مدينة تحت الرمال حين استيقظ الزمن المدفون في قلب الصحراء

الراوي
0

حين تنفّست الصحراء، لم تكن الصحراء صامتة تلك الليلة؛ كانت تئنّ تحت أقدام البعثة كما لو أن شيئاً عظيماً يحاول الخروج من صدرها الرملي.

رواية مدينة تحت الرمال قصة حين استيقظ الزمن المدفون في قلب الصحراء

وقف صلاح الدين فوق كثيب مرتفع، والريح تلسع وجهه بحبيبات ساخنة رغم برودة الليل، بينما كان القمر يعلّق ضوءه الشاحب فوق الخيام كعينٍ قديمة لا تنام.

في الأسفل، كانت أجهزة المسح الأرضي ترسم خطوطاً مرتجفة على الشاشات، خطوطاً لا تشبه الصخور ولا الكهوف ولا طبقات الرمال.

كانت هناك هندسة كاملة تحت الأرض؛ شوارع، أعمدة، قباب، وممرات متشابكة كعروق مدينة نائمة.

قال الدكتور مراد بصوت مبحوح:

هذا مستحيل، لا توجد مدينة هنا في أي سجل تاريخي.

لكن الرمال، في تلك اللحظة، انشقت قليلاً، وخرج منها هواء بارد يحمل رائحة بخور قديم، وزهور لم ترَ الشمس منذ ألف عام.

البوابة التي لم تفتحها يد بشرية

كان الفجر ما يزال بعيداً حين بدأت الأرض تهتز تحت أقدامهم.

لم يكن الزلزال عنيفاً، بل كان منظماً، كنبض قلب عملاق يستعيد إيقاعه بعد سبات طويل.

تراجع العمال في ذعر، وانطفأت بعض المصابيح، بينما ظل صلاح الدين ثابتاً، يحدق في الدائرة السوداء التي ظهرت وسط الرمال.

انفرجت الرمال عن درج حجري يهبط إلى عمقٍ غامض.

كانت درجاته ملساء، محفورة بنقوش دقيقة لرجال يحملون مصابيح ونساء يرفعن وجوههن نحو شمس غائبة.

أما الجدران، فكانت تلمع بلون أزرق خافت، كأنها تحتفظ بضوء سماء منسية.

اقترب صلاح الدين من الحافة، فسمع همساً بعيداً لا يأتي من الريح ولا من الرجال خلفه.

كان الهمس يتردد بلغات متداخلة، ثم استقر فجأة في جملة عربية واضحة:

من يدخل، لا يعود كما كان.

نزول إلى جوف المستحيل

أصر الدكتور مراد على أن يرافقه صلاح الدين وحده في النزول الأول.

كان صلاح شاباً هادئاً، واسع العينين، يحمل في داخله شغفاً بالآثار لا يخلو من التهور.

لم يكن يبحث عن الذهب أو المجد، بل عن تلك اللحظة التي يلمس فيها الإنسان دليلاً على أن التاريخ أعمق مما كتبته الكتب.

كلما هبطا درجة، أصبح الهواء أبرد وأكثر كثافة.

كانت المصابيح تتذبذب، لا بسبب ضعف البطاريات، بل كأن المكان نفسه يكره الضوء الحديث.

وعلى عمقٍ بعيد، انتهى الدرج إلى قوس حجري هائل، تعلوه عبارة منقوشة بحروف لم يعرفها صلاح الدين، ومع ذلك فهم معناها كأنها زُرعت في رأسه:

هنا تسكن المدينة التي رفضت الموت.

دفع الدكتور مراد البوابة بيد مرتعشة، لكنها لم تتحرك.

وقبل أن يتراجع، سالت قطرة دم من إصبع صلاح الدين، إثر خدش صغير أصابه من حافة حجرية.

ما إن لامست القطرة عتبة البوابة حتى ارتجفت النقوش، وانفتح القوس بصوت عميق يشبه زفرة كائن محبوس.

مدينة لا تعرف الغروب

وراء البوابة لم يجدوا قبراً ولا أطلالاً، بل مدينة كاملة تتنفس.

امتدت أمامهم شوارع مرصوفة بحجر أبيض، تتدلى فوقها فوانيس مضيئة بلا نار، وتنساب بين البيوت قنوات ماء صافية تعكس سماءً غير موجودة.

كانت هناك حدائق تحت الأرض، أشجارها فضية الأوراق، وثمارها تشعّ بلون الكهرمان.

وفي وسط المدينة ارتفع برج دائري عظيم، يدور حول نفسه ببطء، وعلى قمته ساعة ضخمة بلا عقارب.

قال الدكتور مراد هامساً:

لا يمكن، لا يمكن أن يكون هذا حياً.

لكن الجواب جاء من خلفهما، بصوت امرأة هادئ وحاد:

بل أنتم الذين جئتم من عالم ميت.

التفت صلاح الدين، فرأى امرأة ترتدي ثوباً طويلاً بلون الرمل المبلل، وعلى جبينها حجر أخضر يلمع كعين قط.

لم تكن تبدو خائفة من الغرباء، بل كأنها كانت تنتظرهم منذ زمن طويل.

أهل المدينة الواقفون بين لحظتين

قادتهما المرأة عبر السوق الكبير، حيث جلس الناس في أماكنهم كتماثيل حية.

بائع يرفع ميزاناً ولا ينزله، طفل يمد يده نحو ثمرة ولا يقطفها، عجوز تفتح فمها بكلمة لم تكتمل.

كانوا أحياء، عيونهم ترمش ببطء شديد، لكن الزمن حولهم كان متجمداً كالعسل.

قالت المرأة إن اسمها نائلة، وإن المدينة تُدعى أرمان، وقد دُفنت تحت الرمال يوم حاول ملوكها الهروب من حرب عظيمة.

لم يهربوا بالمكان فقط، بل بالزمن نفسه؛ صنع كهنتهم ساعة عظيمة حبست المدينة في لحظة واحدة، فلا تشيخ ولا تموت ولا تصل إليها جيوش الخارج.

سألها صلاح الدين:

وهل كان ذلك خلاصاً؟

نظرت نائلة إلى الناس الجامدين، وقالت بصوت خافت:

الخلاص الذي لا يسمح لك أن تكمل حياتك، ليس خلاصاً، بل قفص من ذهب.

السر الذي أيقظ الصراع

لم تمضِ ساعات حتى أدرك صلاح الدين أن دخولهم لم يكن صدفة.

فالمدينة بدأت تتحرك.

الأصوات التي كانت محبوسة في الحناجر عادت كأنها تخرج من قاع بئر، والمياه في القنوات ازدادت سرعة، والساعة التي بلا عقارب أطلقت رنيناً معدنياً هائلاً جعل الجدران ترتجف.

ظهر رجال مسلحون من ممرات جانبية، يرتدون دروعاً قديمة، وعلى وجوههم ملامح غريبة؛ نصفها يقظة ونصفها حلم.

تقدم قائدهم، وكان اسمه أزهر، بعينين قاسيتين كحجري صوان.

قال أزهر وهو يشير إلى صلاح الدين:

دمه فتح البوابة، إذن دمه يستطيع كسر الساعة.

تراجع الدكتور مراد مذعوراً، أما صلاح الدين فشعر بأن المدينة كلها تنظر إليه.

لم يعد مجرد عالم آثار شاب، بل مفتاحاً بشرياً لصراع لم يفهم جذوره بعد.

عرض النجاة وثمنها

أخبره أزهر أن أهل أرمان انقسموا منذ قرون.

فريق يريد كسر الساعة والعودة إلى الزمن الطبيعي، حتى لو مات كثيرون فوراً تحت وطأة السنين المؤجلة.

وفريق آخر يريد إبقاء المدينة كما هي، لأن الموت الحقيقي في رأيهم أهون من الفناء المفاجئ.

قال أزهر:

حين تتحرر المدينة، ستعود أرواحنا إلى مجراها، قد نموت، نعم، لكننا سنموت أحراراً.

أما نائلة فاعترضت بحدة:

هو ليس أداة في حربك، إن كسرت الساعة دفعة واحدة، سيتحول نصف السكان إلى غبار قبل أن يصرخوا.

نظر صلاح الدين إلى الوجوه حوله؛ وجوه معلقة بين الرجاء والرعب.

رأى طفلاً يرمش ببطء، وأماً تحاول الوصول إليه منذ مئات السنين ولا تستطيع.

عندها فهم أن البقاء قد يكون أحياناً شكلاً آخر من أشكال الهلاك.

مطاردة في شوارع الزمن

لم ينتظر أزهر موافقة صلاح الدين.

أمر رجاله بالقبض عليه، فدفعته نائلة داخل زقاق ضيق تفوح منه رائحة المطر، رغم أن المدينة لم تعرف المطر قط.

ركضا بين البيوت البيضاء، وخلفهما وقع أقدام الجنود يضرب الأرض كطبول حرب مكتومة.

كانت الشوارع تتبدل حولهما.

ممر يقود إلى ساحة، ثم يعود فجأة إلى المكان نفسه.

باب يفتح على جسر، وجسر ينتهي عند جدار زجاجي يرى صلاح الدين خلفه لقطات من الماضي؛ أطفال يضحكون، ملك يوقع أمراً، كهنة يرفعون أيديهم نحو الساعة.

صرخ صلاح الدين وهو يلهث:

كيف نهرب من مدينة تتحكم بالوقت؟

قالت نائلة دون أن تلتفت:

لا نهرب منها، بل نصل إلى قلبها قبلهم.

البرج الذي يأكل الأعمار

وصلا إلى البرج الدائري في وسط أرمان، وكانت جدرانه تنبض كجلد حي.

في الداخل، صعدا سلماً حلزونياً تحيط به وجوه منحوتة تفتح أعينها عند مرورهما.

كل درجة كان يصعدها صلاح الدين تسحب من جسده شيئاً خفياً؛ تعباً، ذكرى، أو خوفاً دفيناً.

عند القمة، وجد الساعة العظيمة معلقة في فراغ أزرق، لا عقارب لها، بل قلب حجري أسود يدور في مركزها.

كان القلب يمتص الضوء من حوله، وفي داخله رأى صلاح الدين صوراً متداخلة للمدينة عبر عصورها، كأن الزمن كله يصرخ داخله.

قالت نائلة:

لا تكسرها، غيّر مسارها فقط.

حدق بها صلاح الدين بدهشة.

وكيف أفعل ذلك؟

أجابته وهي تضع في يده خنجراً صغيراً من البلور:

بدمك، وبقرار لا رجعة فيه.

لحظة الاختيار الأخيرة

وصل أزهر ورجاله إلى القمة قبل أن يتمكن صلاح الدين من فعل شيء.

رفع قائد الجنود سيفه، وعيناه تلمعان بجنون الحرية المؤجلة.

كان يؤمن أنه ينقذ مدينته، حتى وهو يدفعها نحو موت جماعي.

اندفع أزهر نحو القلب الحجري، لكن صلاح الدين سبقه وغرس الخنجر البلوري في كفه.

سال الدم على البلور، ثم على قلب الساعة، فاشتعل المكان بضوء أبيض خاطف.

لم تتحطم الساعة، بل بدأت تدور ببطء، وظهرت فوقها عقارب رقيقة كخيوط الفجر.

اهتزت المدينة كلها.

سقط الناس على ركبهم في الشوارع، لا كتماثيل تنهار، بل كبشر يستعيدون وزن الحياة.

الطفل الذي ظل يمد يده نحو الثمرة أمسكها أخيراً، والأم وصلت إليه وبكت، وكان بكاؤها أول صوت حقيقي تسمعه أرمان منذ قرون.

نهاية المدينة وبداية أهلها

لم يعد الزمن دفعة واحدة، بل بدأ يسير رحيماً، كطبيب يوقظ مريضاً من نوم طويل.

بعض الوجوه شاخت قليلاً، وبعض الأجساد ضعفت، لكن المدينة لم تتحول إلى مقبرة كما خافوا.

لقد منحهم صلاح الدين ما لم يستطع ملوكهم منحه فرصة لا خلوداً.

وقف أزهر صامتاً، وقد انطفأ الغضب في عينيه.

أسقط سيفه على الأرض، وقال بصوت مكسور:

كنت أريد أن أحررهم.

أجابته نائلة:

والحرية لا تولد من ذعر، بل من رحمة تعرف متى تفتح الباب.

مع بزوغ شمس الصحراء فوق العالم الخارجي، صعد صلاح الدين والدكتور مراد من الدرج الحجري.

خلفهما، لم تعد البوابة قبراً ولا فخاً، بل ممراً بين زمنين.

وعندما التفت صلاح الدين للمرة الأخيرة، رأى نائلة تبتسم من بعيد، قبل أن تغلق الرمال المدخل برفق، كأنها تحفظ السر لا تدفنه.

ما لا تقوله الرمال

عاد صلاح الدين إلى سطح الصحراء وفي يده ندبة صغيرة لا يراها أحد، لكنها كانت أعمق من كل الآثار التي درسها في حياته.

لقد تعلّم أن الزمن ليس عدواً دائماً، وأن الخوف من النهاية قد يدفع الإنسان إلى سجن نفسه داخل بداية لا تكتمل.

أما مدينة أرمان، فلم تعد أسطورة تحت الرمال، بل صارت همساً يسكن الريح.

وكلما مرّ المسافرون ليلاً فوق تلك الصحراء، قال بعضهم إنهم يسمعون ضحكة طفل، ووقع خطوات في سوق بعيد، ورنين ساعة بدأت أخيراً تعرف معنى الحياة.

فالخلود بلا حركة موتٌ مؤجل، والحياة، بكل هشاشتها، تظل أجمل لأنها تمضيحكاية النهر السماوي الذي ابتلع كوابيس الأطفال من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد