لم تكن كروموس تعرف الشمس، ولم تكن تحتاج إليها؛ فقد كانت سماؤها قبةً من زجاج أسود، تتنفس من تحتها أبراج المدينة ألوان البشر كما تتنفس الرئة الهواء.
كل ضحكةٍ كانت تترك خلفها خيطاً وردياً رقيقاً، وكل غضبةٍ تقذف في الأزقة شرارةً حمراء قاتمة، وكل حزنٍ ينساب أزرق ثقيلاً كالمطر الذي نسي كيف يسقط.
لكن في تلك الليلة، لم تتنفس كروموس كما اعتادت.
كانت الأبراج تسعل ألواناً فاسدة، والطرقات تلمع بوهج مريض، والمدينة التي عاشت قروناً على مشاعر سكانها بدأت تختنق، بينما كان الفتى الوحيد الذي لا يملك لوناً يسير في عتمتها كأنه الجواب الذي تأخر الجميع عن سماعه.
كروموس المدينة التي لا تشرق عليها شمس
كانت كروموس مبنيةً من حجرٍ شفاف، لا يعكس الوجوه بقدر ما يعكس ما تخفيه الصدور.
فإذا مر عاشقٌ قرب الجدران، تورّدت الحجارة كخدٍّ خجول، وإذا عبر رجلٌ غاضب، ارتجفت النوافذ بلونٍ أحمر يترك في الهواء طعماً معدنياً لاذعاً.
في وسط المدينة ارتفع برج عظيم يسمونه الرئة الكبرى، تمتد منه أنابيب فضية إلى البيوت والأسواق والمعابد، تمتص الألوان المتطايرة من مشاعر السكان وتحولها إلى دفء ونور وحركة.
لم يكن أحد يسأل من أين تأتي الطاقة؛ كانوا فقط يبتسمون، يغضبون، يبكون، ثم يشاهدون ألوانهم تصعد كقرابين يومية.
قانون اللون الأول
كان القانون الأقدم في كروموس يقول من لا لون له، لا مكان له.
لم يُكتب هذا القانون على حجر أو معدن، بل كُتب في النظرات، في صمت الأمهات حين يمر الأطفال المختلفون، وفي طريقة ابتعاد الناس عن كل من لا يترك أثراً في الهواء.
ولهذا، حين وُلد سليم ولم ينبعث من بكائه أي لون، انطفأت القاعة حوله.
انتظر القابلات خيطاً أزرق من الخوف، أو وردياً من دفء الحياة، أو حتى رمادياً من الارتباك، لكن الهواء ظل صافياً بشكل مخيف، كأن الطفل لم يشعر بشيء، أو كأن شعوره أعمق من أن يراه أحد.
سليم عديم اللون
كبر سليم في أطراف كروموس، حيث تنتهي الشوارع المضيئة وتبدأ الأزقة التي لا يصلها إلا بقايا الألوان.
كان يمشي بين الناس فلا يترك خلفه إلا فراغاً شفافاً، فيتوقف الأطفال عن اللعب، وتشد الأمهات أبناءهن إلى صدورهن، كأن العدوى تسكن جلده.
لم يكن سليم قاسياً ولا بارداً كما ظنوا.
كان يشعر بكل شيء، لكن مشاعره لا تتبخر في الهواء.
كان الحب داخله بحراً صامتاً، والحزن كهفاً عميقاً، والغضب جمرةً محبوسة لا تبحث عن دخان.
بائعة الأقنعة
في السوق الكبير، كانت امرأة عجوز تبيع أقنعةً صغيرة من زجاج ملوّن، يضعها الناس على وجوههم في المناسبات ليطلقوا ألواناً أبهى.
قناع للفرح، قناع للحزن النبيل، قناع للغيرة، وقناع للحب السريع الذي لا يحتاج قلباً.
وقفت العجوز أمام سليم ذات مساء وقالت بصوتٍ يشبه احتكاك الورق الجاف أنت لا تحتاج قناعاً يا فتى، وهذا ما يخيفهم منك.
نظر إليها سليم طويلاً، فرأى حولها ضباباً بنفسجياً باهتاً، لكنه لم يكن صادراً عن قلبها، بل عن الأقنعة المعلقة خلفها كثمارٍ مسمومة.
حين بدأت الألوان تفسد
في البداية، ظهرت الشقوق صغيرةً فوق جدران الرئة الكبرى.
ثم بدأت المصابيح تخفق كقلوبٍ مذعورة، وتحوّل الورد المتصاعد من العشاق إلى لونٍ لزجٍ يميل إلى الرماد، أما الأحمر المنبعث من الغضب فصار يترك على اللسان مرارة الدخان.
صار الناس يضحكون أكثر من اللازم، يبكون أمام المرايا، ويتشاجرون في الساحات ليغذوا المدينة بما يكفي من اللون.
لم يعد أحد يشعر كما ينبغي؛ كانوا يؤدون المشاعر كما يؤدي الممثل دوره، وكانت كروموس تبتلع هذا الزيف حتى امتلأت عروقها بالسم.
المرض في الرئة الكبرى
في ليلة الاحتفال السنوي بتجدد الطاقة، اجتمع السكان حول البرج، وأطلقوا ألوانهم دفعةً واحدة.
ارتفعت سحب وردية وحمراء وزرقاء وبنفسجية، لكن بدلاً من أن تضيء السماء، التصقت بالقبة السوداء كقيحٍ متوهج.
ثم دوّى صوتٌ عميق من قلب المدينة، لا يشبه الانفجار ولا الرعد، بل يشبه أنين مخلوقٍ ضخم طُعن في صدره.
انطفأت الأزقة، تشققت النوافير، وبدأت الرئة الكبرى تسعل غيوماً سوداء تتلوى فوق الرؤوس.
الفتى الذي ابتلع السم
ركض الناس في كل اتجاه، إلا سليم.
لم يعرف لماذا بقي واقفاً، لكن شيئاً داخل صدره انفتح كنافذةٍ على ليلٍ نقي.
حين اقتربت منه أول سحابة سوداء، لم تلسعه ولم تخنقه، بل انجذبت إليه كأنها وجدت موطنها الأخير.
تراجع الحشد في رعب، بينما أخذ جسد سليم يمتص السموم اللونية.
لم يخرج منه نور، ولم يتوهج جلده، لكنه صار أكثر هدوءاً، كبحيرةٍ تتلقى حجارة كثيرة ولا تفقد صفاءها.
كلما ابتلع سواداً، عادت قطعة من الحجر الشفاف إلى لمعانها الأول.
اعتراف المدينة
اقترب كبير حراس الرئة، وكان وجهه مخضباً بلونٍ أحمر كاذب صنعته سنوات من التظاهر بالقوة.
قال بصوتٍ مكسور ماذا تكون؟
أجابه سليم وهو يلمس الجدار المتشقق لا أدري.
لكنني أعرف أن المدينة لا تختنق لأنها جائعة إلى اللون، بل لأنها شبعت من الكذب.
ساد صمتٌ لم تعرفه كروموس من قبل.
كان صمتاً بلا لون، ومع ذلك شعر الناس أنه أصدق من كل مهرجاناتهم، وأدفأ من كل الوردي الذي صنعوه حباً وهم لا يحبون.
شفاء كروموس الأخير
دخل سليم إلى قلب الرئة الكبرى، حيث كانت الأنابيب الفضية سوداء كعروقٍ محترقة.
هناك رأى الألوان الحقيقية القديمة محبوسةً تحت طبقات الزيف؛ وردياً صغيراً من أمٍ سهرت لطفلها، أزرق صافياً من رجلٍ بكى وحده، وذهبيّاً نادراً من يدٍ سامحت بعدما استطاعت الانتقام.
جلس سليم وسط العتمة، وأغلق عينيه.
لم يحاول أن يطلق لوناً كما طلبوا منه طوال عمره، بل فعل الشيء الوحيد الذي أتقنه اتسع.
ترك فراغه الداخلي يستقبل كل السموم، كل الحزن المصطنع، كل الحب المزيّف، كل الغضب الذي لم يكن إلا خوفاً متنكرًا.
ومع الفجر الذي لا تملكه كروموس، أضاءت المدينة من الداخل.
لم يكن الضوء وردياً ولا أزرق ولا أحمر، بل صفاءً شفافاً جعل كل لونٍ يعود إلى أصله، وكل حجرٍ يتنفس ببطء، وكل قلبٍ يخجل من أقنعته.
المدينة تتعلم التنفس من جديد
خرج سليم من الرئة الكبرى شاحباً، لكن عينيه كانتا أكثر حياةً من كل مصابيح كروموس.
لم يهتف الناس فوراً؛ فقد كان الخجل أثقل من التصفيق.
ثم تقدمت امرأة وبكت دون أن تحاول تجميل حزنها، فصعد أزرق صافٍ خفيف، تنشقته المدينة كجرعة ماء.
بعدها ضحك طفلٌ لأنه فرح حقاً، لا لأنهم أمروه بذلك، فارتفع أصفر صغير دافئ.
ثم أمسك رجلٌ غاضب بيد خصمه وارتجف صوته، فخرج من صدره لونٌ أحمر باهت لكنه نقي، لا يحرق ولا يسمم.
لون الفراغ
لم يعد سليم عديم اللون في عيونهم، ولم يصبح ملكاً ولا نبياً ولا صاحب معجزة معلنة.
صار طبيب كروموس الصامت، يمر في شوارعها فلا يترك خلفه أثراً مرئياً، لكن الجدران كانت تلمع بعد مروره، كأنها تذكرت كيف تكون نقية.
وفي ساحة الرئة الكبرى، أزال الناس سوق الأقنعة، وزرعوا مكانه حديقةً من زجاج شفاف.
كانوا يجتمعون فيها لا ليمثلوا الفرح أو الحزن، بل ليتعلموا الصدق البطيء، ذلك الصدق الذي لا يضيء دائماً، لكنه يمنع الظلام من التحول إلى سم.
لقد أدركت كروموس أخيراً أن المشاعر ليست وقوداً يُستخرج بالقوة، وأن القلب حين يُجبر على التلوّن يمرض.
أما الفراغ الذي خافوا منه طويلاً، فقد كان أوسع من ألوانهم كلها؛ مساحةً بيضاء لا تنكر الألم ولا تزيف الحب، بل تمنح كل شعورٍ حقه في أن يولد نقياً، ثم يصعد خفيفاً نحو رئة المدينة, الجمل الذي كان يخاف من كثبان الرمل حكاية نجود مع المسرح الذهبي المخيف من هنا.
