قصة المدينة التي تلونت بالكذب والفتى عديم اللون

الراوي
0

المدينة التي لم تعرف الشمس، لم تكن كروموس تعرف الشمس، ولم تكن تشعر بالحاجة إليها، فقد امتدت فوقها قبة هائلة من زجاج أسود، تحجب عنها النهار، وتترك أبراجها تتنفس ألوان البشر كما تتنفس الرئة الهواء.

في تلك المدينة، لم تكن المشاعر أمورا خفية تسكن الصدور، بل كانت تخرج إلى العالم مرئية وملموسة، فالضحكة كانت تخلف وراءها خيطا ورديا رقيقا، والغضبة كانت تقذف في الأزقة شرارة حمراء قاتمة، أما الحزن فكان ينساب أزرق ثقيلا، كأنه مطر نسي كيف يهطل.

غير أن كروموس في تلك الليلة لم تتنفس كما اعتادت، كانت أبراجها تسعل ألوانا فاسدة، وطرقاتها تلمع بوهج مريض، والمدينة التي عاشت قرونا على مشاعر سكانها بدأت تختنق ببطء، بينما كان الفتى الوحيد الذي لا يملك لونا يسير في عتمتها كأنه الجواب الذي تأخر الجميع عن سماعه.

قصة المدينة التي تلونت بالكذب والفتى عديم اللون


رئة كروموس الكبرى

بنيت كروموس من حجر شفاف لا يعكس الوجوه بقدر ما يعكس الأسرار المختبئة في الصدور، فإذا مر عاشق قرب جدار، توردت الحجارة كخد خجول، وإذا عبر رجل غاضب، ارتجفت النوافذ بلون أحمر يترك في الهواء طعما معدنيا لاذعا.

في قلب المدينة ارتفع برج عظيم يسمونه الرئة الكبرى، ومنه امتدت أنابيب فضية إلى البيوت والأسواق والمعابد، تمتص الألوان المتطايرة من مشاعر الناس، ثم تحولها إلى دفء ونور وحركة تدب في كل حجر وزقاق.

لم يكن أحد يسأل من أين تأتي طاقة المدينة حقا، كان السكان يضحكون ويغضبون ويبكون، ثم يراقبون ألوانهم وهي تصعد كقرابين يومية إلى البرج، مطمئنين إلى أن كروموس ستبقى حية ما داموا قادرين على الشعور.

قانون من لا لون له

كان أقدم قوانين كروموس يقول إن من لا لون له لا مكان له، لم يكن هذا القانون محفورا على حجر أو معدن، لكنه كان مكتوبا في النظرات المتوجسة، وفي صمت الأمهات حين يمر الأطفال المختلفون، وفي الخطوة التي يتراجع بها الناس عن كل من لا يترك أثرا في الهواء.

ولهذا، حين ولد سليم ولم ينبعث من بكائه أي لون، انطفأ الفرح في القاعة كأن نافذة أغلقت فجأة، انتظرت القابلات خيطا أزرق من الخوف، أو ورديا من دفء الحياة، أو حتى رماديا من الارتباك، لكن الهواء ظل صافيا على نحو مخيف.

بدا الطفل كأنه لا يشعر بشيء، أو كأن شعوره أعمق من أن تراه العيون، ولم تعرف أمهات كروموس كيف يطمئن إلى طفل لا يتلون بكاؤه، ولا يترك قلبه على الجدران علامة يمكن فهمها.

سليم في أطراف المدينة

كبر سليم في أطراف كروموس، حيث تنتهي الشوارع المضيئة وتبدأ الأزقة التي لا يصلها إلا ما تبقى من الألوان بعد أن تشبع بها البيوت والأسواق، كان يمشي بين الناس فلا يترك خلفه إلا فراغا شفافا، فيتوقف الأطفال عن اللعب، وتشد الأمهات أبناءهن إلى صدورهن كأن في جلده عدوى خفية.

لم يكن سليم قاسيا ولا باردا كما ظنوا، كان يشعر بكل شيء، غير أن مشاعره لم تكن تتبخر في الهواء، كان الحب داخله بحرا صامتا، والحزن كهفا عميقا، والغضب جمرة محبوسة لا تطلب دخانا كي تثبت وجودها.

كان أكثر ما يؤلمه أن الناس حكموا على قلبه لأنه لم يشبه قلوبهم، لم يسأله أحد عما يحمله في داخله، ولم يصدق أحد أن الصمت قد يكون أحيانا أعمق من كل لون.

بائعة الأقنعة

في السوق الكبير، كانت امرأة عجوز تبيع أقنعة صغيرة من زجاج ملون، يضعها الناس على وجوههم في المناسبات ليطلقوا ألوانا أبهى مما في قلوبهم، كان هناك قناع للفرح، وقناع للحزن النبيل، وقناع للغيرة، وقناع للحب السريع الذي لا يحتاج إلى قلب.

ذات مساء، توقفت العجوز أمام سليم، وتأملت وجهه طويلا بعينين غائرتين، ثم قالت بصوت يشبه احتكاك الورق الجاف إنك لا تحتاج إلى قناع يا فتى، وهذا ما يخيفهم منك.

نظر إليها سليم بصمت، فرأى حولها ضبابا بنفسجيا باهتا، لكنه أدرك أن ذلك اللون لم يكن صادرا عن قلبها، بل عن الأقنعة المعلقة خلفها كثمار مسمومة، تنتظر وجوها جديدة كي تمنحها مشاعر مستعارة.

بداية فساد الألوان

في البداية، ظهرت الشقوق صغيرة فوق جدران الرئة الكبرى، حتى إن الناس ظنوها أثرا عابرا من آثار الزمن، ثم بدأت المصابيح تخفق كقلوب مذعورة، وتحول الورد المتصاعد من العشاق إلى لون لزج يميل إلى الرماد.

أما الأحمر المنبعث من الغضب، فلم يعد نارا صريحة، بل صار يترك على اللسان مرارة الدخان، ومع الوقت، صار الناس يضحكون أكثر مما ينبغي، ويبكون أمام المرايا، ويتشاجرون في الساحات، كأنهم يحاولون إطعام المدينة بأي لون، حتى لو كان مزيفا.

لم يعد أحد يشعر كما ينبغي، صاروا يؤدون المشاعر كما يؤدي الممثل دوره، وكانت كروموس تبتلع ذلك الزيف يوما بعد يوم، حتى امتلأت عروقها بالسم من غير أن يعترف أحد بما يحدث.

ليلة اختناق الرئة الكبرى

في ليلة الاحتفال السنوي بتجدد الطاقة، اجتمع السكان حول البرج العظيم، وأطلقوا ألوانهم دفعة واحدة، ارتفعت سحب وردية وحمراء وزرقاء وبنفسجية، وكان الجميع ينتظر أن تضيء القبة السوداء كما يحدث كل عام.

لكن الألوان لم ترتفع نقية إلى السماء، بل التصقت بالقبة كقيح متوهج، ثم دوى من قلب المدينة صوت عميق لا يشبه الانفجار ولا الرعد، بل يشبه أنين مخلوق ضخم طعن في صدره.

انطفأت الأزقة، وتشققت النوافير، وبدأت الرئة الكبرى تسعل غيوما سوداء تتلوى فوق الرؤوس، ركض الناس في كل اتجاه، وغمرت وجوههم ألوان الخوف، لكن ذلك الخوف نفسه كان ملوثا، كأن المدينة لم تعد تميز بين الشعور الحقيقي والظل الكاذب.

الفتى الذي ابتلع السم

بقي سليم واقفا في مكانه بينما كان الجميع يفرون، لم يعرف لماذا لم يركض، لكنه شعر بشيء داخل صدره ينفتح كنافذة على ليل نقي، واسع وهادئ ولا يخاف العتمة.

حين اقتربت منه أول سحابة سوداء، لم تلسعه ولم تخنقه، بل انجذبت إليه كأنها عثرت أخيرا على موطنها الأخير، تراجع الحشد في رعب، ورأوا جسد الفتى عديم اللون يمتص السموم اللونية بصمت.

لم يخرج منه نور، ولم يتوهج جلده، ولم يظهر حوله أي لون، لكنه بدا أكثر سكينة، كبحيرة تتلقى حجارة كثيرة ولا تفقد صفاءها، وكلما ابتلع سوادا، عادت قطعة من الحجر الشفاف إلى لمعانها الأول.

اعتراف أمام المدينة

اقترب كبير حراس الرئة من سليم، وكان وجهه مخضبا بلون أحمر كاذب صنعته سنوات طويلة من التظاهر بالقوة، وقف أمامه مرتبكا، ثم سأله بصوت مكسور عما يكون.

لم يرفع سليم صوته، بل وضع يده على الجدار المتشقق وقال إنه لا يدري من يكون، لكنه يعرف شيئا واحدا، قال إن المدينة لا تختنق لأنها جائعة إلى اللون، بل لأنها شبعت من الكذب.

ساد صمت لم تعرفه كروموس من قبل، كان صمتا بلا لون، ومع ذلك شعر الناس أنه أصدق من كل مهرجاناتهم، وأدفأ من كل الوردي الذي صنعوه باسم الحب وهم لا يحبون.

في قلب الرئة الكبرى

دخل سليم إلى قلب الرئة الكبرى، حيث كانت الأنابيب الفضية سوداء كعروق محترقة، كان المكان ينبض ألما، وكأن المدينة كلها تحبس صرخة طويلة لا تجد طريقها إلى الخارج.

هناك رأى الألوان الحقيقية القديمة محبوسة تحت طبقات الزيف، رأى ورديا صغيرا من أم سهرت بجوار طفلها، وأزرق صافيا من رجل بكى وحده كي لا يثقل على أحد، وذهبيا نادرا من يد سامحت بعدما استطاعت الانتقام.

جلس سليم وسط العتمة، وأغلق عينيه، لم يحاول أن يطلق لونا كما طلبوا منه طوال عمره، بل فعل الشيء الوحيد الذي كان يتقنه، اتسع من الداخل، وترك فراغه يستقبل كل السموم، وكل الحزن المصطنع، وكل الحب المزيف، وكل الغضب الذي لم يكن إلا خوفا متنكرا.

شفاء كروموس

مع الفجر الذي لا تملكه كروموس، أضاءت المدينة من الداخل، لم يكن الضوء ورديا ولا أزرق ولا أحمر، بل كان صفاء شفافا جعل كل لون يعود إلى أصله، وكل حجر يتنفس ببطء، وكل قلب يخجل من أقنعته القديمة.

خرج سليم من الرئة الكبرى شاحبا، لكن عينيه كانتا أكثر حياة من كل مصابيح المدينة، لم يهتف الناس فورا، فقد كان الخجل أثقل من التصفيق، وكانت الحقيقة الجديدة تحتاج إلى صمت طويل كي يفهموها.

ثم تقدمت امرأة وبكت دون أن تحاول تجميل حزنها، فصعد منها أزرق صاف خفيف، تنشقته المدينة كجرعة ماء، وبعدها ضحك طفل لأنه فرح حقا، لا لأن أحدا أمره بذلك، فارتفع أصفر صغير دافئ.

تعلمت القلوب أن تتنفس

في الساحة نفسها، أمسك رجل غاضب بيد خصمه، وارتجف صوته وهو يحاول الاعتراف بما يخفيه، خرج من صدره لون أحمر باهت لكنه نقي، لا يحرق ولا يسمم، وفهم الناس أن الصدق لا يحتاج إلى وهج عظيم كي يكون حقيقيا.

لم يعد سليم عديم اللون في عيونهم، ولم يصبح ملكا ولا نبيا ولا صاحب معجزة معلنة، صار طبيب كروموس الصامت، يمر في شوارعها فلا يترك خلفه أثرا مرئيا، لكن الجدران كانت تلمع بعد مروره كأنها تذكرت كيف تكون نقية.

وفي ساحة الرئة الكبرى، أزال الناس سوق الأقنعة، وزرعوا مكانه حديقة من زجاج شفاف، كانوا يجتمعون فيها لا ليمثلوا الفرح أو الحزن، بل ليتعلموا الصدق البطيء، ذلك الصدق الذي لا يضيء دائما، لكنه يمنع الظلام من التحول إلى سم.

لون الفراغ

أدركت كروموس أخيرا أن المشاعر ليست وقودا ينتزع بالقوة، وأن القلب حين يجبر على التلون يمرض، لم تعد المدينة تطلب من سكانها أن يضحكوا كي تشتعل مصابيحها، ولا أن يبكوا كي تمتلئ أنابيبها باللون.

أما الفراغ الذي خافوا منه طويلا، فقد اتضح أنه أوسع من ألوانهم كلها، كان مساحة بيضاء لا تنكر الألم ولا تزيف الحب، بل تمنح كل شعور حقه في أن يولد نقيا، ثم يصعد خفيفا نحو رئة المدينة.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.