مدينة السحب الطائرة رحلة للعثور على جوهرة الرياح قبل سقوط الجزر

الراوي
0

في الصباح الذي بدأت فيه السماء بالتشقق، لم يسمع سكان مدينة السحب الطائرة صوت الرعد، بل سمعوا أنينًا معدنيًا عميقًا يتسلل من باطن الجزر، كأن المدينة نفسها قد استيقظت من نومها مذعورة.

اهتزت الشرفات المعلقة فوق الفراغ، وتمايلت الأبراج ذات المراوح النحاسية، بينما انهمرت من أسفل الصخور شلالات من التراب والحصى، راحت تهوي آلاف الأمتار نحو عالم الأرض الذي لم يره أحد منذ قرون.

كان عبدالرحمن منحنياً داخل جوف محرّك الرياح المركزي حين ارتجّ المفتاح بين أصابعه، ثم انطفأت الأنابيب الزجاجية واحدًا تلو الآخر، وذاب وهجها الأزرق كما تذوب النجوم عند الفجر.

رفع رأسه ببطء، فوجد مؤشر الارتفاع ينخفض أمامه، لا بسرعة مفاجئة، بل بثبات مرعب؛ درجة بعد أخرى، كما لو أن يدًا خفية تسحب المدينة من السماء.

حكاية مدينة السحب الطائرة رحلة للعثور على جوهرة الرياح قبل سقوط الجزر قصة خيالية

المدينة التي كانت تشرب الريح

لم تكن مدينة السحب الطائرة مدينة واحدة، بل أرخبيلًا من سبع جزر عظيمة تطفو فوق بحر من الغيوم، تربط بينها جسور معلقة مصنوعة من الحبال الفضية والخشب الخفيف.

كانت جزيرة القصر في الوسط، تحيط بها جزيرة الأسواق، وجزيرة الحدائق، وجزيرة الحرفيين، وثلاث جزر أصغر تحمل المزارع ومراصد الطقس ومخازن الرياح.

تحت كل جزيرة، امتدت شفرات حجرية ضخمة تدور ببطء داخل تيارات الهواء، وتجمع قوة الرياح في بلورات زرقاء تُسمى قلوب السماء.

ظل ذلك النظام يعمل ثلاثة قرون دون أن يتوقف، حتى نسي الناس أن بقاءهم في السماء لم يكن معجزة دائمة، بل آلة دقيقة تحتاج إلى من يفهم غضبها قبل همسها.

كان عبدالرحمن أصغر ميكانيكي في دار المحركات، لكنه كان أكثرهم قدرة على سماع الاختلالات الخفية بين صفير التروس واحتكاك الأنابيب.

لم يكن يسمع الآلات بأذنيه فقط؛ كان يضع كفه على المعدن، ويشعر بالاهتزازات تصعد إلى عظامه، كأن لكل محرك نبضًا سريًا لا يبوح به إلا لمن يصبر عليه.

علامة لا تظهر في الخرائط

اندفع كبير المهندسين، الشيخ منصور، إلى الغرفة وهو يجر عباءته الرمادية خلفه، وقد غطى وجهه غبار البلورات المحترقة.

قال بصوت متقطع:

أوقف المضخة الشرقية، ثم حوّل ما بقي من الرياح إلى الجزيرة الوسطى.

تحرك عبدالرحمن نحو الصمامات، لكنه توقف حين لاحظ شيئًا لم يره من قبل؛ دائرة سوداء صغيرة ظهرت وسط البلورة الرئيسية، واتسعت ببطء كحدقة عين تستيقظ.

أشار إليها قائلًا:

هذا ليس عطلًا في المضخات، هناك شيء يلتهم الطاقة من الداخل.

حدق الشيخ منصور في الدائرة، ثم تراجع خطوة، وارتعشت شفتاه قبل أن يتمكن من إخفاء خوفه.

قال عبدالرحمن:

أنت تعرف هذه العلامة.

لم يجبه الشيخ، بل أغلق باب المحرك، وأخرج من جيبه مفتاحًا عظميًا صغيرًا، ثم أدار به قفلًا خفيًا في الجدار.

انفتح لوح معدني كاشفًا عن صندوق قديم تفوح منه رائحة الورق المعتّق وزيت الصنوبر، وكان فوقه نقش حلزوني يشبه إعصارًا يطوق نجمة.

همس الشيخ منصور:

هذه ليست علامة عطل، بل علامة جوع.

السر المدفون تحت القصر

مع حلول الظهيرة، كانت المدينة قد فقدت ثلاثمائة ذراع من ارتفاعها، وبدأت الغيوم تغمر الأحياء السفلية، فتسللت الرطوبة إلى البيوت وأطفأت مصابيح الشوارع.

في الساحات، راح الناس يربطون الأثاث بالجدران، بينما حمل الجنود الأطفال بعيدًا عن أطراف الجزر التي بدأت تتفتت كحواف خبز يابس.

اصطحب الشيخ منصور عبدالرحمن عبر نفق ضيق أسفل دار المحركات، ثم وصلا إلى غرفة دائرية محفورة داخل الصخر، لم تطأها قدم منذ أجيال.

كانت جدرانها مغطاة برسوم لرجال ونساء يقفون فوق جبال طائرة، وفي أيديهم جوهرة خضراء يتصاعد منها طائر مصنوع من الرياح.

قال الشيخ:

قبل بناء المحركات، كانت الجزر تطفو بقوة جوهرة الرياح، وهي حجر حي وُلد في قلب أول عاصفة عرفها العالم.

اقترب عبدالرحمن من الرسم، فرأى تحت الجوهرة أشخاصًا ساجدين، وخلفهم هيئة طويلة تحمل تاجًا من الريش الأسود.

سأل:

أين هي الآن؟

تنفس الشيخ ببطء، وكأنه يستعد لإزاحة حجر ثقيل عن صدره، ثم أشار إلى لوحة تصور جزيرة سوداء معزولة خلف دوامة من السحب.

قال:

في جزيرة الصمت، خارج حدود المدينة، داخل معبد لا تسمح الرياح لأحد بالوصول إليه.

الوعد القديم

فتح الشيخ منصور الصندوق العتيق، وأخرج خريطة مصنوعة من جلد شفاف، تحركت فوقها خطوط الرياح كما تتحرك الأنهار على أرض حية.

ظهرت الجزر السبع في مركز الخريطة، وخلفها مسار رفيع يمر بين ثلاث دوامات سوداء قبل أن ينتهي عند علامة على هيئة عين مغلقة.

قال الشيخ:

الجوهرة لم تُفقد، بل أُخفيت عمدًا، لأن قوتها كانت تستجيب للرغبات، وحين يلمسها قلب جشع تتحول الريح إلى سلاح.

ارتفع صراخ من خارج الغرفة، ثم تبعه ارتطام هائل جعل الغبار يتساقط من السقف، وانحرفت الخريطة في يد الشيخ.

قال عبدالرحمن:

كم بقي لدينا؟

نظر الشيخ إلى ساعة ضغط معلقة على الحائط، وكان سائلها الأحمر يقترب من الخط الأخير.

أجاب:

أقل من يوم قبل أن تفقد الجزر قدرتها على الطفو تمامًا.

أغلق عبدالرحمن أصابعه على الخريطة، ثم قال بلا تردد:

سأذهب إلى جزيرة الصمت.

أمسك الشيخ بذراعه بقوة.

كثيرون حاولوا الوصول إليها، ولم يعد أحد.

رد عبدالرحمن وهو ينظر إلى السقف المهتز:

وإن بقيت هنا فلن يعود أحد أيضًا.

السفينة التي لا تطير إلا مكسورة

في مرآب السفن الهوائية، كانت المراكب الملكية قد صودرت لإجلاء النبلاء، ولم يبق سوى سفينة صغيرة مهملة تُدعى «السنونو»، وقد انكسر أحد جناحيها وتشقق بالونها الجلدي.

كانت السفينة ملكًا لوالد عبدالرحمن، الذي اختفى منذ اثني عشر عامًا أثناء رحلة إلى أطراف العواصف، ولم يعثروا له على جثة أو حطام.

مرر عبدالرحمن يده على المقود الخشبي، فرأى الحروف التي حفرها أبوه ذات ليلة، «الريح لا تخون، لكنها تختبر من يطلب طريقها».

بدأ يعمل بسرعة، فثبت صفائح النحاس فوق الجناح المكسور، واستبدل حبال التوجيه بسلاسل دقيقة، ثم وصل المحرك ببلورة احتياطية لا تكفي إلا لرحلة واحدة.

بينما كان يشد الصمام الأخير، سمع صوتًا خلفه يقول:

ستحتاج إلى من يقرأ السماء، لا إلى من يصلح المسامير فقط.

استدار فرأى ليان، متدربة مرصد الطقس، تقف عند الباب حاملة حقيبة من الأدوات وعدسة مستديرة تتوهج داخلها نقاط فضية.

قال بضيق:

هذه ليست رحلة استكشاف.

أجابته:

وأنا لست سائحة، دوامات جزيرة الصمت تتحرك كل سبع دقائق، وستدخل أولها مقلوبًا إن ذهبت وحدك.

أول خيانة للسماء

أقلعت «السنونو» قبل الغروب، وانزلقت بين الأبراج التي كانت تهبط ببطء نحو الغيوم الداكنة، فيما وقف الناس فوق الأسطح يراقبونها في صمت.

كلما ابتعدا عن المدينة، خفتت أضواؤها خلفهما حتى بدت كقلادة معلقة في ظلام السماء، تهتز حباتها فوق هاوية لا قرار لها.

كانت ليان تحدق في عدستها وتصيح بالاتجاهات، بينما كان عبدالرحمن يقاوم المقود الذي راح ينتفض بعنف بين يديه.

ظهرت الدوامة الأولى كجدار أسود يمتد من أعلى السماء إلى أسفلها، تتلوى داخله ومضات برق بنفسجي، وتدور حوله كتل صخرية محطمة.

قالت ليان:

حين أقول الآن، أوقف المحرك.

نظر إليها مذهولًا:

إذا أوقفته داخل الدوامة ستبتلعنا.

ردت وهي تراقب حركة البرق:

إذا أبقيته مشتعلًا ستشم رائحة البلورة وتحطمنا.

دخلت السفينة حافة الإعصار، وصرخت ألواحها الخشبية، ثم قالت ليان:

الآن!

أطفأ عبدالرحمن المحرك، فسقطت «السنونو» عموديًا داخل السواد، واختفى العالم كله خلف هدير الريح.

في جوف العاصفة

تدحرجت السفينة داخل الدوامة كما تتدحرج ورقة يابسة في نهر هائج، واصطدم عبدالرحمن بالسقف قبل أن يشد نفسه إلى المقعد بحزام جلدي.

لم يعد يعرف الأعلى من الأسفل، وكانت الحصى والصواعق تمر قرب النافذة في الاتجاه نفسه، كأنهم يسقطون داخل بئر مقلوب.

صرخت ليان:

أشعل المحرك عند الوميض الثالث!

ظهر الوميض الأول فأضاء وجهها الشاحب، ثم الثاني فكشف شقًا يتسع في الجناح، وحين لمع الثالث دفع عبدالرحمن الذراع إلى أقصاها.

انفجر المحرك بزئير حاد، وانطلقت السفينة من جانب الدوامة كما ينطلق سهم من قوس، ثم سقطت فوق تيار هوائي هادئ لم يكن ظاهرًا على الخريطة.

ظل الاثنان صامتين لحظات، لا يسمعان سوى أنفاسهما المتقطعة وقطرات الماء تتساقط من سقف المقصورة.

ابتسمت ليان لأول مرة وقالت:

خرجنا.

لكن عبدالرحمن لم يبتسم، فقد كانت البلورة الاحتياطية قد فقدت نصف ضوئها، وما يزال أمامهما دوامتان.

الرسالة المخفية في المقود

بينما كان يصلح وصلة محترقة، انزلق جزء من خشب المقود، وسقطت منه أسطوانة نحاسية صغيرة لم يرها عبدالرحمن من قبل.

فتحها فوجد ورقة ضيقة كتب عليها والده بخط متعجل، «إلى من يقود السنونو بعدي، لا تثق بحراس الجوهرة، ولا تصدق أنني مت».

تجمدت يد عبدالرحمن، وشعر كأن الهواء قد غادر رئتيه، فيما أخذت الكلمات تتراقص أمام عينيه مع اهتزاز السفينة.

سألته ليان:

ماذا وجدت؟

ناولها الرسالة دون كلام، فقرأتها مرتين، ثم نظرت نحو الأفق حيث بدأت جزيرة سوداء تظهر خلف الستار الرمادي.

قالت:

ربما وصل والدك إلى هناك.

أطبق عبدالرحمن الورقة في كفه، واختلط داخله أمل حارق بخوف أعمق؛ فقد كان طوال اثني عشر عامًا يكره الفراغ الذي ابتلع أباه، أما الآن فقد صار الفراغ بابًا.

جزيرة الصمت

عندما وصلوا، لم تهب فوق الجزيرة نسمة واحدة، وكانت الأشجار الطويلة واقفة بلا حركة، أوراقها جامدة كأنها منحوتة من الزجاج الأسود.

هبطت «السنونو» فوق سهل من الرماد الناعم، وحين قفز عبدالرحمن إلى الأرض لم يسمع صوت قدميه، ولا احتكاك معطفه، ولا حتى نبض قلبه.

فتح فمه لينادي ليان، لكن الكلمات خرجت بلا صوت، فعرف أن اسم الجزيرة لم يكن مجازًا.

أشارت ليان إلى معبد حجري في أعلى تل، تحيط به تماثيل مجنحة بلا وجوه، وقد مدت أذرعها نحو مدخل مظلم.

كل خطوة نحو المعبد كانت تجعل الهواء أثقل، حتى صار التنفس أشبه بابتلاع ماء بارد، فيما كانت الظلال تتحرك على الأرض رغم ثبات الأجسام.

عند البوابة، وجد عبدالرحمن نقشًا يحمل اسم أبيه، وتحته سهم محفور حديثًا يشير إلى ممر جانبي.

الرجل خلف القناع

دخل الاثنان الممر، فاشتعلت على الجدران مصابيح خضراء من تلقاء نفسها، وكشفت صفوفًا من التروس الحجرية المتداخلة.

في نهاية الطريق وقف رجل طويل يرتدي قناعًا فضيًا، ويحمل عصا يلتف حولها دخان أبيض، ثم رفع يده فتوقف عبدالرحمن وليان كأن قيودًا خفية أمسكت بأجسادهما.

ظهر صوته داخل رأسيهما دون أن تتحرك شفتاه:

عدتما متأخرين، فالمدينة بدأت تسقط بالفعل.

حاول عبدالرحمن المقاومة، ونجح في تحريك أصابعه نحو مفتاح صغير علقه في حزامه.

قال في ذهنه:

من أنت؟

رفع الرجل القناع ببطء، فانكشف وجه نحيل تغطيه ندبة تمتد من صدغه إلى فكه، لكن عينيه ظلتا كما يتذكرهما عبدالرحمن في طفولته.

كان والده واقفًا أمامه.

اندفع عبدالرحمن نحوه بعد أن زال القيد، لكنه توقف على بعد خطوة، عاجزًا بين الرغبة في عناقه والرغبة في لكمه.

قال الأب:

اسمي ياسين، وما فعلته لم يكن هربًا منكم.

رد عبدالرحمن بصوت عاد إليه فجأة:

تركتنا اثني عشر عامًا.

خفض ياسين عينيه.

لأنني كنت أمنع ما يحدث الآن منذ اثني عشر عامًا.

حقيقة جوهرة الرياح

قاد ياسين الشابين إلى قاعة واسعة يتوسطها عمود من الهواء الدوار، وفي قلبه كانت جوهرة خضراء معلقة بلا سلاسل، ينبض نورها كقلب عملاق.

حول الجوهرة، وقف ثلاثة حراس بملابس بيضاء ووجوه مغطاة، يرفعون أيديهم باستمرار لإبقاء التيار مستقرًا.

قال ياسين:

جوهرة الرياح ليست حجرًا يرفع الجزر، بل بوابة تربط السماء بروح العاصفة الأولى.

اقترب عبدالرحمن، فشعر بتيار دافئ يمر خلال جسده، ورأى داخل الجوهرة صورًا للمدينة، الأطفال في الساحات، المحركات المنطفئة، والجزر وهي تنحدر نحو الأرض.

سأل:

لماذا لا نأخذها الآن؟

أجابه ياسين:

لأن إخراجها من المعبد سيوقظ روح العاصفة، ولن تطيع إلا من يقدم لها شيئًا يساوي مدينة كاملة.

نظر عبدالرحمن إليه بحدة.

وما الثمن؟

قال ياسين:

حياة من يحملها.

ساد الصمت، لكن هذه المرة لم يكن من سحر الجزيرة، بل من ثقل الكلمات التي بدت كأنها أغلقت القاعة على من فيها.

عرض الحارس الأخير

تقدم أحد الحراس المقنعين، ونزع غطاء وجهه، فظهر شيخ ذو عينين غائرتين، وعلى جبينه وشم حلزوني مماثل لنقش الصندوق.

قال:

يمكن إنقاذ الجزر دون تضحية، لكن بشرط أن تسقط إحداها لتنجو الست الأخرى.

فتح كفه، فظهرت خريطة من الضوء، وتحولت جزيرة الحرفيين إلى بقعة حمراء قبل أن تنفصل عن البقية وتسقط.

كانت تلك الجزيرة موطن عبدالرحمن، وفيها أمه وورشته وكل الوجوه التي عرفها منذ طفولته.

قال الشيخ:

عشرون ألف شخص مقابل مئة ألف، تلك هي معادلة النجاة.

اندفع عبدالرحمن نحوه غاضبًا، لكن ياسين وقف بينهما.

قال الأب:

لا توجد آلة بلا تكلفة، ولا قرار بلا خسارة.

رد عبدالرحمن:

لهذا تركت المدينة؟ لأنك قبلت هذه المعادلات؟

اشتعلت عينا ياسين.

بقيت هنا كي لا يضطر أحد إلى قبولها.

ثم أشار إلى التروس المحيطة بالجوهرة، وكشف أن الحراس كانوا يستخدمون أجسادهم لتثبيت البوابة، وأن اثنين منهم ماتا خلال السنوات الماضية.

حين تكلمت الريح

اقترب عبدالرحمن من الجوهرة، ومد يده نحوها رغم تحذيرات الجميع، فاشتعلت القاعة بضوء أخضر اجتاح الأعمدة والأرض.

لمس سطحها، فلم يشعر ببرودة الحجر، بل بآلاف الأصوات تهب عبره؛ صرخات، ضحكات، أغانٍ قديمة، وصفير رياح مرت فوق جبال لم تعد موجودة.

رأى المدينة كما كانت قبل أن تطير، مبنية فوق سهل أخضر، ثم رأى الملوك الأوائل يقتلعون الجوهرة من قلب إعصار ويستخدمونها لرفع قصورهم بعيدًا عن الحروب.

لم تكن الجزر قد خُلقت لتعيش في السماء، بل رُفعت بالقوة، وكل قرن مر عليها كان دينًا متراكمًا تطالب الرياح بسداده.

ظهر صوت داخل عبدالرحمن، عميقًا كهدير الأفق:

أعد لي ما سُرق، أُعد لك ما تحب.

سألها في ذهنه:

هل تريدين إسقاط المدينة؟

قالت:

أريدها أن تتوقف عن سجني.

فتح عينيه بسرعة، وسحب يده، بينما كان الجميع يراقبونه.

قال:

لا تحتاج الجوهرة إلى حامل يموت، بل تحتاج إلى تحريرها من المحركات.

الخطة المستحيلة

أخرج عبدالرحمن الخريطة، ورسم فوقها مسارات تربط قلوب السماء السبعة بالمعبد، ثم شرح فكرته بصوت متسارع.

كانت المحركات تسحب الطاقة من الجوهرة عبر تيارات خفية منذ قرون، وإذا عكسوا اتجاهها، فستعيد الجزر ما تراكم فيها من طاقة إلى روح العاصفة.

قال ياسين:

إذا عكست التيار دفعة واحدة ستنفجر القلوب السبعة.

أجابه عبدالرحمن:

ليس دفعة واحدة، بل بنبضات متتابعة، كما نعيد تشغيل محرك غارق.

قالت ليان وهي تدرس المسارات:

تحتاج النبضات إلى توقيت يطابق حركة الدوامات الثلاث.

رفع عبدالرحمن نظره إليها.

يمكنك حسابه؟

ابتلعت خوفها، ثم قالت:

أستطيع، لكن علينا العودة إلى المدينة قبل سقوطها، وتركيب منظم يدوي داخل المحرك الرئيسي.

أشار ياسين إلى البلورة الخافتة في السفينة.

لن تكفي للعودة.

خلع أحد الحراس سوارًا من الريش المتحجر ووضعه أمامهم.

قال:

سيحملكم تيار المعبد مرة واحدة، وبعدها لن يبقى لديكم طريق للرجوع إن فشلتم.

سباق نحو مدينة تهوي

اندفعت «السنونو» من جزيرة الصمت على موجة ريح خضراء، واخترقت الدوامات من مركزها، بينما كان المعبد يتلاشى خلفهم داخل السحاب.

جلس ياسين عند المحرك، يضخ إليه طاقته بالسوار، فيما تولت ليان توجيه السفينة، وراح عبدالرحمن يبني منظم النبضات من قطع الغيار المتناثرة.

عندما ظهرت المدينة، كانت نصف جزرها قد غرقت داخل السحب السوداء، وتطايرت أجزاء من الأبراج نحو الأسفل كأوراق محترقة.

هبطت السفينة بصعوبة فوق دار المحركات، فوجدوا الشيخ منصور ورجال الحرفيين يثبتون الأعمدة بالحبال بعد انهيار أحد الجدران.

توقف الشيخ حين رأى ياسين، واتسعت عيناه كمن رأى شبحًا يعود من قبره.

قال ياسين:

الأسئلة لاحقًا، افتح القنوات السبع.

اندفع الجميع إلى مواقعهم، بينما وضع عبدالرحمن المنظم في قلب المحرك، وربط أسلاكه بالبلورة السوداء التي كادت تنطفئ.

النبضة الأولى

وقفت ليان أمام ساعة الضغط، وراحت تراقب دوامات الريح عبر النافذة المكسورة، ثم رفعت ثلاثة أصابع.

قالت:

الدوامة الأولى تقترب، استعدوا.

أدار عبدالرحمن صمام الجزيرة الأولى، فاهتزت الأرض تحتهم، وخرج من المحرك وميض أزرق اتجه عكس مسار الأنابيب.

صرخ أحد المهندسين:

البلورة ترتفع حرارتها!

قال عبدالرحمن:

لا تغلقوا القناة.

عبرت النبضة الأولى، فتوقفت جزيرة المزارع عن السقوط لثوانٍ، ثم ارتفعت قليلًا وسط صيحات الناس.

قالت ليان:

الثانية الآن!

فتح صمامًا آخر، ثم ثالثًا، وبدأ المحرك يزأر كوحش ممزق، بينما أخذت الشقوق تنتشر على سطحه المعدني.

عند النبضة الخامسة، انفجر أحد الأنابيب، وقذف ياسين إلى الجدار، فسقط فاقدًا الوعي.

القلب الذي رفض السقوط

بقيت نبضتان، لكن الذراع الأخيرة انكسرت، وصار من المستحيل فتح قناة جزيرة القصر من غرفة التحكم.

قال الشيخ منصور:

يوجد صمام يدوي تحت المحرك، لكنه داخل حجرة الضغط.

كانت الحجرة ممتلئة بطاقة الرياح الخام، وأي جسد يدخلها سيُسحق بين التيارات قبل أن يصل إلى الصمام.

نظر عبدالرحمن إلى أبيه الملقى على الأرض، ثم إلى أضواء المدينة المرتجفة خلف النافذة، وخلع سترته الثقيلة.

أمسك الشيخ بذراعه.

لن تخرج حيًا.

قال عبدالرحمن:

لم آتِ بكل هذه المسافة لأقف أمام باب أخير.

دخل الحجرة، فانغلقت خلفه البوابة، واندفعت الرياح نحو جسده كآلاف الأسلاك، فمزقت قميصه ورفعت الدم من جروح يديه.

زحف فوق الأرض المعدنية، وكل شهيق كان يقتطع من صدره قوة جديدة، حتى وصل إلى الصمام الأخير ووجد عجلة التشغيل عالقة بالصدأ.

صوت الأب

حاول عبدالرحمن تدوير العجلة، فلم تتحرك، بينما أظهرت النافذة الصغيرة الجزر وهي تقترب من قمم الجبال الأرضية.

ظهر صوت ياسين عبر أنبوب التواصل، ضعيفًا لكنه واضح:

لا تقاوم الريح، اجعلها تدفعك.

أغمض عبدالرحمن عينيه، وتذكر كلمات أبيه المحفورة على المقود، ثم حرر جسده من وضع المقاومة.

مال مع التيار بدل أن يواجهه، وترك الريح تدور به حول العجلة، فتحولت قوة العاصفة نفسها إلى ذراع هائلة.

صرخ بكل ما بقي في صدره، ودارت العجلة ببطء، ثم انفتحت القناة الأخيرة.

قالت ليان:

النبضة السابعة الآن!

ضغط الشيخ منصور المفتاح، فانفجر ضوء أخضر من قلب المدينة، وامتد عبر الجزر كلها في لحظة واحدة.

عودة الجوهرة إلى السماء

توقف السقوط فجأة، وعلقت الجزر فوق قمم الجبال بمسافة ضئيلة، حتى إن سكان الأحياء السفلية رأوا الأشجار الأرضية للمرة الأولى.

ثم بدأت الطاقة تنسحب من المحركات، متجهة عبر السماء نحو جزيرة الصمت، فخفتت المصابيح وتوقفت التروس وساد صمت ثقيل.

في المعبد البعيد، تحررت جوهرة الرياح من العمود، وارتفعت نحو السحب، ثم انفتحت داخلها دوامة خضراء غمرت الأفق.

هبّت عاصفة فوق الجزر، لكنها لم تحطمها؛ دخلت بين شقوق الصخور، ورفعتها برفق كما ترفع الأم طفلها النائم.

ارتفعت الجزر من جديد، لا بقوة المحركات، بل فوق تيارات طبيعية ظهرت كأنهار بيضاء عظيمة تسير في السماء.

تحطمت قلوب السماء السبعة وتحولت إلى غبار أزرق، أما الجوهرة نفسها فقد صعدت حتى صارت نجمًا أخضر يظهر في وضح النهار.

نهاية عهد المحركات

فتح رجال الإنقاذ حجرة الضغط، فوجدوا عبدالرحمن ملقى قرب الصمام، حيًا لكنه لا يقوى على الوقوف.

حمله ياسين إلى الخارج، وجلس إلى جواره عند حافة دار المحركات، بينما كانت الشمس تشرق خلف الجبال التي بدت قريبة على نحو لم يعرفه أهل المدينة من قبل.

قال عبدالرحمن بصوت متعب:

هل انتهى الأمر؟

أجابه أبوه:

انتهى سقوط المدينة، أما ما بعده فقد بدأ للتو.

لم تعد الجزر قادرة على البقاء في مكان واحد، فقد صارت تتبع مسارات الرياح وتتجول فوق العالم كقافلة من الصخور والسحب.

اضطر الناس إلى تعلم قراءة السماء بدل إخضاعها، وتحوّل الميكانيكيون إلى صانعي أشرعة ومراقبي تيارات، بينما فُتحت الجسور بين الجزر للجميع بعد سقوط سلطة القصر القديمة.

العنصر الأخير المدينة التي اختارت أن تسافر

بعد عام، وقفت مدينة السحب الطائرة فوق البحر للمرة الأولى، وعكست المياه صورتها كسبع سفن حجرية تبحر في السماء.

كان عبدالرحمن قد أعاد بناء «السنونو»، وأضاف إليها جناحين مصنوعين من قماش الرياح، بينما تولت ليان إدارة أول مرصد يرسم خرائط العالم الأرضي.

أما ياسين، فلم يعد إلى جزيرة الصمت، بل اختار البقاء مع أسرته، يعلم الأطفال كيف يصغون إلى تغيرات الهواء قبل أن تتحول إلى عواصف.

عند الغروب، اجتمع السكان فوق الجسور، ورفعوا أشرعة هائلة على أطراف الجزر، فتحركت المدينة كلها نحو الجنوب، حيث لم تصل خرائطهم من قبل.

وقف عبدالرحمن عند مقدمة «السنونو»، وأخرج رسالة أبيه القديمة، ثم كتب أسفلها جملة جديدة، «الريح لا تحمل من يأمرها، بل من يعرف كيف يرافقها».

أفلت الورقة في الهواء، فلم تسقط، بل دارت حول السفينة مرة واحدة ثم اندفعت أمامها، كأنها تعرف الطريق.

لم تنجُ مدينة السحب الطائرة لأن أهلها امتلكوا أقوى الآلات، ولا لأن شابًا وجد حجرًا سحريًا يعيد كل شيء إلى ما كان عليه، بل لأنها تخلت في اللحظة الأخيرة عن وهم السيطرة.

كثيرًا ما نظن أن النجاة تعني التشبث بالمألوف، مع أن بعض الأبواب لا تفتح إلا حين نكف عن دفعها، وبعض الرياح لا تصبح طريقًا إلا بعد أن نتوقف عن معاملتها كعدو.

وهكذا لم تعد المدينة معلقة فوق العالم هربًا منه، بل صارت تسافر في سمائه، ترى الأرض التي خافها أجدادها، وتحمل في شوارعها حقيقة بسيطة، ما يرتفع بالقوة لا بد أن يسقط، أما ما يتعلم التوازن، فقد يواصل الرحلة إلى ما لا نهاية، لقاء تحت المطر قصة حب سرية أشعلتها عداوة عائلتين من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد