ليلة استيقظت فيها الصحراء، لم تكن تلك الليلة كغيرها من ليالي الصحراء الصامتة، فقد بدت الرمال وكأنها تئن تحت أقدام أفراد البعثة، كما لو أن شيئا عظيما يحاول أن يشق طريقه للخروج من صدرها الرملي العميق.
وقف صلاح الدين فوق كثيب مرتفع، تلسع الريح وجهه بحبيبات رمل ساخنة رغم برودة الليل، بينما علق القمر ضوءه الشاحب فوق الخيام كعين قديمة لا تعرف النوم.
في الأسفل، كانت أجهزة المسح الأرضي ترسم على الشاشات خطوطا مرتجفة، لا تشبه الصخور ولا الكهوف ولا طبقات الرمال المعتادة، كانت هناك هندسة كاملة تحت الأرض، شوارع وأعمدة وقباب وممرات متشابكة كأنها عروق مدينة نائمة منذ الأزل.
قال الدكتور مراد بصوت مبحوح إن هذا مستحيل، فلا وجود لمدينة هنا في أي سجل تاريخي معروف، لكن الرمال، في تلك اللحظة بالذات، انشقت قليلا، وخرج منها هواء بارد يحمل رائحة بخور عتيق وزهور لم تلمس الشمس منذ ألف عام.
البوابة التي لم تفتحها يد بشرية
كان الفجر ما يزال بعيدا حين بدأت الأرض تهتز تحت أقدامهم، لم يكن الاهتزاز عنيفا، بل كان منظما، أشبه بنبض قلب عملاق يستعيد إيقاعه بعد سبات طويل.
تراجع العمال في ذعر، وانطفأت بعض المصابيح، بينما ظل صلاح الدين ثابتا في مكانه، يحدق في الدائرة السوداء التي ظهرت فجأة وسط الرمال، انفرجت الرمال عن درج حجري يهبط إلى عمق غامض، درجاته ملساء محفورة بنقوش دقيقة لرجال يحملون مصابيح ونساء يرفعن وجوههن نحو شمس غائبة.
أما الجدران فكانت تلمع بلون أزرق خافت، كأنها تحتفظ في داخلها بضوء سماء منسية، اقترب صلاح الدين من الحافة فسمع همسا بعيدا لا يأتي من الريح ولا من الرجال خلفه، همسا تردد بلغات متداخلة قبل أن يستقر فجأة في جملة عربية واضحة: من يدخل، لا يعود كما كان.
نزول إلى جوف المستحيل
أصر الدكتور مراد أن يرافقه صلاح الدين وحده في رحلة النزول الأولى، كان صلاح شابا هادئا واسع العينين، يحمل في داخله شغفا بالآثار لا يخلو من بعض التهور، ولم يكن يبحث عن ذهب أو مجد، بل عن تلك اللحظة التي يلمس فيها الإنسان دليلا يثبت أن التاريخ أعمق بكثير مما دونته الكتب.
كلما هبطا درجة، ازداد الهواء برودة وكثافة، وكانت المصابيح تتذبذب لا بسبب ضعف البطاريات، بل كأن المكان نفسه يمقت الضوء الحديث، وعلى عمق بعيد، انتهى الدرج إلى قوس حجري هائل، تعلوه عبارة منقوشة بحروف لم يعرفها صلاح الدين، لكنه فهم معناها كأنها زرعت في رأسه منذ زمن: هنا تسكن المدينة التي رفضت الموت.
دفع الدكتور مراد البوابة بيد مرتعشة فلم تتحرك قيد أنملة، وقبل أن يتراجعا، سالت قطرة دم من إصبع صلاح الدين إثر خدش صغير أصابه من حافة حجرية حادة، وما إن لامست القطرة عتبة البوابة حتى ارتجفت النقوش، وانفتح القوس بصوت عميق يشبه زفرة كائن كان محبوسا طويلا.
مدينة لا تعرف الغروب
وراء البوابة لم يجدا قبرا ولا أطلالا، بل مدينة كاملة تتنفس بهدوء، امتدت أمامهما شوارع مرصوفة بحجر أبيض، تتدلى فوقها فوانيس مضيئة بلا نار، وتنساب بين البيوت قنوات ماء صافية تعكس سماء غير موجودة أصلا، كانت هناك حدائق تحت الأرض، أشجارها فضية الأوراق، وثمارها تشع بلون الكهرمان الدافئ.
وفي وسط المدينة ارتفع برج دائري عظيم، يدور حول نفسه ببطء شديد، وعلى قمته ساعة ضخمة بلا عقارب، همس الدكتور مراد قائلا إن هذا مستحيل، لا يمكن أن يكون هذا المكان حيا، لكن الجواب جاءهما من خلفهما، بصوت امرأة هادئ وحاد في آن: بل أنتم الذين جئتم من عالم ميت.
التفت صلاح الدين فرأى امرأة ترتدي ثوبا طويلا بلون الرمل المبلل، وعلى جبينها حجر أخضر يلمع كعين قط، لم تكن المرأة خائفة من الغرباء، بل بدت كأنها كانت تنتظرهم منذ زمن طويل.
أهل المدينة الواقفون بين لحظتين
قادتهما المرأة عبر السوق الكبير، حيث جلس الناس في أماكنهم كتماثيل حية لا تكتمل حركتها، بائع يرفع ميزانا ولا ينزله، طفل يمد يده نحو ثمرة ولا يقطفها، عجوز تفتح فمها بكلمة لم تكتمل قط، كانوا أحياء بلا شك، فعيونهم ترمش ببطء شديد، لكن الزمن من حولهم كان متجمدا كقطرة عسل معلقة.
قالت المرأة إن اسمها نائلة، وإن المدينة تدعى أرمان، وقد دفنت تحت الرمال يوم حاول ملوكها الهروب من حرب عظيمة، لم يهربوا بالمكان فقط، بل بالزمن نفسه، فقد صنع كهنتهم ساعة عظيمة حبست المدينة في لحظة واحدة، فلا تشيخ ولا تموت ولا تصل إليها جيوش الخارج.
سألها صلاح الدين إن كان ذلك خلاصا حقيقيا، نظرت نائلة إلى الناس الجامدين وقالت بصوت خافت إن الخلاص الذي لا يسمح لك بأن تكمل حياتك ليس خلاصا، بل قفص من ذهب.
السر الذي أيقظ الصراع
لم تمض ساعات حتى أدرك صلاح الدين أن دخولهم لم يكن محض صدفة، فالمدينة بدأت تتحرك من حولهم، عادت الأصوات المحبوسة في الحناجر كأنها تخرج من قاع بئر عميق، وازدادت سرعة المياه في القنوات، وأطلقت الساعة التي بلا عقارب رنينا معدنيا هائلا جعل الجدران ترتجف بعنف.
ظهر رجال مسلحون من ممرات جانبية، يرتدون دروعا قديمة، وعلى وجوههم ملامح غريبة، نصفها يقظة ونصفها حلم، تقدم قائدهم واسمه أزهر، بعينين قاسيتين كحجري صوان، وأشار إلى صلاح الدين قائلا إن دمه هو الذي فتح البوابة، وإذن فدمه يستطيع أن يكسر الساعة أيضا.
تراجع الدكتور مراد مذعورا، أما صلاح الدين فشعر أن المدينة كلها تنظر إليه في تلك اللحظة، لم يعد مجرد عالم آثار شاب، بل صار مفتاحا بشريا لصراع لم يفهم جذوره بعد.
عرض النجاة وثمنها
أخبره أزهر أن أهل أرمان انقسموا منذ قرون طويلة، ففريق يريد كسر الساعة والعودة إلى الزمن الطبيعي، حتى لو مات كثيرون فورا تحت وطأة السنين المؤجلة، وفريق آخر يريد إبقاء المدينة كما هي، لأن الموت الحقيقي في نظرهم أهون من الفناء المفاجئ.
قال أزهر إنه حين تتحرر المدينة، ستعود أرواحهم إلى مجراها الطبيعي، وقد يموتون نعم، لكنهم سيموتون أحرارا، أما نائلة فاعترضت بحدة قائلة إنه ليس أداة في حربهم، وإن كسر الساعة دفعة واحدة سيحول نصف السكان إلى غبار قبل أن يتمكنوا من الصراخ.
نظر صلاح الدين إلى الوجوه من حوله، وجوه معلقة بين الرجاء والرعب، رأى طفلا يرمش ببطء شديد، وأما تحاول الوصول إليه منذ مئات السنين ولا تستطيع، عندها فهم أن البقاء قد يكون أحيانا شكلا آخر من أشكال الهلاك البطيء.
مطاردة في شوارع الزمن
لم ينتظر أزهر موافقة صلاح الدين، بل أمر رجاله بالقبض عليه فورا، دفعته نائلة داخل زقاق ضيق تفوح منه رائحة المطر، رغم أن المدينة لم تعرف المطر قط في تاريخها، ركضا بين البيوت البيضاء، وخلفهما وقع أقدام الجنود يضرب الأرض كطبول حرب مكتومة الصوت.
كانت الشوارع تتبدل من حولهما بلا منطق، ممر يقود إلى ساحة ثم يعود فجأة إلى المكان نفسه، وباب يفتح على جسر، وجسر ينتهي عند جدار زجاجي يرى صلاح الدين خلفه لقطات من الماضي، أطفالا يضحكون، وملكا يوقع أمرا، وكهنة يرفعون أيديهم نحو الساعة العظيمة.
صرخ صلاح الدين وهو يلهث متسائلا كيف يمكن الهروب من مدينة تتحكم بالوقت نفسه، أجابته نائلة دون أن تلتفت إليه إنهما لن يهربا منها، بل سيصلان إلى قلبها قبل أن يصلوا هم.
البرج الذي يأكل الأعمار
وصلا أخيرا إلى البرج الدائري في وسط أرمان، وكانت جدرانه تنبض كجلد كائن حي، في الداخل صعدا سلما حلزونيا تحيط به وجوه منحوتة تفتح أعينها عند مرورهما بها، وكل درجة كان يصعدها صلاح الدين كانت تسحب من جسده شيئا خفيا، تعبا أو ذكرى أو خوفا دفينا.
عند القمة، وجد الساعة العظيمة معلقة في فراغ أزرق، بلا عقارب، بل بقلب حجري أسود يدور في مركزها، كان القلب يمتص الضوء من حوله، وفي داخله رأى صلاح الدين صورا متداخلة للمدينة عبر عصورها المختلفة، كأن الزمن كله يصرخ في داخله.
قالت نائلة له بلهجة حاسمة ألا يكسر الساعة، بل أن يغير مسارها فقط، حدق بها صلاح الدين بدهشة وسألها كيف يفعل ذلك، فأجابته وهي تضع في يده خنجرا صغيرا من البلور أن يفعل ذلك بدمه، وبقرار لا رجعة فيه.
لحظة الاختيار الأخيرة
وصل أزهر ورجاله إلى القمة قبل أن يتمكن صلاح الدين من فعل أي شيء، رفع قائد الجنود سيفه، وعيناه تلمعان بجنون الحرية المؤجلة، وكان يؤمن أنه ينقذ مدينته حتى وهو يدفعها نحو موت جماعي محقق.
اندفع أزهر نحو القلب الحجري، لكن صلاح الدين سبقه وغرس الخنجر البلوري في كفه دون تردد، سال الدم على البلور ثم على قلب الساعة، فاشتعل المكان كله بضوء أبيض خاطف، لم تتحطم الساعة كما توقع الجميع، بل بدأت تدور ببطء، وظهرت فوقها عقارب رقيقة كخيوط الفجر الأولى.
اهتزت المدينة بأكملها، وسقط الناس على ركبهم في الشوارع، لا كتماثيل تنهار، بل كبشر يستعيدون وزن الحياة من جديد، الطفل الذي ظل يمد يده نحو الثمرة أمسكها أخيرا، والأم وصلت إليه وبكت، وكان بكاؤها أول صوت حقيقي تسمعه أرمان منذ قرون طويلة.
نهاية المدينة وبداية أهلها
لم يعد الزمن دفعة واحدة، بل بدأ يسير برحمة، كطبيب يوقظ مريضا من نوم طويل بحذر، بعض الوجوه شاخت قليلا، وبعض الأجساد ضعفت، لكن المدينة لم تتحول إلى مقبرة كما خشوا جميعا، لقد منحهم صلاح الدين ما لم يستطع ملوكهم منحه إياهم، فرصة حقيقية للحياة لا خلودا زائفا.
وقف أزهر صامتا، وقد انطفأ الغضب في عينيه تماما، أسقط سيفه على الأرض وقال بصوت مكسور إنه كان يريد أن يحررهم فقط، أجابته نائلة أن الحرية لا تولد من ذعر، بل من رحمة تعرف متى تفتح الباب في الوقت المناسب.
مع بزوغ شمس الصحراء فوق العالم الخارجي، صعد صلاح الدين والدكتور مراد من الدرج الحجري عائدين إلى عالمهما، خلفهما، لم تعد البوابة قبرا ولا فخا، بل صارت ممرا بين زمنين مختلفين، وعندما التفت صلاح الدين للمرة الأخيرة، رأى نائلة تبتسم من بعيد، قبل أن تغلق الرمال المدخل برفق، كأنها تحفظ السر لا تدفنه إلى الأبد.
ما لا تقوله الرمال
عاد صلاح الدين إلى سطح الصحراء وفي يده ندبة صغيرة لا يراها أحد، لكنها كانت أعمق من كل الآثار التي درسها طوال حياته، لقد تعلم أن الزمن ليس عدوا دائما، وأن الخوف من النهاية قد يدفع الإنسان أحيانا إلى سجن نفسه داخل بداية لا تكتمل أبدا.
أما مدينة أرمان، فلم تعد أسطورة مدفونة تحت الرمال، بل صارت همسا يسكن الريح ويتنقل مع كل عاصفة، وكلما مر المسافرون ليلا فوق تلك الصحراء، قال بعضهم إنهم يسمعون ضحكة طفل، ووقع خطوات في سوق بعيد، ورنين ساعة بدأت أخيرا تتعلم معنى الحياة الحقيقية.
فالخلود بلا حركة موت مؤجل لا أكثر، والحياة رغم كل هشاشتها، تظل أجمل لأنها تمضي وتستمر ولا تتوقف عند لحظة واحدة إلى الأبد.
