فاخرة ويدخل برجاً عالياً، لكنه كان وحيداً وعيناه ذابلتان.
ورأى نفسه في نافذة أخرى أباً لطفلة تضحك، لكن خلف الضحكة امرأة تبكي بصمت في المطبخ.
كان كل مشهد يلمع من بعيد كالوعد، ثم ينكشف من قريب كجرح.
كل حياة بدت كاملة من زاوية النافذة، ناقصة من زاوية القلب.
البحث عن المشهد المثالي
قال زهير لسامي في إحدى الليالي:
سأجد المشهد الصحيح، لا بد أن هناك حياة لم أخطئ فيها.
أجابه سامي بهدوء:
وماذا لو كان الخطأ هو أنك تبحث عن حياة بلا نقص؟
لم يرد زهير.
كان ينظر إلى النافذة المغلقة، يشعر أنها تسمعه وتبتسم في الظلام.
في داخله، كان طفل قديم يركض بين احتمالات كثيرة، يريد أن يختار باباً لا يؤدي إلى ندم.
المشهد الأخير الجدار الحقيقي
في الصباح التالي، فتحت النافذة على حديقة واسعة، وفيها زهير آخر يجلس تحت شجرة مع امرأة أحبها يوماً ولم يصارحها.
ضحكت المرأة، فشعر زهير أن شيئاً حاداً انغرس في صدره، لكن حين اقترب من المشهد رأى على وجه نسخته تعباً عميقاً، ورأى بين الضحكة والضحكة مسافة باردة لا يملؤها حب.
أغلق النافذة ببطء.
لم يغلقها خوفاً هذه المرة، بل رحمة بنفسه.
ثم فتحها من جديد، فعادت تطل على الجدار الإسمنتي القديم.
كان الجدار قبيحاً، متشققاً، تخرج من أحد شروخه نبتة صغيرة عنيدة.
مدّ زهير يده ولمس الحافة الباردة، ثم ابتسم لأول مرة منذ أيام.
قال لسامي في رسالة قصيرة:
وجدت المشهد الوحيد الذي أستطيع العيش فيه.
ولم يرسل صورة.
النافذة التي أغلقت لتفتح الحياة
لم تختف النافذة بعد ذلك، لكنها صمتت.
بقي الجدار في مكانه كل صباح، بثقوبه ورطوبته وظله الثقيل، وصار زهير يراه كما لم يره من قبل؛ شاهداً لا سجناً، حقيقة لا عقوبة.
فهم أخيراً أن الحياة ليست المشهد الأجمل خلف الزجاج، بل اليد التي تلمس ما أمامها وتقبله رغم خشونته.
فكل احتمال بعيد يحمل نقصه الخفي، أما الواقع، مهما كان ضيقاً، فهو الباب الوحيد الذي نستطيع أن نعبر منه دون أن نفقد أنفسنا, عندما نسي العالم كل شيء ولم ينسَ اسم امرأة واحدة "ذاكرتي اسمك" من هنا.
