قصة مدينة البرك المعلقة حين سرق قانون الماء

الراوي
0

في الليلة التي مات فيها آخر بئر في الحي السفلي، لم تهبط قطرة واحدة من السماء، بل صعدت دمعة أم نجلاء من فوق خدها، ارتجفت لحظة عند طرف ذقنها، ثم انفلتت إلى أعلى كأن الغيم استدعاها باسمه.

رفعت نجلاء رأسها، فرأت آلاف القطرات تلمع فوق المدينة، تصعد من المزاريب الجافة والنوافذ المشققة نحو البرك المقلوبة المعلقة في السماء، بينما بقيت الأواني الفخارية تحتها فارغة، أفواهها مفتوحة في ذهول لا ينتهي.

ومن أعلى التل، خلف أسوار القصر البلدي، كانت سلالم العمدة صابر تمتد إلى البرك مثل أصابع سوداء تحتكر زرقة العالم، ويحرسها رجال يرتدون خوذًا من النحاس، لا يسمحون لأحد بالصعود إلا مقابل ختم لا يملكه الفقراء.

في تلك اللحظة لم تفكر نجلاء في سرقة الماء، فالماء المسروق ينفد، والقربة الممتلئة لا تنقذ مدينة كاملة؛ فكرت في شيء آخر لا يُحمل على الظهر ولا يُخبأ تحت الثياب.

فكرت في سرقة القانون الذي يجعل الماء يصعد.

قصة خياليه مدينة البرك المعلقة حين سرق قانون الماء

المدينة التي كانت سماؤها في الأسفل

بُنيت مدينة رَوَاء فوق قيعان برك مقلوبة، بدت من الأرض كصحون زجاجية هائلة معلقة في الفضاء، تتدلى منها أعشاب مائية وجذور فضية تسبح بلا ريح، بينما تموج فوقها أسماك زرقاء لا تسقط.

لم يكن أحد يعرف من رفع البرك إلى السماء، ولا كيف بقي ماؤها متماسكًا رغم اتساع أفواهها نحو الأرض، لكن شيوخ المدينة اعتادوا القول إن الماء لا يخضع للجاذبية، بل للكلمة الأولى التي ناداه بها الخالقون القدماء.

وكان المطر في رَوَاء يسقط على نحو معكوس؛ تتولد القطرات في الآبار والجداول والأكواب المكشوفة، ثم ترتفع نحو البرك المعلقة، كأن الأرض تبكي والسماء تجمع دموعها في خزائن لا تمتلئ.

حين كانت السلالم عامة، كان الناس يصعدون عند الفجر، يملؤون جرارهم من حواف البرك، ثم يعودون بحذر، فتنتشر رائحة الطحالب الباردة في الأزقة، وتبتل الأعتاب، وتلمع وجوه الأطفال.

لكن العمدة صابر غيّر كل شيء يوم أعلن أن السلالم قديمة، وأن الصعود صار خطرًا على سلامة المدينة، ثم أحاطها بالحراس، وفرض على كل بيت ضريبة تسمى رسم الارتفاع.

لم يعترض أغنياء الأحياء العليا؛ فقد كانت بيوتهم قريبة من منصات السلالم، وكانت لديهم خواتم تسمح لهم بالصعود، أما أهل الأحياء السفلى فصار عليهم أن يشتروا كل قطرة بوزنها من النحاس.

عطش يصعد ولا يعود

كانت نجلاء تعمل في إصلاح المزاريب، مع أن المزاريب في رَوَاء لم تعد تستقبل الماء، بل تجمع القطرات الصاعدة من البيوت وتوجهها نحو السماء، لذلك كان الناس يسمونها خياطة العطش.

كل صباح، تحمل مطرقتها وحبالها، وتصعد فوق الأسطح الطينية، فتسمع صفير القطرات وهي تمر في الأنابيب النحاسية، مسرعة نحو البرك كأنها تهرب من أفواه العطشى.

وكان أشد ما يؤلمها أن ترى الماء يخرج من قدور الحساء قبل أن يغلي، فيصعد بخارًا وقطرات، أو أن ترى طفلًا يمد يده إلى كوبه، فتفلت منه آخر رشفة وترتفع بين أصابعه.

في الحي السفلي، ذبلت أشجار الليمون، وصارت أوراقها هشة كقصاصات الرسائل القديمة، بينما تشققت جدران البيوت حتى بدا كل منزل كوجه عجوز يضغط على أسنانه كيلا يصرخ.

عندما عادت نجلاء في تلك الليلة إلى بيتها، وجدت أمها جالسة أمام الجرة الفارغة، تمرر إصبعها على قاعها، ثم تضع ما علق به من رطوبة فوق لسان حفيدتها الصغيرة سلمى.

قالت الأم بصوت خفيض:

لم يبقَ في الحي سوى ثلاث جرار، وسيأخذها رجال العمدة صباحًا بحجة إعادة التوزيع.

اقتربت نجلاء من النافذة، فرأت حارسًا يعلق منشورًا جديدًا على الجدار، ثم يضرب ختم العمدة فوقه حتى ارتج الحجر.

كان المنشور يقول:

كل قطرة تصعد من ملكية خاصة تصبح ملكًا لمجلس البرك فور مغادرتها حدود الإناء.

ضحكت نجلاء، لكن ضحكتها خرجت يابسة كاحتكاك حجرين.

قالت:

حتى الدموع صارت ملكًا لصابر.

الخريطة المخفية في المزراب القديم

في اليوم التالي، استدعتها امرأة مسنّة تدعى صفية لإصلاح مزراب منزل مهجور عند طرف المدينة، وكان البيت قديمًا إلى حد أن سقفه احتفظ بلون المطر منذ زمن لم يعد أحد يذكره.

صعدت نجلاء إلى السطح، وفكّت صفيحة نحاسية متآكلة، فوجدت تحتها شيئًا لا يشبه الصدأ؛ خطوطًا دقيقة منقوشة داخل الأنبوب، تتفرع مثل عروق ورقة شجر.

مسحتها بطرف كمها، فظهرت خريطة للمدينة، لكن السلالم فيها لم تكن تنتهي عند البرك، بل تمتد داخلها نحو جزيرة صغيرة معلقة في قلب الماء.

وفي أسفل الخريطة كُتبت عبارة بحروف تكاد تمّحي:

لا يتجه الماء إلى أعلى أو أسفل، بل نحو الجهة التي يمنحها القانون اسمه.

توقفت أنفاس نجلاء، وشعرت أن سطح المنزل يميد تحت قدميها رغم سكونه.

حارسة الذاكرة

ظهرت صفية خلفها من فتحة السطح، تحمل مصباحًا زيتيًا، وكانت عيناها الرماديتان ثابتتين على الخريطة، كأنها كانت تنتظر اكتشافها منذ سنوات.

قالت العجوز:

كنت أعلم أن المزراب سيختارك، لكنه تأخر كثيرًا.

حدقت نجلاء فيها، ثم أشارت إلى النقش.

ما هذا القانون؟ ومن كتب تلك العبارة؟

جلست صفية قرب الأنبوب، وراحت تمرر أصابعها على الخطوط بحنان من يلمس وجه غائب.

قالت:

قبل أن يصبح صابر عمدة، كان كاتبًا صغيرًا في دار الاتجاهات.

هناك، داخل البركة الكبرى، تُحفظ القوانين التي تضبط حركة الأشياء، اتجاه الدخان، ميل الريح، صعود الماء، وحتى الطريق الذي تسلكه الظلال عند الغروب.

شعرت نجلاء بقشعريرة تسري في ذراعيها.

أتقولين إن صابر لم يحتكر السلالم من أجل الماء؟

أجابت صفية:

الماء كان ستارًا.

من يسيطر على السلالم يسيطر على دار الاتجاهات، ومن يملك القوانين يستطيع أن يجعل النهر يهرب من حي ويصب في قصر.

أخرجت العجوز من جيبها قطعة معدنية رقيقة، نصفها مفتاح ونصفها سنّ سمكة، ووضعتها في يد نجلاء.

كان أبي آخر أمناء الدار.

قبل موته قال إن القانون لا يمكن إتلافه، لكنه يُعدّل بتوقيعين، توقيع الحاكم، وتوقيع شاهد من الأحياء التي يمسها التغيير.

أغلقت نجلاء أصابعها على المفتاح.

وأين يجد صابر شاهدًا يوقّع على عطشنا؟

نظرت صفية نحو البرك، ثم قالت:

لا يحتاج إلى شاهد حي، إن كان يحتفظ بختم شاهد ميت.

خطة لا تسرق قطرة واحدة

لم تكن نجلاء وحدها قادرة على اقتحام سلالم العمدة، لذلك جمعت ثلاثة أشخاص في قبو طاحونة مهجورة، حيث كانت رائحة القمح القديم تختلط بغبار الخشب والعطش.

جاء عارف، صانع السلالم الذي طرده صابر بعد أن رفض إضعاف الدرجات العامة، وجاءت مريم، ناسخة السجلات في البلدية، وجاء يونس، الصبي النحيل الذي يعرف مجاري الهواء بين الأسطح أكثر مما يعرف الأزقة.

فرشت نجلاء الخريطة فوق حجر الرحى، وثبّتت أطرافها بأكواب فارغة.

قال عارف وهو يتفحص الخطوط:

هذه ليست سلالم عادية.

الطريق الأخير داخل البركة مغمور، وقد ينقلب اتجاه الجسد قبل بلوغ الجزيرة.

قال يونس بحماس:

يمكنني المرور بين الحراس عبر المداخن.

هزت نجلاء رأسها.

لسنا ذاهبين لسرقة الماء، ولن يحمل أحد قربة واحدة.

سنأخذ نسخة من القانون، ثم نعرف كيف أعاد صابر توجيه القطرات.

ابتلعت مريم ريقها، ونظرت إلى الباب قبل أن تتكلم.

هناك أمر لم أخبركم به.

صابر سيقيم غدًا احتفال الوفرة، وسيصعد مع وجهاء الأحياء العليا لتجديد قانون الاتجاه عشر سنوات أخرى.

ضرب عارف الطاولة بقبضته.

إن وقّع التجديد، ستموت الأحياء السفلى قبل الشتاء.

قالت نجلاء:

إذن لا نملك غدًا.

نملك هذه الليلة.

ثمن الصعود

كان الطريق إلى منصة السلالم يمر من سوق النحاس، حيث علّقت البلدية مصابيح زرقاء احتفالًا بالوفرة، رغم أن الباعة كانوا يمسحون أوعيتهم بلعابهم كي تبدو لامعة.

تنكرت مريم في زي مفتشة سجلات، وسار عارف خلفها حاملاً صندوق أدوات، بينما اختبأ يونس داخله، ودخلت نجلاء بثياب عاملة صيانة، وقد لطخت وجهها بالهباب.

عند البوابة، مد الحارس يده.

تصريح الارتفاع.

قدمت مريم ورقة مزورة، فرفعها إلى المصباح، وانعكس الختم الأحمر على عينيه الضيقتين.

قال:

هذا التصريح يسمح بثلاثة أشخاص، لا أربعة.

تجمد الجميع، وسمعت نجلاء حركة يونس داخل الصندوق.

ابتسمت مريم ابتسامة باردة.

الصندوق ليس شخصًا، إلا إذا بدأت البلدية أخيرًا بدفع أجور الأدوات.

تأمل الحارس وجهها لحظة، ثم ضحك وأشار لهم بالمرور.

ما إن ابتعدوا حتى انفتح غطاء الصندوق قليلًا، وظهر وجه يونس المتعرق.

همس:

كنت على وشك أن أعطس.

قال عارف دون أن يلتفت:

لو عطست، لجعلناك أداة رسمية.

السلالم التي تصعد إلى قاع السماء

امتدت السلالم فوق المدينة كعمود فقري هائل، تتصل ببعضها عبر منصات معلقة، وكلما صعدوا صار الهواء أبرد، وصارت البيوت أسفلهم أصغر من صناديق الكبريت.

كانت القطرات تصعد بجوارهم في أسراب شفافة، تمر قرب الوجوه فتترك على الجلد برودة خاطفة، ثم تواصل طريقها نحو البرك من دون أن يستطيع أحد الإمساك بها.

بعد المنصة السابعة، انتهت السلالم العامة، وبدأ درج من الزجاج الأسود، لا تظهر درجاته إلا حين تطأ القدم موضعها، ثم تختفي خلف العابر.

قال عارف وهو يختبر أول درجة:

هذا الدرج لا يحمل المترددين.

حافظوا على اتجاه واحد في أفكاركم.

سأله يونس:

وما الاتجاه الذي نفكر فيه؟

أجابت نجلاء وهي تضع قدمها على الزجاج:

إلى الأمام، حتى لو بدا الأمام تحتنا.

عند حافة البركة المقلوبة

بلغوا قاع البركة الكبرى قبيل منتصف الليل، وكان المشهد أوسع من قدرة العين على التصديق؛ صفحة ماء زرقاء معلقة فوق رؤوسهم مباشرة، تموج كسماء سائلة، وتسبح داخلها أسماك ذات بطون مضيئة.

توقفت القطرات الصاعدة عند سطح البركة، ثم انغرست فيه دون صوت، كنجوم تعود إلى مواضعها.

في وسط الماء ظهرت الجزيرة التي رسمتها الخريطة، كتلة حجرية معلقة داخل البركة، تحيط بها أقواس بيضاء ونافذة واحدة تشع منها إضاءة خضراء.

أخرجت نجلاء مفتاح صفية، فاهتز بين أصابعها، ثم انجذب نحو سطح الماء كما تنجذب إبرة البوصلة إلى الشمال.

قال عارف:

حين نعبر، قد يغير القانون اتجاه أجسادنا.

لا تقاوموا الانقلاب، فالمقاومة تكسر العظام.

لامست نجلاء الماء، فلم تبتل يدها؛ شعرت فقط بقوة باردة تسحبها من كتفيها، وفي اللحظة التالية سقطت إلى أعلى.

انقلبت المدينة تحتها، أو لعلها هي التي انقلبت، ولم تعد تعرف أين السماء وأين الأرض، بينما صرخت مريم واختفى صوتها داخل الماء.

سبحت نجلاء بين القطرات الصاعدة، لكنها بدت الآن هابطة، ومرت قرب سمكة شفافة كان في جوفها مفتاح صدئ، ثم دفعت نفسها نحو الجزيرة.

عندما خرجت من الماء، وقفت فوق أرض حجرية داخل البركة، ورأت من خلال سطحها مدينة رَوَاء بعيدة تحت قدميها، مضيئة كشبكة من الجمر المحتضر.

دار الاتجاهات

كان باب الدار مستديرًا، محفورًا عليه سهم يدور ببطء دون أن يستقر، وحين وضعت نجلاء المفتاح في ثقب صغير، انفتح الباب إلى الداخل والخارج في الوقت نفسه.

دخلوا قاعة عالية تمتلئ برفوف زجاجية، فوق كل رف لفائف معدنية، وعلى كل لفافة اسم، اتجاه الرماد، طريق الصدى، ميل الأشجار نحو الضوء، موضع الأشياء الضائعة.

في قلب القاعة، فوق منصة سوداء، استقرت لفافة زرقاء ينبض سطحها كالماء، وحولها ثلاثة أقفال تحمل ختم العمدة صابر.

اقتربت مريم، وقرأت اللوح المثبت تحتها:

قانون اتجاه الماء في حدود مدينة رَوَاء.

قال يونس:

نأخذها ونرحل.

مد يده، لكن نجلاء أمسكت معصمه قبل أن يلمسها.

القانون ليس جرة.

إن انتزعناه، قد يتوقف الماء عن الحركة تمامًا.

انحنت مريم أمام الأقفال، وأخرجت إبرة ناسخ دقيقة.

يمكنني فتح ختم البلدية، لكن الختم الثاني يعود إلى الحاكم، والثالث إلى شاهد الأحياء.

سأل عارف:

وأين الأختام؟

جاءهم صوت من آخر القاعة:

معي، كما ينبغي لها أن تكون.

ظهور العمدة صابر

خرج صابر من بين الرفوف مرتديًا عباءة داكنة مطرزة بخيوط فضية، وخلفه ستة حراس يحملون رماحًا تتدلى من رؤوسها قطرات لا تسقط.

لم يكن ضخمًا كما صورته المنشورات، بل كان نحيلًا، شاحب الوجه، له عينان حادتان تشبهان بابين مغلقين.

قال وهو ينظر إلى نجلاء:

ابنة خياطة المزاريب.

توقعت أن يصل عارف يومًا، أو أن تخونني مريم، لكنني لم أتوقعك أنت.

تقدمت نجلاء خطوة.

لأنك لا تنظر إلى الأحياء السفلى إلا من خلال الضرائب.

ابتسم صابر.

بل أنظر إليها كل يوم.

أعرف عدد الجرار، وعدد المرضى، وعدد الأطفال الذين سيبقون أحياء حتى نهاية الشهر.

اندفع عارف نحوه، لكن الحراس وجهوا رماحهم، فتجمدت قطرات الماء حول عنقه كطوق من الجليد.

قال صابر بهدوء:

حركة واحدة، وسأغيّر اتجاه الماء في جسده.

توقف الجميع، وسمعت نجلاء دقات قلبها ثقيلة في أذنيها.

قالت:

لماذا تفعل هذا؟ لا تقل من أجل سلامة المدينة، فقد رأينا قصرك وحدائقه.

اقترب صابر من اللفافة الزرقاء، ووضع يده فوقها.

حين كان الماء متاحًا للجميع، ازدادت المدينة، واتسعت الأحياء، وكادت البرك تفرغ.

حاولت إقناع الناس بالتقنين، فضحكوا.

احتكار السلالم لم يكن جشعًا، بل علاجًا لمدينة لا تعرف متى تتوقف عن الشرب.

أجابته نجلاء:

العلاج الذي يقتل المريض ليس علاجًا.

قال ببرود:

يموت جزء لينجو الكل.

أشارت إلى الأحياء العليا المرئية تحت الماء.

لكن الجزء الذي اخترته للموت لا يشمل بيتك.

اختفت ابتسامته.

السجل الذي فضح العطش المصنوع

بينما كان صابر يتحدث، انسحب يونس ببطء نحو رف جانبي، حيث لاحظ صندوقًا صغيرًا يحمل شعار دار الاتجاهات، ففتحه دون صوت وأخرج دفترًا رقيقًا.

التقطت مريم الدفتر حين مرره إليها، وبدأت تقرأ صفحاته، ثم اتسعت عيناها.

قالت:

نجلاء، البرك لم تكن توشك على الجفاف.

التفت صابر إليها بسرعة.

رفعت مريم الدفتر عاليًا.

هذه سجلات القياس الأصلية.

مستوى الماء ثابت منذ أربعين عامًا، وكل ما يصعد يعود إلى المدينة عبر الندى الجوفي، ما لم يُعدّل مساره.

خطف صابر خطوة نحوها، لكن عارف ركل رمح أحد الحراس، فانفجر طوق الماء عن عنقه وتناثر في القاعة.

صاحت مريم:

صابر حوّل الندى الجوفي إلى خزانات قصره، ثم أعلن أن البرك تجف! لقد صنع الندرة بنفسه.

تراجع الحراس لحظة، وتبادل اثنان منهم نظرة مضطربة.

قال صابر بصوت حاد:

لا تصغوا إليها.

السجلات القديمة لا تفهم حاجات المدينة الجديدة.

قالت نجلاء:

بل تفهم حاجتك أنت إلى مدينة راكعة.

الختم المسروق من الموتى

أخرج صابر من عنقه سلسلة تحمل ختمًا عظميًا صغيرًا، محفورًا عليه اسم حسان بن راشد، شاهد الحي السفلي.

شهقت مريم.

حسان مات قبل خمسة عشر عامًا.

قال صابر:

لكن الختم لا يموت، وهذه ميزة القوانين الجيدة.

عندها فهمت نجلاء كيف كان يجدد قانون الاتجاه كل عام دون اعتراض؛ لم يكن يحتاج إلى رضا الأحياء، بل إلى أثر رجل دفن منذ زمن.

اندفعت نحوه، فرفع يده، وتحركت القطرات حولها فجأة في اتجاهات متضادة، تصعد على جلدها وتهبط داخل أنفاسها، حتى شعرت برئتيها تمتلئان بماء غير مرئي.

سقطت على ركبتيها، وبدأت تسعل، بينما اقترب صابر منها ببطء.

قال:

أنت ذكية، ولهذا يؤسفني أن تموتي هنا.

رفعت نجلاء عينيها إليه، ولم تحاول الوقوف.

بدلًا من ذلك، ضربت بقبضتها أرض القاعة.

كان المفتاح المعدني لا يزال في يدها، وحين اصطدم بالحجر انقسم نصفين، فانطلق منه رنين عميق جعل اللفائف كلها ترتجف فوق الرفوف.

توقفت القطرات في الهواء.

وانفتح تحت المنصة درج سري.

القانون الأول للماء

هبط الدرج إلى غرفة صغيرة لا تحتوي إلا على حجر أبيض، فوقه كلمات محفورة بلغة قديمة، لكنها تحولت أمام عيني نجلاء إلى حروف تعرفها.

اقتربت رغم الألم الذي يمزق صدرها، وقرأت:

قبل كل تعديل، يعود الماء إلى قانون أصله إذا نطق شاهد حي باسم من حُرم منه.

نظرت إلى صابر، فرأت الخوف للمرة الأولى على وجهه.

صاح في الحراس:

أوقفوها!

لكن الحراس لم يتحركوا، فقد كانت مريم لا تزال ترفع السجل الأصلي، وكانت الحقيقة أثقل من أوامره.

وضعت نجلاء كفها على الحجر، وكان باردًا كقاع بئر في فجر شتوي.

قالت بصوت متقطع:

أنا نجلاء بنت سلوى، شاهدة من الحي السفلي، أنطق باسم سلمى التي لعقت الرطوبة من إصبع جدتها، وباسم كل طفل صعد ماؤه قبل أن يبلغ فمه.

اهتزت دار الاتجاهات، وتحولت اللفافة الزرقاء إلى سائل مضيء، سال فوق المنصة ثم ارتفع كعمود ملتف.

تابعت نجلاء:

أنطق باسم الأشجار التي ماتت واقفة، وباسم الأمهات اللواتي أخفين عطشهن كي يشرب الصغار، وباسم البيوت التي سرق القانون دموعها.

صرخ صابر:

توقفي! إن أعدت القانون الأول فلن يمكنك التحكم في النتيجة.

نظرت إليه، وقالت:

هذا هو الفرق بيننا.

أنا لا أريد التحكم في الماء.

ثم نطقت العبارة الأخيرة:

ليعد الماء إلى من حُرم منه.

حين تبدلت السماء

انطفأت المصابيح الخضراء، وسمعت المدينة كلها صوتًا يشبه تحطم مرآة هائلة في قلب السماء.

فوق رَوَاء، ارتجفت البرك المعلقة، وتوقفت القطرات الصاعدة لحظة، معلقة بين الأرض والماء، ثم بدأت تهبط.

في البداية سقطت قطرة واحدة على سطح بيت صفية، فتركت دائرة داكنة فوق الطين، ثم لحقتها قطرة ثانية، وثالثة، حتى انفتح المطر كستارة من البلور.

خرج الناس من منازلهم، يرفعون أيديهم ووجوههم، بعضهم يضحك، وبعضهم يبكي، وبعضهم يقف صامتًا لأنه نسي كيف يستقبل الماء حين يأتي من أعلى.

امتلأت الأواني، واندفعت الجداول القديمة بين الأزقة، وتفجرت من المزاريب أصوات غليظة كأن البيوت نفسها تشرب.

أما خزانات قصر صابر، فقد انقلب اتجاهها في اللحظة ذاتها، فصعد ماؤها كله عبر الجدران، واقتلع النوافذ، ثم عاد إلى السماء قبل أن يهطل فوق الأحياء السفلى.

داخل دار الاتجاهات، سقط صابر على ركبتيه، يحدق في كفيه الفارغتين.

قال بصوت خافت:

ستستهلكون البرك.

ستدمرون كل شيء.

أجابته نجلاء وهي تلتقط السجل:

ربما نخطئ، لكننا سنخطئ جميعًا، ونصلح الخطأ جميعًا.

لن تموت أحياء كاملة كي يبقى قصر واحد أخضر.

محاكمة تحت المطر

عندما نزلت نجلاء ورفاقها من البركة، لم يحتاجوا إلى إقناع أحد بما حدث؛ فقد كان السجل الأصلي معهم، وكانت حدائق القصر قد لفظت ماءها أمام أعين المدينة كلها.

اقتاد الحراس صابر إلى الساحة العامة، لا لأن نجلاء أمرتهم، بل لأنهم وجدوا أسماء أسرهم بين البيوت التي حُرمت من الندى الجوفي.

اجتمع أهل رَوَاء تحت المطر، ووقف العمدة السابق مكشوف الرأس، تسيل الأصباغ السوداء من عباءته، فتبدو كالحبر الذي كتب به قوانينه.

طلب بعض الناس سجنه في خزان فارغ، وطالب آخرون بإسقاطه من أعلى السلالم، لكن صفية تقدمت بعصاها وقالت:

من يحكم باسم العطش لا ينبغي أن نمنحه عطشًا جديدًا يحكم باسمه.

حُكم على صابر بأن يعمل بقية عمره في إعادة بناء السلالم العامة، تحت رقابة مجالس منتخبة من كل حي، وأن يفتح سجلات دار الاتجاهات لكل من أراد قراءتها.

أما الأختام القديمة، فقد صُهرت في الساحة وصُنعت منها أجراس صغيرة علقت عند مداخل البرك، كي يسمع الناس رنينها كلما حاول أحد إغلاق طريق الماء.

سلالم بلا بوابات

اختارت المدينة نجلاء أمينة لدار الاتجاهات، لكنها رفضت أن يكون لها مفتاح منفرد.

قسمت المفتاح الجديد إلى سبع قطع، واحدة لكل حي، وأصبح فتح الدار يتطلب حضور ممثلين عن الجميع، فلا ينفرد غني أو فقير أو حاكم بتغيير مسار قطرة واحدة.

وأعاد عارف بناء السلالم من خشب لا يختفي خلف الصاعد، بينما رسم يونس على كل منصة سهمين متعاكسين، وكتب تحتهما:

الاتجاه الذي لا يراه الجميع قد يقود إلى الهاوية.

أما مريم، فنقلت السجلات إلى مكتبة مفتوحة في الساحة، ونسخت قانون الماء على ألواح حجرية، حتى لا يستطيع حاكم آخر أن يخبئه داخل بركة أو خلف ختم ميت.

القطرة التي اختارت طريقها

بعد عام كامل، وقفت نجلاء فوق سطح بيتها في أول ذكرى لسقوط المطر، وكانت المدينة تحتها خضراء، تتخللها قنوات صغيرة تصل بين الأحياء العليا والسفلى.

إلى جوارها جلست سلمى، تمسك كوبًا ممتلئًا بكلتا يديها، وتشرب ببطء كأنها تتعلم طقسًا مقدسًا.

قالت الطفلة:

خالتي نجلاء، هل سيظل المطر يهبط دائمًا؟

نظرت نجلاء إلى البرك المعلقة، وقد صارت تعكس شمس الغروب مثل مرايا واسعة.

قالت:

ليس دائمًا.

أحيانًا سيصعد، وأحيانًا سيهبط، لأننا لم نأمره باتجاه واحد.

عبست سلمى.

ومن يقرر؟

مدت نجلاء إصبعها نحو قطرة معلقة عند حافة المزراب، كانت ترتجف بين الصعود والهبوط، ثم انقسمت إلى نصفين؛ صعد نصفها نحو البركة، وهبط الآخر داخل حوض الريحان.

ابتسمت نجلاء.

الحاجة، ودورة الأرض، واتفاق الناس.

لا شخص واحد.

وفي أسفل المدينة، رن أحد أجراس الأختام القديمة، لا إنذارًا هذه المرة، بل إعلانًا عن افتتاح سلم جديد يصل الحي الأبعد بالبركة الكبرى.

رفعت نجلاء وجهها إلى المطر، وتركت القطرات تنساب فوق جبهتها، ولم تحاول أن تعرف أيها جاء من السماء وأيها عاد من دمعة قديمة.

لم يكن الخطر في مدينة رَوَاء أن الماء يسير عكس ما اعتاده الناس، بل في أن رجلًا واحدًا أقنعهم بأن الاتجاه قدر لا يمكن تغييره، ثم أخفى يده خلف القوانين.

فالنعمة حين تُحبس لا تتحول إلى ملكية، بل إلى أداة طاعة، والقانون حين يبتعد عن عيون من يخضعون له يصير بابًا بلا مقبض، لا يُفتح إلا من جهة الحاكم.

ولم تنقذ نجلاء مدينتها لأنها امتلكت الماء، بل لأنها أعادت إلى الناس حقهم في السؤال، من رسم الطريق، ولمن يخدم، ولماذا ينبغي للقطرة أن تذهب إلى هناك دون سواه؟

ومنذ ذلك اليوم، كلما اختلف أهل رَوَاء على قانون جديد، كانوا ينظرون إلى البرك المعلقة ويتذكرون أن الأشياء لا تسير دائمًا وفق طبيعتها؛ فأحيانًا تمضي في الاتجاه الذي يكتبه الأقوى، إلى أن يجرؤ أحدهم على محو السهم.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد