ليلة لا تشبه سائر الليالي، لم يكن المطر في تلك الليلة ينهمر من السماء فحسب، بل بدا وكأن المدينة بأكملها تنزف ماء وذكريات قديمة، حتى ضاقت الأزقة بخطوات الهاربين من قسوته، وارتجفت النوافذ تحت ضربات الريح العاتية، وغابت الوجوه خلف ستائر رمادية كثيفة لا يخترقها بصر.
وبينما كانت السماء تمزق صمتها بصواعق متتابعة، اندفع شابان من جهتين متقابلتين نحو شرفة منزل قديم، دون أن يدرك أي منهما أن ذلك المأوى الضيق سيتحول لاحقا إلى عالم أوسع من كل ما عرفاه من قبل.
لم يكن أي منهما يبحث عن الحب في تلك اللحظة، غير أن الحب كثيرا ما يأتي متنكرا في هيئة صدفة عابرة، ثم يترك خلفه أبوابا لا يمكن لأحد أن يغلقها بعد ذلك.
شرفة في نهاية الزقاق
كان يوسف يركض عبر أزقة الحي القديم وسترته الداكنة ملتصقة بكتفيه، بينما كانت قطرات المطر تنزلق من شعره إلى وجهه كخيوط باردة تحجب عنه معالم الطريق، وتزيد من خطورة الحجارة الملساء تحت قدميه.
لم يكن يحمل مظلة، ولم يفكر أصلا في الاحتماء من البداية، فقد خرج من منزل عائلته غاضبا بعد شجار جديد مع والده، وكان يفضل أن تبتل ثيابه على أن يبقى دقيقة أخرى وسط ذلك الصراخ الخانق.
وعند نهاية الزقاق، ظهرت أمامه شرفة حجرية عتيقة، يستند سقفها الخشبي المتآكل إلى عمودين محفورين بعناية، فانحرف نحوها مسرعا قبل أن تصفعه موجة جديدة من المطر الغزير.
وحين وصل إليها، اكتشف أنه لم يكن وحيدا في ذلك المكان.
كانت فتاة تقف في أقصى الشرفة، تحتضن حقيبة صغيرة إلى صدرها، وقد تناثرت خصلات شعرها المبللة حول وجه شاحب تلمع فيه عينان حذرتان.
توقف يوسف على بعد خطوات منها، ثم ألقى نظرة إلى المطر الغزير خلفه وقال بصوت متردد إن هذه الشرفة قررت على ما يبدو أن تنقذهما معا.
لم تجبه الفتاة في البداية، بل رمقته بصمت طويل، ثم أبعدت خصلة من شعرها عن جبينها وقالت إنها ربما قررت أن تحاصرهما حتى ينتهي المطر تماما.
كانت نبرة صوتها هادئة، لكن شيئا خفيا ارتجف في آخر كلماتها، فشعر يوسف أنها لم تكن تهرب من المطر وحده، بل من شيء آخر أثقل بكثير.
الاسم الذي غير ملامح اللقاء
انتشر بينهما صمت ثقيل لا يقطعه سوى ارتطام الماء بمزاريب المنازل المجاورة، وكانت المسافة القصيرة الفاصلة بينهما مشحونة بحذر غريب، كأن كلا منهما ينتظر من الآخر اعترافا غير معلوم.
مد يوسف يده إلى جيبه، وأخرج منديلا ورقيا مبتلا من أطرافه، ثم ناولها إياه قائلا إنه لن يفيد كثيرا لكنه أفضل من لا شيء.
ترددت الفتاة لحظة قبل أن تأخذه، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة انطفأت سريعا وهي تشكره بصوت خافت.
رفع يوسف رأسه نحو السماء محاولا كسر الصمت، وعرف عن نفسه قائلا إنه يوسف.
تبدلت ملامح الفتاة فورا، وتجمدت يدها التي كانت تمسح بها قطرات الماء عن خدها، وسألته بحذر عن اسم عائلته.
التفت إليها مستغربا، ثم ذكر اسم عائلته دون أن يدرك ما سيحدث بعدها.
عندها تراجعت خطوة إلى الوراء حتى لامس ظهرها الجدار الحجري، وكأن الاسم الذي سمعته لم يكن مجرد اسم، بل رصاصة قديمة عادت إلى الحياة فجأة.
سألها يوسف وهو يحدق في وجهها المتغير عما حدث، فابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت إنها سلمى المنصوري.
كان وقع اسمها عليه أشد من هدير الرعد نفسه.
فقد نشأ يوسف وهو يسمع أن عائلة المنصوري هي أصل كل خسارة لحقت بعائلته، وأنها العدو الذي لا ينبغي الوثوق بأفراده مهما بدوا هادئين أو أبرياء في الظاهر.
أما سلمى، فقد تربت على حكايات مشابهة، غير أن أسماء الأشرار فيها كانت تنتمي دائما إلى عائلة يوسف.
أصبح الهواء تحت الشرفة أكثر برودة فجأة، ولم يعد أي منهما يعرف إن كان عليه البقاء أو الاندفاع نحو المطر هربا مما اكتشفه للتو.
عداوة أقدم من ذاكرتهما
بدأ الخلاف بين العائلتين قبل ولادتهما بسنوات طويلة، حين تشارك الجدان في متجر كبير للأقمشة، ثم انتهت تلك الشراكة بحريق غامض، أعقبه اتهام بالخيانة وسرقة الأموال وإخفاء وثائق الملكية.
لم تثبت التهم قط، لكن الحقيقة لم تعد مهمة بعد أن تحول الشك إلى كراهية راسخة، والكراهية إلى ميراث يتناقله الأبناء كما يتناقلون الأسماء والبيوت من جيل إلى جيل.
قال يوسف بعد صمت طويل إنه لم يتوقع أن تكون من تلك العائلة، فرفعت سلمى ذقنها قليلا وأجابته بأنها أيضا لم تتوقع أن يكون من عائلته.
كادت السخرية في عبارتها تنتزع منه ضحكة، لكنه تماسك وقال إنه لا يظن أن أحدا يستطيع اختيار عائلته.
نظرت إليه بتمعن، وكأنها ترى للمرة الأولى إنسانا خلف الاسم الذي تعلمت أن تكرهه منذ الصغر، ثم ردت بأن الجميع رغم ذلك يختار ما يفعله بعد ذلك.
ظلت عبارتها معلقة بينهما، واضحة وقاطعة، حتى بدا صوت المطر نفسه أقل صخبا مما كان.
حديث لم يكن يجب أن يبدأ
مرت الدقائق، ولم يتوقف المطر، فوجد الاثنان نفسيهما يتحدثان رغم الحذر الذي يفصل بينهما.
أخبرها يوسف أنه يدرس الهندسة المعمارية، وأنه يحب البيوت القديمة، لأن الجدران المتشققة في نظره لا تعني الخراب دائما، بل قد تكون دليلا على أن المكان قاوم طويلا قبل أن يستسلم.
ابتسمت سلمى للمرة الأولى دون خوف، وقالت إنها تدرس الأدب، وإنها تؤمن بأن الناس يشبهون الكتب المغلقة، فقد يبدو غلافهم عاديا، لكن صفحاتهم الداخلية تخفي حروبا كاملة لا يراها أحد.
تحدثا عن الجامعة، وعن المدينة التي تضيق بأحلام الشباب، وعن الآباء الذين يرسمون مستقبل أبنائهم كما ترسم الطرق على الخرائط، دون أن يسألوهم إن كانوا يريدون السير فيها أصلا.
ومع كل جملة، كانت العداوة القديمة تتراجع خطوة إلى الوراء، فيما يقترب فضولهما من بعضهما في صمت هادئ.
حين خف المطر أخيرا، نظرت سلمى إلى الزقاق وقالت إنها يجب أن تذهب قبل أن يبحث عنها أحد.
أومأ يوسف، ثم أشار إلى الشرفة وسألها إن كانت تمر من هنا كثيرا، وأدرك كلاهما أن السؤال لم يكن بريئا كما بدا.
أجابت بعد تردد بأنها تمر أحيانا، ثم غادرت مسرعة، تاركة خلفها رائحة المطر وورقة المنديل البيضاء فوق الحافة الحجرية.
موعد لا يعرفه أحد
في اليوم التالي، عاد يوسف إلى الشرفة عند الغروب، رغم أن السماء كانت صافية تماما، ولم تكن هناك سحابة واحدة يمكن أن تبرر حضوره إلى هناك.
وقف متكئا إلى العمود الخشبي، يراقب نهاية الزقاق، ويحاول إقناع نفسه بأنه جاء ليتأمل البناء القديم فقط، لا لينتظر فتاة من عائلة يكرهها والده بشدة.
مرت عشر دقائق، ثم عشرون، وحين أوشك على المغادرة، ظهرت سلمى بثوب أزرق وحقيبتها ذاتها معلقة على كتفها.
توقفت عندما رأته، ورسمت على وجهها دهشة لم تنجح في إخفاء ابتسامتها الخجولة، وقالت إنه لا يوجد مطر اليوم.
أجابها يوسف بأنه ربما جاء ليتأكد أن الشرفة ما زالت هناك في مكانها، فاقتربت منه وسألته إن كانت الشرفة تحتاج حقا إلى من يطمئن عليها.
رد بأن بعض الأماكن تختفي حين لا يعود إليها أحد، فخفضت سلمى عينيها ثم وقفت إلى جواره بصمت.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الشرفة موعدهما السري الذي لا يعرفه أحد سواهما.
أيام مسروقة من العائلتين
كانا يلتقيان عند الغروب، حين تختلط أصوات الباعة بأجراس الدراجات، وحين تصبح الأزقة مزدحمة بما يكفي لإخفائهما عن أعين الفضوليين.
أحيانا كان يوسف يجلب لها كتابا قديما، فتقرأ له مقاطع قصيرة منه، بينما يراقب حركة شفتيها أكثر بكثير مما يصغي إلى الكلمات نفسها.
وأحيانا كانت سلمى تأتي بكوبين من الشاي الساخن، فتتصاعد منهما رائحة النعناع، وتختلط برائحة الخشب العتيق والرطوبة العالقة في حجارة الشرفة القديمة.
لم يتحدثا في البداية عن الحب صراحة، لكن الحب كان واضحا في التفاصيل الصغيرة، في حرص يوسف على الوصول قبلها، وفي التفات سلمى خلفها كلما غادرت، وفي الصمت المطمئن الذي صار يجمعهما دون حاجة إلى الكلام أصلا.
ومع مرور الأسابيع، لم تعد الشرفة مكانا للهروب من المطر، بل صارت ملجأ من عالم كامل يصر على الفصل بينهما مهما حدث.
قالت له سلمى ذات مساء إنها تشعر أحيانا أنهما يسرقان هذه الساعات من الزمن، فأجابها وهو ينظر إلى أصابعها القريبة من يده بأنهما لا يسرقانها، بل يستعيدانها من أشخاص يظنون أنهم يملكون حياتهما.
رفعت عينيها إليه، وفيهما خوف لم يستطع تجاهله، وسألته ماذا سيحدث حين يعرفون بأمرهما.
لم يجبها فورا، لأنه كان يعرف أن هذا السؤال ليس احتمالا بعيدا، بل بابا يقترب منهما أكثر مع كل يوم يمر.
عين خلف النافذة
كان المنزل الذي تعلوه الشرفة مهجورا منذ سنوات طويلة، أو هكذا كان يظن أهل الحي، غير أن سلمى لاحظت ذات مساء حركة سريعة خلف إحدى النوافذ الخشبية في الطابق العلوي.
توقفت عن الكلام فجأة، وحدقت إلى الأعلى بقلق واضح.
سألها يوسف عما رأته، فأجابته بأنها رأت ظلا يتحرك هناك.
نظر نحو النافذة، فلم ير سوى لوح زجاج متسخ وستارة ممزقة تتحرك مع الهواء، فحاول طمأنتها بأنها ربما قطة تجول في المكان.
هزت رأسها ببطء، وقالت إن القطط لا تزيح الستائر بأيديها.
شعر يوسف بانقباض مفاجئ في صدره، لكنه حاول أن يطمئنها قدر استطاعته، ثم غادرا المكان في ذلك اليوم أبكر من المعتاد.
وفي اليوم التالي، لم تأت سلمى إلى الموعد المعتاد.
الرسالة التي سقطت من الحقيبة
انتظرها يوسف حتى ابتلع الظلام الزقاق بأكمله، ثم عاد إلى منزله مثقلا بالشكوك والقلق.
وجد والده جالسا في الصالة، يقلب بين أصابعه ورقة مطوية، وعلى وجهه ذلك الهدوء الخطير الذي يسبق العاصفة عادة.
سأله والده دون أن يرفع عينيه عن أين كان، فأجابه بأنه كان في الجامعة.
فتح الأب الورقة ووضعها فوق الطاولة أمامه.
كانت رسالة قصيرة كتبتها سلمى بخط يدها، أخبرته فيها أنها ستنتظره عند الشرفة في الموعد المعتاد.
شعر يوسف بالدم ينسحب من وجهه فورا.
سأله والده إن كانت ابنة المنصوري، فلم يجب يوسف بكلمة واحدة.
نهض الأب ببطء، وضرب براحته سطح الطاولة حتى اهتزت الأكواب فوقها، وقال إنه من بين كل بنات المدينة اختار ابنة الرجل الذي دمر عائلته بالكامل.
رفع يوسف رأسه وقال بثبات إنه لم يختر عائلتها، بل اختارها هي بذاتها.
تغير وجه والده تماما، واقترب منه حتى صارت أنفاسه الساخنة قريبة من وجهه، وقال له إنه لن يراها مرة أخرى بعد اليوم.
قال يوسف بثبات لم يكن يشعر به حقا إن هذا قراره وحده.
صفعه والده بقوة، فارتطم كتفه بالجدار، لكن الألم في وجهه كان أقل حدة بكثير من الألم الذي أشعله التهديد في داخله.
وفي تلك اللحظة، عرف يوسف أن السر قد انتهى تماما.
أبواب مغلقة ونافذة مفتوحة
في بيت المنصوري، كانت سلمى محتجزة في غرفتها بعدما اكتشف شقيقها الأكبر أمر اللقاءات، إذ كان هو ذلك الظل الذي راقبهما من نافذة المنزل المهجور طوال الوقت.
انتزع منها هاتفها، وفتش حقيبتها بدقة، ثم أخبر والدها بكل ما رآه.
لم يصرخ والدها كثيرا، فقد كان صمته أشد قسوة من أي صراخ، فأمر بمنعها من الذهاب إلى الجامعة، وأعلن أنه سيعجل بزواجها من ابن عمها حسام، حتى يغلق باب الفضيحة قبل أن يعرف بها أحد آخر.
جلست سلمى قرب نافذتها طوال الليل، تحدق في المطر الذي عاد يهطل من جديد بعد غياب دام أسابيع.
كانت تعرف أن يوسف سينتظرها، وأن الشرفة ستكون خالية دونها، وأن كل دقيقة تمر قد تجعله يظن أنها تخلت عنه إلى الأبد.
وحين نام البيت أخيرا، فتحت نافذتها بحذر شديد، وربطت ملاءات السرير ببعضها، ثم ألقتها نحو الحديقة الخلفية للمنزل.
لم تكن قد هربت من منزلها من قبل، ولم تكن تعرف إلى أين ستذهب بعد ذلك، لكنها كانت تعرف جيدا المكان الذي يجب أن تصل إليه أولا.
اعتراف تحت العاصفة
وصلت إلى الشرفة قبيل منتصف الليل، وكانت ثيابها تقطر ماء، وقدماها ترتجفان من شدة البرد والخوف معا.
وجدت يوسف واقفا هناك، كأنه لم يتحرك من مكانه منذ ساعات طويلة.
حين رآها، اندفع نحوها بسرعة، ثم توقف قبل أن يلمسها، وكأنه يخشى أن تكون وهما صنعه المطر في مخيلته.
قال بصوت مبحوح إنه ظن أنهم لن يسمحوا لها بالخروج أبدا، فأجابته وهي تلتقط أنفاسها المتقطعة بأنهم بالفعل لم يسمحوا لها بذلك.
أخبرته بما قرره والدها، وبموعد الخطبة الذي سيعلن بعد يومين فقط، فاشتدت ملامح يوسف وقال بحزم إنهما سيهربان معا.
نظرت إليه، وقد اختلط المطر بدموعها، وسألته إلى أين سيذهبان.
أجابها إلى أي مكان لا يعرف أسماء عائلاتهما على الإطلاق.
ظلت صامتة للحظة، ثم اقتربت منه حتى لم يعد بينهما سوى أنفاس مرتجفة، وقالت له إنها تحبه.
لم يقل شيئا للحظة، بل وضع كفيه حول وجهها، كما لو كان يحفظ ملامحها من الضياع إلى الأبد، ثم قال إنه يحبها أيضا، ولذلك لا يريد أن يحولها إلى هاربة طوال حياتها.
ابتعد عنها خطوة واحدة، ثم أخرج من جيبه ملفا جلديا قديما، وقال إنه وجد شيئا قد ينهي كل هذا الصراع إلى الأبد.
السر المدفون داخل الجدار
أخبرها يوسف أنه عاد إلى المنزل المهجور في الصباح، بعدما عرف أن شقيقها كان يراقبهما من نافذته طوال الوقت، وأراد أن يفهم سبب سهولة دخوله إلى المكان أصلا.
وأثناء تفقده الطابق العلوي، لاحظ حجرا مفككا في الجدار، وخلفه وجد صندوقا معدنيا صغيرا يحتوي على عقود قديمة ورسائل موقعة من جدي العائلتين.
كانت الوثائق تكشف أن الحريق الذي دمر متجرهما لم يكن بفعل أي منهما، بل دبره تاجر ثالث كان مدينا لهما بمبلغ كبير، ثم سرق الأموال وأخفى سجلات الشراكة بالكامل.
أما الرسائل، فقد أظهرت أن الجدين حاولا التصالح قبل وفاتهما، لكن تلك الرسائل لم تصل إليهما قط، بعدما أخفاها أحد الأقارب الذي استفاد من استمرار العداوة بينهما.
فتحت سلمى الملف بأصابع مرتجفة، وراحت تقرأ الأسماء والتوقيعات والأختام واحدة تلو الأخرى.
قالت بدهشة كبيرة إن كل ما نشأا عليه كان مجرد كذبة كبيرة، فأجابها يوسف بأنها كذبة صدقها الجميع لأنها كانت أسهل بكثير من الاعتراف بأنهم ظلموا بعضهم بعضا.
نظرت إلى الشرفة من حولها، ثم إلى المنزل القديم، وفهمت فجأة أن هذا المكان لم يجمعهما بمحض الصدفة فقط، فقد كان المنزل ملكا لمحاسب المتجر القديم، الرجل الذي احتفظ بالوثائق قبل أن يختفي فجأة.
كانت الشرفة تقف فوق الحقيقة الكاملة منذ عقود طويلة، بينما يتوارث الناس الكراهية في الخارج دون أن يعلموا شيئا.
القرار الأصعب
قال يوسف بحزم إنهما سيذهبان إليهم الآن فورا، فتراجعت سلمى بخوف واضح وقالت إنهم لن يصدقوهما أبدا.
رد عليها بأنهم إذن سيجعلونهم يرون الحقيقة بأعينهم مباشرة.
حملا الوثائق، وسارا تحت المطر نحو منزل المنصوري، بينما كانت المدينة نائمة خلف أبوابها، لا تعرف أن حربا قديمة توشك أن تواجه أول دليل حقيقي ضدها منذ عقود.
وحين وصلا، كان والد يوسف قد سبقهما إلى هناك، فقد اكتشف غيابه، وعرف من الرسالة القديمة إلى أين يمكن أن يكون قد ذهب.
وقف الرجلان أمام باب المنزل كخصمين يستعدان لمعركة أخيرة، وخلف كل منهما أبناء وأقارب تتقد في عيونهم كراهية موروثة منذ الصغر.
تقدم يوسف ووضع الصندوق المعدني بينهما، وقال إنه قبل أن يمنعوهما من رؤية بعضهما، عليهم أن يقرؤوا ما أخفوه عن أنفسهم كل هذه السنوات الطويلة.
حاول والد سلمى دفعه بعيدا بغضب، لكن سلمى وقفت أمام يوسف بثبات، وقالت بصوت ارتجف في بدايته ثم اشتد شيئا فشيئا إنها لن تتزوج رجلا لا تريده، ولن تكره إنسانا بسبب قصة لم تكن شاهدة عليها يوما.
فتح والد يوسف الرسالة الأولى، وقرأها تحت ضوء المصباح الخارجي بتمعن.
تغير وجهه ببطء شديد، ثم انتقلت الرسالة إلى يد والد سلمى، الذي أعاد قراءتها مرتين وكأنه ينتظر أن تتبدل الكلمات المكتوبة أمامه.
ساد صمت ثقيل بينهم، لم يسمع خلاله سوى صوت المطر وهو ينساب من حواف السقف بهدوء.
حين انهارت جدران الماضي
استمرت مواجهة الوثائق حتى الفجر، ومع كل ورقة تقرأ، كانت حكاية قديمة تسقط، ويظهر تحتها وجه الحقيقة الذي أخفاه الغضب طويلا عن الجميع.
اعترف عم والد سلمى، بعدما حاصروه بالأدلة الدامغة، بأنه أخفى رسائل المصالحة خشية أن تعاد الشراكة بينهما، فيفقد الأموال التي استولى عليها من ممتلكات العائلتين معا.
لم يكن هذا الاعتراف بطولة منه، بل جاء بعد أن أدرك أن الصمت لم يعد قادرا على إنقاذه من الحقيقة.
جلس والدا يوسف وسلمى متقابلين، وقد بدا التعب في وجهيهما أقدم من سنوات عمرهما الحقيقية.
قال والد يوسف أخيرا إنهما عاشا يربيان أبناءهما على كراهية لم يفهما أصلها الحقيقي قط.
خفض والد سلمى رأسه، ورد بصوت منكسر بأنهما خسرا أعمارا كاملة دفاعا عن خطأ لم يرتكباه.
لم تتحول الكراهية إلى محبة في لحظة واحدة، فالجروح العميقة لا تلتئم بمجرد ظهور الحقيقة فجأة، لكن شيئا أساسيا قد انكسر بينهما، وهو اليقين القديم بأن العداوة قدر لا يمكن تغييره أبدا.
نظر والد سلمى إلى ابنته، ثم إلى يوسف، وقال إنهما يجب أن يعودا إلى البيت الآن، وإنهم سيتحدثون في الأمر حين تهدأ الأمور قليلا.
لم يكن ذلك قبولا كاملا منه، لكنه لم يكن رفضا قاطعا أيضا.
وكان يكفي في تلك اللحظة أن يفتح الباب لأول مرة بينهما.
الموعد الأخير تحت المطر
بعد عام كامل، عادت الأمطار إلى المدينة في الليلة ذاتها التي التقيا فيها لأول مرة.
وقفت سلمى تحت الشرفة القديمة، ترتدي معطفا أبيض، وفي يدها كتاب صغير، بينما كان يوسف يعلق لوحة معدنية على العمود الخشبي بعد أن انتهى من ترميم المكان بالكامل.
كتب على تلك اللوحة عبارة تقول إن هذه مكتبة الشرفة، مكان للقصص التي نجت من النسيان.
حول يوسف وسلمى المنزل المهجور إلى مكتبة ومركز ثقافي صغير، بعدما اتفقت العائلتان على ترميمه معا، ليصبح رمزا للحقيقة التي ظلت مختبئة بين جدرانه طويلا.
اقترب يوسف منها، ووضع مظلة فوق رأسيهما بلطف.
ضحكت سلمى وقالت إنه في المرة الأولى لم تكن معه مظلة على الإطلاق.
أجابها بابتسامة أنه لو كانت معه، ربما لم يدخل تحت الشرفة من الأساس.
رفعت عينيها نحو المطر، ثم إلى خاتم الخطبة في يدها، وقالت إذن من حسن حظه أنه ابتل تماما في تلك الليلة.
ابتسم يوسف، وأمسك يدها بحنان، بينما وقف أفراد العائلتين داخل المكتبة يتبادلون الحديث في حذر هادئ، وقد حلت مكان الشتائم القديمة أصوات أكواب الشاي وصفحات الكتب المتقلبة.
لم يعد اللقاء سريا كما كان، ولم تعد الشرفة شاهدة على خوفهما، بل أصبحت شاهدة على اختيارهما الحر.
اختيار أن يريا بعضهما كما هما حقا، لا كما أراد لهما الماضي أن يكونا.
فقد يولد الإنسان داخل حكاية كتبها آخرون قبله، ويقضي سنواته يردد كلماتها دون أن يسأل يوما من صاغها أو لماذا، غير أن لحظة واحدة من الصدق قد تكون كافية لتمزيق صفحات كاملة من الوهم القديم.
فالمطر لا يسأل البيوت عن أسماء أصحابها قبل أن يهطل عليها، والحب لا يفتش في سجلات العائلات قبل أن يطرق باب القلب، وحدهم البشر من يبنون الجدران، ثم يندهشون حين يكتشفون أنهم كانوا سجناء تلك الجدران طوال الوقت.
